أخبار عاجلة

محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة

ولد محمد السرغيني بمدينة فاس سنة 1930، وتابع دراساته العليا بجامعة بغداد ثم بالسوربون،  ليشتغل بعدها أستاذا بكلية الآداب بفاس. وهو يجمع بين الإبداع الشعري إلى جانب الترجمة من الفرنسية (محاضرات في السيميولوجيا) والإسبانية (أغنية القطار الشبح)، وقد أصدرت وزارة الثقافة مؤخرا أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة مجلدات ، كما أنه توج سنة 2012 بجائزة المغرب في فئة الشعر.. ويشكل هذا اللقاء به فرصة للحديث عن تجربته الشعرية الغنية، فهو أحد أبرز رواد التحديث الشعري في المغرب، وأهم علامات التجديد المتواصل والمكذِّب لأسطورة الأجيال الأدبية . 
vv كيف تتخلّق القصيدة لديكم، هل هي تناسل من كلمة أو دندنة بلحن، أم أنّها تتشكّل من تركيب مقاطع تكتب على فترات مختلفة، أم أنّها تبنى على مخطّط سابق للكتابة ؟
قد يكون تناسل القصيدة من كلمة توقظ في الحال ما كان كامناً في اللاّوعي من الهواجس والتذكارات محيلةً عليهما ومحفّزةً على المضيّ في اختراق آفاقهما، وهذا يوافق مرحلة الفهم الوجدانيّ الأوّليّ الضامن للارتماء دون خوف في أحضان المغامرة، مغامرة الانتماء إلى الشعر. وقد تكون الدندنة بلحن يلحّ على الذاكرة لارتباطه بحدث فاعل فيها، منبعث عنها متكاملاً مستوفياً لعناصر الشجى الذي هو بادرة المخاض والطلق والوضع، وهذا يوافق مرحلة رسوخ الفعل الشعري في لاوعي الشاعر على أنّه قَدَرُهُ. وهنا تصبح الفاعليّة الشعريّة على صلة حميميّة بالفنون جميعا تفعل فيها وتتواشج معها. 
وفي مرحلة الإنجاز تتشكّل القصيدة في اللاّوعي بتدرّج شبيه بتدرج نموّ الجنين في الرحم، غير أنّ التشبيه هنا غير تامّ، إذ أنّ تشكّل الجنين خاضع لمعيار زمن ممتدّ التنامي، في حين أنّ تشكّل القصيدة خاضع لمعيار لحظوي بعمر مفاجأة سريعة العبور. وكما يحدث أن يتّخذ هذا الإنجاز جمع مقاطع كتبت في أوقات مختلفة، يحدث أيضاً أن يتّخذ وضع مخطّط سابق تبنى عليه القصيدة، وفي هذه الحالة، لا داعي لإقحام منظور وجدانيّ في صلب إنجاز الفعل الشعريّ، خاصّة إذا كان الشاعر مقتنعاً بضرورة كتابة شعر بكر يتخطّى فيه المنوال والنموذج والانبهار بنصّ رائج.
كلّ هذه الطقوس سبق لي أن مررت منها بتدرّج طبقاً لتطوّر مفهوم الشعريّة في ذهني بسبب محاولة الإلمام بحالة الشعر العامّ بدءاً من الأفق الضيّق الذي أتنفّس هواءه وانتهاءً بالآفاق الأخرى تلك التي أتيح لي التوصّل إليها. كلُّ ذلك عبر مسافة زمنيّة تمتدّ من انطلاق أوّل خطوات المغامرة إلى الآن وعمرها يربو على ستّين سنة. أمّا الآن وبعد هذه الخطوات فيحلو لي أن أعتبر أن القصيدة تتشكّل من «جينات» يحفل رَحِمُ الشاعر بها قادرة على التناسل باطنيّاً وعلى حماية نفسها ذاتيّاً من الانقراض الذي يهددها. هذه «الجينات» منها ما يتغذّى بالعقل الواعي، ومنها ما أساسه العقل الباطن  subconscient le ومنها الدافع إليه الواقع الحيّ أو الواقع المتخيّل يُسْقَطُ أحدهما على الآخر بعفويّة وتلقائيّة، وذلك بإدماج الأبعاد الثلاثيّة للزمن في لحظة واحدة ممّا يسمح لي  بممارسة عمليّتي الاستحضار والإرهاص خارج المعقول وداخل اللامعقول، أو فيما بينهما أو في أحدهما دون الآخر، إذ لا بَدَاءِة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بذريعة إعادة النظر في الأشياء من أجل جعلها منسجمةً مع الصيرورة العامّة وفق مخطّط خاضع لقناعة الشاعر. 
vv قصيدة «وصايا ماموث لم ينقرض» التي اختتم بها الجزء الثالث من أعمالكم الكاملة جاء نصّها مختلفاً في الديوان الذي نشر بعد ذلك وحمل العنوان ذاته. فكيف تنظرون إلى تدخّل الشاعر في النصّ بعد نشره بإعادة كتابته حذفاً أو إضافة ؟
أعتقد أن حياة نصٍّ شعريٍّ سبق نشره في وضع معيّن تستمرّ في نصٍّ آخر نشر بعده ويحمل نفس الاسم وفيه من الحذف والإضافة ما ليس في سابقه. إنّ ذلك راجع إلى استمرار مفعوله في قرارة الشاعر، لذا لا ضير من هذه العمليّة إلاّ إذا كان مفهوم الشعريّة ذا قداسة وجدانيّة، وهو ما يناقض المفهوم المعاصر لشعريّة تقف من هذه الوجدانيّة موقف النقيض من نقيضه. مثل هذا التصرّف قام به «ت. إس. إيليوت» في قصيدته «الأرض اليباب» بعد أن عرضها على الشاعر الأمريكي «إزرا باوند». وقام به غير ما مرّة الشاعر السوريّ «أدونيس». وهكذا فلا تنقطع حياة النصّ بنشره بل تستمرّ في نصوص مقبلة إن بالحرفيّة وإن بمتابعة نفس خطّة النصّ الأوّل، وهذا هو ما يحسّه من يدمن قراءة «محمود درويش» أسلوباً ولغةً ودلالة. لا ضير إذن من هذا التدخّل إذا كان في صالح إكمال الرؤية العامّة التي يهدف النصّ إلى بلورتها. ولعل ما قمت به في «الوصايا» كان راجعاً إلى النفس «الأوطوغرافيّ» للنصّ، ذلك النفس الذي بدا لي غير تامّ في النشر الأوّل، فهو إذن في حاجة إلى تتمّة حين أنجزت أصبحت عملاً شعريّاً كاملاً. هذا وسبق لي أن مارست هذا العمل مرّات متعدّدة وبشكلين اثنين: بشكل إعادة القراءة من أجل تحيين بعض النصوص، وبشكل إعادة كتابها بغير اللغة العربيّة، وهذا ما فعلته بديواني: «فاس من أعلى قمم الاحتيّال». ذاك الذي كتبته بالفرنسيّة ونشرته بنفس العنوان، أي: 
Fès, de la plus haute cime des ruses. 
vv ألا تعتبرون التدخّل اللغوي في بعض إبداعاتكم الشعريّة حينما تجيء بعض المقاطع مكتوبة بالفرنسيّة أو بالإسبانيّة أو بالانجليزيّة عائقاً يمنع القارئ غير العارف بهذه اللغات أو بإحداها من التواصل مع النصّ والإحاطة بانسجاميّته في كامل تشكّلها النصّيّ ؟
من واجب المتلقّي المعاصر الذي قدره في الشعر أكان شاعراً أم مجرّد قارىء للشعر أن يلمّ بأكثر من لغة واحدة إلماماً يسمح له بالاندماج الفعليّ في مسار الشعريّة العامّة التي تتعاون على بنائها اللغات المعاصرة المختلفة جميعها، ممّا يؤهّله لإدماج خصوصيّة ثقافته في عموميّة الثقافة الكلّيّة. بهذا الاحتكاك بين الخاصّ والعامّ لا مجال للتهيّب من كتابة نصّ ثنائيّ اللغة أو ثلاثيّها، بذريعة أن المتلقي يستعصي عليه التواصل مع هذا النصّ المتعدّد اللغة، علماً أن اللغات في هذه اللحظة المعاصرة ميسورة التناول كالمعاني المطروحة في الطريق على رأي الجاحظ. إذا كان هذا القارئ ملحّاً على تحقيق التواصل مع هذا النوع من الشعر، فما عليه إلاّ أن يدين قصوره وأن يعمل على ترميمه، إذ لا يستعصي التواصل وسبل الوصول إلى اللغات الأجنبيّة متوفّرة منذ الدراسة الثانويّة. هذا وهذه التعدّديّة اللغويّة فيما هو كالنصّ الواحد لا تسيء أبداً إلى انسجاميّة هذا النصّ لسبب بسيط هو أن الانسجام الحقّ منصبّ على المحتوى، لأن الشكل لا يراد لنفسه، بل لخدمة هذا المحتوى على عكس المنظور البلاغي القديم المحتفي بالصيّاغة أكثر من احتفائه بالمضامين. قديماً كان بعض شعراء الفرس يكتبون نصوصاً بازدواجيّة لغوية تصل في بعض الأحيان إلى كتابة صدور قصيدة بالفارسيّة وأعجازها بالعربيّة، وإذا علم أنّ «إيزرا باوند» أدخل في بعض قصائده ما كان تعلّمه من بعض اللغات الآسيويّة، وأن «ت.إس.إليوت» أدمج الفرنسيّة واللاتينيّة في قصيدته «أربعاء الرماد»، وأنّ «بابلو نيرودا» أثبت بعض التعابير الفرنسيّة في قصيدته «الغناء العامّ»، وأنّ «خورخي لويس بورخيس» وشّح بعض قصائده الإسبانيّة بجمل من الفرنسيّة أوالأنجليزيّة أوالألمانيّة، إذا علم كلّ هذا فسوف يدرك الإنسان أن الشعريّة المعاصرة معرفة تنهض عليها ثقافة كلّيّانيّة، ولذلك فكلّ إقحامها في فهم وجدانيّ فات أوانه لا مبرّر له اليوم. هنا لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه التعدّديّة مشروعة إذا لم يقصد بها التعالم والتباهي، إذا لم يقصد بها تعجيز المتلقّي وإبهاره، إذا لم يقصد بها ارتكاب الغموض المجّانيّ إخفاءً لضعف النصّ. أليس أنّنا في لغة الخطاب اليوميّ العاديّ نستعمل أكثر من لغة واحدة بعفويّة تامّة؟ ذاك حال الشاعر الذي تتبلور في ذهنه فكرة بغير لغة النصّ فيثبتها كما وردت في ذهنه. أنت الذي تكتب شعراً من اليمين إلى اليسار تساهم في تطوير الشعريّة العالميّة التي تكتب من اليسار إلى اليمين أو التي تكتب باللغة «الإيديوغرافيّة» كاللغة اليابانيّة تكتب عموديّاً من الفوق نزولاً إلى التحت. وبالنسبة إليّ، فقد كنت ولا أزال أعتقد أن العربيّة التي ترعرعت في مناخ أخلاقيّ دينيّ لغة عفيفة (حتى في الذي أثر عنها من قصائد الهجاء المقذع العاري) أربأ بها عن أن تستعمل في مضامين أكثر جرأةً وعراءً وإيروتيقيّةً، لذا أجنح إلى الفرنسيّة التي تستطيع أن تعفيني من هذا الضيق بسبب اتّساع صدرها للتعبير عن مثل هذه المواقف. (حتّى مع نشوئها في إطار لاهوتيّ قبل وبعد عصر الأنوار) وحين يتعلّق الأمر بالاستفادة ممّا يتيحه لي بناء الصوّر من أسماء النباتات المختلفة والحيوانات المتعدّدة أرتكز على ما في اللغتين الفرنسيّة والإسبانيّة من ثراء معجميّ أكان أصله لاتينيا أم غير لاتيني، من كان يدمن قراءة شعر «سان جون بيرس» يدرك ما لمجازاته واستعاراته من عمق مردّه إلى بناء صوره على أساس استغلاله أسماء أحياء البحر من أنواع الأسماك المرجانيّة. ومن كان يدمن قراءة روايات «غبرييل غارسيا ماركيز» يدرك مدى الاستفادة من معجم النباتات والطيور الاستوائيّتين في استقاء الصوّر الأبكار وانعكاسها على قاموس الحياة الحيّة المعاصرة، ذاك الذي نجد عنتاً ونحن نريد التعبير عليه باللغة العربيّة. 
