أخبار عاجلة

مرثية لعالم فـي مهبّ السّقوط قراءة فـي رواية الكاتب المجري شاندور ماراييه: حالات زواج مسيخة(1)

أحمد الويزي*

بين ضفتين،
كثيرا جداً عن بعضهما»
شاندور ماراييه تبعدان

بمستطاع المرء، حين يروم ضربَ مثل صائب، يُقرّب فيه لأذهان للنّاس قدرةَ الإبداع الحرّ على الانتصار على حملة السّيف وحماة الاستبداد، أن يستحضر سيرة الكاتب شاندور ماراييه Sándor Maraï الأدبيّة، التي تعدّ بحقّ مثالا نموذجيا لقدرة الإبداع والفكر عامة، على مخاتلة التسلّط بكافة أشكاله، والمكر به أيّما مكر «تجري مياه الحياة جميل، للدّفع بسجلّ التاريخ الى التعديل من دفّته، والانتصار لأصحاب الفكر الحرّ والأدب الإنساني الأصيل. فحال ماراييه أثناء حياته، كما هو مآل إبداعه الأدبيّ بعد الموت في منفاه، بمثابة التجسيد الملموس لطبيعة الانتصار الملحمي الذي ما فتئ الفكر والأدب الأصيلان يحققانه، في مواجهة كافّة أشكال الظلم والطغيان والقتل الممنهج. ذلك أنّ مؤلفات ماراييه العظيمة استطاعت بعد موته أن تنتعش بسرعة، فأحيت بهذه الانتعاشة سيرة أديب رصين، ظلّت الدوائر الرّسمية في هنغاريا تتستّر عليه في السابق، ولا تألو جهدا في مسعاها التعتيمي لمحق وجوده، بسبب اختلاف طبيعة هذا الأدب والفكر عن الخطّ الأيديولوجي الرّسمي لنظام الدولة، رغم أنّ الرجل بقي وفيا طيلة حياته للوطن، الى جانب أنّه أخلص بقوّة للغته الأمّ التي رافقت مشروعه الإبداعي، حتى حين عاش ردحا طويلا من الزمن بعيدا ومبعدا عن بلده؛ وهي اللغة التي شكّلت بزخمها الثقافي، خلفية ثابتة في بناء صرحه التخييلي، وركيزة أنطولوجية أفادته في إثبات انتمائه، الأمر الذي منحه الدّفق المعنوي اللازم لتحمّل مصير العزلة والنفي، والبقاء مخلصا لمحبّة الأدب والوفاء للكتابة.
وبكلّ هذا، أمكن لسيرة شاندور ماراييه الأدبية الأصيلة، أن تصبح اليوم نموذجا ناجحا في التعريض بالمستبدّ، والوشاية بأعماله المشينة في حقّ حرية التعبير والتفكير والتحبير، وفرصة تاريخيّة لإكرام حملة القلم والرّيشة، وإنصاف معاركهم في سبيل الإعلاء من شأن المعرفة الإبداعية بكافة مظاهرها، على الرغم ممّا يخططه لهم المستبدّون من حيل ومقالب غاشمة، لإجهاض أحلامهم المسكونة بالرغبة في الحرية والانعتاق، ووأد مشاريعهم التخييليّة المراهنة على بدائل أفسح من دائرة الأيديولوجيا الضيّقة، حين يتربّصون بتلك المواهب والبصائر النافذة، ولا يدخرون جهدا ولا سبيلا للجثم على صدورها، وكبس أنفاسها وأصواتها الحرّة، من خلال مخططات رهيبة تحاول إرغام هؤلاء «المارقين» عن السياسة الرّسمية للحزب أو الأمّة/القبيلة، على تجرّع الموت المادي أو الرمزي الذي يبدأ بمصادرة المؤلفات، والزجّ بأصحابها الى غياهب السّجون، أو نفيهم خارج دائرة الأهل والأوطان، مع خلع الجنسيات أحيانا عنهم، بدعوى ارتكابهم «الخيانة العظمى».
فمن يكون شاندور ماراييه، إذن؟ وما هي مؤلفاته التي لم تجد لها بعد طريقا للترجمة الى العربيّة؟ ثمّ ما موضوع روايته المنذورة للقراءة النقدية، هنا: حالات زواج مسيخة؟ وما طبيعة بنائها الفني والجمالي؟ ثمّ ما دلالة وأبعاد ذلك أيضا؟
2) سيرة حياة غير عادية:
شاندور ماراييه (1900/1989) أديب ومفكّر مجري، التأمت في شخصه مجموعة من المواهب الفنيّة والإبداعية، التي تفرّقت في غيره من كتّاب أوروبا، حتى صار يصحّ أن يطلق عليه ذلك التعبير الشعري الشهير عندنا: مفرد بصيغة الجمع. فالرجل كتب في مجموعة هائلة من فنون القول الأدبيّ، مؤلفات صارت اليوم علامات فارقة في تاريخ الأدب الأوروبي المعاصر، منها الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح، الى جانب الكتابة المقالية في السياسة والفكر الفلسفي والمتابعة النقدية الثقافية، زيادة على أدب الرحلة والأسفار، والمذكّرات الخاصة، والكتابة الفلسفية ذات الطّابع الشذري، وغيرها.
ولد شاندور ماراييه بمدينة كاسا Kassa2 بتاريخ: 11 أبريل 1900، في كنف أسرة بورجوازية صغيرة متعلّمة، إذ كان والده جيزا جروشميت Gezà Grosschmid رجل قانون مرموق يشتغل موثقا في المدينة، بينما كانت أمّه مارجيت راتكوفشكي Margit Ratkovszky تعمل أستاذة في ثانوية للبنات. ولما بلغ الطفل شاندور سنّ التمدرس القانونية، جلب له والداه مجموعة من المدرّسين، الذين سهروا على تأديبه وتلقينه مجموعة من المعارف الأساسية، لينتقل بعد ذلك الى المرحلة الثانوية التي قضاها في مجموعة من الثانويات، بحكم طابعه المشاكس والمتمرّد، فيحصل في سنة 1918 على شهادة الباكالوريا (الثانوية العامة). وفي هذه السنّ المبكرة، بدأ ماراييه مساره الأدبي بإصدار باكورة شعرية، لكنّه سرعان ما انشدّ الى العمل الصّحفي، فشارك بعد سنة على ذلك في الكتابة ضمن جريدة، كانت تحسب على الحركة الشيوعية التي قادت تجربة «جمهورية المجالس الهنغارية» سنة 1919، وهي التجربة السياسية الثورية التي سرعان ما دُحِرتْ في المهد بعد ثلاثة أشهر على قيامها3، ليقوم على أنقاضها نظام حكم قمعي، تحالف فيه الملكيون المحافظون مع عتاة الاقطاعيين الفاسدين. وعلى إثر الحملات الانتقامية التعسّفية التي سادت البلاد آنئذ، سرى خوف شديد بين أفراد أسرة ماراييه بشأن مستقبل الابن الواعد شاندور، فاضطر الأب الى إقناع ابنه بضرورة الابتعاد عن البلاد الى حين عودة الهدوء والاستقرار مجدّدا. وبناء على ذلك، هاجر شاندور ماراييه الى ألمانيا لدراسة الصحافة والفلسفة، وهناك تنقل بين ليبزغ وفرانكفورت وبرلين، وعاش حياة الهجرة والكفاف، مكتفيا بما كان يبعث به إليه والده بين الفينة والأخرى، وبما يتلقاه مقابل مساهمته في الكتابة ضمن مجموعة من الصحف الهنغارية منها والألمانية. وأثناء مقامه ببرلين، التقى شاندور ماراييه صدفة سنة 1922، بمواطنته إلونا ماتزنير Ilona Matzner الملقبة بـ«لولا» ذات الأصول اليهودية، وهي شابة كان شاندور على سابق معرفة بها في كاسا Kassa مسقط رأسه، فتزوج منها سنة 1925، ثم انطلق الزوجان للاستقرار سوية بفرنسا. وخلال إقامته بباريس التي دامت خمس سنوات، تردّد ماراييه على مجموعة كبيرة من الكتّاب والفنّانين الذين سحرتهم مدينة الأنوار وقتها، وجعلوها مركز إلهامهم وأنشطتهم. كما انخرط شاندور ماراييه أيضا وهو بباريس، في تجربة الكتابة الصحفية من جديد، فعمل مراسلا رسميا لصحيفة ألمانية ذات توجه ليبرالي، ونجح بأسلوب كتابته المتميز في جلب أنظار القرّاء الى قلمه، حدّ أنه صار من بين أهم الأسماء الوازنة في تلك الصحيفة. لكن، ومع تمرّس شاندور ماراييه الكبير باللسان الألماني، فإنّه اختار أن يكتب الأدب بلغته الأم فقط، وهو الاختيار الذي ظلّ يتمسّك به طيلة حياته، رغم قدرته على التصرّف في عدّة لغات أجنبية نطقا وكتابة، وخلال فترة عيشه خارج هنغاريا لعدّة عقود(4).
بعد مرحلة الاستقرار المؤقتة بفرنسا، عاد الزوجان الى وطنهما سنة 1928، رغم الأوضاع السياسية الخانقة التي كانت تسود البلاد وقتها، بغية الانكباب على الكتابة والتأليف، وهي المرحلة التي قدّم فيها الكاتب الشابّ مجموعة كبيرة من المؤلفات الأدبيّة، بإيقاع سريع بلغ نسبة أربع روايات في السنة. وقد لقيت نصوصه الروائية نجاحا كبيرا على إثر صدورها، لكونها تميّزت بأسلوب واقعي نقدي واضح للمجتمع البورجوازي، وانضبطت لبناء حداثي محكم وغير مسبوق، الى جانب سلاستها الأسلوبية المشبعة بالعذوبة؛ ويتعلق الأمر هنا بالروايات التالية: الحبّ الأول 1928، الثائرون 1930، الغرباء 1931، كلب مميّز 1932، الغريبة 1934، اعترافات بورجوازي 5)1934، طلاق ببودا 1935، دورية في الغرب 1936، الحاسدون 1937، ميراث إستير 1939. وبالموازاة مع كتابته الإبداعية، تولى شاندور ماراييه في هذه الفترة المفعمة بفتوة الشباب، نشر متابعات نقدية كان يرصد فيها وقائع الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية في المجر، عن طريق مقالات ظلّ ينشرها في أهم الصحف الوطنية، إضافة الى ترجمته لبعض الأعمال الأدبية العالمية، وعلى رأسها كتابات كافكا.
لكن، إذا كان شاندور ماراييه قد استعذب حلاوة النجاح في هذه الفترة، فإنه ذاق أيضا خلالها مرارة الألم وحنظل المعاناة، بسبب تكالب ثلّة من المآسي والأحداث عليه، سواء منها ما ارتبط مباشرة بشخصه وعائلته، أو ما ظلّ يمتّ منها بصلة وثيقة ببلده هنغاريا. ففي سنة 1934، توقف قلب والده تماما عن النبض، ليترك قلب الابن يعتصره ألم الفقد الممض، بفعل العلاقة الحميمة التي ظلت تربط بين الأب وابنه على مدى عقود. وفي سنة 1939، يفقد الكاتب ابنه الوحيد كرستوف، وهو ما زال حديث العهد بالولادة (في أسبوعه السادس!)، فيعوض هذا الفقد الذريع بتبنّيه طفلا متشردّا يتيم الأبوين يسمّى جانوس/يانوس Janos.
وإلى جانب هذا المصير المأساوي، فإنّ شاندور ماراييه تفاعل بشكل كبير أيضا مع ما عاشته هنغاريا من قلاقل عنيفة، كانت بمثابة الاضطرابات التي تترجم لطبيعة الأحداث العصيبة، التي ما فتئت تهزّ منطقة أوروبا الوسطى Mitteleuropa بعنف، وتهيّؤ دولا عديدة منها لخوض الحرب العالمية الثانية، مع ألمانيا النازية أو ضدّها. لذلك، عاش الكاتب هذه الأجواء العصيبة بمطلق كيانه الرّوحي والوجداني، حتى عُدّ شاهدا على نهاية عهد قديم، ولّى وانقضى مع نهاية القرن التاسع عشر، وبداية تشكّل عالم جديد ينذر بالآفات والكوارث، مع بداية العشرين. فقد اعتبر ماراييه، بناء على قناعته الليبرالية الخالصة، تحالف نظام بلده المحافظ بزعامة ميكلوس هورثي(6) مع النظامين الفاشستي بإيطاليا والنازي بألمانيا، خيانة لا تغتفر للمبادئ والمُثل الليبرالية العليا، التي كانت تؤمن بها طبقته الاجتماعية: البورجوازية الهنغارية. ونتيجة لذلك، اتخذ موقف «الهجرة الى الداخل» مثلما سمّاه، وهو الانقطاع عن الحياة العامة أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية، وعدم الانخراط في أي نشاط سياسي أو ثقافي رسمي، وتكريس الوقت والجهد الفكري كله للإنتاج الأدبي. فأنجز شاندور ماراييه في هذه الحقبة الملتهبة بعض الروايات المهمة، منها: محادثة بولزانو 1942، النورس 1943، والجمر (1942)؛ هذه الأخيرة التي تعدّ اليوم، من بين أشهر رواياته في أوروبا على الإطلاق، وأكثرها مبيعا bestseller.
وفي الوقت الذي أخذت فيه الجيوش السّوفييتية تزحف على بودابست شرقا، للتصدّي لجيوش النازية التي قدمت من الغرب، غادر شاندور ماراييه بيته بالعاصمة، للإقامة ببيت الأسرة الريفي الواقع على بعد بضعة كيلومترات من بودابست، هربا ممّا شاهده من فظاعات وأهوال طالت أبناء الوطن، خاصة الليبراليين والتقدّميين واليهود أشباه زوجته «لولا». وفي حمأة تلك اللحظات التي ترافقت مع تقدّم الجيش السّوفييتي لتحرير المدينة، وتخليصها من فلول النّازية، واصل ماراييه الانكباب على الكتابة كخلاص فردي، فألّف رواية جديدة في ظرف وجيز، شهدت على تلك الأحداث العنيفة من تاريخ العاصمة بعنوان: تحرير (1945)، وصف فيها بدقة متناهية بشاعات الحرب وشناعتها، والدمار المهول الذي خلّفته في النفوس والعمران، إضافة الى ساعات الانتظار والترقب المملّة التي عاشها الناس في الأقبية والأنفاق؛ كما أعلن فيها عن موت النزعة الإنسانية l’Humanisme في العالم الجديد، واستبطن موقف الريبة والتوجّس من شعار «التحرير» الذي رفعته جحافل الجيش الأحمر، والشكّ في إمكانية أن تستخلص الإنسانية الدروس والعِبَر من الحروب التي عاشتها، ومما ترافق معها من جرائم بشعة ومذابح رهيبة.
وبعد أن حطّت الحرب أوزارها، عاد شاندور ماراييه الى العاصمة بودابست المحرّرة، فوجدها يبابا وخرابا(7)، ما زاد في نفسه الرغبة في الانخراط ضمن ورش البناء والتهيئة لحياة المدينة والدولة من جديد، فلقي على إثر ذلك الموقف ترحيبا كبيرا من لدن القائمين على تدبير الشأن العام، فعيّنته سلطة البلاد الجديدة سكرتيرا عاما لاتحاد كُتّاب هنغاريا (1945)، ثمّ عضوا في أكاديمية العلوم (1947)(8). لكن شاندور ماراييه لمس أثناء احتكاكه بممثلي الإنتيلجنسيا الهنغارية الجدد، بأنّ المبادئ والقيم الديمقراطية التي ظل يؤمن بها، ما عاد لها موقع يذكر في الجمهورية الفتية، التي شرعت تتدرج شيئا فشيئا في اتجاه تثبيت صرح النظام الاشتراكي، مستعينة في ذلك بكافة الطرائق والسبل المتاحة لأفرادها، بما في ذلك القسوة وأعمال العنف. لذا، لم يفاجأ شاندور ماراييه مطلقا بالصّفة التي نعتته بها صحافة اليسار، حين أطلقت عليه لقب «كاتب بورجوازي»، ولا بما تعرّض له من نقد لاذع من قِبل المفكّر الماركسي جورج لوكاتش(9)G. Lukàcs، الذي غدا المنظّر الأيديولوجي للنظام الجديد.
ونتيجة لهذا التحامل كلّه، هوجمت كتب ماراييه بقسوة، وتمّت مصادرتها من المكتبات والأسواق، فاضطر الى مغادرة البلاد سنة 1948، وهو يشعر بخوف يتنازعه الإحساس بالانعتاق والحرية. كتب يحكي عن هذه الفترة العصيبة من حياته، قائلا: «لأول مرة في حياتي، شعرت بإحساس رهيب بالخوف. لقد استوعبت بأني حرّ، فهجم عليّ خوف شديد». وبمغادرة البلاد، منعت كتبه من الطبع بصفة نهائيّة، ليسقط اسمه في دائرة النسيان المبيّت، وتظلّ الحال على ما هي عليه في البلاد، الى غاية سقوط جدار برلين سنة 1989.
وبعد بضعة أسابيع قضاها في سويسرا لترتيب أموره، شدّ ماراييه الرّحال الى إيطاليا، وهناك ساهم في إعداد مجموعة من الفقرات الإذاعية بإذاعة أوروبا الحرّة، التي كانت تبث من ميونيخ إبان مرحلة الحرب الباردة. وفي سنة 1952، قرر الرحيل باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، للإقامة بنيويورك الى غاية 1967، بدافع الحرص على مصير ابنه بالتبنّي جانوس. لكنه عاد مرة أخرى الى إيطاليا للاستقرار بها، الى غاية 1980. ونتيجة لمشاكل صحية طارئة على زوجته، غادر ماراييه إيطاليا مرة أخرى في اتجاه الولايات المتحدة، للاستقرار نهائيا بسان دييغو في ولاية كاليفورنيا، بالقرب من إقامة جانوس Janos. لكنّ حياة العزلة والمنفى ستشتد وطأة على ماراييه، بعد أن تصاب زوجته «لولا» بالعمى، وتفقد حياتها بعد ذلك، نتيجة داء عضال ألمّ بها سنة 1986، والتحاق الابن بها كذلك، وهو في سنّ السادسة والأربعين من عمره. كلّ هذا سيدفع بماراييه الى الدخول في دوامة من اليأس والإحباط الكاسفة، ما سيجرّه في النهاية الى الإقدام على الانتحار بسان دييغو، يوم 22 فبراير 1989.
وقد ظلّ شاندور ماراييه خلال فترة منفاه التي امتدّت لأكثر من أربعة عقود، يواصل الكتابة بهمّة عالية ومثابرة، فألّف في مجموعة من الأجناس الأدبية منها الشعر والمسرح والقصة القصيرة والمذكرات وأدب الرحلة، ثمّ أضاف الى ريبرتواره الروائي مجموعة أخرى من الروايات، أهمّها: سلاما إيطاكا (1952)، ومعجزة سان جينارو 1965، ليلة المحرقة 1971، ثمّ حالات زواج مسيخة (1980). لكنّ جلّ هذه الكتابات بقيت للأسف لا تتداول إلا ضمن دائرة من قراءة ضيقة، بسبب لغتها الأصلية التي هي المجرية، ولأنّ دور النشر الهنغارية التي نشرتها في المنفى، لم تكن سوى مؤسسات صغيرة لم يكن بوسعها التأثير في محيط القراء، سواء بداخل هنغاريا أو خارجها(10). ثمّ لأنّ ترجمة مؤلفات الرجل الى الإيطالية وغيرها بقيت ضعيفة الأثر، الى غاية تولّي خلية من المترجمين الهنغاريين المقيمين بفرنسا، وعلى رأسهم إيبوليا فيراغ Ibolya Viràg، مهمّة ردّ الاعتبار لهرم معاصر من أهرامات الأدب الهنغاري، بدعامة وتزكية من دار النشر الفرنسية ألبان ميشيل Albin Michel. وبهذا الجهد الجماعي النبيل، صارت أعمال شاندور ماراييه تعتبر الآن، جزءا لا يتجزأ من التراث الأدبي الإنساني المتميز في المنتصف الأول من القرن العشرين، وتحظى بفضل ذلك بعناية فائقة أشبه بما تحظى به مؤلفات كلّ من سفيتان زفايغ Stefan Zweig، وجوزيف روث Joseph Roth، وأرثير شنيتزلر Arthur Schnitzler، وسومرت موم Somerset Maugham.
وحتى نحيط معرفة ـ وإن بشكل نسبي ـ بعوالم شاندور ماراييه الأدبية، اخترت لهذا الغرض قراءة أحد أهمّ أعماله الروائية، وهو نصّ: حالات زواج مسيخة، وذلك لعدّة أسباب منها أنه النصّ الذي نضج على نار هادئة، واستوى في مبناه ومحتواه على امتداد ما يزيد من ثلاثة عقود(11)، لأنّ شاندور ماراييه قد بدأ في كتابته سنة 1949، وهو يقيم بالمنتزه الإيطالي البحري بوزيليبي Pausilippe (نابولي)، وانتهى منه بإيطاليا كذلك سنة 1978 (مدينة ساليرنو)، ثمّ أضاف إليه فصلا أخيرا أطلق عليه وسم «التتمّة» وهو يقيم بسان دييغو (ولاية كاليفورنيا) سنة 1979؛ الأمر الذي يدلّ على أهمية هذه الرواية لدى صاحبها أولا، ثم لارتباطها بقدره ككاتب عاش المنفى والترحال بين أوروبا وأمريكا الشمالية. والى جانب هذا وذاك، فإني اخترتها بالتحديد، لكونها الرواية التي تختزل بذكاء شديد النفاذ، وبصيرة راءٍ إبداعية منقطعة النّظير، مسار كاتب ووطن وقارة بأتمّها، الى جانب أنها تختزل مآل حقبة تاريخية عصيبة، ولّت من غير رجعة، بفعل توالي التحولات الكبرى على أوربا والعالم قاطبة. فما موضوع هذه الرواية؟ وما الثيمات الكبرى التي تناولها فيها الكاتب؟ ثمّ ما طبيعة بنائها الفني، والمقصدية المتوخاة من وراء دلالتها أيضا؟
3) عوالم رواية حالات زواج مسيخةكلّ موعد قرائي مع روايات شاندور ماراييه هو فرصة فريدة من نوعها للاستمتاع بجودة الأدب الإنساني الرّفيع، ولحظة لا تشبه أخواتها تتاح للقارئ قصد الغوص في أغوار الروح البشريّة، والضّرب عميقا بين مساراتها الملتبسة، حيث الأهواء تمور وكأنها سيول من لهب اللاّفا البركاني القابل للانفجار في كلّ حين، وحيث الرؤى والأفكار الفلسفية تتناسل بغزارة كعشب متعشّق ريّان، لتندفع مثل مياه مدرارة تتدفق فوق أرض عطشى، وحيث العواطف تضطرم اضطرام السّحب في أفق لم يعد يسعها، والمشاعر تتأرجح كأشجار سنديان متطاول الأعناق يقاوم عصف الرّياح الهوجاء، التي تحرّكها دورات اليأس والإحباط الطارئة، أو تحفّزها الانطلاقة المفعمة بأجواء المسرّة والحبور.
ولا تشذ حالات زواج مسيخة عن هذه الصورة، وإنّما تؤكّدها وتشهد لها، لأنّها ليست مجرد رواية من النوع المتعارف عليه ضمن التقليد الكلاسيكي الغربي، وإنّما استطاع أن يقدّم فيها شاندور ماراييه نصّا تخييليّا نصيصا، باذخ الشّكل، عميق المحتوى ونافذ المقصدية، جعله يعتبر اليوم من بين أهمّ الأسماء الرّوائيّة العالميّة، التي رسخ كعبها على أرض صلبة، بفعل ما قدّمته لطبيعة الجنس الرّوائي من إضافات استثنائية، سواء على مستوى المضامين والمحتويات الفنّية، أو طبيعة الشكل الحداثي المعتمد في التعبير. فقد ألّف شاندور ماراييه رواية ضخمة من طراز رفيع(12)، يسكنها نفسٌ ملحمي أصيل ومشوّق، ما يلبث يرفعها الى مصاف النصوص الأدبيّة التي شكّلت مع مطلع القرن العشرين، علامات فارقة في مسار الرواية العالمية الحديثة، بفضل ما جمعه فيها كاتبها بنضج حرفي منقطع النظير، من غنائية مشحونة بوقائع وأحداث سيريّة، ومعارف أخرى رصينة تلمّ إلماما محكما بموضوعها، وقدرة حاذقة على التقاط ما يتفاعل في دوائر العصر من أفكار ورؤى وحتى أهواء متناقضة، إضافة الى كونه بثّها من حكمته الفلسفية شذرات عميقة المعنى، زادت التخييل الروائي قوة تأثيرية مدهشة الى أبعد حد(13).
تتقدّم رواية حالات زواج مسيخة لقارئها منذ الوهلة الأولى، على أنها قصة علاقة زواج فاشلة، لتعطيه بذلك الانطباع على أنها قصة أشبه ما تكون بتلك المحكيات «الرومانسية»، التي تكشف عن طبيعة التباين العارض على مستوى العلاقة العاطفية لدى بعض الأزواج، وما ينجم عن ذلك من معضلات تنذر بتحوّل جذري في مسار حياة هؤلاء، بفعل الاختلافات العميقة التي يزداد شقّها غورا يوما بعد آخر. لكن ما أن ينغمس القارئ في ماء القراءة، ويتنقل بين مجرى حكائي وآخر، وبين قصة «عاطفية» وأخرى، حارقا بذلك بعض المحطات التاريخية الفاصلة، حتى يلفي نفسه منخرطا في مسارات حكائيّة متشعبّة، تغذيها تأملات فكرية وفلسفية عميقة، ويتفاعل ضمنها رجع صدى حادّ لمجتمع آيل الى التصدّع، يلفّه عنف حياة مشتركة، تتصارع مواقفها وأهواؤها في قارة عجوز، ليوحي كلّ ما يشير إليها من قريب أو بعيد في الرّواية، بدرجات العنف المتزايدة التي ما لبثت أن حولت البشر الى آلات حربيّة هوجاء لا تبقي ولا تدر، جارّة بذلك العالم برمته الى ساحة صراع دموي فتاك، كشفت عن وجه آخر للإنسانية الضارب في التوحش والبربريّة، لا يكترث مطلقا بالإنسان ولا بالحيوان أو العمران.
وبذلك، يتمّ تقديم رواية حالات زواج مسيخة من خلال أكثر محكي، يتناوب على تقديم ذلك أربع شخصيات، تقدّم كلّ شخصية منها جزء من الوقائع من خلال زاوية نظر تخصّها، وهي كالتالي: إيلونكا Ilonka، بيتر Peter، جوديت ألدوزو Judit Aldozo ولايوس Lajos صديق جوديت وعاشقها(14). والملاحظ أنّ محكي كلّ واحدة من هذه الشخصيات ينطبع بصوت خاص ورؤية تطبع تمثل صاحبها للوقائع والأحداث، إضافة الى تأطير كلّ محكي ضمن إطار كرونولوجي متعاقب زمنيا، يبدأ أولها من مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، لينتهي آخرها في مرحلة السبعينيات من القرن العشرين. والى جانب ذلك، يتمّ تقديم جميع هذه المحكيات للقارئ على أنّها اعترافات حميمة، مسكونة بالتردّد والاستطراد والتأمل الفلسفي، تسردها الشخصيات الأربعة ضمن سياقات خاصة، منفصلة ومتباعدة. فالزوجة الأولى إيلونكا تحكي مثلا لصديقة لها قديمة، التقت بها في مقهى ببودابست، تفاصيل غير معروفة من حياتها الزوجية. أمّا بيتر فيحكي قصّة قرانه الثاني لأحد أصدقائه، اجتمع به في مقهى على إثر عودة هذا من البيرو. بينما تسرد جوديت ألدوزو وقائع حكايتها لحبيبها الموسيقي لايوس، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهما مجتمعان معا في غرفة فندق بروما. في حين ينهي لايوس الرواية في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال محكي مميز أطلق عليه الكاتب تسمية: التتمّة، يرويه لأحد مواطنيه الهنغاريين الحديثي العهد بالهجرة؛ وقد جاء محكيه في مرحلة تاريخية متأخّرة من القرن العشرين(15).
فما الخيط الناظم إذن، بين كلّ هذه المحكيات؟ وما أبعاد ودلالات ما تقدّمه، بالنظر الى المرجعية السوسيوتاريخية المؤطّرة لها؟ هذا ما سنسعى الى توضيح بعض معالمه، باتباع كل محكي على حدة.
4) مسارات ومحكيات:
أ ـ محكي انجلاء الوهم:
يقع محكي إيلونكا في بداية الرواية(16)، ويتأطّر ضمن مرحلة تأتي بعد ثلاث سنوات عن انفصال الساردة عن بيتر، وهي المرحلة الواقعة بالضبط في أربعينيات القرن العشرين، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة. تبدأ إيلونكا محكيها وتنهيه في ردهة مقهى، حيث استقبلت صديقة قديمة لها(17)، بعدما حفّزها دخول بيتر بالصدفة الى المحلّ، لشراء بعض الفاكهة المجفّفة والمُحلاة، ثمّ انصرافه. حرّك هذا الحادث الطّارئ حنينها الى عهد الزّواج، فانفجر دمعها من غير إرادة يجري بوضوح على خدّها، بشكل يكشف على أنها لا تزال تحبّ بيتر، وأنّ «قلبها يخفق له بقوة، كلّما رأته»(18).
وبذلك، يتم تقديم إيلونكا للقارئ منذ الوهلة الأولى، على أنّها شخصية رقيقة المشاعر يسكنها حنين منشدّ الى الماضي، لا تتحرّج من الاعتراف به، حين تقرّ بالحرص على تردّدها على الأماكن المسكونة بعبق القرن المنصرم وعاداته، وهي تلك الفضاءات التي تردّدت عليها كثيرا برفقة بيتر. لكن، ما أن تتقدّم إيلونكا في الحديث عن تجربة طلاقها، حتى يتبين لنا بأنها شخصية واقعية الى حدّ ما، لكونها ترفض تصديق الأوهام التي يستهلكها الغير، وتتصرّف بشكل مختلف عمّا يزعمه هؤلاء المدّعون، الذين يؤكّدون بأنّهم يحافظون على علاقات صداقة متينة مع بعضهم، بعد مرحلة الطلاق. تقول بلهجة صارمة: «الزّواج زواج، والطّلاق طلاق، ثُمّ كفى… بهذه الكيفية أنا أرى هذه الأمور، شخصيا… بعد حصول الطلاق بيننا، لم أغمر نفسي بالأوهام، لأني لم أكن أومن للحظة واحدة، بأنّا سنبقى صديقين ودودين». (ص 11/12).
بالفعل، لم يسبق لإيلونكا أن تقاطعت مع زوجها من قبل، ولا رغبت في الاتصال به مثلما تفعل النساء الأخريات، لنمط الحياة الواقعي الذي اختطّته لنفسها بعد الطلاق من جهة، ولأنها تحمل لبيتر في دخيلتها من جهة أخرى، بذور حنق دفعها في وقت سابق الى الرغبة في الانتقام منه(19). ولعلّ سبب ذلك يؤول الى كونها لم تستوعب دواعي الطلاق الذي حدث بالمرّة، رغم إدراكها في الشوط الأخير من عمر زواجهما، لاستحالة الاستمرار مع بيتر. فما الذي وقع بينهما، يا ترى؟ وكيف استحالت الحياة المشتركة بين هذين الزوجين الى مسخ، بلغ بهما حدّ الانفصال؟
كانت إيلونكا تعي منذ ارتباطها ببيتر، بأنّ بينهما هوّة سحيقة من الاختلافات التي يستحيل ردم غورها، أو غضّ النظر عنها. وتتصل مجمل تلك الاختلافات بطبيعة الأصول الاجتماعية التي ينحدر منها كل منهما. فهي تنتمي الى فئة البورجوازية الصغرى، لكون والدها مجرد موظف حكومي بسيط، بينما تضرب أصول بيتر عميقا في تربة البورجوازية الصناعية، وهو الأمر الذي تحكّم بشكل عام في أفعال وعادات كل منهما، وطبع ذائقته الفنية والأدبية، وحسم في توجيهه. فإذا كانت إيلونكا اضطرت بعد الحصول على شهادة الباكالوريا، الى البحث عن عمل تضمن به استقلالها المالي، ثم عن زوج ثري يستجيب لأهوائها، ويوفر لها الرخاء الذي تطمع فيه، فإنّ بيتر الذي ولد في كنف أسرة ثرية، ظلّ مهتما الى وقت لا يستهان به بشؤون المعرفة والإبداع وحسب، ويعيش مثل فنان أصيل، لا يحتاج الى تخصص(20). تقول إيلونكا لصديقتها: «أتعلمين ما الذي كان عليه زوجي، حقيقة؟ كان ظاهرة من صنف نادر: رجلا! لا، ليس بالمعنى المسرحي للكلمة، بحيث لم تكن له أية علاقة بدور العاشق الولهان، ولا بدور بطل في الملاكمة. كان فحلا على مستوى الرّوح: ظلّ في نفس الآن مجبولا على التأمّل والتناغم والقلق والبحث المضني والتوجّس… كان شغوفا بالأمور المتصلة مباشرة بالرّوح… بينما لم أكن أنا منشغلة سوى به، به وحده… لكنّ هذا ـ حينئذ ـ لم أكن أعلم به!» (ص 16).
ظلّت هذه الفروق الاجتماعية المميّزة لبيتر عن غيره إذن، إضافة الى توجهه المعرفي والفني الرّاسخ(21)، الذي يظهر في عشقه الكبير للقراءة، وتردّده الدّائم على زيارة المتاحف والمسارح وحفلات الموسيقى الباذخة، واحدة من أهمّ الفجوات الرّوحية التي أدركت إيلونكا استحالة التغاضي عنها، في مسارهما المشترك. لكنّ حجم الشّق بينهما لن يتوقف عند هذا الحدّ، وإنّما سيكبر بعد حادثة طريفة طرأت لها معه في سنتهما الثالثة من الزواج. ذلك أنها حين عادت الى البيت ذات مساء، وجدت زوجها وصديقه الكاتب لازار (22)Lazar مندمجين، جسدا وروحا، في أداء أطوار مسرحية غريبة عنها كل الغرابة، ما جعلها تمكث طيلة السّهرة ذاهلة ومبلبلة الذهن، وقد أحسّت بأنها شخص بعيد وطارئ عن أجواء الاندماج الحاصلة بين الصديقين. حينها، أدركت للمرة الأولى بأنها لا تعرف عن زوجها غير النزر اليسير من الأشياء التي تخصّه مباشرة، وتتصل بمحيط علاقاته، لكونه فضّل البقاء متكتما على نفسه، ومتحفظا حيالها، ولا يرغب في إشراك زوجته في أسراره، الأمر الذي قوّى لدى هذه فكرة كونها امرأة غير مهمة في حياته، ونمّى لديها الشكّ في إمكانية وجود أشياء أخرى عنده أهمّ منها، في الوقت الذي ظلّت فيه تسعى الى الظفر به لنفسها، وحيازته لها وحدها.
بقي أثر هذه الحادثة موشوما بعمق في ذاكرة الزوجة، ليس لكونها فوجئت بعدم الإحاطة بأسرار الحياة الخاصة ببيتر وحسب، وإنما لأنها لم تكن تعلم عن علاقته الحميمة بلازار إلا أثناء تلك الأمسية الغريبة فحسب، رغم أنها ظلّت لثلاث سنوات تعيش معه تحت سقف واحد، خاصة أنّ هذا الصديق ظلّ الشخص المفضّل والحميم لزوجها، وعادة ما يلتقي به، ولا يتردّد أبدا في استشارته في شتى الأمور، إضافة الى كونه يتابع كتاباته وتآليفه، ولا يكلّ من قراءتها. حينها، «أدركْتُ ـ تقول إيلونكا (ص 28) ـ بأنّ شيئا بالغ الجسامة يقف حائلا بين كلّ واحد منّا (…) وبأنّ بيتر إنّما ظلّ يتحمّل وجودي في شقته وحياته، وحسب».
ثمّ تمضي في التذكّر، لتعرّج على محطة أخرى فارقة في حياتهما الزوجية، لمّا رزقت بمولود. وقتها، ظنّت بأنّ بيتر سيتغيّر لا محالة، بسبب ما لاحظته عليه من اهتمام متزايد بها وبالصبي، رغم ما شاب سلوكه من كلفة وإجهاد، أكّدا لها على درجة العَنَت المبالغ فيه الذي بات الزّوج يبذله، حتى يبدو سعيدا أمامها. وبهذا، حاولت إيلونكا استغلال فرصة الولادة للتقليص من حجم الفجوة الفاصلة بينهما، متخذة من ابنها «ذريعة ـ مثلما قالت (ص 36/38) ـ محض وسيلة لإرغام زوجي كي يزيد من درجة حبّه لي(…) لأني لم أشأ تركه للحظة واحدة يبعد عني. كنتُ أشدّه إليّ بالطفل الصغير، وأبتزّه تماما، وأفرض عليه نوعا من العبودية العاطفيّة».
وفي غمرة تلك الفترة، التي استمرت على تلك الحال زهاء عامين، اقترح عليها بيتر ذات يوم، ترك الصبي لأمه كي ترعاه، والذهاب سوية في رحلة استجمام. «كانت رحلة غريبة ـ مثلما تتذكر إيلونكا (ص 38) ـ وأشبه ما تكون بسفر شهر العسل، والرحلة التي تسبق أي وداع. كانت فرصة تتيح لكلّ واحد منّا أن يتعرّف على الآخر بكيفية أفضل، مثلما كانت امتحانا لنا في نفس الآن». وقبل انتهاء الرحلة بيوم، اغتنم بيتر الفرصة، ففاجأ زوجته بسؤال غريب، أربك حساباتها بقوله: «والآن، ما مصيرنا يا إيلونكا؟ قولي لي: ما مصيرنا» (ص 41). كان هذا السؤال بمثابة إنذار واضح من بيتر، أعقبته مطالبته لها بضرورة التخفيف من حدّة الحبّ الذي تظهره له، والاكتفاء بتوجيه كل الاهتمام للطفل فقط، لأنّ الزيادة في الحبّ لم تكن تعني له سوى الرغبة المستبدّة في التملّك والتحكّم، وهو يخشى بذلك فقد «كرامته». قال لها ذات يوم، لما سألته عما يجعله دائما بعيدا عنها: «أنتِ تريدين منّي التنازل عن كرامتي كرجل، وأنا لا أستطيع فعل ذلك، أبدا. أفَضّلُ الموتَ على هذا» (ص 27).
بعد العودة، وجدا الطفل مصابا بالحمى القرمزية التي أودت بسرعة بحياته، لتموت على خلفية ذلك ـ تقريبا ـ علاقتهما الزوجية، ويدخلا في مرحلة غمرها جليد شامل، لم تؤثر فيه كافة المحاولات التي بدرت من إيلونكا لاستعادة بيتر من دائرة وحدته، وانتشاله من قوقعة العزلة التي ضرب بها على نفسه. تقول: «علمت حينها أني فقدت زوجي، لأنه من غير أن يعلن عن ذلك صراحة، يتهمني بكوني السبب في ذلك الموت» (ص 48). وعلى إثر هذا، تكالبت على جسمها الأمراض، فأحست بأحوالها تسوء، وبمعنوياتها تتدهور، وقواها تخور، نتيجة تضافر مشاعر الذنب عليها وتأنيب الضمير، لما خلّفته تلك الوفاة المباغتة في الأسرة جمعاء. وأثناء فترة المرض الطويلة، اشتدّت قسوة الشكوك عليها، وزادت قلبها ألما وحزنا واعتصارا، ليظلّ هاجسها الوحيد هو إمكانية حدوث النهاية غير السعيدة: الطلاق من زوج تحبّه، وترغب فيه!
لكنّ ضميرها سرعان ما صحا ذات يوم، ونبّهها الى ضرورة ممانعة المرض لتجنب وقوع الفاجعة، لأنّ ما من خيار آخر أمامها لإنقاذ الزواج، غير ذلك. وبفعل هذه الصحوة المباغتة، تمكّنت إيلونكا من تجاوز مرحلة المرض التي أقعدتها لمدة شهور طريحة الفراش، واستطاعت التغلّب نسبيا على بعض الوساوس والشواغل والهذيانات القاهرة، التي مكثت تنهب فيها نهبا، فتعافى جسمها مرة أخرى، وارتفعت شحنة معنوياتها المفتوحة على الحياة، وانتهت برسم خطة جديدة لغزو قلب بيتر، لعلّ ذلك يتيح لها إنقاذ ما يمكن إنقاذه. تقول: «قرّرتُ الإغارة على حصون زوجي… فصرتُ بعد اتخاذي لهذا القرار، أشبه ما أكون بامرأة حزمت أمرها، واستعدّت كلّ الاستعداد للكشف عن أسرار رجل بعيد عنها، حتى وإن كلّف ذلك النّزول الى الجحيم» (ص 56/57).
إلاّ أنّ إيلونكا فضّلت، بدل الشروع مباشرة في اقتحام حصون الزّوج، استشارة أحد الرهبان في الأمر أولا، عسى أن يفيدها ذلك في تبيّن معالم الطريق القويم، ويعزّز خطاها، ويملأ قلبها بالإيمان الصادق. لذا، اتجهت صوب كنيسة شبه مهجورة تقع في ضاحية العاصمة، وهناك صلّت وحيدة صلاة الاستخارة، ثم انتقلت الى كوة الاعتراف، وشرعت تقرّ لراهب عجوز بما سكن روحها من شواغل متشاجنة، وما عزمت عليه كذلك؛ غير أنّ هذا اعترض على ما رسمته من خطط، ونهاها عن الإقدام المتسرّع على ذلك الفعل، لأنّه ضرب من الأنانية المشينة التي قد تؤدّي الى سوء العاقبة، ثمّ طالبها في المقابل بالاكتفاء بمجرد الصّبر والإكثار من الصّلاة.
لكنّ ما لم يكن في الحسبان، وقع بعد أسبوعين على تلك الحادثة. فقد اكتشفت إيلونكا في حافظة الأوراق الصغيرة التي نسيها بيتر بالبيت ذات يوم، جزء من شريط أرجواني تستعمله النساء في أمور الزينة. كان هذا الاكتشاف الذي تمّ بمحض الصدفة، بمثابة صاعقة قوية أربكت حساباتها، ودفعت بها الى الانشغال بمحاولة فكّ شفرة ذلك الطّلسم، ومعرفة من تكون صاحبته. واتفق أن التقت في مساء اليوم الذي تمّ فيه ذلك الاكتشاف، بصديق زوجها الكاتب لازار، على هامش حفلة عشاء أرستقراطية، حضرتها برفقة بيتر؛ وهي المناسبة التي تهيأت لها كما لو أنها كانت تتهيأ لحفل زفافها، حتى بدت في أعين المدعوين جميعهم، بمظهر زينتها وتجمّلها الاستثنائيين، بأنها تريد الدخول في مبارزة من صنف خاص، لغزو قلوب الكثير من الرجال، لا قلب بيتر المتمنع عليها وحسب. وحين اختلت بلازار للتحادث معه حول أسرار ذلك الشريط القصير، ومساءلته عمن تكون صاحبته المفترضة، فاجأها هذا بهدوئه المفرط، وعدم تفاعله مع ما علمت به، ونصحها وكأنه راهب الكنيسة الصغيرة التي زارتها من قبل، بعدم الانجرار وراء أية عاطفة عدوانية، والتزام الحكمة والتبصّر حتى لا تنكئ جراحا، بدأت بالكاد تندمل في قلب زوجها، وإلا فإن حصيلة ما ستلقاه جراء ذلك، قد لا تروق لها.

وأمام إصرار إيلونكا الكبير على معرفة ما يحيط به لازار من أسرار، متعللة برغبتها في حماية تجربة الزّواج وحسب، لا سعيا الى هدمها أو محق كيانها، لأنها تحبّ أن يكون بيتر كاملا لها غير مجتزئ، ولا تريد من أية امرأة أخرى اقتسامه معها، إذ «إنّ أدعى الأمور إهانة وأشدّها لا إنسانية ـ مثلما قالت له في الصفحة 83 ـ هي أن تضطر المرأة الى العيش مع نصف رجل، وحسب!»؛ أمام هذا كلّه، لمّح لها لازار بأنّ الغريمة موجودة بدائرة البيت، حيث تعيش حماتها. «كل ما أستطيع قوله، قبل أن تهبّي للركض في كل مكان من العالم، جريا وراء الكشف عن سرّ بيتر ـ قال لها لازار ـ هو أن تلقي نظرة على شقة والدته. فهي نسبيا مأواه الثاني. هناك ستجدين بالتأكيد مؤشرات من شأنها أن تقودك الى بغيتك. إنّ بيت الولادة هو دائما، مكان وقوع الجريمة الأولى… وكل ما يتصل بالمرء من قريب أو بعيد، موجود به» (ص 87).
وفي صبيحة يوم ربيعي من شهر أبريل، خرجت إيلونكا لزيارة حماتها، مبيتة نية الكشف عن أسرار ذلك الشريط الملغز. ولما وصلت، علمت من خادمة البيت جوديت ألدوزو، بأنّ أمّ بيتر متغيبة لقضاء بعض الحاجات، فأصرّت إيلونكا على البقاء في انتظار أوبتها. تقدّمت بضع خطوات في اتجاه المدخل، فلفت نظرها شريط تتوسطه تميمة، وضعته الخادمة في عنقها. مدّت إيلونكا يدها بسرعة الى تلك التميمة، بعدما تعرّفت على لون الشريط، وانتزعتها بعنف من عنق الخادمة، الى أن سقطت الأخْذة على الأرض، فانكشف بأنها تضمّ صورتين لبيتر: واحدة قديمة، وأخرى لم تمض عليها غير سنة.
ظلت كلّ واحدة من المرأتين تثبت النّظرات الصامتة في الأخرى للحظات، وقد وقفتا متقابلتين في ردهة البيت، الى أن انتهى الأمر في الأخير بجوديت الى دعوة إيلونكا، كي تلتحق بها في غرفتها، لتحكي لها كل شيء. شعرت هذه، لمّا ولجت غرفة تلك الخادمة الغريمة لأول مرة، بمجموعة من المشاعر المضطربة التي ظلّ أهمّها الإحساس بالخوف الشديد، حيال الحقيقة المبتذلة والبذيئة التي كشفت عنها كافة الأثاث وعناصر الإكسسوار البسيطة بالغرفة، الى جانب ما لمسته في تلك المرأة الريفية من معاني الرضوخ والإذعان الملتبسة. تقول: «كانت الأجواء السائدة في تلك الحجرة تنمّ عن جوّ من الخضوع الطّوعي والإذعان الاختياري… لكنها تشعّ كذلك بأجواء الخدعة والمؤامرة…» (ص 99). وكان أهمّ ما لامسته من جوديت بعد جلوسها أمامها، تلك المشاعر المتضاربة والمرتبكة، التي جعلتها ترى فيها امرأة «منفّرة، لكنها في نفس الوقت قريبة مني… كائن ذو حساسية، وقور، قوي، صريح ومنذور للمعاناة مثلي، ومثل جميع الكائنات البشرية التي تضطر الى العراك للحفاظ على موقعها» (ص 101).
وبعد إلحاح إيلونكا على ضرورة معرفة طبيعة العلاقة التي تربط جوديت ببيتر، وسرّ الاحتفاظ بصورته معها، صارحتها الخادمة بعد الوثوق من نواياها غير العدوانية، بأن علاقتهما معا كانت علاقة حبّ بريئة، بدأت منذ اثنتي عشرة سنة، وأنه هو من أهداها صورتيه معا، وأضافت بأنه حدثها في يوم بعيد جدا عن رغبته في الزواج منها، إلا أنّه لم يفعل، فظلّت تحترم قراره ومشيئته، وتلتزم بأصول التوقير حيال زواجه من غيرها. وقعت إيلونكا في حيرة كبرى أمام هذه الحقيقة المذهلة التي اكتشفتها في بيت حماتها، فأصيبت مداركها بالتبلبل والارتباك، لتقفل راجعة الى بيت لازار، تستغيث به في عتمة ارتباكها، وتستوضحه في ما حيّرها. كشفت له أولا عن حقيقة ما توصلت إليه، ثمّ سألته بعدها إن كان بمستطاع «الحبّ الأول أن يتسلّط على الروح، فيسيطر على مغالقها، حدّ الحيلولة بين المرء وإمكانية تحرّك قلبه لحبّ آخر؟» (ص 125). اعتبر لازار ذلك من الممكنات، واغتنم الفرصة ليصارحها بأنه كان على معرفة بعلاقة بيتر بجوديت منذ البداية، لكنه فشل في التأثير على زوجها، وإقناعه بوضع حدّ لتلك التجربة العاطفية التي لا تلائم وضعه، ليس بسبب التمايز الطبقي بينه وبين جوديت، سيما أنّه يعلم يقينا بأنّ بيتر شخص متمرّد على صرامة النظام البورجوازي وفجاجته، ويحمل دوما في قراره شرارة ثورة مشتعلة الأوار؛ وإنما لأسباب أخرى. وفي معرض هذا السياق، أقرّ لها لازار بأنه لما رأى جوديت لأول مرة، بإيعاز من بيتر بالذات: «شعر بأن تلك المرأة تملك في كيانها، شيئا ما… شيئا لا يمكن لي القبول به، وهو ما أردت أن أحمي منه بيتر… إنها تملك إرادة وقوة بربريتين متوحشتين…». ثم أضاف على سبيل التعليل قائلا: «هناك كائنات تشبه نباتات الغابة المتعرّشة التي، حين تمدّ أعناقها وسيقانها في كل ناحية، لامتصاص رطوبة الأرض كاملة، تحرم الأشجار المجاورة لها من العناصر الأساسية، التي تتغذى عليها… أجل… هي كائنات تملك قوة متوحشة، قادرة على انتزاع نسغ الحياة كله مما يحيط بها. كذلك هي طبيعتها، وكذلك هو قانونها. ليس لكونها «شريرة» هي على تلك الحال، لا… إنما هي كذلك وحسب، لأنها كذلك…» (ص 130/131).
وفي مستهل شهر مايو، علم بيتر بأنّ جوديت غادرت فجأة بيت والدته في اتجاه وجهة غير معلومة، لتترك بذلك قلبه نهب عاصفة من العواطف والشواغل القوية. في البداية، تطوّع هو بمفرده للبحث عنها في الأماكن المعلومة لديه، ولما عجز عن العثور على أي أثر يفضي إليها، بعث خلفها بمحققين متخصصين يترصدونها. لكن جميع هؤلاء فشلوا أيضا في مهمتهم، الأمر الذي دفع ببيتر الى التأثر كثيرا بهول الفراغ العاطفي، الذي خلفه في قلبه غياب جوديت المفاجئ، فمرض على إثر ذلك جسدا وروحا، وظل ينتظر عودتها لمدّة سنتين كاملتين، وهو أشبه ما يكون بمخبول أو ممسوس؛ فأيقنت إيلونكا في خضم تلك الأثناء المشبعة بالمرارة والحسرة والجليد، بأنّ ساعة الطلاق أزفت، وأنها لم تعد تفصلها عنها إلا أيام معدودة.
ثمّ عادت جوديت الى الظهور بعد عامين من غيابها، فعلم الجميع بأنها هاجرت الى إنجلترا، حيث عملت طيلة تلك المدة خادمة لدى أحد الأطباء، بمدينة ليفربول. وبهذه العودة، انفرط العقد الواهن الذي كان يشد الزوجين الى بعضهما، فوقع طلاق إيلونكا مباشرة بعد ذلك، لتجد نفسها وحيدة ومنذورة للمعاناة من آلام الانفصال، والبعد عن بيتر. إلا أنها مع توالي الأيام، ستشرع في مراجعة قناعاتها، ومحاسبة النفس بصرامة وقسوة، لعل في ذلك شفاء لنفسها الجريحة من آثار العاطفة العمياء، وأثلام الاندفاعات والأوهام الزائفة. وبناء على ذلك، انتهت إيلونكا الى حالة من الطمأنينة، التي رسّختْ لديها قناعة تفيد بأنّها، إذا كانت قد خسرت رجلا، فقد ربحت بذلك الفقد العالم برمته. تقول: «فيما قبل، كنت عاجزة عن تقدير الأشياء التي يتيحها لنا العالم حق قدرها، مثلما أفعل اليوم. كنت منشغلة على الدوام بشيء آخر… كان اهتمامي منصبّا على إنسان واحد، بينما لم يكن لي الوقت الكافي للانشغال بالبقية. بعدها، فقدت ذلك الإنسان مثلما ترين، فحصلت في المقابل على العالم كله» (ص 135).
وبهذا، انجلت غشاوة الوهم على عيني إيلونكا، فانتهت في خاتمة محكيها الى التأكيد على حقيقة واحدة، هي بمثابة خلاصة لتجربتها الذاتية في البحث عن الحبّ والزوج المثالي، صاغتها على شكل حكمة، أكّدت فيها على أنّ الإنسان الأصيل حقّاً غير موجود بالمرّة، وإنّما الناس تحمل في طبعها عناصر أصالة ولؤم، عفّة وخسّة، رفعة وحقارة. وأنّ بيتر بالذات لا يحيد عن هذه القاعدة!
ب ـ محكي البحث عن الحقيقة:
بعد خفوت صوت إيلونكا، يتولى بيتر سرد محكيه، وقد جلس في مقهى برفقة صديق له23 مهندس عاد من البيرو، حيث يشتغل في شركة للسّكك الحديدية. وإذا كان عبور بيتر للمقهى بالصدفة، هو الذي حرّك محكي إيلونكا سابقا، ودفع بها الى الشروع في قصّ حكايتها بمجرد رؤيته يلج المحلّ الذي جمعها بصديقتها؛ فإنّ العامل الذي حفّز بيتر أيضا على قصّ وقائع زواجه الثاني من جوديت ألدوزو، هو رؤيته لهذه الأخيرة تنصرف من حانة كان يتواجد بها، وهي تتأبط ذراع أحدهم، كان غريمه ذات يوم. وبهذا، فإنّ محكي هذا الأخير يتأطّر على مستوى السيرورة الكرونولوجية للحدث، بعد ثلاث سنوات على تطليقه لجوديت، وتحديدا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأشهر.
يبدأ بيتر محكيه بالتأكيد على تغيّر رؤيته لنفسه وللآخرين، وأنّه لم يعد ذلك الشخص الذي كانه منذ عقود، بحكم أنّ بلوغ سنّ الخمسين، الى جانب الخروج من تجربة زواج فاشلة من امرأتين، تقع كل واحدة منهما على الطرف النقيض من الأخرى في كل شيء، إضافة الى فقدان الثقة في كثير من القناعات الاجتماعية والأدبية، جعله يعتبر نفسه إنسانا فاشلا un homme raté فرض على نفسه طوق العزلة، وغدا متشبثا بشيء واحد لا غير: محبة «الحقيقة» والرغبة في الإحاطة بها، وهو الأمر الذي يعني أنه طرد من دائرة اهتماماته، كل الشّواغل والأوهام التي يتمسك بها الآخرون، ويعتبرونها جزءا من حياتهم. يقول: «أنا لا أحتقر شيئا ولا أحدا، لأنّ لا حقّ لي في ذلك. لكنّي أنوي تخصيص بقية أيامي لعشق واحد: الحقيقة. ولن أقبل من الآن فصاعدا بأي كذب، سواء أجاء من الأدب أو النساء… زد على ذلك أني لن أسمح بالكذب على نفسي، أنا بالذات» (ص 149).
في البداية، يعترف بيتر بأنّه ارتكب الكثير من الأخطاء في مسار حياته، سواء مع ذاته أو الغير. لذلك، اضطر في النهاية الى اعتزال الجميع، والضرب حوله بطوق الوحدة القاسية، والخلود الى النّفس لمراجعة أخطائها، وفحص ما ارتكبه الغير في حقه وحقّ الآخرين. ومن ثمّ، بدا له الجميع في غمرة تلك التأملات، بمن فيهم هو نفسه، أشبه بمن ضلّ الطريق ليلا، وبقي يخبط في الأرض خبط عشواء، دون نجم هاد، ولا أفق بأضواء، ما انتهى بالكل الى السّقوط في هاوية. يقول لصديقه: «نحن جميعا أشبه بذلك السّائر الذي تاه ليلا، فدفع به ضلاله الى السّقوط في حفرة!» (ص 150).
وفي معرض جرده لأسباب هذا السّقوط، الذي أفضى به الى الكفر بكلّ شيء تقريبا، ما عدا الوفاء لضالّته الوحيدة: «الحقيقة»، يعود بيتر القهقرى الى الوراء، ليتذكّر طبيعة التربية التي تلقاها في الأسرة، فيشير الى أنّ ما اكتسبه في كنف هذه المؤسسة البورجوازية، التي ظلّت متمسّكة بالتقاليد والعادات المتوارثة عن الأسلاف تمسّكا أعمى، لا يدعو الى السّرور والابتهاج، ولا تنجم عنه السعادة كذلك، وإنما نشأت عنه آثار سلبية وخيمة، انعكست على دخيلة نفسه الحساسة، ودفعت به منذ حداثة سنّه الى البحث عن أشكال العصيان والتمرّد على نظام الأسرة الصّارم. فقد كانت تربيته البورجوازية تقوم على أسس عقلانية متصلّبة ومتشدّدة في كلّ شيء، وتحافظ بذلك على مدرج العادات المتوارثة عن الأجداد المؤسّسين، ما جعل تلك العقلانية تبدو ثقيلة وضاغطة بقوة، لا تني ترخي بظلال من البرودة والكآبة على كلّ شيء، وهو الأمر الذي أفضى بالحياة المشتركة في البيت الى أن تصير شأنا لا يطاق، بالنسبة لفتى تسكنه روح برمثيوسية تواقة الى الانزياح والتمرّد. صحيح أنّ للعائلة أهمية مركزية في المجتمع، مثلما يقرّ بذلك بيتر، بل يمكن «اعتبارها الهدف الأسمى من الحياة… إذ تربّيتُ على مبدأ الحفاظ على النظام المتعارف عليه داخل الأسرة، الذي تنضبط له فئتنا الاجتماعية: النظام البورجوازي القائم على الاحتفالية، التي تتجاوز الفرد لتنشغل بشؤون الجماعة والطبقة… واكتسبت منذ البدء، وأنا في سنّ العاشرة، التربية المبنية على مبدأ الاتزان والتيقظ، اللذين يفترض أن يُجْبل عليهما ربّ أعمال من الطّراز الرفيع»؛ إلا أنّ تلك التجربة المتصلبة والمتشدّدة سرعان ما قادته الى الاقتناع بأنّ «ما من شيء سارّ يمكنه أن ينجم بالكلّ عن الأسرة!» (ص 165/167).
ومن ثمّ، يعرّج بيتر في سياق استطراداته، على نقد التكلّس الثقافي لطبقته الاجتماعية، كاشفا بذلك عن تحجّر مبادئها ومُثلها الاجتماعية، وانغلاق أفقها على عادات وطقوس متقعّرة، يتمّ توارثها أبا عن جدّ بشكل صنمي، الشيء الذي ولّد لدى أفرادها ثقافة محافظة، ونمّى فيهم سلوك المثابرة على الاحتراز من أي انفتاح أو تغيير، الى جانب اتقاء شوكة أية دعوة تمجّد التمرّد على الأصول والثورة عليها، رغم أن هذه الطبقة ما انفكّت ترفع في الماضي شعار التمرّد والثورة في وجه غريمتها الفيودالية. ولذلك، يشير الى أنّ أغلب أفراد هذه الطبقة في هنغاريا، كما في غيرها من دول أوروبا قاطبة، انتهوا الى اعتبار كلّ دعوة الى تبديل العادات وتحويلها، هي بمثابة دعوة مغرضة وخطيرة، تستهدف الجنوح عن الأصل. وبناء على ذلك، توقفت مهمّة البورجوازي المعاصر، الذي كان والد بيتر نموذجا تمثيليا له، على مجرد صيانة الثوابت والمحافظة عليها، بالوقوف سدّا منيعا في وجه كافة القوى الغوغائية التي تهاجم قيم البورجوازية، وتدعو الى الفوضى، «والحال أنّا صرنا نعيش اليوم، مثلما يقول بيتر (ص 166)، مرحلة تاريخية حاسمة يترصّد فيها خطر الموت، تلك القيم والمثل التي أقسمنا على المحافظة عليها!»24.
وسط هذه الأجواء الأسريّة المتشدّدة والثقيلة والكئيبة، عاش بيتر لحظات مفعمة بالرغبة في الانتفاض والتمرّد، بفعل ما سكن دخيلته من بذور الجموح والنفور والعصيان منذ سنّ اليفاعة، لكنّه لم يشاكس بالمرة، ولا شقّ عصا الطاعة عن أحد، وإنّما بقي خلال تلك المرحلة الطويلة من الشباب منصاعا، يمتثل لجميع تلك الضوابط المملاة عليه من طرف الأسرة والطبقة، الى أن ظهرت خادمة ريفية في الأسرة. يقول: «لشدّ ما رغبت في أن أقوم بتجريب الشّغب والفوضى، وأنا مضغوط في سنّ الثامنة عشرة بالخوف والرّهبة.لكن لزمني أن أنتظر وقتا طويلا، كي أقوم بذلك» (ص 183/184). ثمّ إذا بجوديت ألدوزو تظهر في حياة الأسرة فجأة، فيوقظ ظهورها جذوة التمرّد التي كادت تخبو بين جوانحه، فيفكّر في العصيان. يقول متحدثا الى صديقه عن اللقاء الأول الذي رآها فيه تلج البيت، في حضوره: «كيف أحكي لك عن أول ظهور لجوديت ألدوزو في ذلك البيت، الذي بقدر ما كان فخما ورفيعا، فإنه ظلّ مظلما وكئيبا؟! كانت تمسك كتلك الشحاذات الصغيرات اللواتي تحكي عنهنّ الحكايات الشعبية ـ وعادة ما تكون تلك الحكايات مطابقة بما يكفي للواقع ـ بصُرّة ثيابها في اليد. كنت أنا وقتها عائدا لتوي من مباراة في كرة التينيس… ألقيت بالمضرب كيفما اتفق فوق أحد الكراسي، وتهيأت لخلع بلوفري، حين أبصرت وسط عتمة المدخل، وبالضبط قبالة صندوق قوطي، تلك الغريبة تقف جاثمة بصُرّتها…». وحين تقاطعت نظراتهما لبضع ثوان، أدرك بيتر بأنّ «هذه المرأة بالذات تعلم بأنّ الشابّ الذي يقف أمامها، ستكون له أهمية خطيرة في حياتها… وكنت أنا أيضا أعلم بذلك» (ص 185/186).
كان ظهور جوديت في الأسرة إذن، بمثابة العنصر المربك، الذي يختل بدخوله مسار الأحداث كلها، لاسيما أنّ تلك الشخصية تمتلك من القوة الرّوحية النفّاذة ما يكفي، لتتمكّن من التحكّم في مغالق بيتر، وفي توجيه اهتمامه نحوها بشكل سافر. يضيف قائلا: «أجل، كان هناك شيء ما شدّني إليها يومئذ، لأنّ اتصالا غير مادّي حدث بيننا… اتصالا أشبه بأثر الإشعاع الضوئي… أجل، وقع بيننا ذلك الاتصال… فحين رأيت جوديت ألدوزو لأول مرة، لم أستطع الابتعاد عنها، وإنما بقيت جامدا هناك في مكاني، حتى وإن بدا ما صدر عني في مواجهة تلك الغريبة، تلك الخادمة، ضربا من العبث الشديد!» (ص 187).
كان بيتر في الثلاثين من عمره، حين تعرّف على جوديت، وهو ما يعني اكتسابه لخبرة لا يستهان بها مع النساء، في سياق كافة التجارب والمغامرات الليلية التي جمعته بهنّ. إلاّ أنّه يؤكّد بأنّ ما كانت تمتلكه جوديت، ظلّ مختلفا في الشكل كما في الجوهر عن بقية ما كانت تملكه غيرها من النساء. إنّ لها قوة معنوية رهيبة، ترسلها نحوه من خلال نظرات قوية ومركزة، سرعان ما تجعله يشعر بالضعف أمامها، فينكفئ على نفسه، ثمّ يتهرّب. يقول: «لا، لم تكن تنكّس عينيها حين تقف أمام ربّ الأسرة الشابّ الذي كنته، ولم تكن وجنتاها تحمرّان خجلا، أو كانت تتدلّل، وتتغنّج. وإنّما ظلّت تجمد عند كلّ لقاء نتقاطع فيه، تحت تأثير صدمة ما، مثلما حصل أثناء ذلك اليوم بمدخل البيت، لمّا أشعلت ضوء المصباح، كي أتمكّن من رؤيتها بشكل أفضل، فتركتني أتفحّص تفاصيل وجهها، بشكل منصاع جدّا». لأنّ جوديت تدرك قيمة ما تملكه من جمال، «والجمال بلا ريب قوة، بنفس قوة الحرارة والضوء والإرادة!» (ص 191).
وبعد ثلاث سنوات على تواجدها بالبيت، وترقيها في خدمة الأسرة، حدثت لبيتر أول واقعة مع جوديت، ليلة عيد ميلاد السيد المسيح. في تلك الليلة، عاد بيتر مبكرا الى البيت لحضور الاحتفال مع أسرته. ولمّا ولج حجرة الصالون حيث تركن الشجرة المرصّعة بالأضواء والألوان، وجد جوديت جاثية على ركبتيها قبالة المدفأة، تحاول إضرام النار في بعض الأعواد. وقف متجمّدا بالقرب منها، وقد شدّته إليها تفاصيلُ ذلك الجسد الأنثوي الغض الذي كان يجثو أمام المدفأة، فأخذ بيتر يتأمل تضاريسه ونتوءاته البارزة بعناية، وقد أدرك بأن قدرا ما جرّه جرّا تلك الليلة، نحو هذه المرأة. اقتنع الشاب بأنه يريد الظفر ذلك الجسد، وما ينطوي عليه أيضا من أسرار ومشاعر. إلا أنّ الجمال لم يكن وحده هو مبعث ذلك الإغواء، ولا الإثارة الجنسية وحدها هي التي أشعلت فتيل رغبته، وإنما أدرك بيتر في التماعة وعي سريعة ونافذة بأنّ «الرابطة التي اقترحها عليه ذلك الجسد في صمت، لم تكن تستهدف إطفاء لهيب الإثارة الجنسية وحسب، وإنّما كانت موجهة ضدّ شيء ما، وضدّ أشخاص معينين، وكانت جوديت مشاركة في ذلك الشعور» (ص 204).
في ذلك المساء، لم يداعبها بكلمات رقيقة تحرّضها على الغواية، وإنما قال لها بكيفية صريحة ومختصرة بأنه يريد العيش معها تحت سقف واحد. لم تندهش جوديت لما أسرّ به إليها بيتر، وإنّما أرسلت إليه نظرات فاحصة، ركّزت لبضع ثوان عليه، كما لو كانت تنفذ بذلك الى كنهه، لتتعرّف على مقدار الصدق والقوة والشجاعة التي يملكها، حتى يتسنّى له تنفيذ ما رغب فيه. وما هي إلا لحظة، حتى رسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، وكأنها أدركت حينئذ بأنّه لا يملك ما يكفي من القوة والشجاعة، ليترجم الأقوال الى أفعال. وعلى إثر هذا التحدّي السّافر، انفكّت عقدة لسان بيتر دفعة واحدة، فانطلق يحدثها دون انقطاع لساعة ونصف، مؤكدا على عجزه فعلا، ومعللا عدم قدرته على تنفيذ رغبته في الزواج، بضغط الأسرة والوضع الاجتماعي، وبما قد يشاع عنه ضمن دائرة الأقارب والأصدقاء. ظلّ يتحدث ويتحدث، وهي صامتة تجثو على الأرض، وتنظر إليه وحسب. كان يحرضها تارة على البدء بالهروب أولا من البيت، كي يجد هو ذريعة للالتحاق بها الى إيطاليا، وتارة أخرى يؤكد لها عن صدق نيته ونقاء سريرته، وأن رغبته فيها لن تتمّ سوى عن طريق قران رسمي. وفي كل لحظة من تلك اللحظات، كان يقينه يكبر، ويقوى، فيتأكّد له بأنّ تلك المرأة تملك شيئا خاصا جدّا من النبل، «لأنّ النبالة ليست مسألة ولادة ولا رتبة اجتماعية، وإنما مسألة مزاج وذكاء» (ص 207). وحين لم يفلح في التأثير عليها، بحكم أنها بقيت جامدة وصامتة أمامه، لا تتفاعل مع ما اقترحه بالكل، طرح عليها سؤالا مباشر، يريد أن يعرف إن كانت ستقبل بالزواج منه. ردّت هي بالنفي، فالتمس منها على الفور تبيين سبب ذلك، فقالت له، وقد تماسكت أمامه: «لأنك جبان! ثم غادرت المكان». (ص 208).
بعد أيام، بعث بيتر بجوديت الى صديقه الكاتب لازار25، كي يفحصها كما يفحص الطبيب شخصا مريضا أو متوحشا، ليتثبت من سلامته. لكن لازار لم يعلق بأدنى كلمة تشير الى جوديت، حين التقى به بيتر فيما بعد، وإنما ترك هذا حائرا مشغول البال، لا يعرف حقيقة موقف صاحبه من تلك المرأة، ليحسم بأنّ لازار نفسه وقع تحت سحر جوديت البربري وجمالها المتوحش، وهو ما زاد من مقدار احترامه وتقديره لها. وبذلك، ازدادت خشية بيتر من تلك المرأة التي تملك روحا قوية وجمالا تتريا فريدا من نوعه، فاتخذ منها على الفور مسافة، أفضت به الى ترك البلاد، والانخراط في رحلة الى أوربا دامت أربع سنوات، ما حوّل جوديت في ذهنه الى مجرد ذكرى غامضة.
لقد انفتحت عينا بيتر وجميع حواسه، وهو يذرع البلدان الأوربية طولا وعرضا، التي كانت تعيش يومئذ أجواء سلم، «ليست بالتأكيد حقيقية، وإنما هي بالأحرى فترة انتقالية فاصلة بين حربين!» (ص 217)، على عوالم فسيحة ومتنوعة، تضمّ الى جانب المآثر العمرانية والثقافية العتيقة، مستحدثات تكنولوجية مدهشة وغريبة، مثلما تشمل الى جانب المعالم الفنية القديمة، منجزات تقنية جديدة، ساهمت جميعها في جعل صورة جوديت تنقلب في دخيلته الى مجرد ذكرى غائمة. يقول: «باختصار، رأيت العالم، ولم تقو بالطبع جوديت ألدوزو على أن تصير خصما عنيدا، يقف صامدا أمام تلك المشاهد التي رأيت… لقد منحتني الحياةُ كلَّ شيء خلال تلك السنوات، ووعدتني بكلّ شيء: انتزعتني من الدّيكور الحزين والبائس الذي غلّف طبيعة الوجود، كما عشته في بلدي، وخلّصتني من دوري القديم، ومن ملابس التمثيل التي فُرض عليّ ارتداؤها؛ فاستطعت في النهاية ترك المياه المتجدّدة تغمرني»، (ص 219/220).
بالفعل، تجوّل بيتر بين مختلف بقاع أوربا لمدّة أربع سنوات، من غير أن ينشغل تفكيره في يوم ما بجوديت. لكنه نسي أن يضع في حسبانه هذا الاستثناء: أنّ جوديت ظلّت على العكس، تنتظره. وحين عاد، تقاعد والده عن العمل، تاركا مكانه للابن الذي صار على رأس المصنع. ترك بيتر بيت والديه، ليبتعد كلّ البعد عن أجواء البيت العائلي القديم، وعن جوديت ألدوزو كذلك، وينصرف الى تأسيس مسار حياة مستقل، فاكترى مسكنا فخما يقع على إحدى الهضاب المشرفة على المدينة. وبعد عامين، توفي والده، فاضطرت الأم الى ترك البيت الكبير والاستعاضة عنه بشقة صغيرة، بعد التخلّص من كافة الخدم ما عدا جوديت. ثمّ تزوج من إيلونكا، وسارت حياته معها على وتيرة وديعة وأليفة وحتى متناغمة، لا تشوبها أية شائبة، اللّهم أعراض الوحدة التي بدأت تهجم عليه، وكأنها علامات مرض طفق ينتشر ببطء في جسده، ويستبد بسلوكه وعاداته اليومية، ويعمّق عزلته حتى مع أقرب الناس إليه. وقد ازدادت درجة هذه الوحدة لديه أكثر بعد وفاة ابنه الوحيد، فكانت حادثة الوفاة هذه لحظة فاصلة في مسار حياته الزوجية، فاقمت من عزلته، وأشعرته بعبثية كل شيء في البيت وخارجه. يقول: «بعد موت ابني، شعرت بكوني وقعت في شرك… حاولت زوجتي ما في وسعها كي نعيش في سلام ووئام وتناغم، لكنها فشلت. وكأنّا كنّا منكبّين سوية على تكسير الحجر، بكيفية ميؤوس منها»! (ص 226).
ظلّت مشاعر العزلة تتعمّق في وجدان بيتر، وتجعله يحسّ بلا جدوى كل ما يقدم عليه أو يصنعه، سواء في البيت أو المصنع، أو حتى حين يتردد على دوائر المقاهي والأندية، التي كانت تجمعه بأصدقائه. ومع توالي الزمن، ظلّت تلك المشاعر تكبر، وتتبرعم باطراد في نفسه، وتجعله لا يحس في الداخل كما بالخارج سوى بنفس الروتين القاتل، وهو ما أفضى به الى الاقتناع بغياب أي معنى حقيقي لوجوده. يقول: «ظلّ المعمل ينتج من الصباح الى المساء، والباعة يبيعون السلع، والمداخيل تضبط بعد كل عملية تحصيل، وأنا أقضي بياض نهاراتي في المكتب. كان كلّ هذا نافعا وضروريا وشريفا، ولم يكن أي أحد يخدع أحدا، ولا كنّا نغش زبائننا، ولا الدولة، ولا العالم. في كل هذا، لم أكن أخدع إلا نفسي، أنا بالذات. إنّ الإيمان بأنّ هذا العمل كله مهم بالنسبة إلي، لم يكن حقيقة سوى ضرب من الخدعة… ذلك أن الحياة تبقى فارغة الى الأبد وبلا معنى، إذا لم تُملأ بمهمّة تكون مثيرة ومحفوفة بالمخاطر» (ص 227/230).
بعد مضي ستة أعوام على هذه الوتيرة المملّة، حدث له شيء غريب. ذات يوم، وجد بيتر قطعة قُصّتْ من شريط بنفسجي، موضوعة بعناية في محفظة أوراقه الصغيرة، بين أوراقه الشخصية. وبذلك، أدرك في الحين بفعل حدسه، بأنّ جوديت ما زالت تنتظر منه العدول عن رخاوته وجبنه، اللذين أبان عنهما منذ ليلة عيد ميلاد السيد المسيح البعيدة، ليضطلع معها بشيء «مثير ومحفوف بالمخاطر». يقول: «عثرت على ذلك الجزء المقصوص من الشريط البنفسجي… فلزمني وقت كاف لأستوعب كيف وصل الى حدّ هنا، ومن ذا الذي أتى به، وكيف استطاعت جوديت ألدوزو دسّه بمحفظة أوراقي الشخصية… لقد ذهبت زوجتي لقضاء بضعة أيام في إحدى المحطات السياحية الشاطئية، ومكثت أنا بمفردي، فبعثت والدتي بجوديت الى البيت لتنظفه بشكل كامل. لحظتها، كنتُ بلا شك في غرفة الحمام، حين تسلّلت جوديت الى غرفة النوم، ورأت محفظتي موضوعة فوق المنضدة، فدسّت فيها ذلك الشريط. هذا هو على الأقل التفسير الذي أعطتنيه، فيما بعد» (ص 231).
بعدما أدرك معنى الرسالة التي وصلته من ذلك الشريط البنفسجي الصغير، شعر بيتر ببعض الهدوء، كما لو أنّ عمله وحياته وحتى زواجه، صار لها جميعها فجأة معنى، حتى وإنْ ظلّت شفرة ذلك الفعل ملغزة وغامضة وغير قابلة تقريبا لأن تفكّ، مثلما قال. وبذلك، تحوّل ذهنه باتجاه جوديت. «لا. لم يكن ذلك بدافع العشق الكبير؛ وإنما لكونها أفهمتني فقط، بأنّها ما تزال تعيش هناك، وتنتظر… وبذا، صار لي سرّ خاص، منح حياتي بعض المعنى، وأعطاها نوعا من الضّغط… فظللتُ هادئا، الى أنْ حلّ ذلك اليوم الذي اختفت فيه جوديت ألدوزو، عن بيت والدتي… اختفت كما لو أنّ أحدهم أغلق عليها في كيس، وألقى به في نهر الدّانوب… علمت بذلك صدفة، يوم زرت بيت والدتي، واندهشت لرؤية خادمة جديدة تفتح لي الباب، عوض جوديت… يومها، استوعبت الرسالة. كان هروبها هو الطريقة الوحيدة التي اختارت أن تبلغني عبرها رسالتها»، (ص 234/235).
وعلى إثر ذلك، تغيّرت حياة بيتر جذريّا، سواء بالبيت أو المصنع أو في النادي، أو حتى الأماكن العامة الأخرى التي كان يلتقي فيها بأصدقائه ومعارفه المحسوبين على فئة البورجوازية. ثمّ ما فتئ أن أصيب بمرض بعد ستة أشهر على ذلك الغياب، ألزمه المكوث بالفراش الى حين، فأغلق دونه ودون زوجته البيت، ولم يعد أي منهما يستقبل أحدا، ولا يستجيب للدعوات التي كانت تأتيهما من الغير، لحضور الاحتفالات والسهرات الباذخة. وما هي إلا أشهر، حتى دخلت علاقته بإيلونكا شوطا طويلا من الاحتضار، شرع على إثره زواجهما يتفسّخ شيئا فشيئا بكيفية بطيئة وسرّية، كما يقول (ص 246).
وبعد انصرام عامين على هذه الحال، رنّ جرس التلفون ذات يوم، فأدركت إيلونكا بغريزة الأنثى التي جُرحت كبرياؤها، بأن أوان الطلاق قد حلّ، بعد الردّ مباشرة على امرأة سألتها عن بيتر بإنجليزية سليمة. انفصل هذا عن بيته على إثر تلك المكالمة، واختار النزول بفندق قريب من ذلك الذي حلت به جوديت، ثم انشغل بترتيب إجراءات الطلاق، ليتزوج من هذه الأخيرة. بالطبع، لم يترك بيتر المصنع نهب الفراغ، وإنما بقي مواظبا خلال تلك المدة على التردد عليه، ومتابعة أعمال الإنتاج والتسويق لحظة بلحظة، غير أنه هجر كافة المنتديات والدوائر التي ربطته بأثرياء العاصمة، رغم ملاحقة هؤلاء له بالدعوات، التي كان الهدف من ورائها ـ مثلما يشير ـ هو إغراء ذلك المتمرّد الذي خرج عن تقاليد وعادات البورجوازيّة بالحضور. «إنّ شخصية المتمرّد هي ما رغب هؤلاء في رؤيته بتلك الصالونات، لعل ذلك يمكّنهم ـ بعد التذرّع بالحديث عن المطر، أو أجواء الصّحو ـ من الاحتكاك بمختل حقيقي، من شأنه إدخال السرور والبهجة على قلوب الجميع، بحماقات وهذيانات مجنونة» (ص 246).
ورغم كل شيء، ظلّت تلك الشهور الأولى من حياة بيتر مع جوديت أهدأ لحظات عمره، وأدعاها تقريبا للرضا والطمأنينة. يقول: «في كلّ مساء، كنت أتناول طعام العشاء برفقة جوديت، وكانت هي مطمئنة وهادئة، وتعلم بأنّ الأمور قد نضجت واستوت على نار هادئة، وأنّ ما من داع للتسرّع. كنّا نتطلّع في وجه بعضنا، كما لو كنّا تينك المتسايفيْن اللذين يحدجان بعضهما، قبل أوان المنازلة الحاسمة. ذلك أنّا كنّا ما نزال مقتنعيْن بضرورة خوض المعركة الكبرى لوجودنا، معركة الحياة والموت التي سنعقد على إثرها، ونحن مثخنان بالجراح ومضرجان بالدماء، اتفاقية صلح الأبطال. فقد تنازلت أنا عن كلّ شيء من أجلها: وضعي الاجتماعي، والمواضعات البورجوازية، وعائلتي، وزواجي من امرأة كانت تحبّني؛ ولم تكن هي قد تنازلت عن أي شيء لأجلي، لكنها مستعدّة لجميع التضحيات. فهي في كل الأحوال، تحرّكت… لقد تعلّمت هذه المرأة في ظرف سنوات قليلة، كلّ ما كنّا نسميه نحن بنمط الحياة الرفيع ـ بما يعني ذلك العناية بالعلاقات الاجتماعية والمواضعات السّليمة، وحسن التصرّف مع الآخرين وبينهم ـ وهو النمط الذي وصل إلينا من المحيط الاجتماعي الذي نشأنا فيه، وعن طريق عمليات ترويض جديرة بحيوانات منذورة للتفكير»، (ص 246/248).
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، لأنّ بيتر سرعان ما فوجئ في تلك الأثناء، بأنّ لجوديت طبعا قلقا حرونا، يطبع مزاجها بسرعة التقلب الى أبعد حدّ، ويجعلها ترفض جميع ما يقدّم لها من أنواع الطعام واللباس والحلي الرفيعة، ولا تقتنع إلا بما تراه هي جديرا بذلك، الأمر الذي جعلها دائمة الجري بين الأسواق والمحلات التجارية الكبرى، لاقتناء الأثمن والأرفع من كل شيء، بغية إشباع نهمها المتزايد يوما بعد آخر. فهي ما أن تمتلك شيئا، حتى تنفر منه بسرعة، وترى نفسها تعافه، وتجده باهت اللون، شاحبا، ليس فيه حياة ولا ينمّ عن ذوق، فترغب عنه في أفق امتلاك غيره، ما يدفع بها دفعا الى الإسراع الى الأسواق والمحلات قبل غيرها. هذا الطبع الحرون حيّر بيتر كثيرا، واعتبره سلوكا لاواعيا منها، لا ينفك يحملها على الرغبة في الانتقام منه بكيفية من الكيفيات، باعتباره خصما طبقيا. «كانت تريد الانتقام لا أكثر. بأية وسيلة؟ هي لم تكن تعرف شيئا، ولا أعدّتْ لذلك أية استراتيجية… وإذن، ماذا صنعت جوديت؟ خاضت نوعا من الصّراع الطّبقي، بطريقتها الخاصة»26، (ص 253/254).
ظلّ بيتر يلاحظ قلق جوديت المبالغ فيه، وجريها اللاّهث بين الأسواق والمراكز التجاريّة، منصتا الى شكاواها وتظلماتها المتكرّرة من كل شيء وحسب، ومستعدّا بالطبع لتسديد الفواتير، ودفع جميع المبالغ المطلوبة، بل وذهب به الأمر الى حدّ وضع حساب بنكي ضخم باسمها، يكون رهن إشارتها في كل عملية تجارية، تقدم عليها. لكن، بعد ثلاثة أشهر على هذه المبادرة، اتصل به المسؤول عن الوكالة البنكية، ليخبره بأن الحساب المفتوح باسم زوجته، تجاوز السقف المسموح به، ودخل دائرة المدينية، «فانتهى بي المطاف الى التدخل، ذات يوم. توقفت هي عن الخروج، وألقت حولها بنظرة مرعوبة، كمَنْ خرج من حالة تنويم مغناطيسي، ثمّ أجهشت بالبكاء. ظلت تبكي لعدّة أيام، ولم تقتن أي شيء، لأيام… وبعدها، قرّرتُ ألاّ أتدخل، وألاّ أبحث عن كيفية أربيها وفقها، ما دام أن المال لم يعد يهمّني، على الإطلاق… لأنه لن يفيدني في العثور على خلاصي الشّخصي»، (ص 255).
إنّ ما كان يأمل فيه بيتر، وهو يقدم على الزّواج من جوديت، بما تعنيه هذه الخطوة من رمزيّة انتحاريّة على المستوى الطّبقي، هو «أن تتحقق بذلك معجزة ما. أي معجزة؟ الإيمان بقوة الحبّ الخالدة والخارقة والملغزة، التي تكون قادرة على وضع نهاية للعزلة، وردم الهوة الفاصلة بين الكائنات، وإسقاط الجدران المصطنعة التي يشيّدها المجتمع والتربية والثروة والماضي الذكريات، ويقيمها سدّا منيع الاختراق بين الناس. فحين يشرف المرء على خطر محدق بحياته، يبحث من حوله عن يد تمسك به في السرّ، وتفهمه بأنّ الرّحمة والتآزر بين الناس قيمتان ما زالتا موجودتين دوما، أجل، وبأنّ ثمة في كلّ مكان كائنات إنسانيّة رحيمة. بهذا الأمل، مددت يدي نحو جوديت… كنتُ أتخيّل بكيفية بسيطة جدّا، [بأن تلك المعجزة ستجعل] جميع اختلافاتنا تذوب في بوتقة الحبّ. [لكن جوديت]، بعدما انفتح العالم في وجهها، وبعدما وضعت المائدة أمامها، صارت تلتهم فقط، وتلتهم، حدّ التخمة»، (ص 262/264).
لكنّ هذه ليست هي الجريرة اليتيمة التي ارتكبتها جوديت في حق بيتر، وإنّما تبيّن له بعد سنة على زواجهما، بأنّها ظلّت تسرقه. «كانت سنةٌ واحدةٌ كافيةٌ لأدرك بأنّ جوديت تسرقني… لا، الأمر لا يتعلق هنا بالابتزاز العاطفي، وإنما بالاختلاس المالي. بالسرقة الموصوفة من قبيل ما يتمّ التصريح به لدى الضابطة القضائية. منذ متى شرعت في سرقتي؟ منذ اللحظة الأولى. لا، لا. انتظر. إنها لم تكن في البداية تسلبني، وإنما كانت بالأحرى تستنزف ثروتي بطلباتها المتكرّرة. أما فيما بعد، فإني اكتشفت صدفة بأنّ الحساب البنكي، الذي وضعته رهن إشارتها، فنفذ رصيده لمرتين، صار يحتضن مبلغا ضخما، لم أكن أنا من وضعه رهن تصرفها!»، (ص 273/274). وبعد أن زار بيتر البنك، علم بأن جوديت لم تتوصل بأي مبلغ محوّل لفائدتها من الخارج، وإنما اجتمع لها ذلك المال على دفعات متفرقة، بدأتها منذ أن توصلت منه لأول مرة بدفتر الشيكات: الأداة التي ساعدتها على استنزافه، بشكل متواصل.
بقي هذا السرّ الذي كانت جوديت تحافظ عليه بعناية فائقة يؤلم بيتر، ويشعره بأنّه يعيش مع امرأة أخرى غير تلك التي حلم بها، وضحّى بوضعه الاجتماعي وبما ملكته يده، من أجل أن يعيش معها تجربة حبّ صادقة تنتشله من وهدة الوحدة والعزلة. لقد لاحظ بأنها عوض مبادلته الحب الحقيقي، تثابر فقط على انتهابه، راسمة ابتسامة مصطنعة على شفتيها، ومن غير أن تثير أية زوبعة أو ضجيج، من شأنهما أن يشيا بما كانت تصنعه في السرّ. ظلّت فقط تقدّم له الفواتير المزورة، وتخفي عنه المبالغ المالية التي شاكست بكل ما كانت تملكه من أساليب إغواء واحتيال، من أجل توفير بعض المال عند كل عملية اقتناء. «كنا نعيش بهدوء وودّ،،، وكانت جوديت لا تكف عن سرقتي، بينما أكتفي أنا بمجرد ملاحظة ما تفعله. وهذا كان بداية النهاية. لقد ساورني الاعتقاد في البداية، بأنها كانت في حاجة الى ذلك المال، لفائدة أسرتها الكثيرة العدد… لكن هيهات، لأنّ جوديت لم تكن امرأة عاطفية. فهي ما كانت تسرق إلا من أجلها بالذات، دون هدف محدد، إنما بجدية وانضباط، بعد أن لقنتها التجربة التاريخية القديمة بأنّ السنوات السّمان، لا تدوم الى الأبد… وإنما قد تتلوها سنوات أخرى عجاف… أجل كانت جوديت تسرقني بتبصّر واحتراز كبيرين، وليس بدافع الشفقة أو الكرم إزاء ذويها»، (ص 277/279).
لكن القطرة التي أفاضت الكأس لم تكن تتّصل بالمال ولا الثروة، وإنّما بالكرامة والكبرياء. ذلك أن بيتر ما لبث أن اكتشف ذات ليلة، في لحظة حميمة من اللحظات التي كانت تجمعه مع جوديت في السرير، بأنّ هذه التترية الجميلة التي اعتقد أنها خرجت من بين أجمة في غابة، وكأنها نمرة متوحشة تستحق من شخص مثله أن يتنازل عن كل شيء من أجل أن يمتلكها، ما كانت تمارس معه كلما اختلى بها، سوى ضرب من الخداع والمراوغة المشبوبين بالسخرية النافذة منه أيضا. فقد لاحظ بأنها لا تقدّم إليه نفسها إلا كما تقدّم جارية مملوكة خدمة ما لسيّدها الدميم، دون رضى منها ولا ارتياح أو اقتناع. كانت حتى في حياتها الجنسية معه، تحتال عليه كذلك، وتخفي حقيقة مشاعرها في صندوق الأسرار الخاص بها، ولا تعطيه إلا جسدا لا روح فيه، بل وتسخر منه وهي تعطيه ذلك الجسد الميت، وكأنه سيد غرير. يقول: «حينها، أدركت بأن جوديت لم تكنْ تُكنّ لي أي حبّ، سواء في السرير أو خارج السرير… كانت تخدمني وحسب كسابق عهدها، لمّا كانت ـ وهي الخادمة الصغيرة المنذورة لجميع أنواع الخدمة ـ تلمّع أحذيتي، وتغسل ثيابي»، (ص 280).
بعد هذا الاكتشاف المفجع، تردّد بيتر كثيرا في ما ينبغي عليه أن يفعل، إلا أنه أبى إلا أن يتمهّل في ردّ فعله، فلم يتنصّل بسرعة من جوديت، وإنما أخفى عنها الألم الذي تسببت له فيه، حتى لا يبدو ضعيفا أمامها بشكل لا يقبل به، ولا يرضي كبرياءه. يقول: «تركتها تخدمني في السرير وعلى المائدة، مثلما تركتها تواصل سرقتها لي. لم أقل لها بالكلّ بأني على علم بحيلها وخدعها البائسة، مثلما لم أذكّرها بنظرتها الساخرة والمزدرية، التي ضبطتها عليها تلك الليلة»، (ص 281). وبعد عام، وقع الطلاق.
ج) محكي النّمرَة المروّضة:
في الفصل الثالث من الرواية، يحلّ الدّور على جوديت، فتسترسل في سرد الأحداث من خلال زاوية نظرها، وهي مختلية بعاشقها لايوس الموسيقي الطبّال في غرفة أحد فنادق روما، بعد أن اضطرتها ظروف ما بعد الحرب إلى اللوذ بإيطاليا سنة 1948، وهي لا تسعى سوى الى العيش في فضاء أرحب من ضيق الأفق، الذي صار يُفرض على الناس مع بداية تأسيس التجربة الاشتراكية في هنغاريا27.
كان العاشقان يسهران الليل، وهما يستحضران ذكريات الوطن، ويقلّبان بين أيديهما مجموعة من الصّور الفوتوغرافية التي كانت بحوزة جوديت. وفي خضم تعليقات واستطرادات هذه المتحكّمة في بداية المحكي، نعلم بأنّها تزوّجت مرّة أخرى بعد طلاقها من بيتر، لحاجتها الماسّة الى تسوية وضعها الإداري، حتى يسمح لها بالعبور نحو النّمسا ثمّ إيطاليا؛ ما اضطرّها الى عقد صفقة مع شخص، عُرف باحترافه لعمليات الزّواج والطّلاق من النساء، مقابل مبالغ مالية. ثمّ تتذكّر جوديت بعد ذلك، في معرض تعليقاتها على الصور دائما، وقائع وصولها للمرّة الأولى الى بيت آل بيتر، كي تشتغل هناك خادمة منذورة لكافة الأعباء المنزلية، وهي ما تزال فتاة غضّة، فتؤكّد لعاشقها على إثر هذه الذكرى، بأنّ ما سيسمعه منها «ليس حكايات، وإنّما ذلك هو ما تسميه الكتبُ المدرسيّة بالتاريخ… لأنّ سادة البيت الذي كنتُ أشتغل فيه، كانوا صورا تاريخيّةَ»، (ص 295).
وبناء عليه، تعرج السّاردة مباشرة على حكاية الوصول الى ذلك البيت الفاخر، الذي كان في غاية الجمال والرّوعة والنظافة، لتحكي عن الكيفية التي تعرّفت بها على كافة أفراد أسرة بيتر، الى جانب اضطرارها الى التأقلم مع نمط الحياة البورجوازية المعقّد، الذي كان جديدا وغريبا عليها كلّ الجدّة والغرابة. ومن ثمّ، تذكر بأنّ هذا البيت الفاخر والعجيب في نفس الآن، الذي تحول فيه مصيرها من مجرد فتاة ريفيّة ساذجة، الى امرأة تحظى بشأن في مجتمعها، ظلّ دوما يذكّرها بصورة أخرى تحتفظ بها في الذاكرة عن مستشفى عصري، نزلت به ذات يوم وهي طفلة، بعدما تعرّضت لعضّة كلب مسعور. كان ذلك المستشفى الذي لم تر غيره من قبل، قد بدا في عينها مأثرة حضارية حقيقيّة، استحقت منها كل التعظيم والإجلال، بفعل ما لقيته فيه من عناية طبّية فائقة، أنقذت حياتها من الموت المحقّق، إضافة الى ما سحرها فيه من هندسة عصرية فسيحة، ونظافة تشمل الأرضية والأثاث، الى جانب الرّوائح الفاغمة التي اكتشفتها بين أرجائه، وهي بعد طفلة غرّة تعيش مع أسرتها الرّيفية في حفرة نتنة، تعجّ بشتى المخلوقات البشعة، بما فيها فئران الحقول. لذلك بالذات، بقي ذهنها يحتفظ بتلك الصّورة المدهشة، الى أن رمى بها القدر مرّة أخرى بين أرجاء بيت آل بيتر، لتتفجّر ذكرى المستشفى من جديد بدخيلتها28.
وفي معرض الحديث عن لحظة البدايات التي عاشتها في بيت آل بيتر بذهول ودهشة، تحكي جوديت عن واقعة غريبة بقيت تطبع نفسيتها منذ تلك الأثناء، وهي حادثة التعرّض لفحص طبّي دقيق من طبيب الأسرة، كشف فيه عن بشرتها وأعضائها كافة، بتوصية من ربّة البيت كشفا دقيقا ومركّزا، مخافة أن تكون حاملة لأمراض معديّة قد تصيب العائلة، لأنّ هذه الفئة الثرية من المجتمع ـ مثلما تعلّق جوديت ـ عادة ما تكون شديدة الحرص والاحتراز، ولا تقبل بالغريب ولا الطارئ الذي يعرض عليها بسهولة، إلا بعد عرضه للاختبار والفحص. تضيف قائلة، وهي تتحدث عن الأثرياء عامة، وأسرة بيتر بشكل خاص: «ربّما كان هؤلاء الناس ـ لتوجّسهم ـ يحتمون من كل شيء، لأنّ ذلك هو طبعهم وديدنهم. فهم يحترسون من البكتيريا العضوية، واللصوص، والبرد، والحرارة المفرطة، والغبار، ومجاري الهواء، والتقادم، والتآكل، وتسوّس الأسنان أيضا؛ أجل، يحتمي هؤلاء من كل شيء، ويضطرون الى حماية كل ما لديهم: تتمّ حماية الأثاث بالأغلفة الواقية، والأرصدة البنكية بعمليات المناولة في البورصة، والأفكار المتوارثة عن الأسلاف أو المقترضة من الغير، في كتب… إنهم يخشون على نمط حياتهم من الفقد، مثلما يخشى المرء على فقدان كنز أو تحفة رائعة، فيعيشون دائما في ارتعاب وارتعاد…»، (ص 302/303).
في هذا البيت البورجوازي الغريب، فُرض على جوديت أن تتأقلم مع وضعها كخادمة، وأن تتعلّم إتقان أشياء كثيرة، لم تكن تتصوّر في يوم ما بأنّها ستتدرّب عليها وتتعلّمها، سواء ما يتّصل منها بكيفية اللّباس، أو الكلام، أو التحرّك وسط أرجاء البيت، أو تقديم الخدمة في أوقات محدّدة من النهار والليل، أو الردّ على طلبات الأسياد ونداءاتهم. ومع ذلك، بقيت جوديت لا تشعر بالرّاحة التّامة، ولا بالسكينة التي تتوق إليها، وإنما كانت تعاني في قرار نفسها من غياب العفوية في كنف هذه الحياة الجديدة، التي تحيط بها من كل الجنبات، هي التي جُبلت في الرّيف الفقير على حياة البساطة والتلقائية. تقول: «عشتُ معهم لسنوات طويلة وأنا كالمُسرْنمة، لأنّي كنتُ أخشى دائما من فكرة الوقوع في الخطأ، سواء حين أتكلّم، أو أصمت، أو أحمل بين يدي أيَّ إناء… بالتأكيد، لم يسبق لهم أن وبّخوني بالكل، وإنّما ربّوني بذوق ورقّة وتساهل، مثل ذلك المغنّي الجوّال، الذي يطوف بين السّاحات والشوارع، وقد درّب قرده على أداء بعض الحركات المدروسة، والقفز فوق الأكتاف والمناكب. إلا أنّي بقيت بالنسبة إليهم عاجزة، كمن يحمل عاهة مستديمة، تحول بينه وبين المشي والتصرّف بالطريقة الملائمة»، (ص 331).
هذا الترويض الذي تعرّضت له جوديت في بيت آل بيتر، كان تحوّلا حاسما في مسار حياتها، سرعان ما أيقظ فيها بعض الرغبات الدفينة، وخلق لديها أخرى جديدة. فقد عمّقت لديها تجربة العيشُ في كنف هذه العائلة البورجوازية الغريبة الأطوار29، والاحتكاك اليومي بأفرادها المختلفي المزاج والطّباع، الرّغبةَ العارمة في السّلب والنّهب والخطف، هي التي تعرّضت في مرحلة سابقة من عمرها لسُعار، خلّف في دخيلة نفسها مشاعرَ غُلّة دائمة، وهَيْف لازب، وعطش ثابت لا يزول30. تقول: «لقد تعلّمت مذ كنتُ صغيرة، أن ألتقط ما يلقي به الآخرون، فأشمّه، وأعضّ عليه، ثمّ أخبّئه، سواء تعلّق الأمر بطنجرة طبخ مثقوبة، أو خاتم مرصّع بحجر، أو غيرهما… أجل، هذا ما تعلّمته منذ أن كنتُ صغيرة… [لذلك]، كلّما توفّرت لي الفرصة، [أنتزع من هؤلاء الأثرياء الفضلات والفتات]، لأني لم أكن غبية»، (ص 300).
وإذا كان هذا البيت قد نبّه في أعماقها أوار عطش قديم، جعلها حريصة على تحيّن الفرص لإرواء غلّتها بعمليات سلب صغيرة، على القدر الذي يقوم به باقي الخدم، فإنّه ما لبث أن طبعها أيضا، بعادات جديدة أقرب ما تكون الى سلوك «المجانين»، لأنّ المعاشرة الطويلة لتلك الشخصيات الثرية ذات الطّبع الغريب، جعلت جوديت تبتلى بعادات شبه مجنونة مثلهم، كما جاء على لسانها في هذا المقطع: «بقدر ما كنّا، نحن الخدم والطبّاخين والسّائق، نقدّم الخدمات لهؤلاء الناس، ونهيّئ لهم الطعام، وننظف كافّة الأثاث والمرافق، بقدر ما توقفنا عن أن نكون بشرا عاديّين. أجل، لقد صرنا أول من أصيب بالجنون!»، (ص 304). لكن، ما طبيعة هذا الجنون بالضبط، الذي يسم تلك الفئة الاجتماعية الثرية؟ وكيف تسنّى لجوديت، أن تسمّيه كذلك؟
إنّ ما تشير إليه جوديت بالجنون هو مجموع القيم البورجوازية الغريبة عنها، ممّا نشأ عليه أفراد أسرة بيتر، وتطبّعوا عل سلكه طيلة مرحلة تنشئتهم، فظلوا حريصين عليه كلّ الحرص، سواء في اختلاء الفرد بنفسه وشؤونه، أو حين يجتمع كافّة هؤلاء حول المائدة، أو يحتفلون بعيد أو مناسبة، أو يستقبلون ضيوفا ومعارف؛ وهو جماع السلوك والطّباع البعيدة عمّا نشأت عليه جوديت. تقول: «أتعرف ما الذي يفضح جنون هؤلاء، بحق؟ برود سلوكهم وكلامهم. فهم يفتقدون الى تلك الرّشاقة الطّبيعيّة، التي تميّز النّاس العاديّين. إنّهم يضحكون أو يبتسمون، مثلما يضحك أو يبتسم أولئك الممثلون، الذين يدرسون حركات الأفواه والشفاه بعناية فائقة. ويخفضون الأصوات حين يتحدثون، ويزيدون في خفضها أكثر حين يغضبون، حتى إنّك بالكاد ترى شفاههم تفتح. لم يسبق لأي أحد أبدا أن تلفظ بكلمة أعلى من الأخرى في ذلك البيت، ولا وقعت فيه أية خصومة، بالكل… كان جميع هؤلاء يسكنون تحت سقف واحد، لكنّ كلّ واحد منهم ظلّ يعيش بعيدا عن الآخر، كما لو أنّ ثمّة حدودا غير مرئية تفصل حجرات نوم كلّ منهم عن الآخر»، (ص 305).
والأغرب في تلك الصّفات البورجوازية أيضا، هو النّزوع المرضي الى الاقتناء والتجميع. فتلك الأسرة لا تكف عن الاقتناء من الأسواق المحلية الرفيعة، التي يتمّ التعامل معها مباشرة عن طريق وكلاء خاصين، أو من المراكز التجارية العالمية التي يقع الاتصال بها عن طريق وسطاء متخصّصين. ففي بيت آل بيتر، تستغرب جوديت من وجود تشكيلات رفيعة من كل شيء، وهي تشكيلات عادة ما تبقى مركونة، لا تستخدم إلا في مناسبة واحدة أو مناسبتين في السنة. تقول جوديت: «إنّ امتلاك التشكيلة من كلّ شيء، يترجم حاجة لازبة في ذهن [هؤلاء الأثرياء]، وهي الحاجة الى امتلاك كلّ شيء، دفعة واحدة… إنهم يشترون كلّ ما يسمح لهم بجعل وفرتهم تغدو أوفر… إنّه الميل المفرط الى حيازة تكون أتمّ وأشمل…»، (ص 323). والى جانب الحيازة والاقتناء، تحرص هذه الفئة الاجتماعية بكيفية كبيرة على التكديس والتّجميع، لأنّها تحشر جميع ما تقتنيه حشرا في خزائنِ ركنٍ منذورة لهذه الغاية، مثلما تحرص كذلك على ترتيبه وتنظيفه بكيفية مبالغ فيها على مدار السنة، الى أنْ صار ذلك هاجسا ثابتا في حياتها. وكانت لا تعهد بهذه المهمة للخدم فحسب، وإنّما تستعين أيضا بأهل الاختصاص. تضيف جوديت: «كلّ حركة أو سكون في ذلك البيت، إنما ينفذ من طرف أهل الاختصاص، لأنّ هؤلاء لم يكونوا يثقون سوى في أهل الاختصاص، وحسب»، (ص 308).
ومع ذلك، فإنّ هذا البيت الذي «كان فيه كل شيء كاملا ومتكاملا على الدوام… كاملا، وعلى ما يرام…»، بقي أصحابه ـ مثلما تضيف جوديت، وهي تحكي للايوس ـ يعانون بوعي أو غيره من فقد، ظلّ حاسما في غياب الطمأنينة الكاملة عنهم. تقول: «كل شيء بالبيت كان على ما يرام، ما عدا حياتهم… ماذا ظلّ ينقصهم؟ الطمأنينة! هؤلاء الناس لم تكن لديهم دقيقة واحدة، ليخلدوا فيها الى الطّمأنينة»، (ص 323). بالفعل، لم يكن أفراد تلك الأسرة البورجوازيّة مطمئنين، لأنّهم باتوا يعيشون تعبَ التوقّع بصفة دائمة، ونصَبَ الترقّب والتكهّن والتّقدير. لماذا؟ لأنّ أمثال هؤلاء من البورجوازية يعيشون حالة خوف وتوجّس مستمرّة، «فيقذفون بأنفسهم بين أحضان المستقبل، ويعقلنون كل شيء بالاحتياط المسبق له على فترات طويلة، ما يجعلهم غير مطمئنين كلية. إذ لا يطمئنّ غير من يعيش الحاضر وحسب!». وممّ ظلّ هؤلاء يخافون؟ أيخشون على الأسرة؟ أم المعمل؟ أم الثروة؟: «لا، [تجيب جوديت]. إنّ ما يخافون منه أكثر تعقيدا من كلّ ذلك… إنّهم يخشون من أن يحلّ يوم يصيبهم فيه العياء، فلا يقدرون حينئذ على تحمّل جميع ما صنعوه… حينها، يصير ذلك هو نهاية الحضارة!»، (ص 325/326).
في هذا البيت الاستثنائي إذن، تمكّنت جوديت من استيعاب كافة الأسرار البورجوازية، والتأقلم معها بسرعة، فحاولت أن تستفيد منها كذلك، بذكائها ودهائها، لتطوير وضعها. لذا، لم تكتف بالفضلات والفتات التي كان يكتفي غيرها من الخدم بسرقتها والسطو عليها بالبيت، وإنّما أرادت أن تحوز لنفسها نصيبا أكبر من الكعكة، يضمن لها كامرأة شابة وجميلة، متّسعا من العيش يبعدها عن إكراه الخدمة المهينة. فعملت كلّ ما في وسعها من أجل اقتحام الحصن، الذي كان بيتر الشاب يتحصّن من ورائه، لعلّها تفوز برضاه وقلبه. غير أن الحيلة والانتظار لمّا أعياها، فضّلت تجريب ورقة الغياب المؤقت الى حين، فهجرت البيت وأهله، واتجهت صوب انجلترا. تقول: «كنتُ باختصار داهية بما فيه الكفاية، ما جعلني أفهم بسرعة جميع أسرار الأثرياء، الذين كنت في خدمتهم. لكني تخليت ذات يوم على كل شيء، لأني مللت الانتظار. انتظار ماذا؟ انتظار أن يجوع زوجي الى جسدي، في النهاية؟… نعم. انتظرت مثلما ينبغي، بحيلة وقوة!»، (ص 328).
بهذه الكيفية إذن، أطاحت جوديت ببيتر، لا لأنها أحبّته، ورغبت فيه كمراهقة مدلّلة، وإنّما لأنها تمكّنت من استيعاب الإواليات النفسية والذهنية، التي كانت تحرّك بيتر، ذلك الشاب الفنان والمثقف الذي ينتمي الى فئة المتمرّدين على تقاليد طبقته، التي تكلّس وضعها الاجتماعي والثقافي. فقد أدركت بأنّ هذا الشاب استثنائي في الأسرة، تجري في عروقه دماء الفاتحين، هؤلاء الأسلاف المنتسبين الى فئة البورجوازية الأولى من المغامرين الغزاة، الذين انفصلوا عن أهلهم وأوطانهم، وانتقلوا بهمّة وطموح عالييْن الى مناطق بعيدة من الكرة الأرضية، وقد حفّزتهم القناعة الراسخة في تعميم قيمة الحرية والانبعاث، لتدشين عوالم جديدة. تقول جوديت: «كان لهذا الرّجل، الذي هو زوجي، فكرة ثابتة: ظلّ يعتقد بأنّ للبورجوازي دورا محدّدا في العالم، يتعيّن عليه تحمّله… دورا لا يتمثل في محاولة إغواء أولئك الذين كانوا أقوياء في الفترة التي لم تكن فيها البورجوازية بعدُ قوية، ولا محاولة تقليدهم. وإنّما ظلّ يعتقد، هو البورجوازي المتمرّد إذن، في إمكانية استعادة نوع محدد من التوازن المنتظم في العالم، بالتقليص النّسبي من سلطة الأسياد [الفيوداليين]، والتخفيف من شقاء البروليتاريا، التي هي فئتنا. أجل، كان يعتقد في أنه إن اضطلع بدوره، وبقي صامدا في موقعه كبورجوازي، لانتهى المطاف بجميع هؤلاء وأولئك الى أن يتبرجزوا. وبهذا، سيستعيد العالم الذي صار فيه اليوم كل شيء معكوسا، نوعا من التوازن»، (ص 347).
ولأنّ بيتر شابّ رقيق المشاعر واستثنائي في مجمل أفكاره وقناعاته، بحكم الدّماء الفوّارة التي تجري في عروقه، وهي دماء أولئك الرّواد الفاتحين الذين خرجوا ذات يوم من القارة الأوروبية، في اتجاه اكتشاف عوالم مجهولة، وتمكّنوا فعلا من ترويض الجغرافيا والبشر والحيوان، وإشاعة ثقافة جديدة تقوم على مبادئ وقيم فكرية وأخلاقية ليبرالية؛ فإنّه سيغامر في لحظة ما من شبابه هو الآخر، بعد أن وقع تحت تأثير جمال جوديت الوحشي ومزاجها التتري، بالانخراط في مشروع التحدّي الذي سيقلب وضع الأسرة رأسا على عقب، ليفاتح الخادمة برغبته في الزواج منها31. إلا أنّه عجز عن استمالة هذه النّمرة المتوحشة، التي رفضت تلقائيا دعوته، بفعل ما لمسته في تلك الدعوة من مشاعر إهانة وإذلال. تقول: «ودون أن أفهم معنى كلامه حقّ الفهم، شعرتُ على الفور بحنق كبير حياله، فأردتُ أن أبصق في وجهه… لقد أحسست فجأة بأنّي أتلقى منه أفظع شتيمة ممكنة: ألا يريد أن يشتريني، مثلما يُشْترى أي كلب، ينتمي الى فصيلة نادرة؟!» (ص 348). وبهذا، أخفق بيتر في استمالة جوديت، وتحقيق فتح برفقتها يطابق في رمزيته الفتوحات السابقة، التي حققها الرواد الغزاة الأثيرين على نفسه، فعاش بفعل هذا الإخفاق على قلق دائم، لم ينفع في تهدئته والتخفيف من حدته، لا سفره الى الخارج ولا الزّواج من إيلونكا، بعد عودته. وإنّما بقيت مشاعر الإهانة تلازمه، فظلّ على إثرها يخجل من وضعه، ويبدو على أتمّ الاستعداد للتنازل عن مظهر الثري الذي يظهر عليه، والتخفّي وراء مظهر الفقير المعدم. تقول عنه جوديت: «إنه لم يقو قطّ على التغلّب على مشاعر الإحساس بالذنب… فامتلأت نفسيته بالحسرات»، (376/377).
وازدادت مشاعر الذنب واليأس والإحباط عند بيتر حدّة، حين هجرت جوديت بيت الأسرة فجأة، وتوارت الى الظلّ، بقصدية ماكرة. في تلك الأثناء، بقي بيتر مريضا عليل النفس، يعاني من أزمة وجودية كاتمة، استحال عليه علاجها بنفسه، فاستسلم لليأس والقنوط، بعدما أعياه البحث والتنقيب عن المكان، الذي اختفت فيه جوديت. وبعد عودتها، سيتزوج منها على الفور، وهو على أتمّ الاستعداد للتضحية بكل شيء، في سبيل أن تهدأ نفسه، ويرتاح باله، ويبلغ درجة سليمة من التناغم والانسجام مع الذات. تقول جوديت: «حين شُبّه له بأنّ الضرّ أنهكه، جنّ جنونه… وبذلك، غادر زوجته، وقطع الصّلة بذويه، ليحتمي بالقرب منّي، مثله في ذلك مثل ذلك المريض الذي تفاقمت حالة ضرّه تماما، فهجر الأطبّاء وأهل الاختصاص، وتوجّه الى المعالجين الشعبيّين، لينقذوه ممّا اشتدّ عليه. أجل، إنّه اعتبرني مثل المعالجة الشعبيّة… إلاّ أني لم أكن أملك من أجله، أية جرعة سحرية»، (340).
كانت تضحية بيتر كبيرة، لأنّها كلّفته الشيء الكثير، إلا أنها لم تكن غير كافية بالنسبة الى جوديت، لكونها ظلّت تضحية مسكونة بهاجس الاغتراب الملازم، ما جعل زوجها يعيش برفقتها وضعا مأزوما، لا يني يثير قلقها وشواغلها. تقول: «لقد ضحّى المسكين بكلّ شيء من أجلي: قطع الصّلة بعائلته وأصدقائه وعاداته؛ فهو هاجر بشكل ما الى بلد غريب، يقع وراء البحر، على طريقة ارستقراطي كاسد. وإذا كنت لم أقو قطّ على التفاهم معه، فلأنّه لم يشعر ـ وهو معي ـ بأنه في بيته، أبدا. عاش معي وكأنه في العمق، مجرد مهاجر… ذلك المهاجر الذي قد يختار العيش في البرازيل، لأنه بلد ساخن وشبقي ومهيّج للرغبة، وقد يتزوّج فيه بواحدة من الأهالي، دون الكفّ عن التساؤل في قرار نفسه، عمّا يفعله بين ربوع ذلك البلد الأجنبي. إنّ بيتر ظلّ بمثابة ذلك المهاجر بالذات، الذي يبدو بسِمْت المُغيّب، حتى في لحظاتنا الأشدّ حميميّة، وكأنه كان بلا ريب يفكر في بلده الأصلي. وبقي هذا يغضبني. لذلك، لم أشأ حقيقة جعله يعيش معي سعيدا، لا على المائدة ولا في السرير»، (ص 329).
لقد أدركت جوديت بعفويتها الصرف، بأنّ زواج بيتر منها لم يتمّ لسواد عينيها هي بالذات، وإنما نُذر بالأحرى لما بات يتمثله الأخير في ذهنه وحسب، ويسعى الى تحقيقه على الأرض، حتى يحقق بفضله السلام الروحي، وطمأنينة النفس المنشودة. وبهذا الإدراك المبكر لطبيعة الفجوة النفسية والعاطفية القائمة بين الزوجين، نجم نفور جوديت التلقائي من بيتر، وجفولها النفسي الكبير منه، ما أيقظ في دخيلتها مشاعر كراهية قديمة للأثرياء32، ورغبة في القصاص من ذلك الزوج الذي ظلّ يعتبرها مجرد نمرة، يتعين عليه إشباع نزوته الذاتية في اقتناصها، ذات رحلة صيد مسكونة بروح المغامرة. تقول جوديت: «لم أكن أمثل بالنسبة إليه أنا امرأة وحسب، وإنما الامتحان الأكبر في حياته أيضا، ومغامرة عظمى كذلك. بالنسبة إليه، كنت النّمرة ورحلةَ القنص في البرّية، ومغامرة أيضا من مغامرات تهريب الأموال. لقد شكّل الزواج منّي بالنسبة إليه، ما يشبه البصاق على بساط جميل يؤثث صالون ثري من الأثرياء العظام». وبذا، تأكّد لجوديت بما يشبه اليقين، بأن بيتر لم يكن نبيلا خالصا مثلما يتصوّر هو نفسه، وإنما أقل من ذلك بكثير، لأنّ النبالة صفة لا تقتصر على الأثرياء من قبيل زوجها وحسب، وإنما هي فضيلة أرقى وأكبر من مجرد ثروة ولقب متوارث أبا عن جد. لقد كانت جوديت تظنّ قبل الزواج، بأن بيتر المتمرّد من تلك الفئة الجنتلمانية الحقة، إلا أنه انكشف لها على حقيقته، فأدركت بأن الأثرياء ليسوا بالضرورة من صنف النبلاء، لأنّ النبل خاصية إنسانية لا تقتصر على النخبة المترفة، وإنما يملكها الفقراء كذلك. أما بيتر بالذات، الذي لم يقو على إخفاء ما أحس به يوم اكتشف حقيقة عواطفها حياله، وهما على السرير، فلا تعتبره سوى نبيل مزيف. تقول للايوس: «زوجي؟ قلت لك هذا: إنه يبدو بمظهر الجنتلمان، لكنه ليس جنتلمانا حقيقيا. وهل تعلم سبب ذلك؟ لأنّ كبرياءه جرحت… أجل، يوم أدرك أني كنت… أريد أن أقول يوم بدوت له علي حقيقتي. يومذاك، انقبضت روحه، وشعر بالإهانة، ثم أقدمنا على الطلاق» (ص289). وبذلك، تنتهي مغامرة جوديت مع بيتر، مثلما انتهت من قبلها حياة إيلونكا الزوجية معه.
هـ ـ محكي الخاتمة التراجيدية33:
في المحطّة الأخيرة من الرواية، يعطي الكاتبُ الكلمة للموسيقي الطبّال لايوس34، عاشق جوديت سابقا، كي يقدّم معطيات حكائية جديدة، تُبئِّر على مصير بعض الشخصيات الرئيسيّة، ومن ثمّ يوسّع من دائرة السّرد بالانفتاح على كرونوتوب جديد، يتكوّن من فضاء الولايات المتحدة الأمريكية، خلال نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين.
بالفعل، يقفل لايوس حلقة السّرد الرّوائي بتقديم متوالية النصّ الأخيرة، التي يسِمُها الكاتب بوسم: التتمّة أو الخاتمة Epilogue35، حيث السارد يتوجّه فيها بخطابه الى مسرود له لا يتمّ تعيينه إلا بالصّفة، ما يجعلنا نعرف عنه فقط بأنه مهاجر هنغاري، اصطدم بحكم توافده الحديث على أمريكا، بمجموعة من الصعوبات والعراقيل التي جعلته يعاني من مشكلة العطالة والتأقلم مع أجواء الغربة، الى جانب الشعور بحنين جارف الى الوطن. لذلك، ينكبّ لايوس على التحدث إليه، وقد وقف قريبا منه خلف كونتوار الحان، حيث يعمل نادلا منذ خمس سنوات بناحية برودواي36، ساعيا من وراء حديثه التخفيفَ من مواجع صاحبه، وحثه على ضرورة الصّبر والجلد في وجه كافة الظروف، مهما تكن قاسية ومذلّة وغير رحيمة، حتى يتمكّن من التلاؤم مع صروف الحياة، في بلد يختلف عن أوربا في كافة أشكال المعيش، سواء ما يتعلّق منها بضّروريات الحياة اليومية، أو بأشكال الثقافة وفنون التعبير كافة.
ويشير لايوس في هذا الصدد الى وضعه الخاص، فيحكي لصاحبه بأنه لم يتمكّن بالمرة، هو الموسيقي المولع بالعزف، من إيجاد موقع له ضمن الفرق الموسيقية الأمريكية المؤلفة من الزّنوج، بسبب انجليزيته المطبوعة بلكنة شرقية، إضافة الى كيفية نقره على الطّبل. يقول: إنّ «اللّكنة غير السليمة مشكلة!… ثمّ لأنّ أحد هؤلاء السّود قال لي بأنّي أطبِّلُ بطريقة تخصّني وحدي، وأنّ توقيعي بلا قيمة. من المؤكّد طبعا، أنّ هذه المشاكل المتّصلة بالنّبر وطريقة النقر ما هي إلا من قبيل الحسد وحسب، وضرب من ضروب الافتراء الكامل. وأنا نفسي عانيت منها الكثير؛ إنّما لا علينا… لقد فُرض عليّ أن أعمل في الأخير، نادلا في حان! هذا كلّ شيء… آه للطّبل! إن الاضطرار الى عدم العزف نهائيا مع أية جوقة، ما ينفكّ يجعلني أشعر بوجع شديد في القلب!»، (ص 449/455).
ومن ثمّ، يعرّج لايوس على وقائع أخرى من حياته القديمة، فيشير الى أنّه ينحدر من وسط قروي شبيه الى حدّ ما، بالوسط الذي عاشت فيه حبيبته جوديت مرحلة طفولتها، قبل أن تنتقل الى بودبست لخدمة أسرة ميسورة؛ وهي الحبيبة التي ما زال يحتفظ لها بصورة معلّقة بقربه، خلف الكونتوار. لكن الفقر لم يكن هو المشكلة التي فرضت على لايوس الفرار من البلد، وإنما الظلم والتعسّف وأشكال الإكراه الجديدة، التي أجبر الناس عليها في الأرياف والمدن، على إثر صعود العناصر الجديدة الى سدّة الحكم، وفرضهم على الجميع الالتزام بمبادئ الاشتراكية، بطريقة زجرية. يقول إنّ: « هؤلاء السادة الجدد، أصحاب المعاطف الجلدية، هم الذين استدعوا جميع أهل البلدة، ليمثلوا بين أيديهم بمقرّ البلدية، وأقنعوا الكل بضربات من عصيّهم، كي يتنازلوا على جميع ما يملكونه للجماعة، سواء كان أرضا قديمة أو تلك القطع الجديدة التي حصل عليها البعض بُعيد برنامج الإصلاح الزراعي، إضافة الى جميع البهائم… [ذلك كلّه ينبغي التنازل عنه] تحت شعار: الكل في ملكية الشّعب!»، (ص: 457).
بسبب هذا التأميم الظالم لقطعة الأرض الصغيرة، التي كان والده يملكها، ويعمل هو طيلة أوقات السنة في خدمتها، قرّر لايوس هجر الأسرة والقرية، وشدّ الرّحال باتجاه بودبست نهاية 1947. لقد قرّر تطليق مهنة الفلاحة، كي يصبح ـ هو الموسيقي الموهوب، الذي كان ينقر على آلة الطّبل في أوقات فراغه ـ عنصرا في جوقة، تتمثل مهمتها في تنشيط ليل السّكارى، في إحدى أهمّ حانات بودابست. يقول: «كنّا أربعة عناصر في جوقة، تتألّف من عازف على الكونترباس، وآخر على الأوكورديون، وثالث على البيانو، وأنا طبّال… وكانت تلك أزهى فترات عشتها بالبلد. كان الزبائن ما يزالون متحمسين للديمقراطية الشعبية، أما البقية فلا أحبّ الخوض فيها كثيرا، لأنها توخز القلب»، (ص 458). وذات يوم، توصّل لايوس باستدعاء من البوليس السّياسي37، تطلب منه المثول بين يدي المسؤول المباشر عن القسم. كانت تلك الاستدعاء بمثابة زلزال مروّع، رجّ دواخل لايوس، وخلق لديه شكوكا رهيبة في شخصه، وفي ما قد يكون صدر عنه غفلة من أقوال أو أفعال مريبة، طيلة الأيام التي قضاها في العاصمة. ولم يقطع الشكّ باليقين، إلا حين جلس أمام المسؤول المباشر عن القسم، الذي ظلّ يقلب ملفا موضوعا فوق المكتب، يضمّ جميع المعلومات الخاصة بلايوس، ويستدرج هذا شيئا فشيئا لمهمة يريد تجنيده لها. إلا أنّ لايوس أدرك في تلك الأثناء طبيعة المهمة، فحاول التعامل بغباء وعدم فهم. يقول: «صرح لي، بعد أن رفع ملفي وخضّه خضّا أمامي، بأنّه هو الآخر ليس بالأبله، وأنّ علي الوثوق به. حينها، صادقت على كلامه بحركة من رأسي. في هذه الحالة إذن، سيكون في صالحك أن تفكّر مليا في ما سأقول، واصل يقول… الحانة التي تعمل بها محل راق ومنتقى، يتوافد عليه جميع أنماط البشر من ديمقراطيين وغيرهم. والحال، أنّ الديمقراطية الشعبية عندنا، ما زالت في حاجة الى رجال يكونون مخلصين للشعب وأوفياء له، لأنها ما تزال تضمّ عدّة أعداء… لذا، وجب علي أنا، أن أراقب إذن [جميع هؤلاء الاشتراكيين الشعبويين، مع خصومهم المدينيين، وكذا التروتسكيين، وقدماء المحاربين في إسبانيا، وغيرهم]، لأنّ هؤلاء يحبون منذ وقت لا يستهان به، التردّد على الحانات… فحين يذهب زبون ما الى المراحيض مثلا، ويلتحق به آخر بعد ذلك، سيتعيّن علي حين يغادر هذان محلّ النظافة، أن أتحقّق من أنهما لم يخفيا هناك ورقة، أو عملات بنكية عالمية، أو ما شابه. ثم أضاف، وهو يفرك سبابته بإبهامه: لن تألو الجمهورية جهدا في مكافأة عيونها البصيرة، مكافأة مجزية»، (ص 459/467).
بعدها، طلب لايوس من المحقق مهلة يوم واحد للتفكير في الموضوع، ثم انصرف. لكنه لم يكن في حاجة الى كثير من الوقت ليقرر ما الذي يتعيّن عليه فعله. ففي المساء، التحق بالجوقة التي يعمل معها، وبات ليلته يعزف الى غاية الفجر كالعادة، ثمّ توجّه بعد ذلك رأسا نحو محطة القطار، ومن هناك الى منطقة بعيدة تقع على مشارف الحدود مع النمسا. «كنت لا أعرف إلا شيئا واحدا: القطع النهائي مع ماضيّ كله، والفرار هاربا. الى أن؟ الى أي بلد مجهول لا أتقن لغة أهله»، (ص 478). وحين وصل الى بلدة غيور Györ الحدودية، طفق يبحث عن عنوان أحد المهرّبين، سمع عنه من صديق له في الجوقة، ليعبر برفقته الحدود. ومن ثمّ، استطاع بعد لأي أن يجتاز الحدود، بصحبة مغرّر بهم آخرين، كانوا وثقوا بالجمهورية الشعبية ذات وقت، إلا أنهم لما انخرطوا في أوراشها الكبرى، ذاقوا من القائمين عليها كافة أشكال الظلم والجور، ففضلوا الزجّ بأنفسهم الى بلدان المهجر، والاغتراب بين مدنها القاسية القلب.
بالفعل، وصل لايوس الى النمسا، ثم من هناك عرّج على إيطاليا، ليستقر بروما، وينضمّ الى إحدى الفرق الموسيقية، التي تعزف في الحانات. وأثناء تواجده بهذه المدينة، التقى بجوديت في مقهى، فنشأت بينهما علاقة حبّ حقيقية، امتدّت الى حين موت هذه الأخيرة. يقول عن لقائه بها: «التقينا في إحدى مقاهي الاسبريسو، بروما. كانت هي قد رأت جزء من صحيفة صادرة من بودابست، تطلّ من جيب السترة حيث وضعتها. في تلك الفترة، كنت كلّما انتابني الحنين الى الوطن، أندفع الى شراء صحف هنغارية. باختصار، تفاهمنا فيما بيننا بسرعة. في البداية، بدا منها بعض التمنّع والاحتراز، لكني انتهيت الى تليين قناتها، وتدجينها. في ذلك المساء، جاءت معي الى الحان، وفي اليوم الموالي سكنتُ معها في غرفة أحد الفنادق. وبعدها، عشنا سوية حبّا حقيقيا… كان ذلك زمنا جميلا، وفصلا خريفيا من أجمل فصول روما. لكن هذا لم يعمّر طويلا، كان أمامها فقط ما يكفي من الوقت، لتخبرني بحقيقتها… كانت تريد بثّ أحد ما، ما كانت تعتقده حقيقة… فبدأت بالحديث عن زوجها، الذي ما زال على قيد الحياة… وانتهت بالحديث عن ذلك الأصلع [لازار]، الذي أرادت الالتحاق به في مدينة روما… إنها لم تتمكن من البقاء بين ربوع ديمقراطيتنا»، (ص 485/486).
ولأنّ لايوس يحتفظ بصورة جوديت قريبة منه وراء الكونتوار، فإنه ظلّ يتأملها بين الفينة والأخرى، مشدودا دوما الى جمالها المدهش، والحنين الى اللحظات التي عاشها معها بروما، من غير أن ينسى ولو تفصيلة واحدة من حكايتها الغريبة؛ وكأن جوديت كانت تلك الأيقونة التي تختصر في نظره، حكاية بلد برمته. لهذا، فإنّه يتذكر بأن أحدهم وفد على الحان قبل عام، وكان الوقت حوالي منتصف الليل، ووقف يتأمل تلك الصورة. لم يكن ذلك الشخص أمريكيا خالصا، يوضح لايوس، لأنّ لكنته الانجليزية أفشت بذلك، وإنما بدا عليه أنه من أوربا الوسطى. كانت حركاته ونظراته وردود أفعال المتقنة، تشي بجنتلمانيته المتأصلة، لأنه يمتلك حسّا حضاريا أنيقا ورفيعا. وحين انتهى من تأمل الصورة، سأل لايوس قائلا: «أكنتَ هناك، لما ماتت. حينها… كان عليّ أن أتمسك بالكونتوار بكلتا يدي، حتى لا أسقط. تفحصت فيه مليا، فتعرفت عليه. كان زوجها!»، (ص 497). ويضيف لايوس أنه تعرّف عليه، وعرف من ملابسه المتسعة المقاس والنظيفة، ومن إصراره على ركوب الحافلة العمومية، أنه صار بروليتاريا أمريكيا، بعدما كان بورجوازيا يملك ثروة ومصنعا في المجر!
4) من العائلة الى الطبقة فالوطن، مسارات مسخ:
بعد تتبّع كافّة المحكيات المؤسّسة لمتن هذه الرواية، يخرج قارئ حالات زواج مسيخة بقناعة راسخة مفادها أنّ ما راهن عليه الكاتب في جميع تلك المحكيات الطويلة والمتشاجنة، ليس هو البحث في الأسباب الذاتية والدّواعي الخاصة التي قادت بيتر الى الانفصال عن إيلونكا وجوديت وحسب، ولا مجرد الحفر في تربة الفروق الموضوعية التي جعلت الطّلاق حتمية لا مفر منها، بسبب التباين البيّن بين طبيعة الشخصيات، واختلاف بعضها عن الآخر اجتماعيا وثقافيا وحتى نفسيا، حدّ التناقض في الطّباع والأمزجة والتصورات أحيانا؛ وإنّما يراهن شاندور ماراييه في الأساس على تسليط مساحة الضوء الكافية على حالة الانهيار، التي شملت صرحا متكاملَ البناء من الحياة الأوربيّة، هو النّمط الثقافي والاقتصادي والاجتماعي الذي ميّز الطبقة البورجوازية، وحدّد مقومات وجودها كطبقة اجتماعية في اوروبا، صارت تملك منذ القرن التاسع عشر، تنويعة متناغمة من التمثلات والتصورات والقيم المميزة لها. ويتعلق الأمر هنا بحالة الاحتضار الطويلة التي منيت بها هذه الطبقة على امتداد النصف الأول من القرن العشرين، بسبب إشاعة أجواء الخراب المادي والروحي في أكثر من بلد أوروبي، نتيجة المعارك والحروب الطاحنة التي حرّكتها المنافسات الشرسة بين الدول الامبريالية، ما أفضى الى سقوط الكثير من الأقنعة التي ظلت تغطي على بشاعة الوجه الآخر لهذه الطبقة، ودفع بالبعض الى الدعوة الى إعادة النظر في كافة القيم الفكرية والفلسفية وحتى الاقتصادية، التي ظلّ يروّج لها مفكرو هذه الطبقة، ويعتبرونها نسقا أصيلا من القيم التي تستهدف تحرير قدرات الفرد الخاملة، ومنحه ثلّة من الأدوار القمينة بجعله ذاتا فاعلة ومالكة لإرادتها الحرة.
بالفعل، لا يمكن لقارئ هذه الرواية النوعيّة أن يعتبرها مجرد محكي يقارب مآل الفشل الذريع، الذي طال علاقتي زواج بيتر اللتين كان التباين الحاصل بينه وبين جوديت وإيلونكا من ورائهما، سواء من حيث التنشئة الاجتماعية أو طبيعة الأهواء والأوهام والأحلام والرّغبات؛ وإنما هي رواية تتجاوز هذا الإطار الضيق، لتنفتح على أفق أوسع من دائرة الفرد والأسرة، وأرحب من صرح الطبقة الاجتماعية هو أفق التحولات التاريخية الكبرى، التي أفضت الى تصدّع المجتمع برمّته، وانهيار منظومة القيم الشاملة التي ظلّت البورجوازية الأوربية تؤمن بها في بعض المراحل من تاريخها، وتتمسّك بالمحافظة عليها بالأظافر والنواجذ، ولا تكف عن الدفاع عنها بحماسة في جلّ المحافل، قبل أن تأتي نيران المعارك على ما تبقى من أخضر في المنطقة، لتنتهي الأمّة نهايتها التراجيدية المعروفة، التي شملت الكلّ بالتصدّع والخراب، وخلقت بذلك معضلة الإنسان الأوربي، واغترابه عن قيمه الثقافية المتوارثة منذ عهد سابق.
ولبلوغ هذه الغاية بالذات، اختار شاندور ماراييه موضوعة بسيطة نسبيا، تمّ تداولها من قبل في بعض الروايات الأوربية، هي حكاية فشل تجربة زواج. لكن، وحتى يبتعد عن الإسفاف الذي وقع فيه التناول العاطفي البسيط لهذه الموضوعة، لم يكتف الكاتب بمجرد انتقاء عيّنة منتخبة من القائمين بأدوار الريادة في النص وحسب، وهي عينة وقع اختياره لها بعناية فائقة لتمثل أهمّ الشّرائح الاجتماعية، التي يقع بينها التناقض في مجتمعه خلال العقود الأولى من القرن العشرين38؛ وإنّما أطّر الكاتب هذه الحكاية/الإطار بثلة من الحكايات الأخرى، التي فتحت النص على شخصيات إضافية على رأسها لايوس والكاتب لازار، وعلى مجال أوسع من بودابست العاصمة، لأنها شملت أحيانا ما يقع بين ربوع أفسح من دائرة الوطن: أوروبا (روما الإيطالية) والولايات المتحدة الأمريكية. كما اهتم ساردوها كذلك، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بما يحدث من أحداث عصيبة تقع من حولهم، خصوصا منها ما ظل يهيئ لأجواء الحرب العالمية الثانية، أو لما رافقها وترتب عنها من مآسي وآلام.
ولهذه الغاية كذلك، جعل الكاتب مبدأ التناقض علّة حاسمة في تحديد بنية الصّراع في الرواية، سواء على المستوى الأفقي الذي يربط الشخصيات بعضها ببعض، حيث التفاعل المباشر يقع بين الجميع على خلفية تنازع الرغبات وتنابذها، وهو المستوى الذي كشفت لنا فيه جميع المحكيات الآنفة عن غياب الائتلاف والمهادنة بين بيتر وغيره، لأسباب ثقافية واجتماعية وحتى شخصية؛ أو يقع ذلك التناقض على المستوى العمودي المتصل رأسا بكل شخصية من شخصيات النص، مثلما تكشف لنا محكياته التي جاءت على شاكلة خطاب بوح واعتراف، يلهج بما يعتمل في النفوس من مشاعر متضاربة، تضع الأصبع على تعارض الأهواء، وتلاحم الرغبات والطموحات مع حصيلة ما تحقق لتلك الشخصيات في الواقع.
ولتعميق مبدأ التناقض هذا، اختار شاندور ماراييه شخصيات يمكن وسم وضعها النفسي ومرجعيتها السوسيوثقافية بالبين بين L’entre les deux، ما يعني كونها مطبوعة الدواخل بالتشوش والاختلاج والتوتر، نتيجة التعارض القائم بين واقعها وأحلامها من جهة، ونتيجة لفشلها في تحقيق المصالحة بين منطلقاتها ومآلاتها من ناحية أخرى؛ وذلك ما جعلها تعيش حالات اضطراب وتأرجح دائمة، وعمّق لديها أزمة أنطولوجية، ساهمت في اغترابها. فبيتر مثلا، الذي جعله الكاتب واسطة عِقد الحكاية، والإطار الناظم لخيوط محكياتها، هو شخصية بين بيْنيّة بامتياز، بحكم أنه يمثل قناع البورجوازية الصّارم، وعقليتها الحريصة على التمسك بالإرث المادي والمعنوي للأسلاف من جهة، مثلما يمثل من جهة أخرى وجه المثقف الليبرالي المتساهل، الذي يحمل بين جوانحه جمرة تمرّد بروميثيرسية، تضاف إليها مقوّمات «فنان أصيل منذور للمعاناة»، وهو ما دفع به الى أن يعدّ نفسه سليلَ فئة الليبراليين الخلاّقين، الذين تمرّدوا على سلطة الأسياد الفيوداليين، وكرّسوا حياتهم لمهمّات إنسانية كبرى. هذان الحدّان المتنافران في شخصية بيتر، هما اللذان جعلاه يعيش أزمة وجود خانقة، وسط دوامة من الأجواء المتكلّسة والمحافظة، سواء داخل عائلته أو في أندية مدينته ووطنه، ما دفع به في لحظة فارقة من حياته للمراهنة على «إمكانية استعادة نوع محدد من التوازن المنتظم في العالم، بالتقليص النّسبي من سلطة الأسياد، والتخفيف من شقاء البروليتاريا…»39، والاقتران بالخادمة جوديت. لكن رهانه الأخير سيُمنى بالفشل الذريع، بعدما تبيّن له بأنّ هذه المرأة لا تستحق اليد الكريمة، التي قدمها لها لتسعفها، وتسعفه في الآن ذاته.
هذا التباين الصارخ بين الرغبة والقدرة Vouloir/pouvoir هو أصل التناقض إذن، لدى بيتر. فقد ظلّ وعيه موزعا بين الرغبة في الانتماء الى سيرة الأسلاف الخلاّقين، من أجل الحدّ من الأخطاء التي وقعت فيها عائلته الصغرى والكبرى، التي تحوّلت من طبقة متمرّدة ثارت في وجه الظلم والتكلّس والرجعية، الى طبقة محافظة تعيد إنتاج نفس بينة التمايز الطبقي السابقة عنها، بصيغة مزيدة ومنقحة نسبيا، ما أجبرها على مجرد الاكتفاء بالحفاظ على النظام القائم، دون أن تدرك بأن المرحلة تستدعي مراجعة وتصحيحا شاملين، لأنّ هناك «قوات رهيبة شرعت في التهجّم على مبدأ المِلْكية»40. وهذا هو الأمر الذي انتهى ببيتر الى استشعار أزمته الوجودية أيضا، التي دفعت به الى العزلة، فانبرى بعدما كفر بكل شيء تقريبا، يعيش وحدة قاتلة بعيدا عن الجميع. يقول: «إني ألوم العالم كله. فأنا لم أعد أومن بالنساء، ولا بالحب، ولا حتى بالجنس البشري»، (ص 149).
والى جانب تناقضات بيتر القاتلة، اختار الكاتب أيضا شخصية إيلونكا، بوصفها تمثل نموذج الفئة البورجوازية الصغرى الحديثة العهد بالنشوء، وهي فئة عادة ما تتميز بالتأرجح بين أصول فقيرة، تشدّ أفرادها الى الحضيض السافل من درك المجتمع، وبين الذرى العليا التي تحفز هؤلاء على الرغبة في الانتصار على وضعهم الاجتماعي، بغية الانتماء الى دائرة الترف والدعة، التي من شأنها أن تملأ كيانهم بمشاعر الخلاص. لذلك، يتمّ تقديم إيلونكا كشخصية حاملة لهذا التناقض الجوهري في ذاتها، بحكم انحدارها من أصول شبه فقيرة، ما دام أن والدها المعيل للأسرة لم يكن سوى موظف بسيط، يتقاضى أجرا محدودا في الشهر41، وهو الأمر الذي وسم وجدانها بمشاعر الحاجة، وجعلها حريصة على إنجاح تجربة زواجها من بيتر، باعتبار ذلك ضمانة للارتقاء الاجتماعي، ومصدرا لخلاصها الشخصي. ومن ثم، ورثت إيلونكا أحلام وأوهام فئتها الاجتماعية، الى جانب تناقضاتها البنيوية المتصلة بالتأرجح الدائم بين قاعدة الفقر الأصلية، والتطلعات المنشدّة دوما الى عالم الغنى والترف42، لتنتهي هي الأخرى بالتسليم بفشلها، بعد أن طلّقها بيتر ليتزوج من خادمة الأسرة.
كما وقع اختيار الكاتب من جهة ثالثة، على نموذج آخر من التناقضات التي عاشها المجتمع المجري، وهو النموذج الذي تمثله جوديت ألدوزو في علاقتها ببيتر، بحكم أنّ الأولى تنحدر من طبقة ريفية معدمة، ظلت تعاني من أسباب الفقر المدقع، نتيجة السياسات غير العادلة التي انتهجها النظام الفيودالي، ولم يستطع النظام الرأسمالي المجري الفتي أن يصلح من حالها. وقد جعل الكاتب جوديت تعيش وعيا شقيا من طبيعة خاصة، يقوم على خلفية «ثرائها» الفيزيولوجي من جهة، لكونها تظهر في الرواية مالكة لقوام أنثوي متناسق وفي غاية الجمال، إضافة الى طاقة سحرية فريدة من نوعها، جعلتها أقرب ما تكون الى الشخصيات الأسطورية المؤثرة بنفاذ بصرها43. كما يقوم وعيها الشقي من جهة ثانية على قاعدة فقرها المدقع، بحكم الانتماء الى طبقة المزارعين المفلسين الذين ظلوا لا يملكون أية بقعة أرضية، ويعيشون في حاجة دائمة وفي الدرك الأسفل من المجتمع الريفي المجري44. ونتيجة لهذا الوعي، فُرض على جوديت خوض «صراع طبقي على طريقتها»،45، حتى يتسنى لها الإطاحة ببيتر في أحابيلها، فتتمكن بعدئذ من ضمان أسباب الارتقاء الاجتماعي، و»الانتقام طبقيا» منه وممّا يمثله لذهنها (فئته الاجتماعية). وإذا كانت جوديت قد استطاعت الفوز فعلا بالزواج من بيتر، بعد أن طلّق هذا إيلونكا، واعتزل جميع أصدقائه، إضافة الى مقاطعته كافة المحافل والأندية التي ظلّت تجمعه بأبناء طبقته، فإنّ جوديت أخفقت مع ذلك في حيازة قلب هذا الأخير، لأن ما حملته معها من تناقضات قديمة، بسبب تشبّع شخصيتها بالغِلّ والغُلّة والرغبة في الانتقام، حال بينها وبين بلوغ منتهى السكينة والوداعة مع بيتر، فانتهى الأمر بها هي أيضا الى الطلاق46.
ولا يختلف حال لايوس عن حال غيره، لأنّه عاش نفس القلق الوجودي، وشقي بين حدّ الرغبة والقدرة المحدودة، ما تسبب في محنته وغربته واغترابه. فقد بدأ مزارعا صغيرا في ضيعة والده، ليتحوّل بعدها الى جندي، تطوّع عن قناعة لمحاربة جنود النازية، الذين احتلوا وطنه. لكنه سرعان ما فقد أرض الأجداد بعد تحرر الوطن، ليصبح مجرد طبال في جوقة موسيقية، تنشط بإحدى حانات العاصمة بودابست. وبعد سنتين، وجد نفسه مكرها على الفرار عبر الحدود مع النمسا، للابتعاد كلية عن الوطن الذي قاوم من أجله، والاضطرار الى التخلى نهائيا عن «حبيبته» الموسيقى، بعدما صار في الأخير مجرد نادل، في حانة تقع بضاحية نيويورك.
ولم يتوقف شاندور ماراييه عند هذا الحد المحدود من الشخصيات، التي تحمل في قرارها بذور التناقض مع الذات أو الغير فحسب، وإنّما انتقى شخصية خامسة تتميز بدور محوري في الرواية، رغم أنّ ذلك لم يؤهلها لتحظى بامتياز سرد محكي يخصها، كما هو الشأن بالنسبة للآخرين؛ والأمر يتعلق هنا بالكاتب لازار، الذي قُدّم بوصفه نموذجَ المثقف الليبرالي المؤمن بالعقل والعقلانية، والمضطلع بمهمة تقديم شهادة على عصره، فزجّ به بكيفية متدرجة ليحلّ ضيفا خفيف الظل على باقي المحكيات. وقد أفسح هذا الإجراء للازار المجال واسعا، كي يبدي بتأملاته الفكرية النافذة، باعتباره الشاهد على ما يجري من حوله، من أشكال التحلّل والتدهور والخراب التي طالت كل شيء. وبذلك، استطاع ماراييه من توسيع أفق الرواية بكيفية أكبر، حتى يكون بمقدورها أن تشمل همّا ذا طبيعة عامة، يتجاوز دائرة الخلافات الزوجيّة، ويتعلق الأمر هنا بالمصير الذي آلت إليه الطبقة البورجوازية الأوربية في النصف الأول من القرن العشرين. وبهذا ساهم الكاتب من جهته، في الكشف عن أسباب اندحار القيم الليبرالية الكبرى، والدواعي التي أفضت بذلك الى نهاية مشروع حضاري شامل، أطاح بورقة التوت الأخيرة، فانكشف الغطاء عن تابوت، لا يحتضن غير جثمان بوجه مسيخ.
فقد رافق لازار47 ارتحال جميع الشخصيات الرئيسية للرواية بين لحظات الماضي والحاضر، أثناء عملية البوح والاعتراف التي كانت وراء محكياتها، وذلك من منطلق كونه ظلّ صديق العائلة، وحارس القيم الطبقية التي تنتمي إليها تلك الأسرة، والقائم بمهمة الدفاع عن النّظام الذي فرضته البورجوازية48؛ ما منحه في كل محطة إمكانية التدخل بإبداء رأي أو التعبير عن موقف، من قبيل ما ظلت تحدده طبيعة المهمة المنوطة به. فهو في البداية، لازم صديقه بيتر خلال مرحلة الدراسة، فتمكّن بهذا من توطيد أواصر الصداقة معه حد تجاوز حدود الكلفة والحرج، ما ساهم في بلوغ مرحلة التواطؤ والتآلب بينهما، لمواجهة كافة أشكال الابتذال والإسفاف التي تنتشر في الوسط البورجوازي، الذي يترددان عليه49. وبذلك، تكشف لعبة التواطؤ المشتركة مع بيتر، عن الوجه الرافض للازار الذي لا يأبى مسايرة أشكال الانحدار، التي أخذت تقع في بنية الطبقة التي يحرس قيمها، إلا أنه لا يقوى مع ذلك على التمرّد عليها والتصدّي المباشر لها، ما فرض عليه اختيار أسلوب المراوغة واعتماد القناع، وحسب.
بالفعل، ظلّ لازار رفيق بيتر لعدّة عقود، وتواطأ معه في كثير من المواقف العابثة، التي تكشف عن تماهي مشاعر القلق وعدم الرضا لديهما معا، بسبب ما بات يلازم كلّ منهما حيال ممثلي الطبقة التي ينتميان إليها، إما مباشرة (بيتر) أو من خلال القيم والقناعات (لازار). وبذلك، عاش هذا الأخير ـ مثل بيتر تماما ـ مواقف متقلقلة، يجهر خلالها بعكس ما يُبطن، ويكشف خلاف ما يسرّ، ويبدي نقيض ما يضمر، الأمر الذي جعله لا يتلاءم مع محيطه بالمرة، رغم الشهرة التي حققها فيه، والحظوة والجاه اللذين نجما عن ذلك. ولهذا، يمثل لازار شخصية مثقف يعاني من وعي شقي بلغ مداه في لحظة تصدّع مجتمعه، لأنه من جهة متشبّع بالقيم الليبرالية العقلانية، التي ظنّ أنها هي الحلّ السحري للمجتمع الإنساني برمته، إلا أنه انتهى من جهة أخرى الى ما يفيد بأن مقدار العقلانية عند ممثلي طبقته لا يتجاوز حدود الشعارات، فعجز عن الدّفاع عن أفكاره بشكل حقيقي، ما تسبّب له في معضلة وجودية كبيرة، فرضت عليه الاكتفاء بمجرد الرياء والتعامل من خلف قناع، للتمكّن من التلاؤم مع وضعه العاجز. لكن هذا التمثيل المقنّع سرعان ما أعياه، فانعزل الجموع والمنابر، وسلّم بفشله. تقول عنه جوديت، التي احتكّت به خلال مرحلة حصار بودابست: «كان هذا الرجل قد راهن على العقل. لقد ظنّ بأنّ هذا الأخير يقود العالم. لكنه في ما بعد، اضطر الى الاقتناع بأنّ العقل ضعيف الى أبعد حد… كان يعتقد بأنّ العقل البشري قوة شبيهة بالضوء، وبالكهرباء أو المغناطيس، التي من شأنها أن تحرّك العالم… لكنه انتبه في آخر المطاف الى أن العقل لا قيمة له، لأنّ الغرائز ظلّت أقوى بكثير منه. إنّ العواطف تبزّ العقل، وتسخر منهما دامت تستطيع الاعتماد على التقنية. إنّ المشاعر والتقنية شرعتا إذن، في تقديم رقصة غريبة وبربرية…»50.
لذلك، أصيب لازار بالإحباط، ولم يعد ينتظر أي شيء من الأدب، ولا من لغته الأم التي كانت محبّبة إليه، لتجميل شكل الحياة البشع، ومنحه صورة أشفّ وأرقّ من القبح الذي أخذت الأمور تبدو عليه، حتى تصبح الحياة قابلة لأن تعاش في الوطن. فانتهى به الأمر شيئا فشيئا الى العزلة والتقوقع على الذات، والانزواء بعيدا عن كافة المحافل والأندية التي ظلّ يتواجد بها، الى أن صار بعد اندلاع الحرب التي نشبت أولا في النفوس قبل أن تشيع في الميادين، مجرد نكرة لا يتعرف إليه أحد، ولا يُذكَر اسمه ولا عناوين كتبه، رغم أنّ شهرته طبقت الآفاق، في وقت من الأوقات. لقد شعر لازار بالفشل التام لمّا لم يستطع التأثير الإيجابي على مجتمعه، ولا التمرّد عليه بجرأة للتصحيح من حاله، فحسم الأمر بالانتحار الرمزي الذي لخصه انمحاؤه الكلي عن المحافل والمنتديات. تقول عنه جوديت: «لم يكن مغامرا، ولا أثار قط أية فضيحة، ولا ماتت أية امرأة من أجله، ولا ذُكِر اسمه في خانة الثرثارين، ولا كان في وقته بالمرة، أحدوثة الصحافة. حين تعرفت عليه، كان مجهولا بشكل تام. قيل لي إنه كان يحظى بنوع من الشّهرة، من قبل. لكنّه بدا حوالي نهاية الحرب، نسيا منسيا بشكل تام، لا أحد عاد يتحدث عنه، بالمرّة»، (ص393).
لكنّ حال ومآل لازار في الرواية ليس سوى تعلّة، للكشف عن عجز الثقافة الأوربية بعامة عن لجم الأذى، وكبح غرائز الشرّ الآثمة، التي استغلت التناقضات الاجتماعية والسياسية، لنشر حمام الموت بشل مجاني، في ميادين الحرب. فلازار هو رمز المثقف العقلاني الذي أخفق في مهمته مع نفسه ومع الآخرين، لأنه لم يستطع الوقوف في وجه الانحرافات البيّنة التي طالت مسار الطبقة التي يمثلها، واكتفى بالرياء والمداهنة، ما خلق أزمته النفسية الحادة، وجعله ذاتا غريبة ومغتربة عن قيمها ومحيطها، في فترة عصيبة من التاريخ المعاصر، ظلت فيها الأجواء المشحونة بغرائز الإساءة والشرّ، التي سرعان ما انطلقت من عقالها، فأتت في وقت وجيز على كل أخضر ويابس، وساهمت في تعميم الموت وأسباب الدمار والخراب، في كامل أوروبا. وهذا ما ترتبت عنه معضلة الغربة والاغتراب، التي عانى منها كثيرا المثقف الغربي، فأفضت به الى اتخاذ مواقف عابثة من الوجود، وأحيانا الى رفع شعار اللامعنى واللاجدوى، لأنّ القيم الكبرى التي كانت شعار الفئة المتنورة في القرن التاسع عشر، صارت من جهة جوفاء، عقيمة، فارغة وخالية من أي معنى، ولأنّ انتصار النموذج الأمريكي بعد الحرب العالمية زاد من جهة أخرى، الوضعَ حدّة وسوء وتفاقما، لأنّه نموذج ليبرالي لا تاريخ له ولا إيمان لديه بالقيم الثقافية الأوربية الكبرى، ما عدا قيمة الربح التجاري السريع، التي تعتمد التسويق الجماهيري الواسع النطاق مبدأ وغاية. لذلك، تقدّم الرواية على لسان لايوس، نهاية مأساوية للقيم الثقافية في الضفة الليبرالية الأخرى، التي صار فيها بورجوازي الأمس (بيتر) مجرد بروليتاري كادح في أرض العم سام، والفنان الموهوب الذي بات يعشق الموسيقى البارحة، محض نادل (لايوس). يقول هذا الأخير «إنّ الأدب، هنا [وم أ]، صناعة مختلفة كثيرا عمّا نراه خلف الضفّة الأخرى من المحيط، سواء في روما أو بودابست»، (ص 450). وهذه الصناعة هي من تدبير عصابات المافيا، التي تتحكّم في كثير من الخيوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلد، مستفيدة في ذلك من نصيب الحرية الوافر، الذي ينعم به سكان المجتمع. ومن ثمّ، تعيث تلك العصابات فسادا في الأرض، بفعل جرائمها الرهيبة التي يتمّ تدبيرها عن سبق إصرار وترصّد، ما يعطي للصّحافة مادّة دسمة للكتابة، «وهو ما يعني أن الجرائد تنعم بحرية كاملة في التخلّص مما يشاء هؤلاء التخلص منه. ثمّ يحكي الصحفيّون كلّ ذلك في كتب، تصدر في ملايين النّسخ. أجل، بهذه الكيفية، يتمّ نشر الثقافة من قبل هؤلاء. وبهذه الكيفية، يزدهر الأدب، ويتزايد في كل الأنحاء، سواء في محلات بيع العقار الطبّي، أو في محطات المترو، أو الأسواق الممتازة. وكلّ من كان مثلنا، يعجز عن أن يجد لنفسه موقعا، وسط كلّ هذه المافيا بأسْرها… وأكرّر لك من جديد، بأني لا أعرف أي شيء عن الأدب، إنما أعرف عن المواخير الشيء الكثير، لأني تردّدت عليها بما يكفي، حين كنت جنديا… وإذن، فإنّ هذه الأخيرة لم تكن أسوأ حالا مما صار يُدعَى اليوم، بالأدب. كلّ هؤلاء الكتَبَة يتعرّون، من أجل المال، مثل فاليسكا تماما [= راقصة السترايبتيز]… هنا، أصابني الذهول، لما سمعت بأن أحدهم جنى نصف مليون دولار، لأنّه كتب مذكرات سفّاح سان فرانسيسكو… ولمّا سمعت عن غيره الذي كتب مذكرات أحدهم، الذي تحوّل من ذكر الى أنثى… أو كتب عن إحدى العذروات التي تحوّلت الى شاب جميل… ربما يوجد في هذا البلد بعض الكُتّاب الآخرين المختلفين… لكن لا يتعيّن على المرء أن يكون عالما متنوّرا، ليفهم بأنّ هؤلاء لا يندرجون ضمن السَّراية المحظوظة»، (ص 453/454).
ي ـ خاتـمـة:
وبالجملة، فإنّ رواية حالات زواج مسيخة هي سِفْر تخييلي شيق الى أبعد حدّ، يأخذ بيد القارئ للارتحال بين مسارات ومآلات، تكشف في رمزيتها القوية عن اغتراب الإنسان الأوروبي، وتغرّبه عن نفسه ومُثله العليا، وعن العالم المعاصر بأسره. استثمر فيها شاندور ماراييه إمكانيات سردية هائلة، تتكئ على بعد غنائي سائغ، تترابط فيه ضفائر الاستذكار والبوح، بعمليات الحفر بين طبقات الوعي واللاوعي الفردية والجمعية، لسبر أغوار النفس البشرية المتذبذبة والإحاطة بدوافعها ونزوعاتها؛ إضافة الى مقالة من طبيعة تركيبية (ميتافيزيقية وفلسفية) منذورة لمحاولة معرفة وفهم الوضع البشري المعضل، في مرحلة بينيّة: ما قبل الحرب العالمية الثانية، وما بعدها. وبذلك، تقاطعت في حبكة هذا النص عناصر السرد، بوقفات تأملية ذات نظر فكري فلسفي، الى جانب لحظات من التوهج الشعري، التي بلغ التعبير فيها ذرى عليا؛ فجاءت الرواية ضفيرة تكاتفت ضمنها إوالية الاعتراف بتقنية التجريح والتعديل. ومن ثم، يمكننا اعتبار رواية حالات زواج مسيخة صكّ اعتراف من الكاتب نفسه، يقرّ فيه على لسان شخصياته (خاصة لازار وبيتر)، بأسباب فشل المثقف الأوربي عموما في انهيار أمة بكامل مجدها وقيمها الحضارية، وهو ما ساهم في غربة ثقافة التنوير والعقلانية عن نفسها، وانتهى بأهلها نهاية مأساوية، ظلّ الكثيرون منهم ينوسون بين زمنين متنافرين (ليبرالية ما قبل الحرب، واشتراكية ما بعدها)، وبين قارتين غير متآلفتين ولا متناغمتين (أوربا الكسيحة والممزقة، وأمريكا القوية لكن ليبراليتها مسيخة). وبذلك، يرثي شاندور ماراييه عالما من الأحلام والأوهام والخلافات تحلّل، وأصيب كلّه بآفة المسخ، فصار نهبّ السقوط.
1 ـ عنوان الرواية الأصلي باللغة المجرية هو: Az Igazi Judit Es Az Utohang ، بينما اخترت أنا عنوانا بديلا عنه، يقترب نسبيا من مضمونها وعنوانها بالترجمة الفرنسية: Métamorphoses d’un mariage (ما يعني حرفيا: مسوخُ زواج)؛ وهي الترجمة التي قام بها من اللغة الهنغارية الى الفرنسية كلّ من جورج كاسييه وزينو بيانو، وصدرت عن منشورات ألبان ميشيل Albin Michel، الطبعة الأولى، باريس 2006.
2 ـ كانت مدينة كاسا في البدء تابعة للمجر، لكنها ستصبح بعد الحرب العالمية الأولى سلوفاكية، بناء على معاهدة تريانون التي وقّعتْ بين البلدين، سنة 1920.
3 ـ «جمهورية المجالس الهنغارية»، أو «الجمهورية السوفييتية الهنغارية» هي نظام جمهوري ثوري قام في هنغاريا سنة 1919، بتأثير من الثورة البولشيفية، وذلك بزعامة بيلا كون Béla Kun. لم تمتد هذه التجربة الشيوعية في الزمن سوى مائة وثلاثة وثلاثين يوما (من 21 مارس 1919، الى غاية 6 غشت)، لأنّ فيالق من جيش رومانيا وصربيا إضافة الى الجيش الهنغاري المؤازر بالبعثة الفرنسية تحت قيادة هنري بيرثيلو Henri Berthelot، تصدّت بعنف وشراسة لهذه التجربة وقبرتها في المهد، في معركة سميت تاريخيا بحرب صيف 1919.
4 ـ ظلّ شاندور ماراييه يتنقّل بين فرنسا، وسويسرا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، التي ضرب فيها بعصا التّرحال في الأخير، وقرّر أن تكون بلد منفاه الاختياري.
5 ـ لم يكتف شاندور ماراييه بهذه الروايات فقط، وإنما نشر قبل وإبان نشوب الحرب العالمية الثانية وبعدها بقليل، مجموعة من الروايات الأخرى، أهمّها: طلاق في بودا 1935، آخر يوم ببودابست 1940، النوارس 1943، الأخت 1946.
6 ـ ميكلوس هورثي Miklos Horthy (1868/1957) أميرال في البحرية الهنغارية، تولى منصب الوصاية السياسية على عرش مملكة هنغاريا ما بين الحربين العالميتين، وكان من دعائم النظام الفاشستي والنازي في هنغاريا.
7 ـ يسجّل شاندور ماراييه في مذكراته بأنه وجد بيته مجرد حطام، وألفى ما تبقى من خزانته التي كانت تحتوي على ما يربو عن ستة آلاف مؤلف، لا يضم سوى قبعة طويلة وصورة لتولستوي!
8 ـ في هذه الفترة، أضاف شاندور ماراييه الى ريبرتواره الروائي روايتين أخريين هما: الأخت 1946، المهانون 1947/1948.
9 ـ جورج لوكاتش Georg Lukàcs (1885/1971)، مفكر ماركسي من أصول يهودية، ومنظر كبير في سوسيولوجية الأدب، اشتهر بمجموعة من الأعمال السوسيولوجيا والتاريخية الكبرى، من قبيل: نظرية الرواية، والرواية التاريخية.
10 ـ يشير بعض من كتب سيرة شاندور ماراييه باللغات الأجنبية، الى أنّ الرجل خاض بنفسه تجربة الطبع والنشر، وهو يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية. لكن إمكانياته المحدودة جدا لم تسعفه في التعريف الواسع بأدبه، سواء في أمريكا أو أوربا.
11 ـ لا يعني هذا التنقيصَ من جودة النصوص الأخرى التي اطلعت عليها لحدّ الآن، لأنّها دون أي استثناء كتابات قوية ومهمة ومدهشة؛ وإنّما أخذت بعين الاعتبار التواريخ المذيلة لرواية حالات زواج مسيخة، وما تطرحه بحرفية وذكاء تخييلي من مضامين كبرى، سبق للكاتب أن تناولها في النصوص التي سبقتها.
12 ـ يبلغ عدد صفحات الرواية 502 صفحة، ما يؤهلها في حال ترجمتها الى العربية، الى أن تبلغ 600 صفحة.
13 ـ تحبل رواية حالات زواج مسيخة بالكثير من عناصر التحليل النفسي التي تغوص في أعماق الشخصيات، لتقبض على ذبذباتها المتنافرة والمتناقضة، في لحظة الضعف أو القوة، مثلما تتضمن العديد من اللحظات التي يفيض فيها التأمل الفلسفي، فيغدو النص الروائي أشبه ما يكون بمقالة فكرية مخففة، تتأمل في بعض القضايا والأوضاع، مستهدفة القبض على الجوهري الذي يحرّك النفوس والشخوص. كما توزّع بين المحكيات كمّ هائل من الشذرات والحكم والأقوال التي تتصل رأسا بشتى الموضوعات، التي كانت وما زالت تشغل الإنسان الأوربي في الدرجة الأولى، والإنسان عامة، من بينها: موضوع العزلة، السلطة، الحب، الموت، المال، الفقر، المرض، القراءة وآثار بعض الكتب على الناس، الجميل والجمال، الوفاء، حال ومآل الثقافة والمثقف أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها،،، الخ.
14 ـ إنّ هذا التعاقب المعتمد في الرواية، يجعلنا نتابع الوقائع المحكية من منظورات مرآوية متقاطعة، إذ بقدر ما يضيؤ كل محكي منها بعض الزوايا والخبايا، بقدر ما يعتّم أيضا على أخرى، أو أنّه يجعل صورتها تبدو بالأحرى مهوشة ومشوشة في الذهن!
15 ـ جدير بالملاحظة أن جميع هذه المحكيات ترتبط من قريب أو بعيد بموضوع الهجرة، ذلك أن إيلونكا تخاطب صديقة هاجرت الى أمريكا، وبيتر يسرد قصته لصديق عاد من مهجره (البيرو)، بينما جوديت تقصّ على لايوس بقية الحكاية في غرفة فندق بالمهجر (روما/إيطاليا)، في حين أن لايوس يتمّ ما تبقى من نتف الحكاية في المهجر الأمريكي، وهو يقصّ محكيه على مهاجر ألمّ به ألم البعاد وفراق الوطن. ما يستدعي منّا قراءة النص من خلال زاوية نظر أخرى، واستجلاء دلالة هذه الإشارات التي يحاول الكاتب اعتمادها كأفق آخر لتلقي متن روايته.
16 ـ يبدأ من الصفحة 7 وينتهي عند حدود الصفحة 145.
17 ـ يبدو من خلال المؤشرات النصية الواردة في الصفحة 13 من الرواية، بأن ثمة بين إيلونكا الساردة والمسرود لها التي بلا اسم، علاقة صداقة قديمة تمتدّ الى مرحلة الدراسة الثانوية، وهي رابطة غير عادية بحكم تشبّعها بمشاعر حبّ ملتبسة، أقرب ممّا يحس به بعض الشواذ (وكأنّنا إزاء مقولة سهيل إدريس، التي قال فيها إنّ الصداقة حبّ محرّف). أضف الى ذلك أنّ كل واحدة من الشخصيتين تنحدر من أصول اجتماعية تختلف عن الأخرى. ففي الوقت الذي تنحدر فيه أسرة المسرود لها من وسط ميسور الحال، سهّل لها أن تهاجر الى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراستها والاستقرار النهائي هناك، تنحدر أسرة إيلونكا من فئة البورجوازية الصغرى، لأنّ والدها ليس سوى موظف ظلّ يتقاضى أجرا شهريا ثابتا، يكفي بالكاد لسدّ حاجيات عائلته، ما اضطر هذه الابنة الى الاشتغال بعد حصولها مباشرة على شهادة الباكالوريا، ثمّ انتظار فرصة الزواج من رجل ثري، من شأنه أن يحقق لها بعض أحلامها، ويشبع لديها بعض التطلعات المنشدّة الى حياة الترف.
18 ـ مثلما تقول ذلك علانية في الصفحة رقم 9 من الرواية.
19 ـ تقول في الصفحة 12: «أنا لم أكن أرغب في أن أصير مهذبة معه وشهمة. لا، أردت بكل بساطة أن أنتقم… فلو أني رضخت لما سكنني وقتها، لأخذت معي ـ وأنا أخرج من البيت ـ كلّ ما كان يوجد به، حتى الستائر بالذات (…) نعم، لقد صرت عدوة له، وسأبقى كذلك الى آخر يوم في حياتي». لكنها سرعان ما تستدرك قائلة بعدها، إنها قد لا تفعل ما تحس به، وقد تضغط على نفسها لتلتقي ببيتر، «لو حدث له مكروه، لعل في ذلك أملا». الأمر الذي يكشف عن تذبذب مواقفها اتجاه بيتر، بحكم رسوخ حبه في أعماقها.
20 ـ تتحدث إيلونكا في الصفحات 13، 14 و15 من الرواية، بمعرفة من خبر الحياة، وتأمل في وضعه كثيرا، وحاسب نفسه، وأخضعها للفحص الدقيق، عن مجموع الفروق التي تميّز بيتر عنها، بحكم انحداره من طبقة بورجوازية أصيلة المعدن، واختلاف ذوقه الفني والجمالي عنها، إضافة الى توجهه الفني الراسخ، الذي يظهر في زياراته المتكررة للمتاحف والمسارح والحفلات الموسيقية الباذخة. تقول على سبيل التمثيل: «كان شغوفا بشكل مباشر بالأمور المتصلة بالرّوح، بينما لم أكن أنا منشغلة سوى به، هو بالذات…» (ص16)؛ كما تضيف متحدثة عنه أيضا: «زوجي المسكين… كان بورجوازيا، أي فنانا من غير تخصّص، كان فنانا منذورا للمعاناة» (ص 143).
21 ـ «أنا فنّان من غير تخصّص حقيقي ـ قال لها ذات يوم ـ وهذه حالة مألوفة لدى البورجوازيين»، وتقول هي عنه: «كان جنتلمانا مهذبا، وقورا، رحيما بالضعفاء وشديد البأس على أنداده. لم يكن يعترف بأية رتبة اجتماعية، ولا يضع اعتبارا لأي شخص يعتقد نفسه أنه أعلى مرتبة منه… لأنه لم يكن يحترم غير الفنانين، صبيان الربّ هؤلاء الذين اختاروا، مثلما يقول، إتّباع الطريق الأشد صعوبة في الحياة»، وتضيف عنه: «لقد خصّ بذائقة أدبية سليمة، ويعرف دائما ـ مثل لازار أو الموسيقيين الكبار ـ أن يميّز بين الغثّ والسّمين» (ص15، 35، 36 و39).
22 ـ للازار أهمية كبرى في الرواية، لأنّه يظهر في جميع المحكيات، ويلعب أدوارا كبيرة وحاسمة في حياة أغلب الشخصيات. لهذا، تعتبره إيلونكا «شاهدا على حياة بيتر»، كما تقول له صراحة: «إنك تمارس سلطة على روح بيتر» (ص 83). وسوف يكون لنا لقاء خاص، نقف فيه على طبيعة هذه الشخصية وأدوارها المباشرة وغير المباشرة في حياة بقية الشخصيات الأخرى.
23 ـ نلاحظ أن المسرود لهما، سواء في محكي إيلونكا أو بيتر، ليس لهما اسم خاص، على عكس المسرود له في محكي جوديت، الذي هو لايوس Lajos.
24 ـ يلمّح بيتر في كلامه الى ظهور أيديولوجية البروليتارية الدّاعية الى قيام الثورة الجذرية، التي تستهدف سحق الوجود البورجوازي، ومحقه بشكل تام، ثمّ استبداله بنظام قائم على أفكار ماركسية لينينية.
25 ـ تجدر الإشارة الى أن لبيتر علاقة غريبة بلازار. فهما صديقان من عهد الدراسة، لهما نفس السنّ، وبينهما ماض مشترك. ففي الوقت الذي تهيأ فيه بيتر الى أن يكون خليفة والده في إدارة أعمال المصنع، انكبّ لازار على الكتابة الإبداعية، وتقرّب بفعل ذلك من بعض الأوساط السياسية والثقافية الرسمية، التي هيأت له الطريق نحو الشهرة، لأنه صار في الخامسة والثلاثين كاتبا مشهورا في بلده. يقول عنه بيتر: «كان قبل كل شيء رفيقي في التمثيل [أي مسايرة المواضعات البورجوازية!]، وشاهدا على حياتي… رفيقا في التمثيل غير المريح بشكل كبير، وشاهدا حاضرا على الدوام في خلفية كل صورة، وهو الشاهد الذي لا تستطيع، كما لا تريد بدون شك، أن تتخلّص منه» (ص 213). وبعد أن يتزوج بيتر من جوديت، ويرفض مسايرة الوسط البورجوازي المحيط به، تنقطع صلته بلازار، ولا يسمع عنه سوى كونه هاجر الى إيطاليا، بعد أن أصيب هو الآخر بإحباط.
26 ـ لابد من الإشارة الى أن جوديت ألدوزو تنحدر من أصول ريفية فقيرة الى أبعد حد، إذ اضطرت أسرتها التي خسرت قطعتها الأرضية والبيت الذي يأويها، الى أن يغادر الإخوة الذكور أسرتهم للعمل في مزارع متفرقة، واكتفاء الأب والأم وبعض الأبناء الصغار بمجرد السكن في حفرة مليئة بالجرذان، بعد اكتراء قطعة صغيرة من الأرض، قصد زراعتها. في هذه الظروف الصعبة، نشأت جوديت، وفرض عليها أن تفارق أسرتها هي الأخرى، لتصل الى العاصمة، وتعمل في خدمة أسرة بيتر وهي فتاة صغيرة، وتبقى هناك الى أن أدركت الثلاثين من عمرها، لتهاجر الى بريطانيا.
27 ـ تقول لعاشقها في البداية، وهي تتذكر ما حدث لها في هناك: «لقد ذقت من طعم الديمقراطية الشعبية ما لذ وطاب! حقيبتان وبعض الحلي، وحسب. هذا ما تبقّى لي من حياتي كامرأة، كانت تنتمي من قبل الى علية القوم!» ص 288.
28 ـ يستعين شاندور ماراييه في رسم تمثلات جوديت باستعارة «المستشفى»، وبما يحيل عليه هذا الإطار الذهني من مكونات صغرى تستلزمه، وتحيل عليه في كلّ لحظة وحين، خاصة لمّا تتحدث عن أسرة بيتر وأجواء بيتهم؛ ومن بين تلك المكونات الاستلزامية الصغرى لصورة المستشفى، ما يلي: الأطباء، الممرضات، الأدوية، الروائح الفاغمة، أدوات التنظيف، الأرضية اللامعة، الشراشف البيضاء،،، الخ.
29 ـ «إنّ الأثرياء لرعاعٌ غريبو الأطوار»، كما تقول جوديت، في الصفحة 299 من الرواية.
30 ـ تحكي جوديت لعاشقها لايوس عن حادث نجاتها العجيبة من داء السّعار، الذي أصيبت به في طفولتها، فتضيف معلّقة على تلك الحكاية: «يشاع بأنّ من أصيب بالسّعار يقضي حياته في شعور دائم بالعطش، لكنه يخاف في الوقت ذاته من الماء… وقد شعرتُ أنا طيلة الحياة بهذا، حتى وإن كنتُ نجوت من ذلك الدّاء. فهل بقيت بجسمي يا ترى، بقية آثار من ذلك الدّاء؟!». (ص 298).
31 ـ تقول جوديت للايوس، في الصفحة 347، عن ذلك حرفيا: «تحدّث إلي ذات يوم… وقال إنّه يريد أن يتزوّج منّي، أنا الخادمة!».
32 ـ تصرّ جوديت من باب الوضوح، على أن تؤكذ بأنها لا تكره الأثرياء كراهية تتأسس على خلفية الصراع الطبقي القائم بين الأغنياء والفقراء، وإنما لأسباب أخرى نفسية بحتة. تقول: «كنتُ معجبة بهم أثناء فترة معينة، فصرتُ أخشاهم فيما بعد. ثمّ انتهيت الى كرههم، في الأخير… أنا لم أكن أكرههم لأنّهم أغنياء، في حين أني فقيرة. لا… حاليا، لا حديث سوى عن هذا في الجرائد، واللقاءات الجماهيرية، والتجمّعات… أجل، الجميع يتحدث عن هذا، دون أن أعرف أنا ما الذي دهاهم ليكونوا كذلك. ربّما هناك قلق عام في المجتمع، ولهذا تتمّ مناقشة هذه العلاقة بين الأغنياء والفقراء من هذا المنحى… أنا، لا أعرف أي شيء عن هذا»، (ص 337/338).
33 ـ تجدر الإشارة الى أنّ هذا المحكي الموسوم بـ»التتمّة»، كتب سنة 1979، بعد سنة عن كتابة المحكيات الثلاثة السابقة، التي باشر الكاتب في تدبيجها منذ سنة 1949، ولم ينته منها سوى في 1978.
34 ـ له اسم فنّي خاص هو «إيدي».
35 ـ تعني لفظة épilogue الفرنسية: الجزء الأخير من النص، أو الخاتمة التي تغلق المؤلّف الأدبي. وهي لفظة اعتمدت بخاصة في المسرح الكلاسيكي، وتشير الى خطاب يقع في نهاية المسرحية، تتمّ به عملية استعادة معطيات وردت سابقا على شكل استطراد، بغية غلق الحلقة الدرامية غلقا تاما. وبذلك، تدلّ هذه اللفظة عامة، على نص يتمّ إثباته في الأخير، على شاكلة تضاف الى بنية تخييلية استكملت سلفا، جلّ مقوماتها الفنية.
36 ـ منطقة محورية تتواجد بمانهاتان، المنطقة الشهيرة بنيويورك.
37 ـ كانت هناك فرقة من البوليس السياسي تدعى أفو AVO، وهي فرقة رهيبة من الشرطة السياسية، تكوّن عناصرها في الاتحاد السوفياتي، على يد الكا جي بي.
38 ـ لابد من الإشارة الى أن التناقض هنا لا يتصل بعلاقة الشخصيات بعضها ببعض، وإنما يطال الذات في كيانها الشخصي أيضا، حيث يقع الشرخ واضحا بين عنصر الرغبة عند الشخصية، وبين واقع تحققها الفعلي على الأرض، وهو الأمر الذي يقع دائما على النقيض من تلك الرغبة؛ وهذا ما سنوضحه فيما سيرد.
39 ـ ص: 347.
40 ـ ص: 179.
41 ـ تقول إيلونكا، وهي تتحدث الى صديقتها عن وضعهما الاجتماعي المتمايز، بحكم أن هذه الأخيرة تنتمي الى الطبقة الغنية، بينما تنتمي الأولى الى الفئة الوسطى الفقيرة: «يفرض علينا الاختلاف القائم بين الأغنياء والفقراء تبيّن فروق، تكاد تكون تقريبا لامتناهية. فوسط الفقر، ثمّة درجات. فأنتِ مثلا غنية؛ وبذلك، لا تعرفين أي شيء عن الهوّة السحيقة التي تفصل بين من يتقاضى أربعمائة بينغو Pengŏs في الشهر، وبين أولئك الذين يتقاضون ستمائة. هذا الفرق بالذات يغدو أكبر بكثير، بين أولئك الذين يتقاضون أجرا يبلغ ألفي بينغو، وآخر قدره ستة آلاف. أنا أعرف عن هذا بعض الشيء. لقد كان والدي يتقاضى ثمانمائة بينغو في الشهر، أما زوجي فستة آلاف وخمسمائة. وكان يتعين علي أن أتعوّد على ذلك الفرق»، (ص 13).
42 ـ يتحدث بيتر في محكيه عن الفرق بين البورجوازي الحقيقي والبورجوازي الصغير، فيقول: «أن يكون المرء بورجوازيا ليس مسألة مال، وحسب. فإذا صدقت حصيلة التجربة الخاصة التي كونتها بشأن هذا الأمر، أمكنني القول بأن البورجوازيين الصغار الذين لا ثروة لهم، هم الذين يتشبثون أكثر بشكليات الحياة التي تدعى: بورجوازية. بينما الثري، فقلما يتمسك ببعض العادات الخاصة، وبنظام معين مما يدعى النظام البورجوازي، وباحترام قواعد الآداب والسلوك البورجوازيين، وبكل ما يعتبر في عيني البورجوازي الصغير، مبررا للانتماء الى هذه الطبقة الاجتماعية»، (ص 157/158).
43 ـ هذا ما لاحظته إيلونكا وهي تتحدث عن جوديت (ص 99/100)، وما أثبته كذلك الكاتب لازار في حديثه عنها (ص 129/130/131).
44 ـ استعارة الحفرة التي تسكن فيها أسرتها، تفيد هذا الواقع إفادة ملموسة.
45 ـ مثلما قال عنها بيتر في ص: 254.
46 ـ سيختار شاندور ماراييه لهذه النماذج الثلاث مجتمعة إذن، بوتقة حامية لصهر مصائرها، وطبعها بطابع تراجيدي أبعد ما يكون عن الحبكة التقليدية، التي طبعت بعض الأعمال الأدبية المحسوبة على الأدب الواقعي الاشتراكي، حيث يحتل مبدأ الصراع الطبقي الصريح حيزا كبيرا، يفيض على اللزوم. فبيتر الذي نشأ في كنف وسط بورجوازي تحكمه قيم الكسب والمحافظة، سيجد نفسه مغتربا في كنف أسرته، لكونه غير منجذب تماما نحو عالم المال والأعمال، الذي كرّس له والده مشروع حياته، وأضاف الى ما ورثه ثروة إضافية أخرى. ذلك أنّ طبيعة بيتر المتمرّدة، وقناعته الفكرية التي نشأت لديه على خلفية الأسفار والمقروءات الفكرية والأدبية المتنوعة، الى جانب طبعه المنساق مع الفنّ وأهله، سيخلق بينه وبين ممثلي طبقته الأصلية هوة سحيقة، ومسافة فكرية ونفسية كبرى، تأسس صرحها على قاعدة النقد الذاتي، التي ظلّ يحاكم من خلالها تكلّس ذهنية هؤلاء، وتحجّر مشاريعهم التي بدأت تنويرية ثورية، فغدت مع توالي السنون محافظة ورجعية. ولأنّ بيتر بهذه الشاكلة، فإنّه لم يكن ليتلاءم مع إيلونكا، التي رأت في الاقتران به فرصة لتحقيق أحلامها المغلولة الى دائرة الثراء والرغد. مثلما أنّه لم يكن ليتوافق مع جوديت نفسها، لأنّها جاءت من قعر مشبع بالغل والكراهية لأبناء الطبقات العليا، فبقيت طوال مرحلة زواجها من بيتر، تشعر بازدياد عطشها للابتزاز والسرقة، حتى تشفي غلّتها القديمة بذلك.

47 ـ تجدر الإشارة الى أنّ ثمّة تشابها كبيرا بلغ حدّ التطابق، في مواقف لازار والكاتب شاندور ماراييه نفسه. إذ ظل الأول، مثله في ذلك مثل كاتب الرواية تماما: «متمسكا بلغته الأم تمسكا كبيرا، ومتأنّقا في التعبير بها تأنّقا فيه إحكام [كما يذكر بيتر، في الصفحة 211]. وكنتُ أردّد في قرار نفسي، وأنا أقرأ كتاباته الأولى، بأنّ تلك اللغة ما عادت معتمدة إلا عند بضعة كتّاب أصيلين… إنه يكتب بمجرية صافية ومحايدة نسبيا، ودائما ما تكون محترمة مع ذلك، للقواعد النحوية». والى جانب التمسّك بالتعبير باللغة المجرية الأم، يتطابق حال ومآل لازار مع الكاتب شاندور ماراييه، في كونهما عاشا معا حصار بودابست بعنفه وقهره، وألفى كل منهما بيته وقد تهدّم، والمكتبة طالها الخراب، إضافة الى عدم تلاؤمهما معا مع الساسة الجدد، الذين صاروا يدينون بالولاء للإتحاد السوفييتي، ما دفع بهما الى مغادرة البلاد نحو المهجر (إيطاليا/روما). بل إن قراءة حصيفة ومتروية للرواية، ومقارنة أهمّ أحداثها وأفكارها مع سيرة الكاتب ماراييه وأفكاره، لكفيلة بإيجاد الكثير من الوقائع السيرية مبثوثة بين ثنايا هذا النص.
48 ـ يقول لازار وهو يحدث إيلونكا: «إنّا نحن معشر الكُتّاب، آخرُ المدافعين ربّما عن النظام القائم… [ولأننا كذلك]، فنحن لا نستطيع منح أنفسنا امتياز التمرّد عليه. إننا مؤتمنون عليه… والحفاظ [عليه بوصفه وديعة] أصعب بكثير من عمليات الكسب، أو التخريب [التي من الممكن أن يقوم بها أي بورجوازي مغامر، كما حصل مع بيتر]»، (ص 127).
49 ـ يقول عنه بيتر، ملخصا لحظات البداية التي ربطته به: «كنتُ أعرف عنه شيئا، ظلّ الجميع مع ذلك يجهله: كان هذا الرجل يمثل. يمثّل مع الكل: مع الناس، وفي مختلف الوضعيات، وحتى حيال الظاهرة الملغزة التي ندعوها بشكل عام: الأدب… كان هو قبل كل شيء، رفيقي في التمثيل… وشاهدا أيضا على حياتي… إننا جميعا، في خضم هذه المحاكمة الملغزة والرهيبة التي هي الوجود، نحتاج الى شخص يكون في ذات الآن قاضيَنا، ومدّعيَنا العام، ومحقّقنا، والمتواطئ أيضا معنا بشكل نسبي… نحتاج الى شخص، ما أن يراك، حتى يتعرّف عليك تماما، فيغدو كل ما تقوم به إنما من أجله نسبيا، فتتساءل دائما في حالة النجاح: أيؤمن هو حقا، بهذا؟ فهو رفيقك في التمثيل بشكل غير مريح تماما، وذلك الشاهد المتواجد في خلفية الصورة دوما، الذي لا تستطيع ـ كما لا ترغب ـ في التنصّل منه… كان لازار في حياتي هذا الرجل، بالذات: لعبنا سوية، أنا وهو، ألعاب الشباب ومرحلة النضج… وظل أفضل ما في دخيلتنا منجذبا نحو تلك الرغبة التي هي في الآن ذاته عنيدة، محتدمة وجريئة، تلك الرغبة التي ظلت تدفع بنا الى التعاطي للتمثيل، قصد تجميل ـ بل وحتى تشويه ـ هذه المسرحية الكوميدية الشكل والكاذبة، التي تُدعى: الحياة!»، (ص: 211 وما بعدها).
50 ـ ص: 431.
—————

————————————————————

—————

————————————————————

1

شاهد أيضاً

قيام الساعة استدار الزمان كهيئة يوم خُلق

عبد السلام الطويل* 1 أحيانا، تحت أسوار مدينة أوروك البيضاء لا ينتهي الوقت، يظل مُنَكّسا …