أخبار عاجلة

محمـــــــــد الثبيتــــي: إيقاع الحياة.. وبلاغة القصيدة

تتحرك هذه الدراسة في مجالها التطبيقي بصحبة واحد من أبناء مدرسة الشعر الجديد التي حظيت بمكان لها في أدبنا العربي في العصر الحديث، إنه محمد الثبيتي (1952- 2011م)، الذي يمكن الوقوف عليه من خلال علامات: زمانية، مكانية، ثقافية..تتضافر جميعها لتشكل وجهه الشعري الذي يطالعنا به من خلال دواوين شعره المتنوعة…
وهو من رواد قصيدة التفعيلة السعودية..ظهر نجمه الشعري واضحا في فترة الثمانينيات من القرن العشرين..في فترة شهدت حالة استقطاب بين أنصار التيار المحافظ في صياغة القصيدة، والداعين إلى الحداثة والتغيير بالتحول من الحالة العمودية إلى إبداع السطر الشعري..ومن هذه المنطقة الحرجة خرجت له مجموعتان شعريتان: «إيقاعات على زمن العشق»، و«عاشقة الزمن الوردي»..(10)
إن حركة الرعية القارئة ستخضع لسلطة وعي مشبع بمقتضى ما تحمله هذه العلامات المتعلقة بالثبيتي؛ فنحن على موعد مع ذات أنجزت التفاتا نوعيا من طور في بناء قصيدتنا العربية مكث زمنا طويلا منذ العصر الجاهلي حتى الحقبة الكلاسيكية في عصرنا الحديث…إلى نقيض، نرى فيه الثبيتي وأمثاله أصداء لصوت قريب في الزمن يرفع لواء الريادة في ذاك الشأن، ألا وهو صوت الأنثى العراقية «نازك الملائكة» ومصنفها: «قضايا الشعر المعاصر»، وديوانها الأول الذي يعكس رؤيتها لشكل القصيدة «شظايا ورماد»(11)…ومن ثم فإن ساكن بلاد الحجاز يقدم لنا رؤى جمالية للعالم من منطلق بنائي (التجارب الشعرية) يعكس القصيدة العربية في مرحلة التفعيلة..ومن ثم فإننا مع نموذج – كالذي تتمحور حوله الدراسة – يعكس ويختزل الإرث الحضاري للجماعة العربية في مجمله، لكن في أحدث تجلياته (الشعر الحر)..قبل أن ننتقل إلى مرحلة لاحقة لم تحظ برضا بعض النخبة (قصيدة النثر)..
وستكون تجارب الثبيتي الشكلية منفذا للولوج إلى مضامين دلالية تتحرك بأشعتها في اتجاهات عدة: مكانية حيث شبه جزيرة العرب موطن الكلمة الشاعرة منذ القدم..زمانية حيث تحولات المرحلة وأثرها في وعي المثقف عقلا ووجدانا..دلالية محضة تتعلق بالمولود المعنوي الذي ينشأ من تفاعل المتلقي مع الرسائل الجمالية التي تصله من هذا الصوت الشاعر..
وتعد السيرة الذاتية للمبدع القائمة خارج سياق فنه بمثابة عتبة نصية تؤدي دورها في عون المتلقي الذي يرتدي ثوب الناقد المحلل والمؤول والمقيم(12)..ففي مرحلة التكوين على سبيل المثال بالنسبة إلى الثبيتي نلحظ أنه قد تخرج في الجامعة حاصلا على بكالوريوس في علم الاجتماع..ثم مشتغلا بعد ذلك في وزارة التربية والتعليم..وقد نال تكريما عن بعض أعماله الشعرية، على سبيل المثال: جائزة نادي جدة الثقافي في العام 1991م، عن ديوان «التضاريس» ..وجائزة أفضل قصيدة في الدورة السابعة لمؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين في العام 2000م، عن قصيدة: « موقف الرمال..موقف الجناس»..لُقِّب بشاعر عكاظ في العام 2007م في فعاليات مهرجان سوق عكاظ التاريخي الأول(13)..
سياق التداول: وعي المتلقي وصناعة الفن
ما سبق يمثل جزءا من بطاقة تعريفية تأتينا سابقة التجهيز من سياق معرفي لديه قاعدة بيانات عن الشخصية المعنية بالدرس، لكن هذه البطاقة التعريفية لا تكتمل فقط بهذه الآلية؛ لذا فإن تشكيل ملامح لها عبر مراياها الفنية يجسد رافدا حيويا من روافد معرفة الذات، في ضوء ثنائية (الفاعل وفعله)، بوصف هذا الأخير في الثنائية علامة دالة تمثل مولودا حتما سيكتسب من أبيه بعض خصائصه، مع الأخذ في الحسبان لعبة المراوغة والرمز التي تحرص كل ذات فنانة على محاولة الاختباء خلفها لتعطي نفسها مساحات من الحركة تسمح لها ببث ما تريد من قيم ووجدانيات دون أن تضع نفسها في مآزق مواجهات مباشرة قد تعطل آلة الخيال التي تستمد منها طاقة العمل على المستوى الفني..
إذًا فإن فضاء الاستقبال يتحرك ذهنيا مع عمل الأديب وهو محمل بوعيين، الأول: سابق التجهيز يرده مما تلقاه عن هذا المبدع…والثاني: وعي مصنوع يتكون بناء على مرسلات دلالية يبثها ذاك المستقبل من خلال تلك المعادلات التفاعلية التي تجمع بينه وبين العمل الأدبي وصاحبه..وبمرور الزمن يتحول الوعيان معا إلى وعي جديد يكون سابق التجهيز بالنسبة إلى ذات متلقية أخرى تقوم بعمل منظومات اتصالية مع هذا الفنان نفسه مفيدة من مجهودات من سبق..في تفعيل واضح لمقتضى الدلالة المعجمية للدال (نقد) المرتبطة بالدراهم/المال ووظيفته بصفة عامة..إن الأديب يدعو القارئ إلى منجزه معطيا إياه ثمرة مجهوده الروحي؛ فيقابل ذلك المتلقي بعطاء من نوع مميز، إنه الإرسال القيمي والدلالي الذي يحمل تعليقا وحكما وتفسيرا قد صدر عن ذاك المستقبل؛ فكأننا إذًا على موعد مع نمطين من الإرسال، الأول: شكلي يقوم به الأديب وتجلى في الصيغة الظاهرة لإبداعه…والثاني: دلالي ينهض به المتابع بناء على ما وصله من الأول..ومن ثم فإن محمد الثبيتي وغيره من الرفاق يمكن القول: إنهم بعد إنجاز أدوارهم يقفون موقف المنتظر المترقب لتبعات أدوار أخرى ترتبط وثيقا بما قدموه..ولا شك في أن لهذا الانتظار جمالياته التي تمنح خطابات الفن عموما زخما وثقلا لا يُقصر العالم المرئي في دائرة رؤية الذات المبدعة على حضوره الغفل فحسب، بل ينضاف إليها تلك المصاحبات النقدية التي تسهم في توجيه دفة سفينتها المتخيلة في منتجات لاحقة تحمل بلا ريب ظلالا لرؤى قد تكونت بحكم هذه الأسفار القارئة التي تتوجه إلى جهدها، في ظل عمليات البيع والشراء الثقافية المتبادلة بين الطرفين بناء على سلطة المعجم التي تفرضها لفظة (نقد)..
وفي ضوء ثنائية (الشكل والمضمون)، وبناء على ما أسفرت عنه دراسات علم لغة النص الحديث من نتائج تجلت في قضايا اصطلاحية تبلورت على المستوى النظري يمكن القول: إن الدرس التطبيقي لبعض ما أنتجته المخيلة الشعرية عند الثبيتي الذي سيرتكز على محاور عدة تتعلق بالمعجم والأبنية التركيبية، وأنماط الخيال والموسيقى ستخضع إلى حد بعيد لمقتضى مصطلح الإحالة الذي يعالج مسائل التماسك على المستوى النصي؛ فالمنجز الأدبي الظاهر عند هذا الشاعر يحيل خارجه – على مستوى الشكل – إلى القوانين الأولى التي أرست دعائمها نازك الملائكة في كتابها قضايا الشعر المعاصر وسطعت شعرا في ديوانها: شظايا ورماد…وتحيل مضمونا خارج النص الشعري إلى الفكرة المجردة للعالم بشقيها الفردي الذي يشير إلى الذات نفسها، والجمعي الذي يلامس فكرة الجماعة بما لها من حضور تشخيصي وثقافي ذي امتدادات محلية وإقليمية حضارية، وإنسانية عامة ترتفع فوق المختلف إلى المشترك الجامع لكل أفراد الجماعة البشرية على اتساعها وانتشارها في الزمان والمكان..يضاف إلى ذلك مسألة الحضور غير الإنساني للعالم خارج الذات بتجلياته الأخرى: جماد، نبات، حيوان..ومن ثم فإن الهندسة النقدية في معالجة نصوص أديب مثل الثبيتي تعتمد على تصميم رأسي يركز جهده على البنية الشكلية للنص الشعري..وتصميم أفقي يركز على ما يقع خارج هذا الأخير في تأمل نظري واضح لفكرة العالم على اختلاف مظاهرها(14)…
وستنتقي الدراسة في نشاطها التطبيقي عملا من نسيج الثبيتي الشعري، هو ديوانه: عاشقة الزمن الوردي، وبعض ما يحتويه من قصائد(15)..
فضاء العنوان: التشكيل والرؤية
لا شك في أن العناوين بصفة عامة تشكل اختيارا مقصودا يعكس وحدات التجربة الشعرية من الداخل التي تتمثل في قصائد الديوان على سبيل المثال، في علاقة يمكن – إلى حد بعيد – وصفها بالإجمال والتفصيل، أو الرأس بالنسبة إلى الجسد؛ إذ يكتسب الأخير من الأول ملامح هويته وذلك على المستوى الدلالي الذي ينشئه المتابع بناء على ما يتراكم في فضاء وعيه بنظر أولي لما يطرحه عليه ذلك المختصر اللغوي (تركيب العنوان) من رؤى تعد بمثابة افتراضات تسعى القراءة المتأنية لتفاصيل الجسد إلى اختبار مدى توافقها معه أو تعارضها أو نقصها الذي يحتاج إلى إكمال..وفي كل الأحوال تبقى جملة العنوان موجودا يصح قراءته بوصفه بنية معلقة في فضاء الدلالة لها متعلقاتها الفكرية بعيدا عن ارتباطها الشكلي القدري بمفردات العمل من الداخل(16)..فنحن مع العنوان الأول: «عاشقة الزمن الوردي» على موعد مع مؤنث يتخذ لنفسه موقع الفاعل الذي يقوم بإرسال رسالة فعلية (العشق) إلى موضوع/مفعول يتجلى في زمن بمواصفات سحرية/فردوسية/مثالية (الزمن الوردي)..هنا تنشط الحاسة التساؤلية لدى المستقبل لتبحث عن رسم/مصباح يضيء ذلك الذي ينطوي على قدر من الغموض: من هذه العاشقة؟..وفي أي زمن تعيش لدرجة تدفعها إلى إنشاد المغاير (الزمن الوردي)؟..وفي أي مكان تحيا؟..هذه الأنساق الاستفهامية وغيرها تتغيا أجوبة خبرية، بعضها قد يأتي من منطقة الثبات في حوار مسرحي ينهض به المتلقي مع العنوان تساعده فيه حصيلته المعرفية واللغوية دون حركة ذهنية بعيدا عن البناء العنواني..والبعض الآخر حتمي سيقوم به ذلك المحاور المتلقي لا محالة من خلال نشاطه التأملي في تفاصيل ذلك العالم الفني من داخله بناء على هذه العلاقة المنطقية الطبيعية التي تصل الرأس (العنوان) بالجسد (العمل..)..ومن ثم فبحوار أولي مع ذلك المجمل المختصر نصير على موعد مع اختيارات من متعدد: قد تبدو هذه العاشقة في ثوب تشخيصي تحيل إلى أنثى إما ذات حضور ملموس في دنيا الشاعر، وإما أن تكون أنثى إنسانية متخيلة قد تشكلت ملامحها في خاطر ذاك الأديب..وبعيدا عما هو إنساني قد يكون هذا المؤنث هو نفسه الحالمة الرومانسية التي تصبو مبتعدة عن عالم جمعي لتنشد زمنًا بمواصفات خاصة متمناة..
في كل الأحوال نحن على موعد مع بناء لغوي ناقص – إلى حد كبير – هل نحن مع خبر يوضح ويتمم مسكوتا عنه (مبتدأ) قد يكون على تقدير (هذه) كأننا أمام صوت ينادينا مشيرا بأصابعه إلى حالة شديدة الخصوصية والتميز (عاشقة…)؛ إذًا نحن على موعد مع عالم يوجه إلينا دعوة لنظر مؤقت إليه..ثم بعد حين نولي وجهنا عقلا وقلبا باتجاه إشارات أصابعه إلى ما يريدنا الالتحام به..فإذا كان النص التوراتي يقول: في البدء كانت الكلمة..التي اشتقت منه الأديبة الكويتية سعاد الصباح عنوان ديوانها «في البدء كانت الأنثى» يعني أن الرحم الأنثوي على اتساعه ورمزيته يعد البداية التي انطلق منها الإنسان في رحلته فإننا نجد أن الثبيتي يبدو عاملا بمقتضى تلك الحتمية؛ فالبداية الأنثوية في عنوانه تنقلنا بإرادة مسيطرة إلى متعلقاتها «..عاشقة الزمن الوردي»..إننا في حالة اشتباك ذهني مع خبر لا يملك فكاكا من أنثى بغض النظر عن كينونتها من حيث الحقيقة التاريخية أو الجمال المتخيل..ومن ثم تصير المرأة الرمز وفقا لتلك القراءة لبنية العنوان بمثابة الإطار الحاضن المحتوي لهذا الرحال الذي ينشد مأوى ربما يجده في غرفات ذلك العالم الفني عند الثبيتي من داخله..
لكن هذه القراءة لا تبدو أنها الوحيدة/المفردة في ذاك الشأن فربما كان هذا المنطوق « عاشقة الزمن الوردي..» هو المبتدأ الذي يتغيا خبرا به يكتمل ويتحقق؛ فيا تُرى ما الحال؟ وماذا تريد؟ هذه الأنثى من أخبار لتتحقق بالشروط التي ترضيها؛ إنها متصلة بوجدانها بالزمن الوردي لذا فإنها وفق هذه الحالة الذهنية والروحية تبحث عن التعانق مع خبر ينسجم متصالحا مع حالتها هذه، يعينها عليها، يأخذ بيدها وصولا إلى ذاك الزمن الغاية، يحافظ لها على غايتها، يحميهما معا..ومن ثم يصير هذا الخبر في رسم فارس فحل بمواصفات تتيح لهذه الأنثى إشباعا واقترابا من درجة التمام..ووفق تلك الرؤية يمكن القول: إننا بصدد احتمالات دلالية، من نوع: عاشقة الزمن الوردي أفكاري، عاشقة الزمن الوردي كلماتي/ قصائدي، عاشقة الزمن الوردي حياة مضت، عاشقة الزمن الوردي طفولتي، عاشقة الزمن الوردي حبيبة تعلقت بها روحي…
لكننا في كل الأحوال نستطيع القول: إننا أمام أنثى تحاصرنا في البدء (على افتراض وجود فجوة نصية/مبتدأ مسكوت عنه..)..وفي المنتهى (على افتراض وجود فجوة نصية/خبر مسكوت عنه..)..وبين المحطتين/الاحتمالين تريد لنا الذات الشاعرة أن نسكن مسافة لا يبدو أننا سنأوي فيها مستريحين نلتقط أنفاسنا، بل لزاما علينا الحركة بحثا عن بنايات نقيمها بناء على صلات تفاعلية تنشأ بيننا وبين غرفات هذا العالم من داخله، نرى فيها ظلالا لا تفتأ تتخلى عنا لهذا المؤنث الفاعل: الكلمة/الصورة/التفعيلة/الفكرة/القصيدة..أي أننا بعد هذه القراءة الأولى التي لا تعدو أن تكون افتراضات/ظنونا واحتمالات مؤقتة وليست مستديمة/يقينية/نهائية في كل الأحوال لزاما علينا في ظل علاقة الإحالة البعدية /الجبرية/الحتمية التي تربط العنوان بتفاصيل الجسد الأدبي أن نلج متجولين مفردات هذا الكيان اللغوي على اتساعه وامتداده لنضيف ونعدل ونغير ونحذف في مبنى الدلالة الذي بدأ في التكون منذ اللقاء خارج النص الأدبي بالمبدع ومحددات الزمان والمكان المضيئة لبعض من شخصيته..لذا فإن ناتج المعادلة التفاعلية بين المتلقي والعنوان ليس إلا مشجعا على المزيد من الحركة الجمالية فيما أنشأته يد هذا الفنان…
وفي ضوء علاقة الإجمال والتفصيل تتحول هذه البنية اللغوية المكثفة إلى تنويعات فنية تعكسها هذه العناوين الفرعية لقصائد الديوان من الداخل..ومن ثم يمكن القول: إن الرحلة الذهنية التي ينجزها المستقبل ستجعل هذا الإطار (عاشقة الزمن الوردي) يستحيل إلى بنيات أخرى شديدة الوجازة من نوع: صوت من الصف الأخير، الرحيل إلى شواطئ الأحلام، إيقاعات على زمن العشق، عاشقة الزمن الوردي..إذًا فنحن على موعد مع مخطط شديد الدقة بالنظر إلى علاقة الإحالة البعدية من الخارج الواقعي إلى الداخل الفني، هذا المخطط يبدأ بـ(الأديب/الثبيتي)، ثم عنوان الديوان الشعري (عاشقة الزمن الوردي على سبيل المثال)، ثم عنوان كل قصيدة من قصائده على حدة، هذا الأخير الذي يأخذنا إلى البنية السطحية للقصيدة المتعلقة به، وكأننا أمام بنية شجرية يحيل الأصل فيها إلى الفرع وبالعكس..
شعرية التماسك بين الواقعي والمتخيل
بناء على خط السير المرسوم وفق هذا المخطط تتوقف عين المستقبل مع قصيدة: «صوت من الصف الأخير»:
هل كنتَ يوما في الحياة رسـولا
أم عاملا في ظلها مجهـــولا؟(17)
إن ذات الشاعر في ذاك المطلع التساؤلي تجادل موقعا في السياق الاجتماعي، هو موقع (المعلم)..تتوجه بخطاب لتجارب ترتبط به، يمكننا القول: إنها وصلت في رحلة العمر إلى عتبات نستطيع نعتها بالقلقة، تقف فيها من نفسها ومن عالمها موقف المقيِّم الباحث عن نتائج، ماذا جنيتُ؟..وأين أنا من أحلامي التي استهللت بها حياتي؟..ماذا تحقق منها؟..وماذا بقي لم يتحقق؟..وما الذي تحطم منها على صخرة الحياة الصلبة؟..
إن صوت الشاعر يحاول بذلك ارتداء ثوب تشخيصي لتلك المحطات القلقة في العمر، يمنحها بذلك قدرة على النطق في آلية تجمع بين المتناقضين في آن معا: المونولوج (خطاب الذات لنفسها)، والديالوج (خطاب الآخر معها..)..وكأن صوت الشاعر يحاول التلبس بصوت الوعي النابع من داخل الذات يحاورها وتسمعه..وفي الوقت ذاته يسعى إلى أن يكون لسان حال له موقعه في السياق الخارجي يكشف عما يمكن تسميته وصف/رصد/بيان حالة لهذا الإنسان المتصل مهنيا واجتماعيا بهذا الدور الحيوي (المعَلِّم)..وتزامنا مع هذا النسق الشعري السائل الذي ربما يكون في عمقه خبرا كاشفا أكثر من كونه استفهاما يتغيا جوابا يمكن لكل ذات متلقية بغض النظر عن موقعها في العالم أن تشيد طريقا بين طرفين لتعرف على وجه الدقة موقعها قربا أو بعدا من كل طرف: بين الهو ناقص التحقيق المنفصل عن الحلم…والأنا المتعانق مع فضاء الحلم أين أنا؟(18)..
وتزداد شمس هذا الاستهلال التساؤلي وضوحا مع استئناف الرحلة في داخل بنية القصيدة:
ووقفتَ من خلف المسيرة معرضا
عن أن تكونَ من الصفوف الأولى
تتسابق الأجيال في خوض العلا
وقعدت عنها هل أقولُ كسـولا؟
ماذا أعاقك أن تخوض غمارها
سعيا وغيرك خاضها محمـولا؟
قالوا بأنك في الحياة مجاهـدا
تبني وتنشئ أنفسا وعقــولا
ضحكوا لشوقي حين قال مفلسفا
«قم للمعلم وفه التبجيــــلا»(19)
في معجم القصيدة تكرار لضمير المخاطب (أنتَ)، في انعكاس لافت لهذا التدفق/الانسياب للخواطر في داخل فضاء الوعي..وبريشة رسام يضع صوت الشاعر خطين متوازيين، تقع بينهما الأنا المفردة وهي في حالة عراك/صراع بين إرادة يبثها كل واحد منهما، وكأنها معمول قد تنازع عليه عاملان، كل منهما يريد ترك آثار فيه؛ ففي معجم القصيدة بالنظر إلى هذا الجزء فيها نجد حضورا واضحا لصيغ الأفعال بأنواعها: وقفتَ، تتسابق، قعدتَ، أعاقكَ، تخوضَ، قالوا، ضحكوا، قم..الملاحظ أن بعض هذه الأنساق الفعلية يأخذنا إلى الذات المخاطبة..بينما البعض الآخر يحيل إلى العالم المحيط بها..أما عن الرابط بين الاثنين فهي هذا الصوت الشاعر الذي يقع موقع الرائي الواصف الكاشف لأبعاد هذه المعادلة الحياتية على اتساعها التي تتكون من ذات: فرد/جماعة، وعالم…تكون نتائجها محصول خبرات وتجارب تتراكم بانتظار من يرتدي ثوب المؤرخ الذي يكشف عنها اللثام ويحفظها..ويبدو أن هذا الدور الذي ينشده كل منا – أي المؤرخ – الذي يضمن لنا حضورا متواصلا عبر الزمان وإن انقضت حياتنا ماديا بشرط الأثر والقيمة التي تنطوي عليها أفعالنا يضفي على صوت الشاعر على وجه التحديد طابع الراوي القاص، الذي يستحضر من الماضي إلى الحاضر بعد انقضاء هذا الأول..
إن شاعرنا الثبيتي يسعى بمنطوقه الجمالي هذا أن يقدم ما يمكن تسميته صورة بيانية كلية؛ فنحن على موعد مع مجاز مرسل علاقته الجزئية، إن الثبيتي يطلق الجزء (نفسه) ويريد كلا يتدرج في الاتساع حتى يصل إلى ما هو شديد العمومية(20)؛ فمن الثبيتي الذي عمل بوزارة التربية والتعليم إلى كل من على شاكلته في داخل السياق الاجتماعي..إلى الإنسان في العالم وفي سياق الحياة الدنيا بصفة عامة الذي يقف من نفسه وتجاربه فيها موقف الراصد المقيم؛ لذا يصير ضمير المخاطب (أنتَ) بمثابة أيقونة تسكنها حكاية شديدة الاتساع والتعقيد، عناصرها: إنسان، زمان/دنيا، مكان/كوكب الأرض، حدث/أعمال هذا الخليفة الذي خُلَق في كبد، شعور الألم يبقى مهيمنا عليه مهما كانت لحظات التحقق التي يعيشها(21)..
ومن ثم تصبح القصيدة (صوت من الصف الأخير) مطية فنية تعكس في مرآتها رغبة في عملية تبديل المواقع، من الأنا الفاعلة التي تعيش تجربتها وتصنعها بمشاركة آخرين..إلى الأنت الذي يراها ويقدم رأيه فيها بعد أن تنقضي تجربتها تلك..إن صوت الثبيتي الفني يكشف بجلاء عن هذا الالتفات من الثبيتي الواقعي إلى الثبيتي الجمالي الذي يرتدي ثوب ناقد/مؤرخ/صاحب رأي/عين تراني وتحكم عليَّ..في تضافر سياقي يعبر عن لُحمة واحدة تجمع كلا من الواقع والفن المرتبط به في تشكله معا..وبحكم هذا الموقع على المستوى الفني يصير لزاما على المتلقي أن ينجز عملية التحام بهذا الضمير (أنتَ) مشخصا إياه ليستقبل لبعض الوقت رسائل هذا الصوت الذي يبث إليه ما يمكن أن نسميه كشف حساب للماضي، من موقع حياتي/مكاني بالغ الخطورة، إنه الصف الأخير؛ فبنظر مجرد تفرضه صيغة عنوان هذه القصيدة يتسنى القول: إن الجالس في الصف الأخير يملك بصرا ذا قدرة جامعة على الإحاطة بما يكون أمامه..في الوقت الذي يبدو فيه الجالسون في الصفوف المتقدمة ظهورا لا تستطيع الرؤية خلفها؛ فكأننا أمام ظهر لبطن وعين..ولا شك في أن هذه الهيئات تعد بمثابة نداء تحذيري يصدره صوت الشاعر مفاده: انتبه ففي غفلتك وانشغالك بما يقع أمامك وحولك هناك عيون تراك وإن لم تسنح الظروف أو تعطك الأقدار فرصة لترصدها..وكأن صوت الشاعر في جوهره العميق هو صوت الحياة في مجملها في تعليقها على هذا المنشغل المهموم..ومن ثم فإن الدال «الأخير» يبدو ذا دلالة مضطربة/قلقة لا تنكمش في مدلول محدد؛ فهي ليست إشارة مكانية بقدر ما هي تعبير عن الحال الحياتي في تجلياته الزمانية التي تكشف عن حركة هذا الراحل الإنساني فيها وما يترتب عليها من منجزات حدثية لها من يراها ويسجلها ويضعها في ميزان التقييم والحكم(22)…
إن « صوت من الصف الأخير» عند الثبيتي تمثل منطقة التقاء جمالية بين ما هو ذاتي (تجربة الشاعر الواقعية على المستوى الفردي وظلالها في عالمه الفني)، وما هو موضوعي (تمدد فضاء الدلالة واتساعه ليشمل تجربة الإنسان في الحياة عموما..)؛ لذا يصبح الدال «معلم» في معجم القصيدة ذا دلالة مراوغة تعرج فوق ما هو راهن زمانا ومكانا إلى سماء شديدة الاتساع بإمكانها أن تحوي الجماعة الإنسانية بكل عناصرها التي تبث إلى فضائها نتاج تجاربها، ليتواصل معها مفيدا ومعتبرا ومتعلما الآتي بعد؛ مما يمنحها دور المعلم الذي يرسل بإزاء مستقبلين يشغلون موقع المتعلم..
لكن هذا العام الذي يطرح نفسه علينا يأتينا من طريق الخاص وما يعتريه من ملابسات تتوسل بأحبال تربطها بتجربة الشاعر الثبيتي نفسه، الذي يقف في قصيدته هذه على عتبة لا يبدو أنها ساكنة مطمئنة تقدم لنا في سياقنا الاجتماعي بتجلياته المحلية إشكالية تتعلق بالمعلم ومكانته التي يحظى بها في مجتمعاتنا ونظرة الآخرين له..كأن القصيدة تناقش جماليا إشكالية تتمثل فيما يمكن تسميته (التقديم والتأخير) فيما يتصل بالنظرة إلى المعلم وارتباطها بميزان القيمة الثقافية في داخل المجتمع، الذي ينجز من زمن لآخر عمليات تقديم لبعض الشرائح على حساب تأخير أخرى..إننا بصوت الشاعر الذي نسمعه ونرى من خلاله بوصفه نافذة على الخارج مدعوون للوقوف أمام إشكالية النظر الجمعي وتداعياته على الذات، وما قد تسفر عنه هذه التداعيات من أزمات شديدة الوطأة تلقي بثقلها على جهازها النفسي والوجداني..كل ذلك يأتينا في إطار ثنائية (الأنا الناظر، والأنت المنظور) التي تسطع فنيا من خلال صوت الثبيتي الذي يؤدي الدورين معا بالنظر إلى تجربته واقعا وتشكلها شعرا(23)…
إذا فإن كلمة الأخير في مأخذها الدلالي المباشر القريب من تجربة الثبيتي تضعنا أمام هذا الفرز الاجتماعي للأفراد والجماعات، التي تفرض علينا في ظل متحول زمني أمام مقارنة جبرية بين ما هو كائن قد يكون في جل مكوناته قائما رغما عنا..وما ينبغي أن يكون مما يلامس فضاء أحلامنا فردوسية الهيئة..وبناء على ذلك يضحى هذا التعبير الانفعالي «ضحكوا» في قول الثبيتي:
«ضحكوا لشوقي حين قال مفلسفـــــا
قم للمعلم وفه التبجيـــــلا» انعكاسا لسخرية تكشف بونا شاسعا بين الشئ في جوهر قيمته كما تلتقطه عين الذات ونموذجها الثبيتي، والشئ في حضوره كما ترصده عين جمعية تعتريها عيوب ومثالب من وجهة نظر هذه الذات الفردية؛ إذًا فنحن بهذا الالتحام مع تجربة الثبيتي في مدلولاتها القريبة أمام جدلية النظرة إلى العالم، في عين الأنا، وفي عين غيرها(24)؛ وهو ما يجعل المنظور متعدد الهيئات بناء على تعارض النظرات وتغايرها بين الأنا وقناعاتها الذهنية والعاطفية، وبين الآخر فردا كان أم واقعا أم جماعة أو جماعات وأنساقها القيمية والثقافية التي قد تضع الذات في مآزق تجعل لنظرتها لعالمها مصطبغة بصبغة مأساوية مؤلمة…
ومن الحركة التأويلية الصادرة عن المتلقي التي يوازيها صمتا وسكونا من قبل عالم الفن إلى الحركة الجمالية التي يعكسها صوت الشاعر الناطق التي تقابلها صمتا وترقبا وسكونا من قبل المتلقي المستمع نكمل الرحلة مع الثبيتي في قصيدته:
هل أنصفوك بما يصوغ بيانـهم
أو عوضوك عن الطموح بديــلا
ماذا جنيتُ سوى العقوق من الذي
أسقيتُ نخب العلوم طويــــلا
وجلوت عن عينيه كل غشــاوة
ووهبْتُه زهر الشباب دليــــلا
متعثر الخطوات مرهـون القوى
تحنو عليه محبة وقبـــــولا
….
ازور عنك تنكرا وتجاهـــــلا
ورنا إليك ترفعا وفضـــــولا
فكأن كفك لم تربت خده يومـــا
ولم تسدِ إليك جميــــــــلا

فالكون يم زاخر ينسي بـــــه
من شاد صرحا أو أنار سبيـــلا
والأمس خلف خطاك قفـر صامتٌ
وغد أمامك في الطريق قتيـــلا
فارفع بفكرك للشباب منــــارة
واربأ به أن يطلب التبجيــــلا(25)
في ضوء هذه الصورة الكلية (المجاز المرسل ذو العلاقة الجزئية؛ أطلقنا الجزء/ تجربة الشاعر، وأردنا الكل/ حال الإنسان في الحياة) يستمر صوت الشاعر مرتديا ثوب الراوي الواصف، الذي تسمح لنا قراءته لبعض مفردات العالم أن ننشئ فضاء دلاليا زئبقي الطابع؛ يتمدد حينا لنرى الكائن الإنساني في عمومه، وينكمش حينا آخر لنحدد عدسة الرؤية ونقلصها في تجربة الشاعر الفرد على وجه الخصوص..وعند الانكماش نلمح ذاتا معذبة بصنيع من حولها؛ فإذا كان ربنا يقول: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»(26)؛ فإننا نجد هذا المعلم المتشخص في ذات الثبيتي على سبيل المثال يعاني من مقتضى هذا المنطوق المثلي العربي «جزاؤه جزاء سنمار»..فنحن على موعد مع رسائل إيجابية يبثها هذا المعلم بما يجعله أقرب إلى الأنبياء في أدوارهم الذي يسهمون بدعوتهم في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لكن الجزاء في المقابل عبارة عن رسائل سلبية تصل هذا المصباح المضيئ من المحيطين به، تتجسد جماليا في هذه المشاهد المأساوية، على سبيل المثال: ازور عنك تنكرا وتجاهلا

إن الثبيتي الذي يقيم إيقاع بنائه الفني هذا على تفعيلة بحر الكامل بتغيراتها (مُتْفاعلن/متَفاعِلُن) يقدم لنا بالتوازي مع ما يمكن تسميته موسيقى داخلية تنبعث من نسقين فكريين يأتي أحدهما على الضد من الآخر، تجليهما ثنائية (منظور رؤية الذات، ومنظور رؤية الغير..)، إن إشكالية القيمة التي تطرحها الذات للنقاش الجمالي عبر قصيدتها تفضي في النهايات إلى قناعات/أحكام/تعليق يشير إلى نفس مجاوزة تتدثر بثوب المثالي الرومانسي الذي يخاصم واقعه بصخبه وضجيج ما يحمله من أفكار بحثا وتوسلا بأحلام فردية شديدة الخصوصية، الكشف عنها والرغبة في إدراكها يأتي من بوابة الأزمة التي تكابدها..إن الشاعر/المعلم ومن وراءه متدثرا بهذا الدور يقع في موقع المخاطَب بإزاء صوت الضمير الذي يناديه ناصحا:
والأمس خلف خطاك قفـر صامتٌ
وغد أمامك في الطريق قتيـــلا
فارفع بفكرك للشباب منــــارة
واربأ به أن يطلب التبجيــــلا(27)
إننا هاهنا مع الشاعر بصدد ما يمكن أن نطلق عليه أدب المقاومة الرومانسي، جهاد الواقع وبعض ما يهيمن على وعائه الأيديولوجي من قيم ترى الذات المثقفة المأزومة أنها بحاجة إلى مراجعة ناقدة من وقت إلى آخر..وفي هذه الحالة الجدلية يدخل إلى فضاء النقاش الجمالي عبر القصيدة مقول أحمد شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا…كاد المعلم أن يكون رسولا
إن هذا التناص(28) مع سياق شعري آخر، ينتمي صاحبه إلى المدرسة الكلاسيكية في الأدب العربي الحديث، المتمسكة ببعض تقاليد القدماء في صياغة القصيدة التي جاء أنصار الشعر الجديد ومنهم الثبيتي ليجادلوها بحثا عن بناء شكلي مختلف(29)..يدفع إلى تأمل موقع تقف عليه ذات المبدع، يتفاعل مع العالم مواجها له بعينين، الأولى: تتحرك باتجاه ما هو واقعي (النظرة إلى منزلة المعلم..وما أصابها من خلل)..وما هو فني (مقول الكلاسيكي المنتمي إلى الإحياء والبعث الذي يقدم صورة فردوسية لشخص المعلم يبدو أن مناظير الرؤى الآتية من السياق المجتمعي لم تعد تقيم لها بالا بالدرجة المتمناة من قبل الثبيتي..
لذا بعد هذه الآلية الوصفية تطرح المخيلة الشاعرة حكما في خاتمة ذلك العالم الفني ينطوي على إرادة مقاومة فردية تؤكد على ضرورة أن تتصالح الذات مع قناعاتها ولا تتخلى مستسلمة عنها إلى غيرها، في عملية التفات قد تهدد بأن تنعت الشخصية بصفة متحولة؛ الثبيتي يؤمن شعرا بقيمة الثبات على المبدأ مادام صائبا، في الوقت الذي يبيع فيه آخرون مبادئهم في أسواق واقعية تصير فيها الأفكار والقيم بضاعة مزجاة متروكة لا يعبأ بها من يتدثرون بأثواب براجماتية/نفعية، تجعل من المنطق المكيافيللي «الغاية تبرر الوسيلة» سلطانا فكريا ذا تأثير بالغ على الأنساق الفعلية للفرد والجماعة…
إذًا في ضوء هذا الختام الشعري يتبين بصفة عامة أن الوعي الإنساني على تجلييه الفردي والجمعي قد يعيش في أحيان ليست بالقليلة حالة من الصراع بين الصور الذهنية التي تقبع في داخله، والأحوال الواقعية التي قد تنقضها وتأتي على العكس منها، مما يسبب في مآزق ينجم عنها ويصاحبها اضطرابات تلقي بظلال على السلوك(30)..ومن ثم فإن هذه الخاتمة الشعرية يمكن القول عنها: إنها من النوع المغلق(31) الذي لا يكتفي فقط بمجرد الطرح الواصف، بل يتعداه في مسلك إيجابي ليقدم ما يراه حلولا، فيها من مفردات الصبر والمقاومة والتحدي ما يعيد إنتاج الذات في هيئة أكثر صلابة وقدرة على الحركة داخل سياقها الاجتماعي..فإذا كان الأصل – وفقا للصورة الذهنية المرسومة – أن يتعامل المعلم بقدر عال من التبجيل الذي يستأهله لمنزلته القريبة من منزلة الأنبياء والرسل فإن الواقع يبدو أن لبعض من فيه رأيا آخر يعارض بلسان الحال مكونات هذه الصورة؛ لذا فعلى الذات في رحلة العمر أن تسير نافضة عنها أكفان اليأس والاستسلام فلا تنتظر أن تجد لصورتها هذه انعكاسات على أرض الواقع..
وبناء على ما سبق تضعنا هذه الحالة الجدلية المتشكلة جماليا عبر هذه القصيدة للثبيتي أمام بناءين كليين:
الأول: تركيبي/أسلوبي، يتجلى في جملة نداء إنشائية يوجهها منادِي/مخاطِِب إلى مخاطَب ذي مستويات عدة، يمكن التعامل معها بنظر جيولوجي يبدأ ببنية سطحية تتمثل في: الشاعر/المعلم/الثبيتي، ثم بنية عميقة: المعلم بصفة عامة، ثم بنية أعمق: الإنسان وحياته على وجه الأرض..كأننا على موعد مع مخاطب متعدد الطبقات يبدأ بما هو قريب يحيل إلى تجربة الثبيتي مباشرة ثم يشرع في الاتساع والتمدد تدريجيا، صيغة هذا الإنشاء على سبيل المثال قد يكون في هذا الثوب اللغوي: يأيها المستمع لحديثي هذه تجربتي فانظر إلى نفسك فيها، مقارنا ومحددا ومقيما..
إذًا فنحن أمام نداء ينطوي على أمر أو توجيه في عملية تضفي على صوت الثبيتي طابعا وعظيا إرشاديا تتيحه له تجربة حياتية بلغت من النضج الكثير..
الثاني: نسق بلاغي خيالي؛ فنحن أمام مشهد شعري يختزل ما هو حياتي كلي عام، إننا بصدد صورة بيانية كلية هي المجاز المرسل ذو العلاقة الجزئية، لقد أطلقنا الجزء: صوت الثبيتي/المعلم وتجربته وأردنا الكل: الإنسان وحياته عموما..
وبناء على هذا المنظور الجيولوجي في التعامل مع المخاطَب الذي ينقلنا مما هو خاص إلى ما هو عام في نسق أيديولوجي تفرضه الآلة التأويلية يمكن القول بشئ من التوسع والعموم: إن ثنائية (الواقع والفن) ترتبط بشكل وثيق بثنائية (اليقين والظن)؛ فنحن بصدد ما يمكن تسميته ثابتا واقعيا يقينيا، تلتقطه عين الفنان على تنوع أشكالها لتعيد تشكيله وفق لعبة الخيال الفنية المعروفة، بما يفتح المجال واسعا لظنون تجعل من الدلالة احتمالا ورجما بالغيب، تتكاثر في انتشارها أفقيا بناء على الذوات الفاعلة المتلقية وما تراه من وجهة نظرها معنى يصلح لكشف الغامض في هذا الفني..ومن ثم يصير فعل القراءة بمثابة فعل ناقص غير تام؛ يدفع دائما إلى عمليات تالية في التفاعل مع النص دون الجزم بوجود سقف محدد ترتقي وتتوقف عنده هذه الأنشطة المستقبلة(32)..
هناك مسافة جمالية يحرص الفن متمثلا في كل الأنماط المنتمية إليه على رسمها وتحديدها، تتيح لعين المبدع موقعا تفرديا عبقريا في الرؤية..وتعد هذه المسافة كلمة السر ومربط الفرس في كل ما يسم الفن عموما من ميزات تمنحه هويته الخاصة بإزاء عالم الحقيقة والواقع..ومن هذه المسافة يمكن القول أيضا: إن مفهوم الرومانسية في مضمونه الذي يحيل إلى مسألة الابتعاد عن الحالة الجمعية والالتحام بما هو ذاتي(33) يعد مكونا أصيلا من مكونات اللعبة الإبداعية – إلى حد كبير – فما من ذات فنانة وإلا وتنهض بهذه الرحلة وهي تنسج خيوطا تسكتها وتلونها بما يموج في وعاء الذات..فإذا كان وادي عبقر المنطلق من ثقافتنا العربية يجسد نشاطا أدبيا يمزج بين ما هو أسطوري/ميتافيزيقي، وما هو تاريخي له ظلال من الحقيقة فإننا نستطيع القول بشئ من التضافر بين أمرين: إن الرومانسية بمفهومها الغربي بالنظر إلى هذه الحالة الثقافية المرسلة من وعائنا التراثي العربي تعد غلافا خارجيا يحيط بكل منجز فني بناء على طبيعة النوع الذي يندرج تحته..
ومن ثم فإن الرومانسية بوصفها منهجا في الرؤية تعد الخاص الذي يأتي تاليا لعام يجعل من كل عمل فني على اختلاف توجهه المذهبي ذا مسحة رومانسية بالنظر إلى بعض تجلياتها الدلالية…

—————————–

أحمد يحيي علي محمد