vv ما هي الآفاق التي يمكن للشعر أن يصل إليها في عصر «الأنترنت»، وما هو رأيكم في التجارب الرقميّة التي يخوضها بعض الشعراء ؟
هي آفاق من الاتساع والشمول بحيث يعجز الذهن عن تصوّرها وخاصّة من حيث هذا التواصل الذي تزداد سرعته يوماً عن يوم وتتوسّع وتتواشج بتكاثر وتنوّع الابتكارات المتعلّقة به. لكنّ كلّ ذلك إن ضمن التواصل السريع فإنّه لم يستطع بعد أن يقف في وجه «حضارة الكتاب» المعتمدة على الحبر والورق الصينيّين وأنواع الأقلام من القصبيّ فالخيزرانيّ مروراً بريش الطواويس وانتهاءً إلى قلم الحبر الجافّ وتقنيّة الطباعة المعاصرة، وذلك لسبب بسيط هو أن المكتوب حياته مادّيّة ملموسة، وأنّ «المترنّـت» حياته رهينة بلحظة الاطلاع عليه، تخمد جذوته مباشرة بعد العلم به. على أن هذا لا ينفي أنّ هذا «المترنّت» وسيلة ناجعة لذيوع الصيت وتسهيل مهمّة التعارف بين المبدعين في شتّى تخوم الكون، لكن ما يمكث في أرض الشعر ليس هو الصيت الواسع والتعارف السهل، بل هو ما يمكن أن يقدّم من خدمة ناجزة للفعل الشعريّ على مستوييه العام والخاصّ. تلك مهمّة موكول أمرها إلى شيء آخر غير الصيت والتعارف، مهمة موكولة إلى الفناء في هذا الفعل باعتباره علّة وجود الشاعر، وذلك ما لا يتحقّق إلاّ مع وعبر الكتاب. من عيوب «الأنترنيت» أنّه بالإضافة إلى تسهيل مهمّة النشر السريع فإنّه يقترح على مدمنه في نفس الآن مجالات أخرى بعيدة عن عالم الشعر قريبة من عالم اللهو و«الإيروسيّة». هذا ولا يصحّ أن نسميّ عمليّة النشر «الأنترنيتيّة» التي يخوض غمارها كثير من الشعراء تجربةً رقميّةً لأنّ الرقميّة صفة تقنيّة علميّة إن لامست الأجهزة فهي لا تلامس تجربة الشاعر الذي ينشر شعره عبرها ولا تؤثّر فيها، هي وسيلة لا غاية. إنّها مع ضمانها وسيلة الانتشار تسيء إلى هذا الانتشار نفسه، بسبب أنّها لا تضع معايير تتطلّب توفّر المنشور على الحدّ الأدنى من القيمة الفنيّة لأنها لا تتحكّم في هذا المنشور الذي يتحكّم فيه طالب النشر نفسه.
vv ما ذا عن صلة الشعر بالفنون الأخرى، وبأيّ شكل يمكنه أن يفيدها أو يستفيد منها بحسب تجربتكم كمثقّف مهتمّ بالتشكيل وكفنّان مبدع متعدّد المواهب له إسهامات في المسرح، واهتمام بالموسيقى ؟
لست موسيقيّاً ولا مغنّيّاً ولا ملحّناً، ولم يتقدّم لي كلّ ذلك أو بعضه، إنّما أنا كلفٌ بالموسيقى محبّ لها. من الكلاسيكيّة «رامسكي كورساكوف» ومن الشعبيّة القديمة «الفلامينكو» لأنّ ثراءهما معاً مستوحىً من سحر الشرق وهو حضارتي، ومن «الجاز» كلاًّ من «سيدني بيشيت» و«بيني بينيت» و«لويس أرم سترونغ»، لأن في أنغام هؤلاء بعضاً من إفريقيّتي، ومن الموسيقى الوطنيّة «جيل جيلالة» و«ناس الغيوان» لو لم يسقطا في مهواة الارتجال والارتزاق. أمّا ما عدا ما ذكرته فلا يغريني ولا أجد نفسي فيه. وفيما يتعلّق بالمسرح فأنا أيضاً كلف به وخاصّة منه المسرح الطلائعيّ الذي سبق أن ترجمت عن الإسبانيّة مسرحيّة تحذو حذو هذا الاتّجاه بعنوان: «أغنيّة القطار الشبح أو الحبل المتهدّل» نشرت في الكويت، وهي لـ«فيرناندو أرّابال» لأنّه ازداد في مدينة مليليّة، ولأنّ عبثيّة مسرحه جدّ هادفة على مستوى المسرحة والأسلوب الهازيء العبثيّ وانعكاسهما على إدانة الواقع المهتريء الذي عاشته إسبانيا «الفرانكونيّة». وفي إطار التشكيل فإنّني كنت ولا أزال كلفاً بالتجريد في مختلف اتّجاهاته، وخاصّة منه ما كان ذا صلة باستكناه اللاوعي، من أجل هذا الكلف كتبت بالفرنسيّة كتاباً صغير الحجم عن التشكيل التجريديّ المغربي أشرت فيه إلى اتّجاهاته وأصولها الغربيّة، ومن سوء حظي أن هذا الكتاب طبع مليئا بما لا يحصى من الأخطاء المطبعيّة جعل الفائدة منه غير ميسورة. وبالنسبة إلى السينما فلا أزال إلى الآن كلفاً بسينما الواقعيّة الجديدة الإيطاليّة وبعض ملامحها في إخراج «بينيّيل» الإسبانيّ وخاصة في شريطه «مرحباً بالسيّد الماريشال». أمّا هذه الفورة السينمائيّة الأخيرة في المغرب فلا أكاد ألتفت إليها لأنّ الارتزاق هو ما يحرّكها زيّادة على فقرها في التقاط اللحظات الدالّة في حياة المغرب الذي تنتمي إليه بسبب الفقر المعرفيّ عند أصحابها.
إن العلاقة وشيجة بين الشعر وغيره من الفنون، وتتلخّص في أنّ هذه الفنون رافد  مهمّ من روافد الشعر، رافد بصريّ مع الفنون التشكيليّة والمسرحيّة ورافد غذائيّ مع الموسيقى والسرد الروائيّ والقصصيّ ورافد لغويّ مع الفنون الأدبيّة ورافد فوق لغويّ لأنه إيحائيّ مع السورياليّة (رسماً أو شعراً أو مسرحا) تلك التي تمتح صورها ممّا فوق الواقع. يصحّ إذن أن تكون العلاقة بين الشعر وغيره من الفنون علاقة تابع بمتبوع، لكنّ هذا التابع والمتبوع يتبادلان المواقع حتى ليمكن القول بأنّه لا غنى لأحدهما عن الآخر. نلاحظ أنّنا نتحدّث عن شعريّة التشكيل وشعريّة الموسيقى وشعريّة السرد الروائيّ والقصصيّ وشعريّة المسرح كتابةً وتشخيصاً وعرضاً وإنارةً وديكوراً.
vv يتحرّك الفعل الإبداعيّ انطلاقاً من بواعث مختلفة، قد يكون التخييل الذاتيّ أو استثمار الخلفيّة الثقافيّة للمبدع أو الاستجابة لوقائع العصر بعضها. وقد يكون المكان واحداً منها، فما موقعه من تجربتكم الشعريّة الطويلة؟ وهل كان مولّدا للقول الشعريّ في بعض إبداعاتكم ؟           
التخييل النابع من شروط ذاتيّة خاصة بالشاعر هو ما يفيء على شعريّته وشاعريّته نكهة خاصّة بفعل التكرار ونموّ التجربة وتكاملها. تتدخّل في نماء وتكرار هذا التخييل الخلفيّة الثقافية التي ينطلق منها الشاعر في تناسقها مع الحدث موضوع التجربة المعبّر عنها شعراً. هذا التدخّل يقتضي تغليب جانب المنطق على جانب الوجدان في فهم الشعر وفي ممارسة كتابته، أي أنّه يخرق قانون النسبيّة حين يضمن للعقل مساحة دونها مساحة الوجدان هذا دون تغييب النسبة القليلة بإضافة فضاء منها إلى النسبة الكثيرة. توازن عجيب يلعب نفس دور الأبازير التي تستعمل بمقدار ما تتحقّق معه النكهة المطلوبة الخاصّة. 
هناك أيضاً تلك الاستجابة الطوعيّة لواقع اللحظة المعيشة يتمّ التفاعل معها حتّى لتصبح هاجس الشاعر منها ينطلق وعنها لا يتحوّل. لا أعني بهذا الكلام السقوط الفجّ مرّة ثانيّة في عباب نظريّة الالتزام في شقّيها الاشتراكيّ والوجودي، فتلك نظريّة أقصت الشاعر وأحلّت محلّة لوحة الإشهار. أعني بذلك أن الشاعر الذي يعيش اضطراباً داخليّاً مطالب بأن ينقله إلينا بصفة تجعلنا منقولين إليه حالّين فيه، وهذا ما نلاحظه في الشعر الكونيّ اليوم منبعثاً من مواهب شابّة دلّتنا على أنّها أقدر من الجيل السابق على التقاط خصوصيّات هذا العصر الرقمي وخوض غمار مشاكله وفكّ معمّيات أسراره، وفي هذه المزيّة لا يختلف المغرب عن غيره من البلدان.
وهناك أيضاً ذلك الأثر البارز الذي يشكّله المكان على الشاعر، مرّةً بارتباطه بالزمن – وقد كان ولا يزال الأمر كذلك منذ مقولات «أرسطو» العشر حيث يلازم المكان الزمان حتّى لا فصل بينهما، – ومرّةً أخرى بارتباطه بصميم مكانيّته، ومرّةً ثالثة بارتباطه بحيوات الآخرين الذين هم في الحقيقة نماذج يستوحي الشاعر منها تصوّراته الخاصّة. ليست جماليّة المكان كما رآها «جاستون باشلار» في كتابه بنفس هذا العنوان منظوراً إليها من زاوية «فينومينولوجيّة»، وإنّما هي في تلك الارتعاشة التي تخلخل بواطن الشاعر كلّما أحالته على أحداث سابقة ما كانت لتقع في غير هذا المكان وحده. هناك إذن خصوصيّة ارتباط المكان بواقع معيّن، أليس أنّه ذلك الحيّز الذي اكتنف الماضيّ وهو الآن يكتنف الحاضر الراهن وسوف لا يكلّ أبداً عن احتواء الآتي جميعه.
وبالنسبة إليّ، فالمكان كيفما كان مولّدٌ للقول الشعريّ، إذا كان صاخباً فللصخب حقّ التشويش وللتشويش فعل اكتشاف النقيض، وإذا افتقد عنصر الانسجام فلهذا الافتقاد القدرة على كشف جماليّة القبح، وما دمت لا أصلح لشيء غير كتابة الشعر فمن مهمّتي أن أقرأ الصخب بغير لغته وأن أتقرّى ملامح الانسجام المختفيّة وراء هذا النشوز الظاهر. عليّ أن أبحث عن النسق فيما لا يتوفّر على نسق. على أن المكان الذي يوقظ حواسّي كلها ليس غير ذلك المحتفظ بدلالاته الماضويّة القديمة: جامع الفنا والأحياء الشعبيّة خلفه في مراكش، المدن القديمة الشعبيّة في كلّ من فاس وتطوان والشاون ووزان، البحر الذي يريق تلابيبه بوقار على الجديدة والصويرة وآسفي، ولولا «الأمركة» المجهضة لأضفت «أغادير» إلى هذه المدن البحريّة الرائعة.
vv هناك من يعتبر بعض المدن أمكنة تتميّز عن غيرها بكونها فضاءات كتابة، حيث أصبحت محجّة للمبدعين وكأنّهم على موعد مع الإلهام فيها. إذا كنتم توافقون على هذا الرأي، فما هي بعض هذه المدن بحسب تجربتكم ؟
أسارع إلى دحض نظريّة الإلهام في كتابة الشعر، تلك النظريّة التي تفرض وجود شيطان الشعر ووادي عبقر، لأنها تعتبر الشعر فعلاً سحريّاً يوحى به إلى ملهم قُدِحَ زناد الإلهام في بواطنه دون غيره ممّن تخطاهم زمن ومكان هذا الإلهام. نحن الآن نكتب الشعر استجابة لما فينا من الاستعداد لكتابته، وفي هذا المجال يتفاوت منسوب هذا الاستعداد بين شاعر وآخر. نحن الآن نكتب شعراً واعين بأنّنا نمارس عملاً تدرّج في النموّ والتكامل حدّ أن أصبح وسيلتنا الممكنة في كشف مخازي هذا العالم الذي نتعايش فيه. نحن الآن نكتب شعراً يكاد أن يكون لمادّيّته رُواؤُها المحسوس الملموس بسبب من قطعه الصلة مع نظريّة الإلهام «الميتافيزيقيّة». نحن الآن نكتب شعراً ونملك القدرة على استدعائه فيسارع إلى الحضور حيث نحن، أنّى كانت الظروف والأحوال لأنّنا جعلناه وسيلتنا الحميميّة التي تقرّبنا من العالم وتدلّنا على أنّنا الراصدون لحالات طفوّه ورسوبه.
أنا على العكس من كلّ الذين يجعلون مكاناً معيّناً «موحيّاً» للشعر محفّزاً على كتابته، لأنّني لا أعتبر الشعر موسميّاً له أوقاته الفارغة وأوقاته المليئة. ينبغي أن تكون كتابة الشعر تحت سلطة الشاعر يمارسها في كلّ الأمكنة والأزمنة، وإلاّ فسوف يكون الشاعر «هِيبِّـيّاً» يستنهض همته بتناول المنشّطات وهو قابع أمام بحر «الصويرة» أو متسكّع في مغاوير «طنجة» مستعيناً على إحضار الإلهام بزهر الخشخاش. كتابة الشعر يسبقها انفعال تكثر مظاهره في المجتمعات المتخلّفة والناميّة والمتصنّعة حيث المخازي واضحة لا يحتاج رصدها والتقاطها إلى أفاويه وأبازير ومقبّلات. كتابة الشعر وليدة الرؤية في غالب الأحيان ووليدة الرؤى في أقلّها القليل. كتابة الشعر وليدة الخلفيّة الثقافيّة التي تدمج أبعاد الزمن الثلاثة إدماجاً كما لو أنّها خارجة من رحم واحد في نفس اللحظة، وهو ما يبطل ذلك الترتيب «الكرونولوجيّ» الذي يسمح بالأولويّة للمتقدّم والأيلولة للمتأخّر.
vv يجد فئة من القراء صعوبة في قراءة بعض إبداعاتك الشعرية، فكيف تنظرون إلى مبدأ الغرابة في الشعر ؟
إنّ مردّ الغرابة في الشعر إلى المتلقّي لا إلى الشاعر. على أنّ هناك فرقاً بين الغرابة والاستغراب. الغرابة (ويعبّر عنها النقد القديم والحديث بالغموض) عضويّة في الفعل الشعري لأنّها من أسس بنائه وكتابته، بل أنّها لتهبه في كثير من الأحيان نكهة خاصّة تميّزه عن غيره من أنواع الكتابة الفنيّة. أمّا الاستغراب فهو حشو إن لم يكن لغواً زائداً لأنه يستدعى من خارج الفعل الشعريّ وغالباّ ما يقصد به التغميض المجّانيّ. (كالتفقير المتكلّف في قصيدة تبدو فقراتها غير مرتّبة وغير منسجمة دلاليّاً) فمن حيث تكتسب الغرابة مشروعيّتها بانسجامها مع القصيدة يبدو معها الاستغراب ناشزاً متنافراً وغير مشروع بسبب قلق وضعه فيها وعدم ملاءمته لتناميها في ذهن المتلقّي. هناك شيء آخر ذو علاقة بالمتلقّي الذي يجمع الغرابة والاستغراب في مدلول واحد يرفضه جملةً وتفصيلاً. إذا صادفه الصواب في كراهيّة الاستغراب فقد جافاه في فهمه لحقيقة الغرابة، وذلك منه قصور إمّا معرفيّ وإمّا ناتج عن عدم استجابة ذوقه إلى نوع من الكتابة ظهرت عليه سمات هذه الغرابة. والحقّ أن الشعر ذلك الفن المثقل في الماضي بعلوم الأداة اللغويّة من مساحة معجميّة وتقنيّات بلاغيّة وعروضيّة، وفي الحاضر بمناهج شكلانيّة وبحوث في الإيقاع واختلاف في المدارس والاتجاهات، يبدو لي عسير الهضم على من تعوّدت معدته اجترار الطبيخ القابل للتناول السريع. ولعلّ الذي زاد الأمر حدّة هو شيوع فكرة الالتزام التي دعت إلى جماهيريّة الشعر ونبذت نخبويّته التي هي له في مختلف اللغات وعديد الأزمنة بسبب علميّته التي لا تلين إلاّ للذين مالوا إليها وغاصوا في مجالها ولم يكتفوا من الغنيمة بالإياب وجرابهم فارغ، بل عادوا منها بزاد وفير جعلهم يكتبون الشعر ويربطون قدرهم به. هل يمكن أن تعزى كراهيّة الغرابة إلى ذلك الفهم الوجدانيّ الشائع منذ انفصال الشعر عن زمن الفروسيّة والرعويّة والتحامه بالأحاسيس الذاتيّة الجوّانيّة، ممّا نتج عنه شيوع نظريّة الفنّ للفنّ ؟ 
ذاك ما أراه .         
 

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …