أخبار عاجلة

مذكرات شهيد سابق

وجدت هذا الدفتر الغريب في  مقبرة الشهداء، أثناء الحفريات لتوسيع المكان بعد أن ضاق بقاطنيه. أوصله إلي أحد عمال الحفر من أبناء الحي الذي أقطن به.
الأوراق مدونة بخط أورنجي اللون على ورق قديم للغاية أقرب للرقم الفرعوني. الدفتر تعرض لتلف كبير ولكن بقي منه بضع صفحات بصيغة جيدة. منذ أن وقعت يدي على هذه الورقات وحالة من الأرق تنتابني بشكل مستمر. فحاولت أن أعيد تحقيقه مستفيدا من خبرتي المتواضعة. التي اكتسبتها من العمل في المكتبة الوطنية بقسم المخطوطات.
حين رويت لزملائي وأطلعتُ بعضهم عليها، كانت ردود أفعالهم تتراوح بين اللامبالاة أو التهكم الضاحك. على كل سأنشرها هنا كما وجدتها. وأتخلص من عبء إخفائها.
كاتب هذه المخطوطة اعتمد نوعا من الحبر الغريب ليدون ما حصل له، لم يوقعها بأي اسم صريح أو رمز مبهم واختار لنفسه التعريف عام لمفردة ملتبسة غامضة ( الشهيد )
الصفحات الأولى: تالفة تماما ومتآكلة.
بعد جهد كبير استطعنا استخلاص بضعه جمل نوردها هنا كما هي في المخطوط الأصلي.
* وحين وصلنا، كان المكان يعج بالحيرة ( ……….)
انتظرت دوري بهدوء( ……..) أخذوا كل حاجياتي. وأنا حزين.
*  صار لي زمن طويل وبدأت أعتاد المكان .
الأول من أيار عام( ……. ) السنة غير واضحة بسبب التلف.
اليوم هو يوم الاحتفال بذكرانا، منذ الصباح الباكر جيراني في حيرة من أمرهم، مقبرة الشهداء صاخبة قليلا، والجميع يناقش العريضة التي نريد الاحتجاج بها، فتجاوزات حارس المقبرة لم تعد تطاق، فآخر ضحاياه جاري في الجدث المجاور تماما.
كان واحدا من أقدم القاطنين هنا والجميع يكن له احتراما كبيرا، استيقظنا صباحا لنجد أن جمجمته قد سرقت وبيعت  لطالب في كلية الطب. ( ملاحظة من المحقق: جماجم الموتى تجارة رائجة في بلادي، تحتاج بعض الجسارة، فالقبور عادة تنبش وتستخرج العظام  وتباع الجمجمة بين 5 دولارات أو عشرة حسب وضعها وجهوزيتها)
أشعر بفراغ كبير جاري الذي كان يسليني كثيرا، وساعدني لاجتياز أيامي الأولى على التعاطي مع جيوش الديدان، وتشلّق جلدي، واهتراء اللحم، وتخثر دمي. وأفهمني أن نهاية الرحلة هنا وليست في السماء.
وأعاد لي الثقة بنفسي كشهيد أو كقتيل لم يمت مجانا، لم يعد يستطيع الكلام. سرقوا رأسه -أقصد جمجمته- وصار يتخبط بالمشي ولم يعد يخرج للتنزه بالقرب من السياج. فُتِحَ قبره على غفلة منه وأخذ الحارس جمجمته وبقي بلا رأس. 
 زيارة
زرت الجهة الغربية من المقبرة، هالني أن أحد أصغر الشهداء بدأ
بالاصطكاك ( عذرا نحن معشر الشهداء لا نستطيع البكاء )
وصار اصطكاكه عاليا، صاخبا، جعلنا جميعا نصطك بهمس، أودعنا في حزن رميم. ونحن لا نعرف ماذا نصنع له ليتوقف عن ضجيجه المتواصل.
لكنها نوبة تتكرر كل عام في مثل هذا اليوم المسمى عيد الشهيد.
ظلَّ يحاول أن يتماسك ويعزو الأمر إلى نوبة صقيع مباغتة.
ولكن في الحقيقة شهيدنا الشاب، يشتاق إلى زوجته الشابة وابنه الصغير، فهما يزورانه كل عام في هذا الوقت بالذات، يضعان الزهور فوق شاهدته ويقوم الطفل برواية أحداث مضحكة لأبيه المدفون تحت.
بينما الجنرال قائد وحدته – الذي يحبُ مشاركتهم هذه المناسبة الغالية-  يلاطف الطفل الصغير ويمسح على رأسه باليمنى بينما يده اليسرى تمّسد مؤخرة زوجة شهيدنا الشاب.
ضجيج
الصخب في أوجه، أصوات سيارات المراسم تثير لدينا حكة في العظام.
لا شيء أكثر إزعاجا من ازدحام وعواطف هذا اليوم. وخاصة حين يعتلي منصة المقبرة ذاك الرجل المزين بالنياشين، الغريب إنه كلما زاد تعدادنا نحن سكان المقبرة زادت نياشينه ونسور ونجوم كتافياته.
 قرار تاريخي
اليوم قررنا مقاطعة الخطب، وكتبنا ورقة احتجاج عن أوضاعنا المزرية.
 في الحقيقة لم نجد سوى حارس المقبرة الذي أصبح يتقن الكلام معنا أن يؤدي بالعريضة إلى الأعلى.
لكنه اليوم ساومنا، طلب منا الاستغناء عن خمس جماجم سليمة غير مثقوبة برصاصة أو شظية. مع أحد عشر ورك وزندين وثلاثة عظام ترقوة وعمود فقري واحد ليوصل تقريرنا لمن هم فوق.
اكتشاف
بينما عقد الجميع اجتماعا عاجلا للرد على مطالب الحارس، كنت أنا أفكر ما معنى هذه العبارة.
« الشهداء أكرم من في الدنيا وأنبل بني البشر».
ولسبب غامض ربما لأن شهيدنا الكبير بلا رأس على الأغلب، عرفت أن العبارة المخاتلة لا تخصنا، لأننا لسنا في الدنيا ولم نعد من البشر.
ياه إذا لمن هذه العبارة المعصومة تلوب وتهبط؟ ترى ماذا تعني بالضبط ؟ 
ما بعد الظهر
أدوِّنُ الآن بعظمة سبابتي اليسرى، أغطسها بخليط من مواد صنعتها بنفسي، فأنا نسيت اخباركم إني شهيد بيد واحدة.
 يدي اليمنى فقدتها بسبب قذيفة ماحقة، انشلعت من كتفي وطارت بعيدا عني، وحين هدأت المعارك جاء فريق الإسعاف بعد يومين، كانت روائح المكان واخزة، فلملموا على عجل أكوام الجثث، وكان نصيب يدي اليمنى أن دفنت مع شهيد آخر فقد ساقه، بلغم أرضي .
فوضعوا يدي، بدل رجله المبتورة، أكاد انفجر بالضحك كلما أراه يتنزه عند السياج وهو يَرْهَزُ بثلاثة أيادٍ وقدم.
 على كل  ليس من اللباقة  مطالبته باستعادة شيء لم يعد مجديا كثيرا بالنسبة لي. ولكن مشيته المضحكة تجعل من فكي الأسفل يطرق بقوة على فكي الأعلى باصطكاك «مصطهج».
لا أعرف بالضبط كيف سأوصل هذا الكلام للأحياء. ولكن سيكفيني إن زملائي الشهداء بدأوا يفكرون بنضج. في الحقيقة الآن بعد أن غادرنا الحياة صار بوسعنا أن نرى بصورة أفضل.

القراءة .
نحن لم نقرأ كتابا منذ زمان، وجميع المقروءات تداولناها سابقا. كان يحملها الشهداء في جيوبهم، تم توزيعها فيما بيننا، وأعدنا قراءتها مرات ومرات حتى اهترأت من كثر الاستعمال، هذا الأمر جعل ثمة قواسم اشتراك كبيرة بيننا، فبتنا نعرف بعضنا أكثر من أيام زمالة السلاح.
فكل واحد يحمل معه شيئا مكتوبا، رسائل إلى الحبيبات، مدونات شخصية، مخطوطات على علب السجائر، دفاتر صغير مليئة ملاحظات لأجمل ما في الحياة.
« فحتى الجنود المجانين بالشراسة، لديهم من الأحلام والمشاريع والعواطف ما يكفي لجعلهم يتمنون لو لم يستشهدوا.»
على كل لا اريد ان أدخل في مناطق محرّم علينا دخولها أو بالأخص لا تناقش مع الأحياء، بل أود أن أسرد هذه الخبرية التي وقعت بالفعل.
قبل زمن من اليوم حدث حادث محزن وسعيد بنفس الوقت.
كانت أمّ أحدنا قد ضاقت ذرعا بمكتبته، واشتاقت إليه كثيرا فتصرفت بجنون ( ياه ما أجمل جنون الأمهات!) بالحقيقة كان شهيدا  نهما للقراءة. فجلبت للمقبرة ما استطاعت حمله وحفرت بيدها حفرة دفنت الكتب بداخلها.
ولكن المحزن أن صديقنا الابن، حاول أن يملأ ثقبي جمجمته أقصد أذنيه بالتراب كي لا يسمع نداءات أمه ويحاول النهوض لمعانقتها كان يخشى عليها من تبدل الأزمنة.
وكنا نحن نفعل ذلك أيضاً وبعد رحيلها قمنا بزيارة شهيدنا الحزين. مواساته كما  يجب. ثم بدأنا بالاستمتاع بالثروة التي هبطت علينا نتيجة جنون الأمهات.
زوادة انتظرناها بشرود وليس بصبر. فالصبر صفة لا تليق بنا نحن معشر الشهداء. فقد استبدلها أسلافنا بكلمة رائعة  اسمها الشرود.
صك صك صك .. ..
ها أنا اختنق بشيء ما وكأنه دموع. صك صك صك
تبادل شهداء
سأحاول الآن أن أبوح بسر ما يعتمل داخل فراغ قبري الصغير.
في تلك المعركة التي (استشهدت، نفقت، مت، فقدت الحياة… إلخ) كلها تسميات بلا قيمة الآن، يحاول الأحياء إطلاقها علينا مرة لتكريمنا وجعل أحياء آخرين ينضمون إلينا. ومرة بنزّعها عنا ويسمونا قتلى أو يدمغونا بتلك العبارة الغريبة ( لاقى مصرعه). أنا الملاقي مصرعي: أتذكر الآن كيف انفجرت عبوة كبيرة أو قذيفة طائشة، محقت بضعة أعداء لنا، كنا للتو قريبين منهم ونهم بالتشابك معهم بالسلاح الأبيض. كانت قذيفة لا نعرف مصدرها من أين؟ سحقتنا معا.
 أنا وعدوي المتربص بي، حين لُمْلِمَتِ الرُفات ومن غير قصد جلبوا جثة جندي من الأعداء، وضعوه هنا بعيدا عني ببضعة أمتار تحت شاهدة لجندي من عندنا. بينما جثمان جندينا دفن هناك في مقبرة شهداء ( قتلى) الأعداء.
في الحقيقة احتجنا إلى الكثير من الوقت لنفك لغز الشهيد(القتيل) العدو. فهو لا يتكلم بالأحرى لا يتقن العربية.
 ولكن مع الثبات المستمر وبحكم الجيرة بدأنا بتعاطي الحديث معه. ووصلنا لنفس النتيحة إننا متنا شبه مجانا. وكل التكريمات التي حصلنا عليها لا تعدو كونها أشياء بلا قيمة.
اليوم يحاول قتيلنا أو شهيد العدو التأنق، فهو صار يعتاد زيارة أهله الجدد. فعائلة الشهيد المُرحل إلى مقبرة الأعداء لا تعرف إن في قبر إبنها جثة جندي ربما يكون قاتل ابنها. ونحن لا نريد إخبارهم.
 فهم العائلة الأوفى لا يمضي شهر دون زيارتهم، يحكون له كل شيء يحدث في غيبته  من تزوج؟ من مات؟ ماذا حصل في الحي؟ ومن عاد من السفر؟ يخبروه عن أصدقائه ورفاقه من جاء لزيارتهم وتفقدهم؟ ومن لم يعبأ أبدا؟ حتى أنهم مازالوا  يقرأون ما تقول له الأبراج وتوقعات الفلكيين لبرجه المائي فهو من برج السرطان. وللمصادفة المحضة كان القتيل العدو من نفس البرج أيضا.
بعد سنوات من هذه الزيارات- في الحقيقة جندي العدو المقبور معنا-  صار واحدا منا. لم نعد نفرقه ولم نعد  نريد الانتقام منه وهو كذلك، أنا متأكد بأنه كذلك ؟ صار يتمنى فقط أن يعود للحياة  ليخبر الأعداء أن يتوقفوا عن الحرب أيضا.
مجلس الشهداء العالمي
لقد تساوينا بالموت بعد أن فرقتنا الحياة وجعلتنا نبدو كبشر مختلفين بالرتبة والمنزلة .
 يبدو الموت للوهلة الأولى شكلا أوسع وأنبل من العدالة، وله طريقته بالتفكير لا تعجب الأحياء . على كل بلا أي تردد قررنا أن نرشّح الشهيد العدو ليمثل مقبرتنا في مجلس الشهداء العالمي. وهوح دث يعقد كل مائة عام مرة.
كنا في قرارة أنفسنا نعرف انه لن يعود، ونحدس أن مقبرة شهداء الاعداء ستبعث شهيدنا ليمثلها في المؤتمر.
 كنا نتوقع نوعا من الصفقة العادلة بأن يؤوب كل جثمان إلى مقبرته وأهله وتراب بلاده، سافر الشهيد العدو بعد أن ودّعنا ووزّع علينا بعض مقتنياته الثمينة على سبيل التذكار.
في هذه الاثناء أسكنَّا في قبره نصف شهيد قتل بنيران صديقة فزميل له أطلق عليه النار بالخطأ أثناء التدريب.
لكن نحن  أجمعنا إنه  شهيد كامل. ومنحناه الحق بالتصويت والسكن وان لا يبقى وحيدا خارجا ينام كل يوم بقبر. وفي معظم الأيام لا يجد مكانا فيبقى يلتحف السماء ويصاب بداء الحنين المزمن عدونا الأول نحن الشهداء.
المشكلة إنه بعد أسابيع عاد إلينا الشهيد العدو متعبا قليلا ولكن صوته مليء بفرح غامض وهو يقول : زميلكم يسلِّم عليكم.
وأهلي هناك أصبحوا أهله وهو لا يودُّ العودة، ثم أضاف وأنا كذلك لا أريد الرجوع فليس مهما أين تدفن بل المهم ماذا تكتشف بعد دفنك ؟
تأثرنا كثيرا فعلا. وقمنا إلى الشهيد العدو، وحضناه حتى تداخلت أقفاصنا الصدرية بعضها ببعض.
الشهيدة
أريد إخباركم أني أعشق بكل عظمة من جسدي تلك الشهيدة الوسيمة التي يفصلني عنها محرم المقبرة. وأعترف باني تسللت أكثر من مرة للتلصص عليها، وتأمل قبرها المرتب المليء بالأنوثة.
القريب يبادلنا العداء عادة، ولأنها بعيدة وأنيقة ولأنها وسيمة، كنت أتمنى لها أن تبقى هناك فوق. وتأتي إلى قبري مع حبيبها.
 مثلما يفعل عاشقان من القرية المجاورة.فهما يهربان من أنظار الناس ويأتيان إلى المقبرة ليحصلوا على برهة حب بعيدا عن أنظار الناس. ياه هل ضاقت بهم الحياة حتى  يجدوا الأمان والسلوى بجواري؟!
أكاد أصطك، فهما يتهجيان شاهدتي، يلفظان اسمي،  يشاركاني بأسرارهما ولا يخجلان مني ويعتبراني أجمل شهيد في العالم..(آه من مبالغات العشاق)  ويشكراني لأني لا افضحهما، وأنا  سعيد وممتن لهما، ولو بقي لدي فائض من سوائل لذرفتها جميعا في هذه اللحظة.  فأعلى ما  يصبو له الشهيد أن يصير حارسا للعشاق.
صفقة
بينما كنت مشغولا اليوم بتعسيف القبر، تم الاتفاق – ولا أريد أن أقول التآمر- بين زملائي وحارس المقبرة. اليوم أبلغوني بأنه يريد أخذ جثماني كاملا والتخفيف من سقف مطالبه. ليوصل التقرير الخاص بنا.
يبدو أني تجاوزت خطا أحمر غير مسبوق. فلا يليق أن أفضي بأسرار الشهداء إلى من دونهم رتبة. على كل سأكون سعيدا بمهمتي الجديدة فقاعة كلية الطب تعجُّ بالصبايا الفاتنات، اللواتي سيلمسنَ عظامي ويتعلمن الكثير من الأشياء المفيدة وهم يراقبون ما تبقى من جسدي.
قبر موعود
الشهيد العدو استطاع إقناع الجميع بأحقيته باستخدام قبري الفارغ مني . فها هو يحتله بحجة أنه شهيد بلا أرض وقبري أصبح أرضا دون شهيد.
والحارس قبض الثمن.
ملاحظة: من المحقق:
 ذكرت صحيفة رسمية أن حالة من الهلع انتابت طلاب كلية الطب أثناء محاضرة التشريح، وذكر الطلاب المتواجدون في غرفة التشريح أن الهيكل العظمي الذين يقومون بدراسته بدأ وكأنه يتحرك وحيدا ويصدر أصواتا أقرب للاصطكاك. وفي تعليقها على الخبر قالت عمادة الكلية إن الأمر لا يعدو كونه مزحة بين الطلبة القدامى والمستجدين. وسيحاسب المسؤولون. 

فـــادي عــــزام
كاتب من سورية

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …