أخبار عاجلة

محمد زفزاف و«أقنعة الرواية»

مفتتـــح
يشغل المنجز الروائي للكاتب العربي المغربي الأشهر « محمد زفزاف»، حيزا من الوجود البارز على ساحة الرواية العربية، على مدار تاريخه المحدث، منذ أن أصدر أولى رواياته في العام 1972، الذي سبقت به رواية «المرأة والوردة» لتكون أولى رواياته المطبوعة، وآخر هذه الروايات «أفواه واسعة» في العام 1998، فمن خلال تسع روايات، تشكلت من خلال زخم العلاقات الإنسانية والثقافية والتأثيرية، التي تلاقحت مع روافد الإبداع الأدبي لديه، كشاعر بالأساس، وكمترجم منفتح على ثقافات الآخر من خلال ترجماته المتعددة في شتى مجالات الإبداع، التي يُذكر له في مجال ترجمة الرواية، ترجمته لرواية «كنولب» للكاتب الألماني «هرمان هيسة»، والتي صدرت عن دار الشؤون الثقافية ببغداد(1)، وكإنسان له من العلاقات والحضور الإنساني اللافت على المستوى العربي والعالمي، وكقاص له من الحضور القصصي ما يكفي لوضعه بجدارة في مكانة لائقة على خريطة الإبداع السردي العربي بصورة عامة.
إلا أن محمد زفزاف روائيا، يشغل مساحات من البحث والدرس التي تجعل من كتاباته الروائية نموذجا جديدا لهذه التلاقح الحضاري والإنساني، من خلال تجاربه الروائية التي واكبها الناقد المغربي محمد عز الدين التازي منذ بداياتها بقراءاته النقدية، في كتابه الهام «السرد في روايات محمد زفزاف»، والذي تناول فيه ستاً من أعماله الروائية بدءاً من «أرصفة وجدران» إلى «بيضة الديك»، وهو يعتبر أن زفزاف استطاع أن يحقق تراكما هاما في التجربة الروائية وتطورا في مفهومه للكتابة ورؤية العالم. كما أن هذه التجربة تراوحت في التعبير عن المأزق الفردي لنموذج البرجوازي الصغير، كمثقف، وبين الانفلات نحو ملامسة الهموم الاجتماعية عند نماذج شعبية ترتبط بفضاء مغاير، بحيث تحيل على الثقافي، سواءً من خلال التعابير التي يستخدمها السارد، أو تستخدمها الشخصيات، أو بواسطة الإشارات الثقافية إلى الكتب و الروايات وأسماء الأدباء(2).
كما تمثل شهادة الكاتب المغربي إدريس الخوري، المجايل لزفزاف، قيمة تاريخية وأدبية دالة على مدى العمق الذي كانت تتمتع به كتابات زفزاف في نقلها لفضاء القنيطرة كمكان، وجزء من جغرافيا المغرب الطبيعية والإبداعية، من خلال إبداعه الروائي والسردي على وجه العموم، وعلى نحو ما يقول :
« بظهور زفزاف، الغرباوي الأصل كشاعر ثم قاص وروائي، بدأت القنيطرة تتسرب إلينا عبر شخوصها.. إن فضاء القنيطرة ليس فضاء غنياً متعدداً، بأزمنته وأمكنته وشخوصه، فهو بدوي بربري، فاسي، يهودي، أمريكي، خليط من الأحياء والأمكنة الرمزية المستقرة في الذاكرات، وكون مدينة القنيطرة مدينة حديثة، قياسا إلى المدن التاريخية الأخرى، فهذا يعطيها وجها فسيفسائيا يعكس البعد الجغرافي والبشري لساكنتها»(3)
المرأة والوردة ( 1972)، وكتابة المستحيل
تشكل هذه الرواية، باكورة العلاقة بين محمد زفزاف والعالم الروائي والتي عرف من خلالها زفزاف روائيا، لتجوب شهرته بها المشرق والمغرب، من خلال عدة طبعات، كانت الأولى منها عن دار النشر العربية المتحدة، ثم أعيدت طباعتها في بيروت بدار جاليري(1)، بدعم من الشاعر يوسف الخال، كما صدرت طبعتها الثالثة بالمغرب 1987، بالشركة المغربية للناشرين المتحدين، بالرباط، بتقديم الناقد أحمد اليبوري. كما صدرت هذه الرواية مترجمة إلى الأسبانية عام 1997، في ترجمة مشتركة لمولينا رويدا بياتريز، وزهير الوسيني الكاتب والصحفي المغربي، عن منشورات الوكالة الأسبانية للتعاون الدولي، وكانت مقررة ببعض الجامعات الأوروبية منها جامعة بوردو بفرنسا، وجامعة ليدن بهولندا، وبعض الجامعات المغربية(4)، وقد اعتبرها بعض النقاد كتابة المستحيل، لتوافر شروط نجاحها على المستويين الفني والتقني.
وقد تبدو فيها نزعة التأثر برائعة الكاتب الأسباني الأشهر سرفانتيس «دون كيشوت» على النحو الذي استعان به في رسم مشهد من مشاهد الفصل الثالث من هذه الرواية، حيث يقول:
«مشينا في المنحدر. ثم توقفت سوز عند الواجهة وأخذت تتأمل أشياء من الصناعة التقليدية. رأينا تمثال دون كيخوتي مصنوعا من الأبنوس. قالت: أوه رائع. دون كيخوتة دي لا مانشا نعم .فوق حصانه.نعم…رائع أليس كذلك»(5).
كما تبدو هنا نزعة التأثر، من خلال تيمة التجريب الذي يحاول زفزاف في استثمار إمكانيات التعدد اللغوي لـ « تطويع اللغة للتعبير عن أدق المواقف»، بحسب تعبير الناقد المغربي أحمد اليبوري(6)
كما تبدو هذه النزعة من خلال بعض المقاطع الدالة من متن الرواية، على التأثير الذي تخلقه حركة التواصل الثقافي والمعرفي في تكوين الروائي الذي ينهل من الإبداع والثقافة ما يمكن تضمينه والاتكاء عليه من خلال التعانق مع الحالة النصية التي ترتبط ارتباطا تضمينيا للحالة، وتناصيا مع رواية «بيير بول»، «كوكب القرود» (1963) والتي تسوقها هذه العلاقة في هذا المقطع من الرواية:
«كانت الكراسي الحمراء قد ازدحمت الآن على إفريز مقهى بيدروس، وازدحم فوق الكراسي رهط من الناس يتكلم بلغة غريبة. وتذكرت بلا سبب رواية كنت قرأتها و أنا صغير لبيير بول، عنوانها « كوكب القرود» وتخيلت أن كل الناس الآن قرود لأنهم لا يستطيعون أن يفهموا بعضهم البعض إلا بالحركات»(7)
يقول زفزاف عن هذه الرواية :
«كانت أول رواية نشرتها هي «المرأة والوردة» (1972). وقد واجهت هذه الرواية بعض الصعوبات والمشاكل ذلك أن دار النشر، وهي دار النشر العربية المتحدة، تنكرت لها. فالناشر نشر الرواية دون أن يطلع على فحواها. وعندما صدرت قرئت له فتنكر لها»(8)
أرصفة وجدران ( 1976)، والاستغراب الفلسفي
نشرت هذه الرواية ببغداد، عن وزارة الإعلام العراقية في 115 صفحة من القطع المتوسط، والتي يقول عنها زفزاف في مقدمتها:
«كتبت هذه القصة ( الرواية ) بمدينة القنيطرة ما بين 1966/ 1967 وأعيد النظر فيها بسان روكي بأسبانيا خريف 1968، وبمدينة الدار البيضاء خريف 1971»(9)
كما يبدو فيها هذا التأثر بفلسفة سارتر الوجودية، حيث يقول عنها الدكتور عبد الله الشارف(10)، في معرض قراءته النقدية، ومن خلال تحليله النفسي للشخصية الواقعة تحت تأثير الاغتراب النفسي :
تعتبر رواية «أرصفة وجدران» لمحمد زفزاف من بين الروايات المغربية الكثيرة التي تجسد الاستغراب الروائي شكلا ومضمونا. وقد اختار الكاتب الروائي الفلسفة الوجودية على الطريقة السارترية «ج بول سارتر»، إطارا لتصوير أحداث الرواية، ومجالا فكريا مؤسسا للحوار. إن بومهدي- البطل الأساسي لرواية «أرصفة وجدران»- يكره العالم ويجرده من كل قيمة: «إن العالم مهترئ وقديم، بل عادي جدا» ولا يستثني في كراهية العالم حتى أمه: «إني أكرهها وأكره حتى البيت الذي يجمعني وإياها، إنها تعطف علي، ولكني أعتقد أنها لا تصلح لعطفي عليها، إنها لا تعجبني، لست أدري لماذا»(11)
كما يبدو التأثر بالثقافة الميثولوجيا اليونانية القديمة، واضحا في هذه الرواية التي ربما استعان فيها الكاتب، على نحو من التضمين الدال على ثقافته ورؤيته المنفتحة على العالم وثقافاته، من خلال حكايات إيسوب مرتبطة بحكايات الفلاسفة والمفكرين، على نحو ما يقول: «ركل كتابا بقدمه كان قد تعب من قراءته، ثم نهض مفككا الحكيم أيزوب وسقراط.. لا شيء قد تغير. إن القيم هي الأخرى قد اهترأت باهتراء العالم»(12)
قبور في الماء (1978)، وتحولات
 الخطاب الروائي المغربي
صدرت هذه الرواية عن الدار العربية للكتاب (ليبيا/ تونس)، في 100 صفحة من القطع المتوسط، وهي الرواية التي يعتبرها الناقد المغربي محمد غرناط: «محطة بارزة في التحولات التي عرفها الخطاب الروائي بالمغرب، وأساسا من حيث كونها تستوحي من منابع مختلفة، نذكر بالخصوص حركة الرواية الجديدة، الفن السينمائي، الفنون التشكيلية…»(13)
كما يقول عنها الكاتب القاص إدريس الخوري، محللا وموجزا حول سمات المجتمع البحري الذي تدور فيه أحداث الرواية وتعالج إشكالياته النابعة من وجوده الجغرافي والطبيعي عند مصب نهر سبو بالقنيطرة بالمغرب، حيث يظهر البطل الجماعي للرواية في الصورة الشاملة لأهالي المنطقة من البحارة، كاشفا عن أجواء الرواية: «ففي قرية المهدوية، القريبة من القنيطرة، سيكتشف السكان، وأغلبهم بحارة وصيادون أن مركب العياشي لم يعد من البحر، عشرة أيام ولا أثر فيها للمركب..»(14)
كما يقول عنها الناقد المصري شوقي بدر يوسف، راصدا ملمحا من ملامح الكتابة الروائية لدي زفزاف، وهو سيميائية المعنى، وما تحدثه في فضاء النص من علاقات، تشكل آلية من آليات الكتابة الراهنة الحديثة التي يعد زفزاف أحد فرسانها، من خلال ورقته النقدية التي قدمها بالملتقى الذي أقيم للاحتفاء بذكرى محمد زفزاف بالقنيطرة بالمغرب يناير 2010.
«إن فعل السرد فى هذا النص يفرض على المعنى سيميائية خاصة تمتح منها قضايا الواقع بكل تأزماتها وتمحوراتها على الواقع والشخصية كما جاءت فى متون النص، فليست إشكالية الموت والمجهول وسطوة الواقع المعيش والحصول على أبسط متطلبات الحياة وهو (الطعام) ووقائع الفساد المتناثرة هنا وهناك والقبح بصوره المختلفة فى شتى أنحاء القرية إلا علامات ترفد نفسها على واقع النص من خلال آلية فعل السرد الذى وجهها الكاتب لتقول من خلال الحوار الدائر بين الشخوص، وفى بؤرة الحدث الرئيسي وممارسات الشخصيات البسيطة كل ما يريد الكاتب أن يعبر عنه»(15).
الأفعى و البحر( 1979)،
والعناق بين البحر وتيمة الحيوان
صدرت هذه الرواية في مايو 1979، عن المطابع السريعة بالدار البيضاء بالمغرب، في 120 صفحة من القطع المتوسط، وهي بحسب ما قيل عنها بقاموس زفزاف العالمي: «رواية تبحث في الأنفس، وتقيس التغيير، وتلامس الخطابات، وتعتني باليومي، وتسهم في دمج اللغات الممنوعة جريا وراء المزيد من الألفة بين القارئ ومغامرة النصوص الجديدة»(16)
وهي التي يستفيد منها الكاتب على المستوى الفني والتقني من ماهية وجود الحيوان التي لها عميق الأثر في الآداب القديمة التي مهدت طرقا عديدة للإبداع والتجديد، من حيث أن «المتأمل لموضوعة الحيوان في أدب زفزاف يصل إلى قضايا عميقة في الوجود الإنساني برمته، فهي تدل على رؤية العالم بالنسبة للكاتب، بحيث يصبح عالم الإنسان في مواجهة مع عالم طبيعي، من أجل المقارنة أو المفاضلة و أحيانا يصل الترابط إلى حد تبادل الأدوار… وفي كل حالة توضع إحدى طبائع الإنسان تحت مبضع التشريح والمساءلة والسخرية اللاذعة»(17)
تلك النزعة التأثيرية أيضا بمنطق عالم الحيوان التي تعامل بها زفزاف مع نماذجه الروائية المشتبكة مع هذا المفهوم من خلال هذا نموذجين روائيين سيأتيان في السياق هما «بيضة الديك»، و«الثعلب الذي يظهر ويختفي»، فضلا عن هذا النص الذي، يمتح أيضا من عالم البحر الذي يشير إليه الناقد المغربي حسن المودن من خلال مداخلته النقدية في الندوة المحورية التي نظمها فرع اتحاد كتاب المغرب بأسفي حول الكتابة والبحر (يوليو 2003)(18)، بأن رؤية زفزاف بحرانية شديدة التعلق بالبحر بالحياة الأولى البعيدة عن الثقافة والحضارة والمدنية، وهو الملمح الذي ربما تحتفي به الرواية من خلال العودة بالإنسان إلى الحياة الأولية العفوية والبسيطة البعيدة، مع فرضية انتقال الإنسان إلى عالم آخر سحري أشبه بعالم الحلم، وأن البحر يسمح بالعودة إلى حالة التخلص والعودة للانفتاح على اللاوعي والانفلات من مراقبة الوعي، فالبحر في هذا الموضع بحسب تعبير المودن يحيل إلى قيمة رمزية تتعلق بهذا العالم الأصلي والأصيل، وهو صورة استعارية تنسج الرغبة في الحلم، الذي تتحقق فيه الرغبات وتستباح فيه اللذات.
محاولة عيش (1980)، والبنية
الاجتماعية المنغلقة
صدرت هذه الرواية للمرة الأولى عام 1980 بمجلة الأقلام العراقية ضمن عدد خاص بالأدب المغربي المعاصر، كما أعيدت طباعتها في كتاب مستقل عن الدار العربية للكتاب( ليبيا/ تونس) 1985، كما صدرت طبعتها الثانية في كتاب عن منشورات الجمل بألمانيا (2006)(19)، وهي الرواية التي قال عنها الناقد عبدالعالي بو طيب أنها: «تمتاز على صغر حجمها، بسمات فكرية وفنية فريدة في مسيرة صاحبها الإبداعية الطويلة، نذكر منها على الخصوص: أنها الرواية الوحيدة التي تتضمن أكبر عدد ممكن من الشخصيات، يفوق 150 شخصية، موزعة على أصناف عديدة ومختلفة، وأنها الرواية الوحيدة التي تغطي بحكيها الأول فترة زمنية طويلة نسبيا،.. والخاصية الثالثة المميزة لهذه الرواية، عن باقي أعمال زفزاف الروائية الأخرى، تتمثل في كون أحداثها يؤطرها فضاء واحد كبير(مدينة القنيطرة المغربية) بكل ما يعتمل داخلها من تفاعلات، وما يتولد عن ذلك من إفرازات تجعلها تنشطر داخليا لمكانين مختلفين ومتكاملين»(20)
كما تقدم الرواية في رؤية نقدية مشتركة للكاتب الصحفي لحسن العسبي، الصحفي بجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية، مع الكاتب سعيد منتسب(21)، حيث يتحدد الهامش الاجتماعي من خلال فضاء القاع المجتمعي الذي يعالجه زفزاف في هذه الرواية التي تقول عنها الدراسة: «ومحمد زفزاف خير من حدد الظاهرة إبداعيا وكشف عن نظام العلاقات داخل بنيتها الاجتماعية المغلقة. فالكتابة في رواية «محاولة عيش» عن (حميد) ومجتمع السكارى والمنحرفين، وعالم «أحياء الصفيح» لا يريد إثارة عاطفة لدى القارئ بل يريد أن يعري واقعا قائما بذاته. وقد اعتمد محمد زفزاف على الأوصاف الناقصة والسالبة للشخصيات (الأعرج، المسلول، الكسول، السليط اللسان…)، وعلى نمط العلاقات بين سكان دور الصفيح (حديث الجارات، ادعاؤهن، النميمة والغيبة…)، وعلى الوظائف الاجتماعية البائسة (خادمة، بغي، عاطلة، بائع صحف…)، وعلى الأماكن السفلى (البراكة، الحانة، الغرفة الضيقة…)، وعلى السلوك الشاذ المنحرف (المرتشي، الجبار المعتدي…). إنه عالم يقوم على نظام خاص، وليس حالة تستدعي العاطفة الإنسانية»
بيضة الديك ( 1984)، والرواية البوليفونية
صدرت هذه الرواية التي اعتبرها محمد زفزاف «رواية معذبة» حيث استغرقت كتابتها أربع سنوات سنة 1984، عن منشورات الجامعة بالدار البيضاء، في 81 صفحة من القطع الصغير. ويبدو من عنوانها الدال ما يشير إلى بلاغة الاستحالة كما تتوافر فيها ميزة تقنية تعدد الأصوات (أو ما يسمى بالرواية البوليفونية ) والبنية الكرنفالية والحوارية، والتي يقول في شهادته عنها الكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي: «اختار زفزاف بضع شخصيات في روايته «بيضة الديك» التي وزعها إلى أبواب ثمانية. كل باب تروي فيه إحدى الشخصيات الوقائع من خلال وجهة نظرها الخاصة. والأمر هنا لعبة تكتيكية اختارها زفزاف قناعة منه بأنه، ومن خلالها يستطيع أن يقدم كل شخصية وفق أبعادها التي أرادها لها. على الرغم من أن هذا التكتيك كان مألوفا جدا في الرواية العربية إثر تعرفها عليه لأول مرة من خلال «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل، ثم «الرجل الذي فقد ظله» لفتحي غانم، «ميرامار» لنجيب محفوظ، و«خمسة أصوات» لغائب طعمة فرمان، وأعمال أخرى كثيرة.. لكن زفزاف صانع ماهر ودقيق جدا في فهمه لشخصياته، لا من خلال السرد فقط. بل ومن خلال الحوار الذي يديره بشكل عفوي ولكن تصاعدي وعميق، وهذا أهم ما يؤشر لصالحه في روايته هذه»(22)
وقد يكون زفزاف بحسب عبد القادر الجاموسي(23) قد راهن في بيضة الديك على تحقيق معادلة صعبة تروم التوليف بين المضمون الاجتماعي والتقنية الروائية العالمية، ولعل اختياره لهذا العنوان جاء كرد فعل بطريقة فنية على بعض النقاد الذين اعتبروا روايته الأولى في تاريخ الطبع المرأة والوردة 1972 بيضة ديك محمد زفزاف اليتيمة، فأبى ديك زفزاف إلا أن يبيض ثانية نصا شيقا وإنسانيا إلى أبعد الحدود.
كذلك يبدو تأثر الكاتب بآراء الكاتب الروسي الأشهر توليستوي من خلال الرواية التي أبدى فيها زفزاف إعجابه بهصراحةً ودون مواربة في عبارة أتت على لسان إحدى شخصيات الرواية: «إني لست من ذلك النوع من الرجال الذين تحدث عنهم توليستوي في «سوناتا إلى كروتزر» قليلة هي الكتب التي قرأت ولكن أروعها هو سوناتا إلى كروتزر أقرأه وأعيد قراءته»(24)
وهي الرواية التي ترجمتها إلى الإيطالية دار ميزوغيا 2001.
الثعلب الذي يظهر ويختفي (1985)،
 وهندسة الفراغ السردي
صدرت هذه الرواية، السابعة في ترتيب روايات زفزاف عن منشورات أوراق بالدار البيضاء بالمغرب، في 93 صفحة من القطع الصغير، وتم تدريسها في جامعة السوربون بباريس، وبعض الجامعات بالولايات المتحدة الأمريكية.. ومن المقاربات النقدية التي عالجت الرواية، مقاربة الناقد عبد اللطيف النكاوي(25) التي يقول فيها، مؤسسا للعلاقة بين الفضاء النصي ومفردات الأشياء التي تدور في فلك الرواية: «إن العلاقة مع الفضاء والأشياء في الثعلب الذي يظهر ويختفي تأخذ صبغة مباشرة، فجة وحميمية تضاعف من طبيعتها المجردة من كل «فزّاعات» الحضارة المدنية مما يفسر الحضور الحيواني المكثف في النص، حضور يدفع باستراتيجية الإقصاء إلى  حد المسخ أو تماهي وتداخل الحقائق والهويات كآخر ترسانة ضد سلطة الإقصاء الساحقة…
ينتظم الفضاء في الثعلب الذي يظهر ويختفي حول ثنائية الانغلاق والانفتاح أو الرغبة في الانعتاق من قبضة الحصار والضيق، رغبة تأخذ في النص شكل عودة نحو إقصاء وانغلاق جديدين: إنه الصراع الدائم من أجل استرداد طبيعة ضائعة، بين فضاء القناع وفضاء الطبيعة أو الحقيقة…
وإذا كانت كل هندسة للفضاء مهما أوتيت من الحرية والجرأة لا تستطيع أن تفلت من قبضة هندسة ومعمارية المتخيل، فإن في دينامية فضاء «الثعلب الذي يظهر ويختفي» صدى لدينامية فضاء حضاري عربي وإسلامي تشكّل فيه جدلية الانفتاح والانغلاق عنصرا حيويا ومحددا.(26)
كما تبدو نزعة التأثر بالثقافة الفرنسية من خلال كتابات أندري جيد، وألبير كامو، بتضمين بعض الأقوال وخلاصات القول أو معارضتها أو الاتفاق معها من خلال بعض المقاطع التي تأتي في سياق الرواية، على نحو ما يقول: «إذا كان أندري جيد قد قال في كتابه «لو أن الحية لا تموت» إن للعربي شيئا آخر، فإن كامو حول ذلك الشيء إلى سكين في يده. كلها أشياء إذن. ولابد للعربي من أن يكون له شيء يميزه»(27)
الحي الخلفي ( 1992)،
والواقع الاجتماعي الموبوء
صدرت الرواية عن منشورات دار الصحافة بالرباط، في 91 صفحة من القطع المتوسط، وهي الرواية التي اعتبرها الناقد حسن بحراوي أنها:
 « تمضي بعيدا في تعرية الواقع الاجتماعي الموبوء الذي تعاني منه الشرائح الاجتماعية المهمشة وتكشف عن مظاهر التسلط والاضطهاد التي ترهق كاهلها»(28)
وفي حوار مع محمد زفزاف أجراه معه د.حميد أتباتو، في جزئية تختص الرواية بالنقد والهجوم العنيف عليها، في معرض السؤال:  «أثارت بعض كتاباتكم الأخيرة مثل «الحي الخلفي» أسئلة كثيرة خاصة أن هناك من رأى أن إبداعية الكتابة عندكم تراجعت في هذه الأعمال ما رأيكم ؟» فأجاب قائلا :
 « هذا رأي النقاد ومن حقهم ذلك, ومن الذي يمنعني من القول مثلا أن تولستوي كاتب فاشل. فهذا الكلام الذي أسمعه منك الآن, سبق أن سمعته من أحد الشبان الذين يكتبون. حيث قال: لو محونا اسم محمد زفزاف من ظهر غلاف «الحي الخلفي» لقلنا هذا كتاب لمبتدئ ورديء… الخ, رغم أن هذا الكتاب كتب عنه نقاد بشكل جيد وحبذوه, لكني أعتقد أن هذا الكاتب الشاب (نشر رواية), كتب فيما بعد في جريدة أنوال – وأنا لم أقرأ ما كتب – أنه يعتذر للعم زفزاف. ليس بالضرورة أن يكتب نجيب محفوظ روايات جيدة. قد نكبوا أحيانا, وأنا مثلا لم أسمع إطلاقا بالكاتب الذي فاز بجائزة نوبل مؤخرا, وقد حدثتني عنه إحدى الصديقات الفرنسيات التي عاشت 10 سنوات بالبرتغال. فمن حق الإنسان أن ينتقد الكتب المدنسة بل إنهم ينتقدون حتى الكتب المقدسة».(29)

أفواه واسعة ( 1998)، والعلاقة بين الذهنية وإشكالية الموت في الكتابة الروائية
أخر روايات محمد زفزاف، وصدرت عن مطبعة الجنوب بالدار البيضاء، في 96 صفحة من القطع المتوسط، وهي:
« رواية يهيمن عليها الطابع الذهني، تأسيسا من كون محور موضوعها يدور حول الكتابة تعريفا وإنتاجا وتداولا»، وهي بصيغة أخرى:» درس الكتابة الذي يصدر عنه الروائي، والذي يبلغه في الوقت نفسه إلى كل الممارسين لفن الكلمة»(30)
وهي الرواية التي يقول عنها الناقد المغربي صدوق نور الدين: «تبقى تجربة «محمد زفزاف « في «أفواه واسعة « تجربة ذهنية مدارها الأساسي الكتابة.. إنها بصيغة أخرى درس الكتابة الذي يصدر عنه الروائي، والذي يبلغه في الوقت نفسه إلى كل الممارسين لفن الكلمة.. من هنا، فإن هذه الرواية التي جاءت عقب «الحي الخلفي» لا تنخرط في ذات السياق والهم الذي انشغلت به بقية الروايات،من حيث أبعادها الاجتماعية والسياسية، وإنما تنفرد بخصوصياتها الموضوعية والجمالية.. وبذلك، تنضاف إلى تراثه الروائي وآثاره الجمالية، بل إنها الإضافة المشتغلة بالشكل، وهو مسار بدأت تشقه تجارب روائية عربية على تفاوت غاياتها ومقاصدها.»(31)
كما تقترن الكتابة بمفهومها الصرف، مع تيمة التعامل مع إشكالية الموت في كتابة هذه الرواية التي ختمت مشوار زفزف الإبداعي والحياتي على نحو من الارتباط الذي يشير إليه عبد الرحيم العلام في قوله:
« وإذا كانت قضية «الكتابة» قد شغلت الراحل محمد زفزاف في العديد من أعماله، وتحديداً في روايته الأخيرة «أفواه واسعة»، باعتبارها موضوعاً للمساءلة والانتقاد، فإن سؤال «الموت» قد جثم بدوره على هذه الرواية، وكأن زفزاف قد أحس بثقله عليه ففجره إبداعياً فيها وبشكل لافت وحدسي، حيث يخيم الموت كعتبة لتحريك العديد من الأسئلة المسكوت عنها والمرتبطة بسؤال الكينونة خصوصاً، فالموت في هذه الرواية يصبح أحد هموم الكتابة عموماً، بما هو سؤال جوهري، في ارتباطه خصوصاً بمسألة القلق والوجود والحياة والعالم الآخر، فـ «النصر للموت في آخر الأمر»، تقول الرواية (ص68): هكذا تشاء المصادفات أن تكون آخر موضوعة تحتفي بها آخر رواياته هي موضوعة «الموت»(32)
وفي معرض سؤاله حول هذه الرواية يقول زفزاف:
«لا أستطيع أن أتحدث عن هذا العمل, وقد سبق أن تحدثت عنه في بعض اللقاءات التي أجريت معي, ولكن هذا العمل يجب أن يعطي فيه النقاد رأيهم, لأنه لا يمكنني أن أنتقد عملي هذا , كما لا يمكنني أن أتحدث عنه. فقط أود أن أشير إلى أن بعض النقاد قد كتبوا عن هذا العمل, وقد اطلعتم بدون شك على الدراسة التي كتبها صبري حافظ حول « أفواه واسعة » في عدد أخير من «أخبار الأدب». وفي رأيي, فما كتبه صبري حافظ هو دراسة جيدة قاربت بالفعل هذه الرواية.(33)
خاتمة
يقول محمد زفزاف في معرض إجابته عن سؤال د. حميد أتباتو:» بعد «المرأة والوردة» و«أرصفة وجدران» و«الأفعى والبحر» و«غجر في الغابة» و«أفواه واسعة»… هل قال محمد زفزاف الأشياء التي كان يرغب في قولها؟
أجاب زفزاف : « كما سبق أن قلت لك. لم أقل كل ما أريد أن أقوله, ولا يمكن لكاتب أن يدعي أنه قال كل ما يريد قوله… فهو يستمر في الكتابة ويستدرك ما فاته».(34)
الهوامش
1- قاموس زفزاف للأدب العالميإعداد عبد القادر الجاموسيمنشورات عكاظالرباطالمغربطبعة أولى 2010
2 المرجع السابق ص39
3 المصدر السابق ص58
4 المصدر السابق ص102
5 المصدر السابق ص71
6 المصدر السابق ص71 كما تجدر الإشارة إلى أنه يعتبر أحمد اليبوري، أو«أستاذ الأجيال»، كما ينادونه في الأوساط الجامعية والثقافية، من بين أبرز الأسماء التي ساهمت في بناء صورة المغرب الثقافي، وفي ترسيخها وتعزيزها داخل الجامعة المغربية وخارجها.
7 المصدر السابقص 32
8 المصدر السابقص24
9 المصدر السابق ص10
10 أستاذ بكلية أصول الدينجامعة تطوان المغربية
11 الاستغراب الفلسفي في رواية « أرصفة وجدران»عن موقع الدكتور عبد الله الشارفhttp://www.charefab.com/Page6-5.htm
12 قاموس زفزاف للأدب العالمي.. ص20
13 المصدر السابق ص88
14 المصدر السابق، نفس الصفحة
15 سيميائية المعنى في الرواية المغربيةمحمد زفزاف نموذجاشوقي بدر يوسفملتقي القنيطرةيناير 2010
16 قاموس زفزاف العالميص11
17 المصدر السابق ص54
18 البحر في روايات محمد زفزافرواية الأفعى والبحر نموذجاـ حسن المودناتحاد كتاب المغربفرع أسفى2003
19 قاموس زفزاف العالميص100
20 المصدر السابق
21 محاولة عيش .. عالم ينبعث من فضاء المدن السفلى، والهامش الاجتماعي.. لحسن العسبي/ سعيد منتسب.. http://www.dafatir.com/vb/showthread.php?t=138352
22 قاموس زفزاف العالميص35
23 المصدر السابقالمؤلفص35
24 المصدر السابقص44
25 عبد الطيف النكاويباحث وأستاذ عربي، نشر العديد من الكتابات والدراسات في مختلف المجلات والصحف العربية والفرنسية، دكتوراه فرنسية في الدراسات اليهودية والعبرية، إجازة في اللغة العربية وآدابها، يعيش ويدرّس في فرنسا
26 دينامية الفضاء في رواية « الثعلب الذي يظهر ويختفي» لمحمد زفزاف.. موقع رابطة أدباء الشام. . http://www.odabasham.net/show.php?sid=12656
27 قاموس زفزاف العالمي ص52
28 المرجع السابق ص54
29 حوارمع الدكتور حميد أتباتو منشور في موقع مطر، على الرابط: http://matarmatar.net/vb/t16337/
30 المصدر السابق ص11
31 محمد زفزافأفواه واسعة، وإنتاج الكتابةـ صدوق نور الدينمجلة نزوي العمانيةالعدد التاسع عشرـ يوليو 1999
32 محمد زفزاف .. مغامرة الكتابة في تلويناتها العديدةعبد الرحيم العلامجريدة الشرق الأوسط اللندنيةالعدد 8033ـ 22 أغسطس 2002
33 حوار مع الدكتور حميد أتباتو منشور في موقع مطر، على الرابط: http://matarmatar.net/vb/t16337/

34 حوار مع الدكتور حميد أتباتو منشور في موقع محمد أسليم، على الرابط: http://aslimnet.free.fr/ress/h_tbatou/tba5.htm

محمد عطية محمود
قاص وروائي من مصر

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …