أخبار عاجلة

مذاق التيه

كان الجابي الأبله يتصفح مجلة نسائية, قلت له: أريد تذكرة إلى »فلينجن«. كشر وانهال علي بنظرة خاطفة ثم عاد إلى نسائه, كررت الطلب, قال: لا وجود لمدينة بهذا الاسم.

قلت إنها قرية صغيرة بين ؛(BRILLON WALD) وكورباخ, بدا انه لم يفهم شيئا. بحث في خريطته ثم سألني إن كنت أمزح. قلت: لا وقت لي, هبني تذكرة وأرحني من غبائك, شخص إلي بعينيه الفولاذيتين وسلمني تذكرة خضراء. كان الاسم يبدأ بحرف (V) فنبهته إلى أن اسم القرية التي أقصد يبدأ بحرف (W) ضحك وقال: انهم سيان. وفتح المجلة من جديد.

في المقصورة وجدت فاتنتين تلعبان الورق, كانت شمس الصباح تدب عبر الزجاج ناثرة أشعتها الفضية على وجههما فتزدادان بهاء, وكنت أتأمل خضرة الحقول الراكضة وأحلم بفراش ناعم في منزل خشبي, أرتاح فيه من عياء السفر الطويل الذي أخاف ألا ينتهي, وحين داعبت الشمس كتفي تمددت على المقعد الأزرق وحلمت بحديقة صغيرة يتوسطها رواق أبيض تحف به ورود صفراء وأرجوحة خضراء, تغريني بركوبها وأنا اختار الاضطجاع فوق العشب وألاعب كلبا أشهب حتى تأتي جارية سمراء تقدم لي طبق الأوز المطبوخ بالفطر والمرشوش بالكافيار ونبيذ الكوكياج وتنصحني بعدم الافراط في الأكل لأن التخمة تجلب الكوابيس. أشكرها وأقبلها وألتهم الطبق عن آخره ثم أمضي الى الأرجوحة وأنام فأحلم بسرير مائي في بحيرة فسيحة لا يصلها أحد تقطنها نوارس حمراء أراقصها وأعلمها لغة العيون بعيدا عن صخب التهامس وحشو التواصل. أتركها لضفافها الدافئة وأستلقي تحت الشمس مغرما بألوانها التي لا ترى إلا من فوق الماء, والأسماك الحمقاء تغطس وتطفو بين جانبيه ترسم على سطح الماء أمواجا صغيرة ودوائر لولبية تدغدغ سريري فأغفو وأحلم بقطار ضوئي يمر بالصدفة كي يهجر بي من مناطق النوم الى ضواحي الإقامة. وفي الحين أسمع نقرا على الزجاج:

– التذاكر

أستيقظ كمن يقاوم جاثوما ثقيلا, واسلمه التذكرة.

– شكرا.

وأحاول  الامساك ثانية بالعشب والماء وأبحث سدى عن الكلب الأشهب والنوارس الحمراء. ثم أريح رأسي على النافذة شاردا في هذا الملكوت الأخضر, وعندما تسألني إحدى الفاتنتين من أين أتيت أصحو على صدمة الانتساب الجغرافي الخانق.

– أنا من أعلى مجرة في هذا الكون.

– تضحك, تدعوني الى لعبة الورق. نشرب الشاي الإنجليزي, ولا نقول شيئا, يسرح الصمت في مجرى جلستنا.

– كنت أمضي كعادتي إلى المجهول وكانتا ذاهبتين الى إحدى بحيرات الغابة السوداء. فتمنيت أن يقودني هذا القطار الجهنمي إلى آخر محطة حيث لا تخوم ولا لغة ولا تذكرة ولا ذاكرة ولا ورق ولا ماء ولا حيرة داهية. فجأة أوقفت اللعب واسترخيت فوق المقعد الأزرق عساني أرتاح من هذا القلق الخفي الذي يقيم في صدري منذ سنوات ويحولني إلى صخرة قاسية. يخلق بيني وبين الآخرين حواجز لا ترحم, عادة ما تسألني امرأة عابرة في حانة تضج بالرواد: لم أنت حزين?

– لا أسمع, أدس رأسي في الكأس وأنسى كل اللغات, هو ذا قدري الوفي أتدثر به في أبعد المدن وأغسله بالنكران في سرير الأرق, أعاتبه قليلا حين يغيب وأعذبه حين يلتصق بي كالجذام.

– لم لا تضحك?

لأني أنام خلف الريح وأهرب من ضجيج الفيافي وأتشبث بكل ما ينزع عن حياتي معنى التدبير والغدية, أنا أسير اللحظة وأمير الفجوات, لكن المراقب يجيء مرة أخرى ويخبرنا بالاستعداد لآخر محطة. أمنح احدى الفاتنتين العنوان الذي سأقيم فيه فتصدم بالفرق الموجود بين حرف V وحرف W وتركض في أعقاب المراقب, بعد لحظات يعودان معا وأسمع صوت الصاعقة يدوي في الكلمات: لقد أخطأت السبيل.

– ما العمل إذن?

الفاتنتان تنظران إلي في دهشة وانخطاف, وأنا أزداد فرحا, لأني حركت قلب البهاء, ولأن التيه وليد تاريخ عتيق يلاحقني, حتى أن غيابه المؤقت يؤرقني أحيانا.

عليك أن تنزل في المحطة القادمة.

لست أدري لم أصب بالكآبة الكريهة كلما كنت مضطرا الى البقاء وحيدا, أشعر أن العالم أجمع يتآمر على مشاعري وأني كائن منذور للعزلة والضلال.

أغادر القطار في محطة »أوفنباخ« وتلتصق الفاتنتان بزجاج النافذة تلوحان لي بأصابعهما الرخامية والبسمة الحزينة ترتسم على محياهما. أما أنا فلا أجد ما يكفي من القوة لكي أبادلهما تحية الوداع, لقد أصابني شلل تام ووقفت أحدق في الزمن اللعوب وهو يزحف بسرعة مدمرة حاملا ما تبقى لدينا من أحلام. أجلس فوق مقعد أسود. يأتي شخص قوي البنية, يسألني إن كنت أرغب في شراء الحشيش الأفغاني أو الهيروين أو الكوكايين أو الماريجوانا أو الأفيون أو أقراص ال- L.S.D أشكره وأسأله عن توقيت القطار القادم.

– إلى أين أنت ذاهب?

– إلى… ليست لدي تذكرة ولا مال. (يضحك عاليا).

– جميل, هكذا تكون البداية.

– أعني أنني أضعت كل شيء في السفر الطويل الخاطئ.

– لا بأس عليك أن تخرج إلى الطريق السيار الرابط بين الحدود الألمانية والسويسرية. وتوقف السيارات, السويسريون لطفاء, وسيحملك أحدهم إلى حيث تشاء.

وينصرف ضاحكا راقصا, أفتح ؛ضفيرة« هنري ميلر واستأنس بفقره الأمريكي الفتاك, وأتأمل حركات بعض أشباح المحطة: زنجية حسناء تصفع صديقها الأشقر وتنخرط في بكاء حاد. عجوز كلوشار يستلقي نائما أو ميتا فوق مقعد مبلل وقنينات الفودكا تحيط بجثمانه, سيدة فارعة الطول تنتظر القطار وعيناها على الأرض كأنها تمثال آدمي نسيه نحات مجنون. أطفال صغار يرتجفون تحت برد الخامسة مساء. رجل يكنس أزبال المحطة, مسافر في الأربعين ينظر الى ظهر زوجته المجعد ويقاوم البكاء ثم يلتفت إلى الزنجية الحسناء ويبتسم. قطارات تجيئ وأخرى تذهب وتبدل المحطات أسماءها. وفي الهزيع الأخير من الليل أجدني في مقصورة فارغة أمام عجوز رهيب من بقايا الجيستابو, عيناه غائرتان ووجهه أنحف من قدر ممسوخ, لا ينظر إلي يحتضن حقيبة سوداء ويكلم نفسه بايقاع منتظم كأنه يستظهر قسما أو يراجع حسابات بنكية. في مثل هذه المواقف ينتابني ضحك أهوج أو نوم ثقيل فأترك المكان الى الممشى الطويل أو إلى بيت الحاجة أو أمكث في موضعي أدخن اللحظة العبثية بجلالها الخفي. لكني الآن أخاف أن تخذلني الأسماء فأضيع مرة أخرى. أنسى هذا الديناصور الغريب واراقب المحطات واحدة تلو الأخرى إلى أن يسرقني سبات مباغت لا أحلم فيه بشيء. وحين أستفيق يكون الرجل قد غادر والنهار على وشك الإنبلاج. أطل من النافذة: الخضرة النظيفة, أوراق الشجر الكستنائية, المنازل الخشبية الباهرة, الأبقار الجديدة تشرب ما تبقى من ندى الفجر وتحدق في الفراغ بعيونها الزرقاء, العمال الليليون يعودون إلى بيوتهم والسهاد يصبغ وجوههم بالسواد والتعب المزمن, يراودني إحساس ملتبس, لأنني إذن أقتحم هذا الفضاء الساطع أعجز عن التخلص من شوائب اليأس الذي يسكنني منذ قرون مديدة. لقد جئت وفي ذهني صور مشوشة عن عالم كسول مترف ورث الثراء عن مجرمي الإبادة وشياطين الكارتيلات. كنت أعتقد أن الناس هنا لا يعملون ولا ينهضون, كل شيء يأتيهم جاهزا من كوكب آخر, والآن إذ أراهم يتأبطون الجد بشكل مروع ويشرعون في ثقب الأرض أو شق السماء بعزم قوي لا مثيل له, أكتشف أسرار الإقلاع وأرثي لحال شعوب لم تتخلص من تثاؤبها المشمس بعد, وأتعلم الدرس الجرماني الأول الذي ستليه دروس لا تحصى.

في المحطة السابعة والعشرين أنزل, يستقبلني صباح نقي وهواء فواح كما لو أني ألج فردوسا أنيقا من أوسع نوافذه.

 
 
عزيز الحاكم قاص ومترجم من المغرب

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …