أخبار عاجلة

محمد البساطي: نحو سردية مغايرة لكائنات الظلّ

-1-
 ينتمي محمد البساطي (1937-2012م) إلى جيل الستينيات في القصة والرواية المصرية الذي يضم كلا من بهاء طاهر، وجمال الغيطاني، وخيري شلبي، وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ويوسف القعيد، لكنه يختلف عنهم في بعض التصورات الخاصة بالكتابة القصصية. فلم يكن معنيا – مثل غيره من أبناء جيله- بفلسفة أو تاريخ أو اجتماع الرواية، حيث كان البعض منهم يحتفي بضخّ المقولات الفلسفية والاجتماعية في الكثير من القصص والروايات سواء في إطار البحث عن كتابة قصصية واقعية أو رمزية أو حتى تسجيلية جديدة. لكن البساطي كان أقربهم إلى طريقة إبراهيم أصلان الهادئة، الماكرة، في العناية بتكثيف المشهد السردي، كما كان أكثرهم براعة في كتابة رواية محبوكة أو قصة متقنة تبدأ من لا شيء، خصوصا إذا استعرنا عبارات بيرسيلوبوك في كتابه الشهير «صنعة الرواية The Craft of Fiction».
 لم تكن قصص البساطي ورواياته معنيةً بجدل النظريات الفلسفية والاجتماعية والسياسية أو مناوشة السرديات الكبرى، بل كانت منشغلةً بالأساس بطبيعة الإنسان المصري والعربي وجوهره المتخم بالتناقضات والارتباكات واللاتحديدات، أقصد إلى انشغال كتابته بإنسان الظلّ في جوهره، شبابه وشيخوخته، فوضويته ومثاليته، حياته وموته، سجنه وحريته، ذكورته وأنوثته، قرويته ومدنيته،.. إلخ. لقد كان البساطي يمتلك راويا سبق أن وصفناه1 بأنه يمتلك عدّة بلاغية من العيار الثقيل، راوِ مخيف من حيث قدرته على الحكي المتدفّق المتوالد كانثيال ذاكرة شهرزاد في (ألف ليلة وليلة)، كما كان يمتلك أيضا ماكينة سردية متجددة على الدوام، مقاومة للصدأ وعوامل التعرية.
إن من يتأمّل مشروع البساطي السردي الذي بدأ بمجموعته القصصية الأولى (الكبار والصغار- 1968م)، ثم تتابعت الأعمال متسارعةً حتى بلغت أربع عشرة رواية هي (التاجر والنقاش-1976، المقهى الزجاجي والأيام الصعبة [روايتان في كتاب واحد]- 1978، بيوت وراء الأشجار- 1993، صخب البحيرة- 1994، أصوات الليل- 1998، ويأتي القطار- 1999، ليالٍ أخرى- 2000، أوراق العائلة- 2003، الخالدية- 2004، دق الطبول- 2005، فردوس 2007، جوع- 2007، أسوار- 2008)، فضلا عن تسع مجموعات قصصية هي (الكبار والصغار- 1968، حديث من الطابق الثالث- 1970، أحلام رجال قصار العمر- 1979، هذا ما كان- 1987، منحنى النهر- 1990، ضوء ضعيف لا يكشف شيئا- 1993، ساعة مغرب- 1996، محابيس- 2002، الشرطي يلهو قليلا- 2003)،.. أقول إن من يتابع مسار هذه الإصدارات المتلاحقة سوف يدرك أن هناك بعض العلامات البارزة في مسيرته القصصية التي يمكن اختزالها فيما يأتي:
– أولى هذه العلامات جمالية، أقصد إلى كون بعض النصوص قد مثّلت انحرافا جماليا واضحا في كتابة البساطي، ودشّنت لوجوده على خارطة الإبداع القصصي المصري والعربي بقوة. ويأتي على رأس هذه النصوص مجموعته القصصية المهمة (منحنى النهر- 1990) التي أكّدت رسوخ سرديته القصصية كواحد من كتاب القصة العرب المتميزين، ثم تأكّدت قيمة هذا الانحراف الفنّي والمغايرة الجمالية التي أحدثتها روايته الأثيرة (صخب البحيرة- 1994) التي يمكن اعتباره بداية لانفجار سردي عبّرت عنه رواياته اللاحقة. وكلاهما – «منحنى النهر» و«صخب البحيرة» – نص يتحرك على جمالية عالم البحيرة النائي، ويقيم سرديته على تمثيل وضعية كائنات الظلّ وتصوير عالم المهمشين والإنصات إلى أصواتهم الواهنة، فضلا عن استلهامه جمالية القصة القصيرة المكثّفة المشحونة بتوتّرات ناعمة وأساليب لغوية متجددة ومثيرة.
– ثاني هذه العلامات زمنية، أقصد إلى كون البساطي قد استطاع أن ينجز جلّ مشروعه الأثير ببراعة ومهارة لافتة بعد تقاعده، أي بعد بلوغه الستين، على عكس أبناء جيله الذين حققوا شهرتهم قبل هذا السن. لقد أنجز البساطي في الخمس عشرة سنة الأخيرة وحدها – أي بعد بلوغه الستين من عمره – تسع روايات ومجموعتين قصصيتين. أي أنه أصدر ما مجموعه أحد عشر كتابا في خمسة عشر عاما، أي تقريبا بمعدل منتظم هو كتاب كل عام.
– ثالث هذه العلامات نوعية، حيث لا تتجاوز كل رواية من روايات البساطي، بداية من (صخب البحيرة) على وجه التحديد، حدود المائة صفحة، إما فوقها أو تحتها بقليل. لقد عثر البساطي– وهو كاتب قصة قصيرة بامتياز على حدّ اعترافه في بعض شهاداته القليلة جدا: «القصة بيتي، مهما تعدّدت زياراتي للرواية» – على سرديته المكتنزة في هذه الحدود من الصفحات الضيقة والمشاهد السردية المضغوطة التي تستعين بجماليات النوفيللا (الرواية القصيرة)، إلى الدرجة التي يمكن لبعض النقاد من خلالها إعادة درس رواياته عبر هذا المنظور الجمالي والرؤيوي.
ربما يكون من المفارقات اللافتة للنظر في حياة البساطي أنه قد أغلق على نفسه جيدا، فلم يكتب المقال ولا المذكرات الصحافية، ولا الأعمدة اليومية التي تزدحم بها الدوريات العربية هنا وهناك، كما اعتاد أن يفعل الكثيرون من أبناء جيله والأجيال اللاحقة، فلم يكتب سوى القصة والرواية، بل يمكن القول، مع بعض الاحتراز، إن أغلب قراءاته قد انصبّت – كما كان يصرّح هو نفسه بينه وبين أصدقائه – على القصة والرواية تحديدا وبعض فنون الأدب الأخرى، حيث كان مفتونا بقراءة السرد في كل تجلياته عربيا وعالميا. وعلى الرغم من ذلك كله، كان البساطي جادًّا في مواقفه السياسية المصرية والعربية، حادًّا في آرائه النقدية، خصوصا تجاه مؤسسة الدولة المصرية البائدة وأجهزتها البيروقراطية كافة، فضلا عن موقفه الحاد من المدّ الأمريكي والغزو الصهيوني. وكانت ردود أفعاله تتجلّى دائما عبر الكتابة والكتابة وحدها – إذا استعرنا عنوان الكتاب الشهير «الإمبراطورية تردّ بالكتابة The Empire writes back» – حيث كان يفاجئ قرّاءه دائما بإصدار رواية أو مجموعة قصصية جديدة هنا أو هناك.
-2-
يبدأ النقد الأدبي حركته انطلاقا من فنّ «القصة»، أما علم التاريخ فينتهي إليها. وفي مجال التاريخ يتقدم التحليل على القصة، أما في ممارسة النقد فإنه يتبعها. وهذا يعني أن ما يكون بالنسبة إلى التاريخ نهايةً للنشاط المعرفي سوف يكون بالنسبة إلى النقد بداية العملية العقلية. وإذا حَكَم النقد التاريخي على سرد زمني بسيط، على سبيل المثال، بأنه سرد دقيق فإنه لا يعامل حينئذ بوصفه مجرد حكاية بل بوصفه مصدرا لمعطيات يمزجها المؤرخ بمهارة أو يعيد مزجها بمعطيات أخرى في سلسلة أو متوالية جديدة. وهذه الإعادة (أو السرد أو الوصف أو أي إطار توضيحي آخر) لمزج المعطيات في سلسلة جديدة هي التي تصنع التاريخ. وهنا ينبغي أن نفرّق بين السرد التاريخي والسرد الحكائي. فالحدث الماضوي الذي يحكيه (أو يسرده) التاريخ لا يخضع للمعايشة اللحظية أو المعاينة الفعلية الآنية وإنما هو حدث تنتظم موتيفاته طبقا لمبدأ التذكّر الذي هو مبدأ استرجاعي تشتغل عليه الذاكرة الإنسانية سواء كانت ذاكرة فردية أو جمعية. ومع ذلك، فكل نص تاريخي يدّعي أن ما يقوم به المؤرّخ – في لحظة التأريخ «الآن وهنا» – هو استحضار يشبه استحضار الموتى والأشباح، بحيث يكون مطابقا للحدث المعيش في الماضي، الأمر الذي يَسِم خطابه في هذا المضمار بطابع الجزم والصدق. وعلى هذا، تقوم علاقة المؤرخ بالقارئ على أساس من استراتيجية الإقناع والتدليل بالحجة.
 ليس التاريخ، أي تاريخ، نصا مقدسا قطعي الدلالة والثبوت، بل هو مادة حكائية يتم سردها من وجهة نظر بعينها، قابلة للنقض والمراجعة والبرهان، في حين أن السرد الحكائي الخيالي هو استحضار متخيَّل لحدث ماضٍ، وخطابه هو محض زعم وافتراء، والأدب في نهاية المطاف ضرب من ضروب الكذب واللعب. أما قارئ الأدب فيعرف جيدا، منذ البداية، أن ما يقرأه هو مجرد خيال، وبذلك لا تقوم علاقة الأديب بالقارئ على أساس الحجاج العقلي والإقناع بل على أساس المواءمة بين عالم النص المتخيّل وعالم القارئ الواقعي.
 إن ما تهدف إليه هذه الدراسة هو تحليل الاستراتيجيات أو الأساليب أو الحيل الفنية التي تعاملت بها رواية البساطي وقصصه مع مفهوم «التاريخ» تعاملا ينهض على استنطاقه ومحاورته في ضوء العلاقة الجدلية التي تتفاعل من خلالها الرواية المصرية الجديدة مع الكثير من المقولات التي تتردد في فضاء السرديات الكبرى عن التحرير والتنوير والسلام والعدل والأبوة والهوية والقومية والوطنية، وغير ذلك من مقولات تنتجها جماعات وأنماط بشرية مفترضة أطلق عليها بندكت أندرسن اسم «الجماعات المتخيلة»2. لقد كان أندرسن يقصد بذلك أن مجرد إطلاق شخص أو مجموعة أشخاص عبارة أو شعارا موجّها من قبيل «مصر للمصريين» أو «بترول العرب للعرب» أو «إفريقيا للأفارقة» أو «الهند للهنود»، بهدف استثارة مشاعر الهوية السوداء أو الحمراء أو النزعة الأفريقية أو النعرة القومية العربية لدى بعض الجماعات التي تشترك معهم في الإرث التاريخي أو الحضاري أو الديني، يمكن أن يتحقق له الكثير من عوامل النجاح في أن يجتمع تحت لواء أمثال هذه الشعارات أناس شتّى قادمون من أطراف العالم مدفوعون بدافع الهوية أو الإثنية. لكنها في حقيقة الأمر «هوية سردية»3 لا تتحقق إلا بممارسة السرد، رغم تحولات الزمان والمكان. وعبر ممارسة هذه المرويات وتناقلها وذيوعها وهجرتها تتحقق الثقافة التي يعيش كل البشر في فضائها. فالتاريخ العربي بصفة عامة، والمصري بصفة خاصة، لا يسير – في أغلب هذه المرويات التي تنتمي إلى كتّاب الستينيات والسبعينيات – صعودا إلى الأمام باتجاه خير البشرية، كما تفترض السرديات الكبرى أو كما تزعم السرديات الجليلة، إنما هو تاريخ تعتريه انقطاعات وحذوفات وفجوات والتواءات ومنحنيات كثيرة تجعل السردية العربية المعاصرة تنكفئ على همومها وقضاياها المحلية وتدخل في نفق طويل ينتهي بها إلى ما يمكن وصفه بأنه «أفول السرديات العربية الكبرى».
 وبعيدا عن السرديات الكبرى أو المرويّات الجليلة، فقد احتفت سردية البساطي بطبقات الظلّ من فقراء ومهمّشين وعائشين على الضفاف وأرامل وأيتام وعجائز وعوانس، وكل من كانوا يحيون على حوافّ المجتمعات ويقتاتون على فتاتها. لقد تحوَّل راوي البساطي في كثير من رواياته كـ«الخالدية» و«أصوات الليل» و«ليال أخرى» و«جوع» و«فردوس» و«دقّ الطبول»، وغيرها، من راوٍ محايد أو راوٍ كان يدّعي الحياد في أغلب رواياته وأعماله الباكرة، منذ روايته الأولى (التاجر والنقّاش)، مرورا بـ(المقهى الزجاجي) و(الأيام الصعبة) و(بيوت وراء الأشجار) و(صخب البحيرة)، إلى راوٍ هجَّاء ساخر حدّ السخرية السوداء، متورِّط تماما في التهكّم من تراتبية زائفة ينهض عليها مجتمع مفكَّك ومفتَّت وعبثي إلى أقصى حدّ.
-3-
3-1 أصوات الليل (1998):
سردية الأرامل
في (أصوات الليل) ثمة صورة سردية كبرى لعجائز على عتبات البيوت وبجوارهم عصيّ طويلة يطردون بها ما يقترب منهم من قطط وكلاب، وهم مستغرقون في غفوة وقد تهدّلت أفواههم الخالية من الأسنان. كما سوف نرى أيضاً جماعة – من بينهم الراوي – تراقب الحاج بسيوني (الوجه الآخر للحاج شلبي في قصة «مبارزة» من مجموعة «ساعة مغرب»4) حين كان يأتي وحده على خمسين حجراً من الحشيش، ثم يعود لامرأته ممتلئا بحنين الذكر المتعطّش لفيض الأنثى. يضعنا محمد البساطي، منذ مفتتح روايته «أصوات الليل»، بصدد حكايات كثيرة ينتظمها راوٍ- شخصية، أقصد إلى «الخالة بدرية»5 المرأة العجوز ذات الوعي، المتاهة، التي يتزامن في ذاكرتها الحاضر والماضي. وحكاياتها كلها استرجاعية غالباً. وعبر عيني الخالة بدرية، أيضاً، سوف نرى هنيدي، صانع أقفاص الجريد أو هو العريس الصغير، كما تسميه الخالة بدرية، ونرقب تلك اللحظات الطفولية، أو نستقبل لقاء حسنين عوض ببدرية، الفتاة اليانعة، في الحقول، أو نرى محمود العكر عاشق الأتن حين يلجأ إلى بدرية، الملاذ، في نهاية حياته. يحدث كل هذا بينما هلال وبدوي لا يزالان يغمسان غابتيهما في مياه الترعة ثم يرفعانهما حتى تسيل منهما قطرات المياه التي يرتطم صوتها بصمت ذاكرتيهما العميقتين. عندئذ، يخوضان في حكايات عن أهل البلدة، وعن العكر، وعن حسنين عوض وغيرهم، وحتى بدرية التي يضمر هلال حبا لها في نفسه، سوف يخوض في حكاياتها عن العكر الذي يبيت عندها، وتقضي له حاجاته. ويبقى الحاج بسيوني إطاراً للرواية، واصلة البدء بالمعاد، أو هو علامة الزمن النصىّ، إذ تُفتتح به الرواية في فتوّته وعنفوانه، وتختتم به أيضا بعد حروب كثيرة أدركها أهل البلدة وأدركها العجائز جيداً وبخاصة الأرامل منهم.
 تستحوذ مثل هذه الحكايات الكثيرة المتشعبة معظم بناء الرواية (من مشهد 4 إلى مشهد 12). غير أن ثمة إشارات زمنية تحيل دائماً إلى زمن مرجعي يسكن خلف الحكايات جميعها. فالخالة بدرية، أرملة حرب 1948، اعتادت في الثامن عشر من كل شهر أن تذهب لقبض معاشها، ولا تزال تمارس عادتها طوال نصف قرن (زمن الكتابة هو عام 1998). كما أن توالي القطارات التي تصل البلدة بالمركز هو توالٍ لأزمنة متصلة، متتابعة، منذ زمن القطار الفرنساوي (1948 وما بعدها) إلى زمن القطار السريع (1956 وما بعدها) وقبلهما بالطبع كانت العربات الكارو (ما قبل 1948). ولسوف يختزل هذا التوالي، أو ذاك التتابع، المسافة المقطوعة من البلدة إلى المركز من ساعة وربع إلى نصف ساعة فقط، وهو وجه آخر لتصاعد معاش الأرامل من جنيه ونصف أيام القطار الفرنساوى الذي كانت إحدى عرباته تحوي بين جنباتها خمساً وثلاثين امرأة لا يجاوز عمر أكبرهن سبعة وعشرين عاماً، حتى يبلغ ستة جنيهات كاملة، ثم يقفز إلى أربعة عشر جنيها ونصف حين تمتلئ عربة القطار السريع (أو ما بعده من قطارات)، وربما يملأن عربتين، (ما بعد 1973). علامات شتى وإشارات متواترة تضرب دائماً على وتر الزمن المفقود، المتحول، وتصل حروباً ببعضها، أو تجمع بين أرامل متباعدات، من حيث الزمان والمكان والبيئة، في سياق عربة قطار واحدة بُنيّة اللون.
 تجسد رواية (أصوات الليل)تحولاً لسلطة الزمن الأبدية: زمن الإنسان وزمن الأشياء. فكل من الحاج بسيوني، وهلال وبدوي، وفاضل، وحسنين عوض، وحتى محمود العكر، وغيرهم كثيرمن الشخصيات، فعلوا ما شاؤوا، وواجهوا الزمن قدر ما استطاع. شربوا وغنّوا، حكوا واستمتعوا، رووا ورُوِىَ لهم، هاجروا وعادوا، ذاقوا لذة القرب ومرارة القهر والحرمان، غير أنه في النهاية تحول بهم- وبهن- فعل الحكي ذاته من فتوة إلى شيخوخة، ومن زمن الأربعينيات أو الخمسينيات حتى زمن السبعينيات وما بعده، حيث معاش الخالة بدرية بلغ أربعة عشر جنيهاً ونصف، واستُبدِلت بعربات الكارو التي كان الأرامل يركبنها في ذهابهن إلى المركز، غداة فجر الثامن عشر من كل شهر، عربات القطار الفرنساوي ثم القطار السريع.
يسقط الحاج بسيوني في المصلّى، ويموت فاضل دون أن يبلغ شيئا من بدرية سوى إصبع من يدها ينفذ من شيش الشباك بعد ثلاثين سنة من الغزال الصريح من وراء حجاب، ويرحل حسنين عوض دون عودة، ويموت محمود العكر تحت وطأة سلطة ابنه الأكبر والأكثر انفعالاً وحدة، ولا يبقى بعد ذلك كله سوى هلال وبدوي (الوجه الآخر لعفيفي وكراوية اللذين ماتا مع نهاية رواية «صخب البحيرة»)، من حيث هما علامة على صمود الإنسان إزاء سلطة الزمن القدري، يبقيان معادلاً لفعل الحكي الأثير، وتبقى معهما أيضاً- وربما قبلهما – الخالة بدرية، تلك الشخصية المركزية التي تمثل بؤرة للسرد، إذ تنبثق من ذاكرتها الحكايات. تبقى بدرية، بما هي سرّة هذا العالم الروائي، ومنبع الحكي، عفيّةً رغم معاصرتها تحولات شتى وحروباً متعددة، حتى تبلغ تظاهرات الطلبة بعد ذلك بسنوات «لا تعرف عددها»(ص144). 
3-2 ليالٍ أخرى (2000):
سردية مدينة المتاهة:
في روايته (ليال أخرى) تبئّر الرواية على شخصية واحدة رئيسة هي «ياسمين» التي لا نعرف اسمها إلا في (ص52)، وهي فتاة جميلة تخرجت في كلية الآداب بقسم الاجتماع، ويقترب عمرها من الثلاثين، وتعمل بمركز الفنون الشعبية بميدان عرابي، وتسكن بميدان باب اللوق، في زمن السبعينيات. تسكن ياسمين بالقاهرة، منذ التحاقها بالجامعة وإقامتها بالمدينة الجامعية، فهي – «الآن وهنا» مع نهاية المروية – تحمل خبرة بعالم المدينة يبلغ زمنها ست سنوات بعد حصولها على الشهادة الجامعية (ص28)، أي مقدار عشر سنوات من الحياة القاهرية وهى بنت البلدة الريفية النائية. إن دال «ليالٍ أخرى» يتناص مع سردية «ألف ليلة واليلة» في تواتر حكاياتها وتوالدها بطريق سيالة، تنتقل بنا من فضاء شخصية إلى أخرى، ومن حكاية إلى حكاية ثانية في تقنيتها التي تعتمد التسلسل والتكاثر. لكننا في النهاية نلمس حضوراً أساسيا لشخصية ياسمين ذات الولع بكل ما هو ثقافي أو أنتروبولوجي، في كل مشهد من مشاهد الرواية.
 تحيل فواصل الرواية، أو عناوينها الأربعة، (صباحاً، ظهراً، مساء، ليلا) إلى تداخلها بطريقة تخلق فضاء زمانياً يبلغ يوماً واحداً من حياة ياسمين، يتصل الفصلان الأولان منها بمركز الفنون الشعبية الذي تعمل به ياسمين وعلاقتها بكل من عبد العزيز المثقف الثوري اليساري الذي يعمل بالتحقيقات بإحدى المصالح الحكومية، وعبدالعظيم الشاب المصري الإيطالي الذي يدرس بالجامعة الأمريكية، وزوج ياسمين لمدة عامين فقط، وقاسم شاعر العامية المحبط، وعزمي رجل الأعمال الصاعد مع مد الانفتاح الأهوج، في حين يحيل الفصلان الآخران إلى علاقاتها بكل من سليمان عوض المصور الذي ارتبط بعالم الساسة والنجوم وعمل بالتلفزيون لفترة طويلة، والرجل الخليجي الثري (إبراهيم) الذي كان يظنها عاهرة فحاول اصطيادها (ص145). تبدأ الرواية بمشهد جنائزي ترصد فيه البنت ياسمين ذات السنوات الست تشييع جنازة أبيها بالبلدة، بينما النسوة الأخريات: «يحدقن إليها. تلمح إعجاباً في عيونهن (…) يقدمن لها باقة من الزهور البرية ألوانها زاهية، تشمها. تقول أن لا رائحة لها». (ص7). 
سوف يتم تداعي هذا المشهد ضمناً داخل الرواية، أو لنقل بدقة داخل ذاكرة ياسمين بعيدة المدى. لكن الدلالة الناتجة عن وضع اسم «ياسمين» من حيث هو دال يحيل إلى نوع من الزهور جميل الشكل فواح الرائحة، بجوار ما مُنِحَتْ إياه ياسمين من زهور برية، من قبل النسوة من أهل بلدتها، تومئ إلى مفارقة حادة بين الاسم والمسمى، أو بين ياسمين الزهرة المتفتحة ذات العطر، وياسمين الفتاة جميلة الشكل فحسب، لكنها مسلوبة الرائحة والقيمة ومضطربة الوعي. لقد تفتَّح وعي ياسمين الفتاة ذات السنوات الست على عبارات وإيماءات سمعتها وأدركتها من أهالي البلدة، تومئ كلها إلى علاقات قديمة كانت بين أبيها وأمها قبل زواجهما. فالأب قد تزوج بداية من الخالة سكينة النحيفة، وأنجب منها طفلين (توأم)، ثم تصاعدت علاقته الغرامية بأخت زوجه (أم ياسمين فيما بعد)، تلك «الصبية الجميلة ذات البشرة البيضاء الناعمة، والخدين الموردين والصدر النافر المرح يترجرج في مشيتها، وضفيرة الشعر الطويلة تلفها حول رأسها» (ص32)، الأمر الذي يؤول إلى مضاجعتها وطلاق الخالة سكينة والزواج منها. 
من هنا، تتجاوز علاقة ياسمين بأخويها (محمد ومحمود) مستوى الأخوّة فحسب، لتصبح مصدرا لعالم الأنوثة والشبق الطفولي، إذ كانا يخلعان عنها ملابسها وهما صغيران، يتأملان جسدها، وأحياناً «يفرقان شعرها من المنتصف ويضفرانه» (ص 36). حتى وهما كبيران كان يأتيانها في المدينة الجامعية، على فترات متباعدة، وكل منهما شغوف بأن يحكي لها ما حدث بالبلدة قبل أخيه، يضحكان ويحكيان، «ويميلان عليها يقبّلان خديها» (ص56)، ويتسابقان إلى نوال القرب منها. وبالمدينة الجامعية أيضاً، تفتّح وعيها على زميلتها سوسن أو «سوسن الدكر»، كما عُرِفت بين زميلاتها، إذ كانت تعامل ياسمين بدلال ولهفة ذكورية سعت معها إلى إقامة علاقة مثلية رفضتها ياسمين بتردّد، غير أن سوسن قد نجحت في صنع علاقة شبيهة مع نوال التي كانت تتبعها أينما ذهبت. تتسع الرؤية أكثر إذا وضعنا في اعتبارنا علاقتها بعبد العظيم الذي أجَّج نيران شبقها المتوارية، وظل متزوجاً منها لعامين، تركها في أوج اشتعالها الأنثوي، خاضعاً لمنطقه العقلي الصارم الذي فضّله على حبها له، وسافر إلى أبويه، ولم يبق لها منه سوى بعض الخطابات التي انقطعت فيما بعد. من هنا، تصبح شخصية ياسمين أشبه بأنثى ممسوسة، محمومة بالشبق دائماً، مازوخية، أدركت سر غوايتها، وراحت تضرب على هذا الوتر في عنف. ولم ينج من شبقها المميت أحد ممن اتصل بها، بدءا بعبد العزيز الثوري الذي لم يستطع قديماً إقامة علاقة حميمة مع تلك البنت التي كانت تأتيه حين كان طالباً بالثانوية العامة، دون أن ينظر حتى إليها. يُقتل عبدالعزيز في نهاية الرواية، مثل سابقيه تماماً (قاسم، عزمي، سليمان عوض، إبراهيم..)، فالجميع قد نال من شبقها، أو نيل من فحولته على الأدق، حتى كان اتصاله بها سبباً مباشراً لموته، في صباح ليلة الاتصال. المشهد دائماً ليلي، يضيئه شبق أنثوي فائر، وفي الصباح تقرأ ياسمين في الجرائد خبر موته ولا تتعجب. 
 على الرغم من اعتماد بناء هذه الرواية على شخصية ياسمين، فتاة السبعينيات، بوصفها بؤرة للسرد، ورصد عالمها والمحيطين بها من منظور يوم واحد في حياتها ندركه مع بداية كل فصل وقرب منتهاه، فإن السرد، ما بين مبتدأ الفصل ومنتهاه، يغوص في ماضٍ بعيد يتصل بذاكرة ياسمين بالأساس ويسلم مهمة السرد لها أو لمن يتحدث معها. وهنا، يأخذ الرواة المتعددون في سرد (ووصف) أزمنة (وأماكن) قديمة وحديثة، في آن. فعبد العزيز يعاني من الوضع المتردي للوطن، بدءاً من تفاقم الفوضى المعمارية في مدينة القاهرة وعدم الحفاظ على هويتها، حتى سخريته من كبار رجال الدولة وموظفيها. لذا، تكثر اعتقالاته منذ توحيد التنظيمات اليسارية في عام 1958، حتى اضطرابات فترة الانفتاح في السبعينيات وموجة الاعتقالات العشوائية لمفكرين ورجال دين وسياسيين وعجائز وشباب. واللافت للنظر أن عبد العزيز هو أكثر الشخصيات ظهوراً في فضاء الرواية، بعد ياسمين بالطبع، وآخرها موتاً بالمشهد الأخير، فضلاً عن عدم رغبة ياسمين فيه التي قررت أن تتعرّى أمامه، بالمشهد الأخير نفسه، لينال من جسدها وكأنها تؤدي عادة يومية دون إحساس أو توهج. الأمر نفسه يمكن أن ينسحب على قاسم، شاعر العامية الريفي المرتبط بالأرض، والمصور سليمان عوض المتصل بكبار الساسة والنجوم والفنانين، كلهم يموت في النهاية سواء حمل وعياً سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً، موازياً لوعي ياسمين أو مضاداً له. النتيجة واحدة. إنها امرأة «تسير ويتبعها الموت» (ص126)، منتشية وهي تقول في نفسها: «الآن وقد جئتني»(ص119). إنها تمتص ماء الرجال فيرتمون بجوارها لاهثين (ص150). وقد يدعم هذا كونها تحب الروايات البوليسية التي كانت تحرص على قراءتها قبل نومها (ص152)، وبخاصة مشاهد الانتحار كما في رواية تولستوي (آنا كارنينا) (ص124)، لكنها على أية حال شخصية ممسوسة، مضطربة، ذات أبعاد متناقضة، إنسانية حينا، وذات مسحة أسطورية في حين آخر.
 إن زمن الحكاية الأساسي الذي تسرده ياسمين هو عشر سنوات منذ التحاقها بالمدينة الجامعية بعد هجرتها من البلدة، وحتى الآن بعد مرور ست سنوات من العمل بمركز الفنون الشعبية، مشروعها الأثير. لكن الرواية، من ناحية ثانية، تخلق زمناً مرجعياً يتجاوز العشرين عاماً بالنسبة إلى ياسمين، ويختلف مداه مع باقي الشخصيات (عبدالعزيز، قاسم سيلمان،..) وهو زمن يتصل بواقع سياسي مضطرب منذ الخمسينيات، ويبلغ ذروة اختلاله مع حقبة الانفتاح المصري في السبعينيات. 
3-3 الخالدية (2004م):
سردية الخلق:
 لقد كانت الأداة التي استخدمها راوي البساطي في السخرية المرة من تراتبية مجتمعية، مصرية وعربية، زائفة هي أن يسلب هذا ويعطي ذاك، قلبا للأوضاع رأسا على عقب. لذا، فإنه يلقي بنا في فضاء مدينة مختَرَعة في رواية تحمل الاسم نفسه (الخالدية) لم يخلقها سوى وطأة هذا العالم على مخيّلة الكاتب وذاكرته. هي مدينة الخيال، مدينة الفانتازيا، ذات الحكايات التي لا تنفد. ومن بين هذه الحكايات: 
– حكاية يونس رفيق سالم ونوسة جارته التي كانت تسكن أمام شقّته القديمة.
– حكاية إبراهيم العمري الشيوعي القديم من أهالي البلدة (أو البرّ القديم) الذي رآه البعض وسط الجموع أثناء مظاهرات الجوع في العاصمة، وسبق اعتقاله مرّتين، واسمه في قوائم المطلوب ضبطهم وحبسهم لدى المأمور الذي تصعقه مفاجأة موته منذ عشر سنوات وهو لا يزال يبحث عنه بين المقابر، حيث غرّر به أهل البلدة انتقاما من صلفه.
– حكاية المأمور و«المرأة ذات الأظافر الملوّنة» زوجة أحد المتردّدين على المركز من أهل البلدة (برّ المصائب).
– حكاية الحاج فوزي عن اللوحة والبنت التي وهبت للولد الرسّام عذريتها واغتصبته.
– حكاية البنت وأبيها المعلّم الذي كان ينام معها كل ليلة بعد أن يرجع من سهرته وهو «شاربيتخبّطه الشيطان من المسّ».
– حكايات الستّ نجوى التي تتبنّى مبدأ «فتح الزجاجة يكلّف غاليا»، إذ كانت تجمع- أو «تربّي» على حدّ لغة الراوي – الفتيات والنساء «الكتاكيت» من البرّ القديم ثم تؤهّلهم وتطلقهم في فضاء البرّ الثاني حيث نهم ذوي السلطة والنفوذ والمال.
– حكاية الولد الذي راح يبحث عن أخته المفقودة، ولمّا بلغ المركز وجَنَّ عليه الليل أخبره «النوبتجي» بإمكان المبيت في الحجز، فلما دخل أُغلق عليه الباب و«أتاه» المحتَجزون و«النوبتجي» شهوةً من دون النساء.
أما عن حكايات الراوي والمأمور فحدِّث ولا حرج. فقد كانا مثل قطّ وفأر. لكنّ ما يدعو إلى التأمّل والتحليل هو موقف الراوي الذي يصرّ على فضح المأمور دائما، حيث يدلف إليه في فضاء الحكايات ويراقبه دون أن يراه ثم يتلصّص عليه حتى مع زوجته، إلى درجة أن المأمور يشعر به أكثر من مرة ويراه ويهدّده بالقتل، وينجح في نهاية الأمر في واحدة من صراعاتهما المنامية، لكن بعد أن يكون الراوي (سالم) قد فضحه لنا وعرّاه أمامنا وكشف جميع تناقضاته وتردّده الدائم ما بين رغبات «الأنا» ورغبات «السلطة». لكن تظل أغرب حكايات هذا الراوي قاطبة – ولعله يمثل نزوعه الأيديولوجي إلى التضامن مع أهالي البرّ القديم وما يقومون به لمواجهة قسوة الحياة التي استأثر بها سكّان البرّ الثاني- موقفه حين اصطحب رفيقه سالم وراحا يبحثان عن «أبأس عائلة» ليساعداها، فدلّه يونس على واحدة تلو الأخرى، فكان يضع «المظروف» أمام أحد البيوت بعد أن يدقّوا بابه أو يسقطه من بين أسياخ الشباك، إلى أنّ دَلّه يونس على الست سهام التي كانت تعمل في ملهى ليلي ثم ضاقت بها السبل بعد أن بلغت من الكِبَر عِتيّا، فلم تستطع تحمّل وقع المفاجأة عليها وراحت ضحية فرحة كان الزمن قد ضنَّ عليها بها كثيرا.
 تؤكّد هذه الرواية القصيرة على فكرة «الخلق» بأكثر من علامة نصيّة دالّة هنا وهناك، فهي تبدأ بتلك الجملة التوراتية المتكرّرة في «سفر التكوين»: «وكان مساء وكان صباح»، وفي إشارة مرهفة إلى مراحل خلق العالم كما يرسمها صورتها كتاب (العهد القديم). فأول ما خلق الراوي – بوصفه الإنسان الذي هو خليفة الله في الأرض – بعد أن مهّد الأرض وبسطها على «لوح أبلكاش طوله متران وعرضه متر»، خلق «النهر» الذي يقسم المدينة إلى شطرين (أو برّين) مثل كل مدن الصعيد، ثم كان البشر، أهل الخالدية وسكّانها، الذين صاغهم الراوي (سالم) من «صلصال».
 تقع مدينة «الخالدية»- واسمها يتضمّن معنى «الخلود»، والخلود يعني «القِدَم والبقاء» – على ضفّتي نهرٍ كأنه النّيل الذي يقسمها شطرين: الشطر الأول (أو البرّ القديم) بضواحيه وبيوته المتواضعة، عليه غبار السنين الطويلة، هو منشأ المدينة الذي تطوّرت معه فكرة «المأوى» من النوم في العراء إلى الكهوف ثم الأكواخ حتى وصلت إلى العمارات الشاهقة. والشطر الثاني (أو البرّ الحديث) يسكنه رجال الأعمال وكبار التجّار وأصحاب المناصب الكبيرة في «السلطة»، ولا يخلو الأمر من «بعض الشقق إياها»، فلا بأس من وجودها، و«فيلا» قديمة من دورين لونها أبيض هي «مركز شرطة الخالدية» من حيث هو تمثيل لـ«السلطة» في وجهها العسكري الباطش، ومن حيث هو أيضا بؤرة أساسية لكثير من أحداث الرواية.
 وما بين شطري الخالدية القديم والحديث كوبري واسع ومُضيء يصل الضفّتين ويمكن فتحه أيضا عند اللزوم، لا لمرور السفن الشراعية كما يُقال أو كما هو شائع، إذ يسمح ارتفاعه بمرور أي شراع، بل لعزل كل من الضفّتين عن الأخرى وقت الاضطرابات أو الثّورات حسبما يرى ممثّلو السلطة بمركز الشرطة وعلى رأسهم بالطبع «المأمور» الشخصية المركزية في الرواية، بوصفه الوجه الثاني بنـزوعه الشرس القاسي قلبا وقالبا، الذي يقابل «الراوي» الوجه الأول، المركزي، بمعطفه الأثير الذي يشبه «معطف جوجول» بطريقة أو بأخرى، وبنـزوعه الذي يرمي إلى إرساء «العدالة» على أرض الخالدية، لكن مقاليد العالم تتسلّل من بين أصابعه:
«قال إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء..»6.
لقد انفلتت زمام الخالدية من يده وخرجت عن إرادته إلى درجة أننا سوف نُفاجأ في نهاية روايةٍ بيكيتية الحبكة والفكرة، بموت الراوي الأول سالم الذي لم يسلم أبدا من يد المأمور الباطشة وهو يصارعه في أحد «مناماته» الليلية اليومية، رغم محاولته مرارا قتل هذا المأمور أو التخلّص منه بحيل شتّى لا لشخصه الشرس القاسي سريع الغضب فحسب، بل لرمزيته أيضا وما يمثّله من سلطة.
 يحكي الرواية راويان: أحدهما هو الراوي الرئيسي الذي يحكي لنا بضمير الغائب عن شخصيته المحورية (سالم) مراجع الحسابات بمديرية الأمن الذي سعى سعيا حثيثا إلى المضيّ مع اللعبة حتى النهاية. وكان من عادته في بيته أن:
«يسحب مقعدا إلى السطح، ويجلس بركن السور. وفي كل مرة يتعكّر مزاجه ينظر قليلا من مكانه المرتفع، لا يصفو تماما، ولكنه يكون قادرا على التامّل في هدوء» (ص:94).
يختار سالم رجلا اسمه يونس «له اسم أحد الأنبياء وليس له سمتهم» (ص: 11)، موظف صغير بأرشيف وزارة الإسكان، مرتّبه لا يكفي وجبتين في يوم واحد من العيش والفول المدمّس هو وأسرته. اختاره ليشاركه رحلة تحقيق هذا الحلم المجنون أو «اللعبة الجهنمية» بخلق مدينة متخيَّلة لتحقيق حلم الثراء السريع. اختار «سالـمٌ» «يونسَ» (أو: «اختار إله نبيّا ليؤنسه من وحشة وليستكثر به من قلّة»). اصطفاه ليكون مندوب الصرف الخاص بمركز شرطة الخالدية. ولسوف يأخذ يونس الشيك الذي يحرّره له سالم بعد تداوله في مكاتب عدّة يعرفها جيدا بحكم خبرته العريضة حتى يتمّ استخراجه بقيمة خمسة وعشرين ألفا ومائتين وأربعة وثلاثين جنيها كل شهر ليصرفه بعد ذلك من البنك ويحصل على راتب قدره خمسمائة جنيه.
أما الراوي الثاني فهو سالم نفسه الذي يتحدّث بضمير المخاطب دائما موجّها كلامه إلى المأمور منذ المشهد الخامس (ص: 29) حتى نهاية الرواية (ص:120). نحن بصدد لعبة نمضي، أو نتوّحد، أو نتماهى، في كل فصل منها مع سالم وهو راقد على فراشه بعد أن يكون قد أطفأ نور غرفته المنعزلة التي هي غرفة «تخصّ المرء وحده» بالكاد. يضيء سالم الماكيت/العالم (أو: «يكوِّر شمس الغرفة، ويُشعل أجواز السماء ذات البروج»)، ويروح يسرح بمخيلته وبنا، فيتداخل زمان مكان الراوي «الآن وهنا» مع زمانمكان الخالدية: أي أننا ندلف من متخيّل إلى متخيّل أعمق، مثلما يتوالد السرد في (ألف لية وليلة). ولا يقطع هذا السرد إلا لحظات ما بين المشاهد التي يتأمّل فيها سالم الماكيت، أو صندوق الدّنيا، قبل اندماجه أو لقاءاته مع يونس بالمقهى أو استيقاظه من منامه مع تباشير كل صباح، حين يجد نفسه في الحمّام مبتلا عن آخره أو وهو ينـزف بعد أن تكون أنفه قد ارتطمت بالحائط، أو استيقاظنا نحن أيضا من غفوتنا، أو موتتنا الصغرى، على صراخه الذي يوقظ أهل الحيّ الذي يسكن فيه بعد أن يكون قد اندمج مع شخصياته وأصبح واحدا من بينهم، حيث راحوا جميعا يتصارعون (ص: 93). 
لا تخلو الرواية من إشارات متناثرة إلى زمن مرجعي يحيل بعضه إلى حقبة بعينها لا تتجاوز السبعينيات من القرن العشرين، كالحديث عن مظاهرات الجوع في العاصمة، ومحاولات التخلّص من المتظاهرين بفتح الكوبري أثناء عبورهم فوقه، أو قول المأمور لمعاون المباحث ذلك القول المشهور على لسان أحد المسؤولين السابقين بعد أن ضاقت به السبل مع أهل البرّ القديم الذين كانوا يتوارثون الغضب جيلا بعد جيل: «ولِمَ لا تشعل فيها النار، ويمكن تدبير ذلك»، وغير ذلك من إشارات لا تخفى. لكنها الطريقة ذاتها التي كان البساطي يتعامل بها من قبل في رواياته السابقة مع زمن المرجع حين يلمّح ولا يصرّح، بحيث تتحول مدينة الخالدية المفترضة إلى مدينة تجمع بين المتناقضات: المأوى/الطّرد، الثورة/الخيانة، الحداثة/التخلّف، المعقول/اللامعقول. إنها مدينة ليست فاضلة، يمتزج فيها الواقع بالخيال.
-4-
في مثل هذا السياق، قد لا يكون الفارق في التمثيل الثقافي كبيرا بين البساطي وبعض كتاب الستينيات من حيث تعاملهم مع سردياتهم الخاصة مبتعدين عن اجترار مقولات السرديات الكبرى حينا ومصطدمين بها حينا آخر، كما راحت نصوصهم تناوش علاقة الرواية المصرية الحديثة بمفاهيم «التاريخ» و«الواقع» و«الكتابة»، وغير ذلك. لكنّ أهم ما تمتاز به سردية البساطي وتتفرّد، على مدار نصوصه الثلاثة والعشرين، أنها لم تكن سوى سردية قد خلقت لنفسها أسلوبها الخاص الذي يعتمد استراتيجيات التكيثف الدلالي والجمل الحادة المبتورة دون رطان، كما خلقت شخصياتها وأماكنها وأنماطها البشرية المتفرّدة، الأمر الذي أنتج نصوصا قصصية وروائية هي أقرب إلى روح النوفيللا المدهشة التي كرّست نفسها للتعبير عن بلاغة المقموعين والضعفاء والمهمشين وكائنات الظلّ، وغيرهم، ممّن اعتادوا اجترار الصمت والائتناس بالضوء الضعيف الذي قد لا يكشف شيئا. 
هوامش وإحالات:
1- راجع كتابنا: بلاغة الراوي: طرائق السرد في روايات محمد البساطي- سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، عدد 111، أكتوبر 2000م.
2- بندكت أندرسن: الجماعات المتخيلة، ترجمة: محمد الشرقاوي، المجلس الأعلى لللثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1999، ص ص 13-14.
3- بخصوص مفهوم الهوية السردية، انظر: بول ريكور (وآخرون): الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1999، ص ص: 28-30، 54-55، 251-252. 
4- محمد البساطي، ساعة مغرب (قصص)، روايات الهلال، عدد591، مارس1998. وانظر للكاتب مقالا بعنوان: وجوه السرد وتجليّات القهر في ساعة مغربلمحمد البساطي، مجلة «إبداع»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مايو 1998.
5- ثمة علاقات كثيرة تجمع بين الخالة بدرية والخالة فردوس في رواية البساطي الأخرى (فردوس). انظر للكاتب: «صورة الخـالة: من جحيم القهر إلى غواية الاكتشاف: قراءة في رواية (فردوس) لمحمد البساطي»، فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 61- شتاء 2003. 
6- سورة البقرة، آية 30. 

محمد الشحات
ناقد وأكاديمي مصري

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …