أخبار عاجلة

محمد بودويك في «امرأة لا تحصى»

يحتار الناس كثيرا في أمر الشعر وفي مفهومه وجدواه، مثلما يحتارون في طرق صياغته وأشكال أساليبه. وقد يلتبس عليهم الأمر عندما يُطرح سؤال: متى يبدأ الكلام الشعري الصافي الذي لا غبار عليه، ومتى ينتهي بالرغم من عدم توقف الكلام المنسوب إلى الشعر.
لا شك في أن مدادا كثيرا قد أُسيلَ في الإجابة عن هذا السؤال، منذ أقدم ناقد قدم تصوره للمسألة إلى الآن. وظلت الأقلام تتناوش الموضوع في مقاربات متنوعة تبعا للدوافع واليقينيات النظرية التي تأنس إليها. فمنها ما يروم جسد القصيدة فيقدم تحليلا لمكوناتها الثابتة ودرجة الاجتهاد الإبداعي الذي يضيفه الشاعر ليظفر بخصوصيته. ومنها ما يتيه في بحر الموضوعات والمعاني منتقيا منها ما يلائم أجواء القصيدة وموحياتها. والحق أن الشعر يتنزَّه عن كل ذلك، وينأى عن أن يكون مادة سهلة التناول، أو شكلا يسهُل استلطافه ومن ثم عصْر شهده ومعناه.
إن القصيدة هي ذلك البناء الشاهق والدرب الملتوي المفضي إلى المتاهة. وبصفتها تلك، تنجح في تمنعها ولا تعطي إلا بقدر إيمان قارئها بجدوى الشعر، وبقدر زاده المعرفي وقدرته على التأويل والمداراة في عالم الرموز العميقة.
شعراء هذه القصيدة التي نتحدث عنها قليلون ونادرون في زمنٍ يعجُّ بالإنتاجات الكتابية التي تنسب إلى الشعر، كما يعج بالأسماء من مختلف الأجيال والمشارب. ولعل اسم الشاعر محمد بودويك واحدٌ من هؤلاء القليلين والنادرين لقرائن متواترة نوردها على الشكل التالي: 
– كون عمره الشعري يغطي مختلف مراحل القصيدة المغربية بدءا من منتصف السبعينات إلى الآن، أي من بداية كتابة قصائد ديوانه (جراح دلمون) إلى الشكل الذي ارتضاه لقصائد ديوانه الجديد (امرأة لا تحصى) الصادر مؤخرا.
– كونه عاش معترك الحياة المغربية سياسيا واجتماعيا وثقافيا، عيشة الشاعر والمناضل الوظيفي المتفاعل مع اهتزازات مجتمعه، وانفتاح مشروعه الشعري على هذه الاهتزازات.
– كونه شاعرا مثقفا يقرأ الكثير، ويكتب القليل، وهذه صفة الشعراء الكبار الذين يشبهون مخترعي العطور ومبدعي الروائح الزكية، أولاء الذين من أطنان الزهور لا يتحصلون إلا على القدر اليسير من العطر الجميل.
وأخيرا، كونه من دارسي الشعر الأفذاذ، الذين تمرسوا بالبحث الأدبي الأكاديمي، وقدموا للساحة العربية دراسات وقراءات على قدر كبير من الرصانه المنهجية والعلمية، كان آخرها كتابه الهام: «شعر عز الدين الناصرة: إبدالاته وبعده الرعوي».
إن المشروع  الشعري لمحمد بودويك ينهض على أساس خصوصية إبداعية تجعل من قصيدته نموذجا متفردا في ما يقترحه من إواليات فنية، تعيد الاعتبار للفن الشعري بناء وسبْكا ورؤية، فللرجل حساسية إبداعية مكنته من تطويع اللغة معجما وتركيبا، وإخضاعها لمتطلبات قصيدته ومستلزماتها، تبعا لرؤيته العميقة للأشياء والكائنات والمفاهيم الوجودية والكونية. ذلك أن قصيدة محمد بودويك لا تغترُّ بالنماذج الرائجة، ولا تطمئن للحدود الفنية المحققة. فبحثه عن الأبهى وعن الفجاج  المتمنعة دائبٌ، ومتوافق مع ما جُبِل عليه من طلب الجمال في أبهى صوره وأشكاله مهما بِعُد ونأى. والقارئ لكل أعماله الشعرية منذ «جراح دلمون» و«يتبعني صفير القصب» و«قرابين» و«مركبة السنجاب» وصولا إلى ديوانه الجديد: «امرأة لا تحصى» – موضوع مداخلتنا –  يقف بالملموس على مسار شاعر يعتصر الشهد والمحن، ليُصفّي لنا نصوصا تُخفي المحن وتظهر العسل الطافح بمذاقه ودلالاته في أفق تسريب الكلام الكبير، الكلام الذي يصلح لتغيير وجه العالم، وتأثيث الوجود بما يحبّبُ العيش، ويُصيره رغيدا بالمعنى الأكبر.
وإذا كانت قصائد محمد بودويك تحفل بكل جميل يُصْلِحُ الأعطاب التي مستْ واقعنا الأرضي والقيمي، داعيا الذات والآخر إلى أن يشهدا وليمة الرموز الصاعدة من أتون اللغة والتجربة، فإن ديوانه (امرأة لا تحصى) – الصادر مؤخرا بفاس عن دار إنفو برنيت في طباعة أنيقة – يشي بأن الشاعر الذي خرج من «جراح دلمون» غانما سالما، هو ذاته الذي أمسك بلجام دابة الشعر موجها إياها إلى التخوم التي لم تطرق، وإلى الأصقاع التي لا يصمد فيها إلا من كان متاعه من المعرفة الإنسانية وفيرا، ومثلها من متاع الفكر والوجدان.
يتكون ديوان «امرأة لا تحصى» من لحظتين، كل لحظة تستوعب حزمة من قصائد غاية في التجانس والتبنين الفني والدلالي. فاللحظة الأولى سمَّاها «نزهة الخاطر»، مع ما لهذه التسمية من دلالات موحية بكتاب مرجعي في الإروتيكا العربية القديمة يعرفه الداني والقاصي، ولكنه لم يأخذ من مرجعه – هذا – إلا ما يأخذ الأنف من عبير ثوبٍ طافح بعطره. أما اللحظة الثانية، فسمَّاها «أشجان» يغلب على نصوصها الستة الإعجاز والاختزال والتكثيف في أفق توسيع الدلالة والإيحاء.
ولأننا نعرف بأن الخوضَ الدراسي في مجموع قصائد الديوان مبعثٌ على إهدار الجهد والزمن، قبل الظفر بالغاية والمبتغى، نظرا للغنى الذي تقترحه هذه المجموعة الشعرية الجديدة، فقد قرَّ عزمنا على اختيار جانب واحدٍ، وجدناه مهيمنا على أجواء هذه التجربة، بل ومشكلا لنسغها ونسقها. ويتعلق الأمر بموضوع المرأة. كما ارتأينا أن نحصر المتن الشعري المدروس في قصيدتين من قصائد الديوان أعتبرهما – وهذه وجهة نظري – عروستي الديوان وجوهرتيْه، وهما معا تكشفان عن تطور ملحوظ في مشروعه الإبداعي، بما يمكن أن نطلق عليه انعطافة حقيقية في لغته الشعرية دلالاتٍ ورؤيةً.
صحيح أن موضوع المرأة ليس جديدا في المتن الشعري العربي والعالمي، قديما وحديثا، إلا أنه يبقى الموضوع الثابت والكوني الذي لا يمكن أن يُستنفد ويُستهلك؛  فما يَهلكُ هو المعنى المحدَّد والصور المنمطة والأشكال التعبيرية التي يتناقلها المقلدون والناسخون. ولعل هذه هي إحدى السمات التي تحرر الجوهر الشعري وتُبقيه على مر العصور ميدانا خصبا للتنافس والتمايز والإغناء. وقد مرَّ من هذا المعترك شعراء أفذاذ كامرئ القيس وجميل بن معمر وعمر بن أبي ربيعة وذي الرمة وديك الجن وبودلير ونزار قباني، وغيرهم من الشعراء الذين في بالكم.. فكان كل واحد منهم يترك أثرا صغيرا في حيز واسع، وجملة قصيرة في كتاب المرأة الكبير..
فما الذي يضيفه الشاعر محمد بودويك إلى أنداده وأسلافه الكبار في هذا الموضوع الخصيب؟ وما هي عدتُه من أساليب التعبير والتفكير والتذوق، وهو يواجه موضوعا مطروقا ومنفتحا على كل الإضافات المحتملة؟ ثم في النهاية: ما هو النموذج المتوخى للمرأة الشعرية التي يتوق إلى تحقيقها ؟
بداية، نشير إلى أن الملامح الأولى لهذا النموذج تطالعنا في الغلاف الأول والأخير لمجموعته الشعرية، مثلما تطالعنا في عبارات العنوان والإهداء والتصدير. وهذه كلها عتباتٌ تدعم مرحلة الملاحظة الأولية لعمله. فمن الملاحظة الأولية لعمله، نجده من جهة قد آثر أن يزين حيز الغلاف الأبيض بلوحة للفنان الإسباني الشهير بيكاسو، وهي عبارة عن تشكيل هندسي يستثمر المثلثات والمكعبات والخطوط مولدا منها شكل امرأة تتأرجح بين الاندفاع إلى وجودها الواقعي، وبين التردد في العودة إلى  وجودها الهلامي عبْر التجليات الطبيعية المعبر عنها بالأغصان والأوراق والألوان.. امرأة يتيه الناظر في تحديد وضعها وهي تتربع على عرش لا يشبه العروش، متخذة للامح غاية في المجهولية، فلا هي امرأة الجنة ولا هي امرأة الجحيم. وإنما هي حدٌّ بينهما، قد يضيئها الشاعر الذي انتقاها أميرة على كتابه عبْر قصيدتيه اللمَّاعتيْن (امرأة لا تحصى) و(لارا).
أما عبارة العنوان (امرأة لا تحصى)، فهي بقدر ما تنطوي على طرافة في الصياغة، ولا أحسبُ أن شاعراً قبل بودويك قد سبقه إلى هذه الصياغة العجيبة،  فإنها بالقدر ذاته تُغري القارئ بلا نهائية إيحاءاتها ومدلولاتها.. فالمقامُ – والحال هاته – يتطلب الحذر والتريث قبل الجهْر بأي انطباع يندفع إليه.. ومهما يكن من أمر، فإن عتبة الغلاف الأخير، والمتمثلة في الفقرة الشعرية المجتزأة من القصيدة الأم والمثبتة إلى جانب صورة الشاعر، قد تسمح لنا ببعض البصيص المعنوي والدلالي الذي يهيئنا للدخول المحتّم إلى فضاء المرأة الرغيد. يقول الشاعر فيه:
فأية ريح شدتك/ من خصرك/ وأنت تقطفين/ الضوء المدلى/ من حزام قفطانك/ وترجمين بشهد أصابعك الهوائية/ بقايا ليل فتيت/ على ذهب كِتْفكَ الضَّحوك
أي عطْر أزرق/ فاجر الخطا/ فاتك الدَّبيب، غريبٍ
شقََّني/ وأنا ريقٌ يتحلَّبُ/ وظمأٌ يتشقق كألواح أشورْ
ويتشوفُّ إلى رفرف الورد/ ونداء رحيم/ من رُضابِكْ
الواقع أن قارئ هذه الفقرة الشعرية يتأكد من أن الاشتغال باللغة لا يقصر عن الاشتغال بالفرشاة والألوان ممَّا استعمله «بيكاسو» في لوحة الغلاف، بل ربَّما ذهب في مدح فاعلية الكلمات ووضعياتها الإسنادية مذهبا بعيدا. وبذلك تتحد عتبتا الغلافين في الدلالة المؤكدة على أن ثمة امرأة فادحة الصفات والوجود تخطُر في هذا العمل الشعري، نكَّلت بالشاعر قبل أن يستقيم عمله، وهي – ولا شك – في أنها منكلةُ بالقارئ المحتمل. نكلت بالشاعر حين غام واندثر وتحول إلى ريق متحلب وإلى ظمأ متشقق. وستنكل بالقارئ إذا هو استعدى عليها ملكات التلقي وزاده الوفير من المعرفة والثقافة، وأعظم به من تنكيل إذا كانت صاحبته بهذا الجلال الوجودي وهذه السمات الباذخة، ما دام استحضار جسد هذه المرأة كمتخيل شعري هو نوع من ممارسة اللذة الصوفية من خلال اللغة، أي بمحاولة الوصول إلى المطلق، ما دام الارتواء لا يتحقق جسديا. بمعنى أن اللغة الشعرية تصبح معْبرا إلى عالم المرأة، وتَحقَّق النص الشعري يصبح ارتقاء إلى هذا العالم.
واضح أن المقطع الشعري المشكل لعتبة الغلاف الأخير يلقي ببعض أضوائه على عبارة عنوان المجموعة الشعرية (امرأة لا تحصى) فالمرأة من خلاله تبدو كائنا أنثويا بأصابع من هواء، وبكتْف ذهبي ضحوك، لكنها دالة على وجودها بما تثيره من عبير العطر الفاتك، وبما تعد به من رُضاب رحيم».
هناك عتبات أخرى يطالعنا بها الديوان في مستهله، وكلها تصبُّ في مجال دلالي متجانس، تشير كلها إلى موضوع المرأة والحب، يظهر ذلك في عبارة الإهداء (إلى لارا حفيدة المسيح) وفي العنوان الذي انتقاه الشاعر للمجموعة الأولى من القصائد (نزهة الخاطر)، وكذا في تصدير القصيدة الأولى المستعار من الشاعر محمود درويش: (أنا من رأى غده إذ رآك). وتشعرنا هذه العبارات الثلاث كما لو أنها ابتهالات طقوسية تهيئ صاحبها للدخول إلى عوالم نصوصه الشعرية. فعبارة الإهداء موجهة إلى «لارا» التي ينعتها الشاعر بـ «حفيدة المسيح»، وهي امرأة حقيقية تقوم بترؤس الصلوات المسيحية في كنيسة المسيح في قرية «معلولا» الواقعة وسط طريق فاصلة بين دمشق وحلب، وهي شابة تؤمُّ المصلين، وتلقي صلواتها باللغة السريانية في الكنيسة التي شهدت حدث «العشاء الأخير». وقد حضر الشاعر جانبا من هذه الطقوس خلال زيارة سياحية لهذه الكنيسة القديمة،  فأذهلته شخصية هذه الشابة المحافظة على طقوس ولغة الصلوات التي كانت تقام في عهد المسيح. ولا عجب، إذاً، أن تثمر هذه الزيارة الروحية نصاً باذخاً أطلق عليه الشاعر اسم (لارا) تيمنا بما شهد ورأى.
أما عبارة عنوان المجموعة الأولى من نصوص الديوان وهي (نزهة الخاطر)، فالمؤكد أنها تستعيد أجواء كتاب بنفس العنوان لصاحبه الشيخ النفزاوي.. ويعد من أوائل الكتب العربية التي تخطت حدود المحظور في الثقافة الجنسية، مُقلِّبة في التربة الممنوعة. وهي استعادة المتيمِّن بجرأة صاحب الكتاب، لكن الشاعر – كما سنرى – يوجه استعادته إلى وجهة فنية سامية تستحضر المرأة، لا باعتبارها وسيلةً للمتعة الحسية، بل للاشتغال الفني والإضافات الإبداعية. وليس أدل على ذلك من تصدير الشاعر للقصيدة الأم بمقولة محمود درويش الرائعة: «أنا من رأى غده إذ رآك»، إذ تسمو بالمرأة سموا لا يضاهى، وتعيد إليها تاريخا كاملا من الاعتبار، والحق أنه لا ينصف المرأة إلا الشعراء.
يستهل الشاعر قصيدة، «امرأة لا تحصى» بمقابلة، هي على درجة كبيرة من الغرابة والطرافة:
وحيدة !!/ بل متكثرة وكثيفة/ متعددة كأجنحة الهواء
وملتفة على البياض / كثلج الشمال/ تفاحة شهية
عليها نداوة قزح/ في جزيرة عزيزة/ لم يطمثنها قدم ولا قلم
إذ يتم الجمع في مقام واحد بين الواحدية والوحدة لهذه المرأة، وبين التعددية والكثرة، فتنصرف الواحدية للكائن الفرد المجسد لجوهر وجوده، بينما ينصرف التعدد والتكثير للصفات، فيقع الاتحاد والانسجام بين الكائن والمكنون، وهذا لعمري نجاح للشاعر في الانتقال بالمرأة من اعتبارها موضوعا لغويا إلى اعتبارها ذاتا لغوية. والفرق واضح وبيِّن بين المفهومين. إذ المرأة موضوعاً تراكمٌ للمعنى النسبي، أما المرأة ذاتاً لغوية فإمعانٌ في تأكيد الهوية بالتسمية وإحلال الأنوثة في اللغة، ردا على الفحولة التي رانت طويلا على الشعر العربي. «إن طريق المرأة إلى موقع لغوي إبداعي لن يكون إلا عبر المحاولة الواعية نحو تأسيس قيمة إبداعية للأنوثة تضارع (الفحولة) وتنافسها من خلال كتابة تحمل سمات (الأنوثة) وتقدمها في النص اللغوي، لا على أنها (استرجال)، وإنما بوصفها قيمة إبداعية تجعل (الأنوثة) مصطلحا إبداعيا بإزاء مصطلح (الفحولة)» كما يقول عبدالله الغذامي، في كتابه الرصين «المرأة واللغة»i.
ولا يشبع الشاعر من أسلوب المقابلة، إلا عندما ينتقل من الوصف إلى الأثر الفعلي:
أنت لاسعةٌ كشوك السياج/ وعذبة كالورد العالي
سقيفتي في اليوم الحرور/ وموئلي الذي يجمعني كصرة الجوال/ أنت.. وعصاي البيضاء/ في ليل الذنوب/ وسلامي في الحروب/ ومائي ودوائي والحية التي تسعى
لا تعجب – إذاً – إن عثرت على شاعر يطلب الظل من المرأة، ويعتصر الوصال من مشاهد الطبيعة، كأن المرأة مفتاحٌ وأيقونة تختصر كل ما يروج في الطبيعة من أسباب العيش والرَّغَد والرَّفاء.  وهي مع ذلك سرٌّ مكنونٌ، ولغزٌ يستحيل فك معانيه:
– أسأل:
لماذا لا أحيط بك علما/ ولا أقرأك/ كأنك الغيب والطي والسر المكنون/ مكنوزةٌ في خزائن/ لا يراها الهدهد
ولا يزني بها الخيال/ فكيف لي بما ليس لي/ ولماذا طاش سهمي عندما رميتُ/ فلم يصل دريئة الرمي..
هذه هي امرأة الشعر، لا امرأة الواقع، فلا طائر الأخبار أحاط بوجودها، ونقل تفاصيل مملكتها، ولا قدرة الخيال تستطيع تصور مفاتنها.. وتظل الذات الشعرية بين هذا وذاك حائرةً في أمرها، عاجزة عن إدراكها. لكن بالمقابل يحدث المبتغى: فالوصال يتحقق عبر اللغة الشعرية، وعبر الإحداثات الرمزية، «لأن من أذهله الجمال، أبحر في مجازات اللغة وعمل على فض أسرار الكلمات، يستنطقها ويستحضر إمكاناتها ويفتتن بها، ولعل الافتتان بالكلام هو الوجه الآخر للافتتان بالجمال»ii.
إن الافتتان بالكلمات أو بالجمال – المشار إليه هنا – قد يربك التراكيب، فيعمل على تفكيك الجمل، ويطلق العنان لمعجم هذه المرأة كي يقدم نفسه عاريا من الروابط والتعاريف، ما دام هذا المعجم صالحاً للسياق، متضامناً في الدلالة على الجوهر والصفات:
تباهيت يا الطاووسة/ حسنتْ بك الأسماء والصفات
مليكة وفاتنة وهالكة/ جميلة ومليحة وفاتكة
حسناء وغادة وخريدة/ وكاعب وفرعاء وغراء
جؤذُرٌ وظبي وغزال/ وإذا تلوحين بساعد الذهب
وبرق الأمنيات/ ومنجل الوعود الفضي/ أنشق أنصافاً/ أتشظى كالزجاج/ أتذرر كالنخالة/ وأتضاءل حثيثا» فلا أراني
إن تداعي المعجم في هذا المقطع الشعري وغيره، يدل على عطش الذات واستروائها، ويُشرف بمنطوقها على حافة جنون مؤكد، إلا أنه جنون معقلنٌ مدركٌ للأبعاد التي يرمي إليها من إحداث الفوضى في الكلام لفائدة انسجام الرؤية وتنظيم الموقف. وهي رؤية يختزلها المقطع الشعري الأخير من القصيدة، الذي يمكن اعتباره خميرة القصيدة كلها.. رؤية تنوب فيها امرأة الشعر عن كل نساء الكون، ويصبح فيها الشاعر شعباً من الرجال:
بوسعي أن أقول عنك:
«أنت النساء»
بوسعك أن تقولي عني:
«هو ذا شعبي !!»/ قليلا ما ينبغي فيك قلتُه
كثيرا ما ترتجين رجَّتي/ وتزاحمت عليَّ الديون
تستطيع النساء أن يفخرن بالمديح السامي الذي دبجه الشاعر محمد بودويك فيهن من خلال قصيدة (امرأة لا تحصى)، ولكن فخر لارا، الأخت المسيحية الساهرة على استمرار القدَّاس بكنيسة قرية «معلولا» السورية، لا يضاهى. ولازلت أذكر بجلال وهيبة امتقاع لون الشاعر وزيغ عينيه وهو ينقلهما بين شفتي لارا الهامسة بالصلوات في سريانية فصيحة،  وبين مائدة المسيح ثلاثية الأرجل، والتي ضمت خبز المسيح ونبيذه في العشاء الأخير، ليلة الصَّلب المزعوم. لارا التي تمجدها قصيدتها، جمعت بين الجلال والجمال واستحقتْ بذلك أن تكون حفيدة للمسيح، حتى وإن لم يتزوج. لارا التي لا يتحرج الشاعر في البوح بما آل إليه حاله بسببها، في ذلك الضحى المقدس:
لم يعد معي لُبِّي/ أخذته لارا:/ فليت التي سقتني أسرتني / وأبقتني الدهر كله بمعلولا/ عليلا معتلا متبولا/ أوشوشها قصائدي ودمي/ أفتح لها سر الأسرار/ وأنثر بين يديها/ قلبي مخبولا مقتولا
يعلم الشاعر أكثر من غيره أن هذه المرأة، لم يعد لها حقٌّ في الرجال، عندما قررت أن تتزوج السماء، وتنذُر جسدها وروحها لخدمة تعاليمها، ومع ذلك يتجاهل علمه، ويتمنى :
اركضي مهرة في/ براري معلولا/ لاحقي فراش الضوء/ وغيم النبْع/ لاحقي طيْفَ مريم / دعي سوسن أسنانك يشتهني / ورمانتيك النضرتين/ تغوصان أطرى من القطن/ في دمي/ دعي ثلج اللوز يؤرجحني
وريح الجبل تنعقد كبراعم الماء/ على وتري
لكل صَلاتُه في هذا المقام، فـ «لارا» تتلوا آياتها من العهد القديم أو الجديد، أوحى بها ربٌّ رحيم، والشاعر يتلو شعرا أوحى به شيطان رجيم… والكل يغدو إلى غايته معتمدا على اللغة التي تتسع للمعنى الأرضي والسماوي، وللطقس المدنس والمقدس. ثم إن قداسة المرأة والجنس لم توجد في الأديان الوضعية القديمة فحسب، وإنما تسربت، أيضا، إلى الكتاب المقدس، حيث يطالعنا العهد القديم بنشيد الأناشيد للنبي سليمان، وهو عبارة عن أناشيد الحب الحسي وأوصاف لجسد المرأة وأبعاده الجنسية والشقية.  لكن شاعرنا يستيقظ من وطأة الاشتهاء عليه، منتبها إلى سُموّ اللحظة، إذ تُرفرف روح المسيح الطاهرة في ذلك المكان البهيّ:
أين هرب وجهك/ وأنت تنظرين إلي/ وقْعُ خطى على الأدراج الحجرية/ خافتة.. لامعة وواثقة/ لعلها أنفاس المسيح/ أو مرتبكة كذبالة الراهب/ أو يد العاشقة
لعلها وشوشاتُ صحابه / وطيفُ القسم الكاذب/ بعد صيحة الديك
لو أمكن أن نعقد مقارنة جمالية بين قصيدتي (امرأة لا تحصى) و(لارا) لوجدنا أن المكونات الفنية من صياغة وتصوير وإيقاع القصيدة الأولى تنتصر على نظيراتها في القصيدة الثانية؛ والسبب أن الشاعر خاطب في قصيدته الأولى امرأة الأرض والواقع، تلك التي تحتاج إلى ما يسمو بها عن وضْعها، في حين خاطب في الثانية امرأة سامية بذاتها وبحضرة الأجواء الدينية المحيطة بها، والشعر كما يقول الأصمعي: «إذا دخل في الدين ضعف ولان». نقول هذا على وجه الطرفة والاستظراف. إذ يبقى ديوان (امرأة لا تحصى) إضافة فنية إلى شعرنا العربي المعاصر، وانعطافة حقيقية في المشروع الجمالي الرائع الذي يشتغل عليه الشاعر المبدع محمد بودويك، ويمتع من خلاله قراءه وعاشقي أدبه في المغرب والبلاد العربية.
الهوامش
i  – عبدالله الغذامي – المرأة واللغة – المركز الثقافي العربي – 1996 – ص 55 .
ii  – علي حرب – الحب والغناء ص 116 – 117 .
عبد السلام المُساوي
ناقد من المغرب

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …