أخبار عاجلة

معجزة القديس أنطوان نص مسرحي

المؤلف:
يعتبر موريس مايترلينك (1862ـ 1949) أحد أبرز كتاب بلجيكا. أبدع على امتداد حياته العديد من الدواوين الشعرية والمسرحيات والأبحاث العلمية نذكر من بينها «ملاذات ساخنة» و«الأميرة مالين» 1889 و«الدخيل» و«الأعمى» 1890 و«بالياس وميليساند» 1892 و«ألادين وبالوميس» 1894 و «حياة النحل» 1900 و«ذكاء الورود» 1907 و«العصفور الأزرق» 1909 و«حاكم ستيلموند» 1919. حصل الكاتب عام 1911 على جائزة نوبل للآداب.
كتب المؤلف هذه المسرحية عام 1903 بهدف كشف مواكب الزيف والنفاق التي كانت سائدة في الطبقة الأرستقراطية البلجيكية التي كان ينتمي إليها. لقي هذا العمل نجاحا ساحقا؛ إذ ترجمت إلى لغات عالمية عدة كما تم تقديمها على خشبة المسرح في العديد من البلدان دون انقطاع منذ صدورها إلى أيامنا هاته.
الشخصيات:
 القديس أنطوان. السيد غوستاف. السيد آشيل. الطبيب. الراهب. عميد الشرطة. جوزيف. عونا الشرطة. الآنسة هورتنس. فرجيني. أبناء وبنات الأخ. أبناء عمومة. ضيوف. إلخ..

الفصل الأول
في مدينة صغيرة بالفلاندر البلجيكي. دهليز منزل برجوازي واسع وقديم. على اليسار باب كبيرة تنفتح على الشارع. في العمق سلم من بضع درجات يؤدي إلى باب كبيرة زجاجية تقود إلى المنزل. على اليمين باب أخرى. على امتداد الجدار أريكة مغشاة بفرو الخلد، بضعة مقاعد، مشجب علقت عليه قبعات ومعطف طويل..الخ.
عند رفع الستارة، تظهر العجوز فرجيني مشمرة عن أكمامها، عارية الساقين، منتعلة حذاء كبيرا وسط الجرادل النحاسية والخرق والمكانس والمساحات وهي تنظف البلاط الرخامي بالماء الغزير. وبين حين وآخر، توقف عملها وتتمخط بجلبة وتمسح بطرف وزرتها الزرقاء دمعة كبيرة. يسمع قرع جرس الباب. تذهب فرجيني لكي تفتح، ونرى على العتبة عجوزا طويل القامة نحيفا عاري الرأس حافي القدمين، أشعث شعر الرأس واللحية، وقد ارتدى كساء بنيا مما يلبسه الرهبان، وقد تلطخ بالوحل ونصل لونه وأصبح عبارة عن أسمال.
المشهد الأول
فرجيني والقديس أنطوان
فرجيني (مشرعة الباب قليلا): ما الذي يحدث؟ هي ذي المرة السادسة والثلاثون التي يقرع فيها الجرس.. متسول آخر؟ ما الذي تريده؟
القديس أنطوان: أريد أن أدخل.
فرجيني: لا. لا. أنت مغمور بالوحل. ابق حيث أنت. ما الذي تطلبه؟
القديس أنطوان: أطلب الدخول.
فرجيني: لماذا؟
القديس أنطوان: لكي أحيي الآنسة هورتنس.
فرجيني: لكي تحيي الآنسة هورتنس. ما هذه الحكاية؟ من أنت؟
القديس أنطوان: أنا القديس أنطوان.
فرجيني: من بادو؟
القديس أنطوان: تماما.
هالة القديس تشتعل وتتألق
فرجيني: يا يسوع! يا مريم! هذا صحيح!.. (تفتح الباب على مصراعيها، تهوي على ركبتيها شابكة يديها حول المكنسة وهي تتلو بسرعة التحية الإنجيلية ثم تقبل بإجلال بالغ أسفل ثوب القديس مكررة بطريقة آلية ومجنونة: أيها القديس أنطوان، كن بنا رحيما. أيها القديس الكريم. صل من أجلنا!
القديس أنطوان: والآن، اسمحي لي بأن أدخل وأغلقي الباب.
فرجيني (وهي تنهض متشنجة): هي ذي الممسحة. امسح قدميك (يبادر القديس أنطوان إلى الصدع بالأمر دون مهارة). هيا، بهمة أكبر..
تغلق الباب
القديس أنطوان (مشيرا إلى الباب على اليمين): الآنسة مسجاة هنا.
فرجيني (باندهاش وابتهاج): بالفعل. كيف عرفت؟ هذا مدهش. إنها هناك في القاعة الكبيرة. المرأة المسكينة. لم تكن تبلغ من العمر غير سبعة وسبعين عاما. عنفوان الشباب! أليس كذلك؟  هل تعلم أنها كانت شديدة التقوى ومستحقة لكل ثناء. لقد تألمت كثيرا. ثم إنها كانت ثرية. لقد سمحت لنفسي بأن أقول إنها تركت مليونين. مليونان. هذا كثير..
القديس أنطوان: نعم.
فرجيني: سوف يرث ابنا أخيها السيد غوستاف والسيد أشيل وأبناؤهما كل شيء. سوف يكون هذا المنزل من نصيب السيد غوستاف. غير أنها أوصت ببعض الهبات للأب الراهب، البواب، حارس الكنيسة، الفقراء، الكاهن، الأربعة عشر يسوعيا ولكل الخدم بحسب المدة الزمنية التي قضوها في خدمتها وأنا أقدمهم. لقد خدمتها ثلاث وثلاثين عاما، وسوف أحصل على ثلاثة آلاف. هذا جيد!
القديس أنطوان: بالفعل.
فرجيني: لم تكن مدينة لي بشيء، وقد واظبت دائما على دفع مستحقاتي. ومهما نقل؛ فلن نعثر على كثير من أرباب العمل الذي يأتون بعد الموت بمثل صنيعها. كانت امرأة قديسة. سوف تواريها التراب اليوم. ولم يبق أحد إلا وبعث بباقات ورد. ينبغي أن ترى الصالون؛ إذ أنه يشرح القلب. ثمة ورود على السرير وفوق الطاولة والكراسي والأرائك والبيانو. ليس سوى الورود البيضاء، والمشهد في مجمله جميل. لا نعرف كيف نرتب الأكاليل (يسمع قرع الجرس فتذهب لتفتح الباب ولتعود بإكليلين) وها هما اثنان أيضا (تفحص وتختبر ثقل الأكاليل). أمسك هذين الإكليلين الرائعين إلى أن أنتهي من التنظيف (تسلم الإكليلين إلى القديس أنطوان الذي يمسك طوعا بكل إكليل في يد. سوف نشيعها هذا المساء إلى المقبرة، وينبغي أن يكون كل شيء نظيفا، وليس عندي من الوقت إلا..
القديس أنطوان: قوديني إلى حيث يسجى جثمانها.
فرجيني: أقودك قرب الجثمان؟ الآن؟
القديس أنطوان: نعم.
فرجيني: لا. لا يمكنني فعل ذلك. ينبغي أن ننتظر قليلا؛ إذ لم يفرغوا بعد من تناول طعامهم.
القديس أنطوان: إن الرب يستعجلني. لقد أزف الوقت.
فرجيني: ما الذي تريده منها؟
القديس أنطوان: سبق أن قلت لك ذلك. إنني أرغب في أن أرد إليها الحياة.
فرجيني: ترغب في أن ترد إليها الحياة؟ ترغب جادا في أن تحييها.
القديس أنطوان: نعم.
فرجيني: لكنها ميتة منذ ثلاثة أيام.
القديس أنطوان: لهذا السبب أرغب في أن أحييها.
فرجيني: سوف تحيا كشأنها في السابق.
القديس أنطوان: نعم.
فرجيني: لكن لن يكون ثمة ورثة؟
القديس أنطوان: طبعا.
فرجيني: ما الذي سوف يقوله السيد غوستاف؟
القديس أنطوان: لا أعلم.
فرجيني: والثلاثة آلاف وثلاثمائة فرنك التي أعطتنيها؛ لأنها كانت ميتة، سوف تستعيدها؟
القديس أنطوان: طبعا.
فرجيني: هذا مزعج.
القديس أنطوان: هل عندك نقود أو مدخرات أخرى؟
فرجيني: لا أملك فرنكا واحدا، وعندي أخت معاقة تلتهم كل ما أربحه.
القديس أنطوان: إذا كنت تخشين من فقدان الثلاثة آلاف فرنك…
فرجيني: ثلاثة آلاف وثلاثمائة فرنك.
القديس أنطوان: إذا كنت تخشين فقدانها، فإنني لن أحييها.
فرجيني: أليس ثمة وسيلة لكي أحتفظ بها وتحيا الآنسة هورتنس  من جديد؟
القديس أنطوان: لا. يلزمك أن تختاري بين أمرين. لقد نزلت إلى الأرض بسبب صلواتك ولك أن تختاري.
فرجيني (بعد لحظة تفكير): أحيها على أية حال (هالة القديس تشتعل وتتألق) ماذا يحدث لك؟
القديس أنطوان: لقد أشعت السرور في قلبي.
فرجيني: شيئك،إذن، يشتعل.
القديس أنطوان: نعم، وضد إرادتي.
فرجيني: هذا مثير، لكن لا تبق،إذن، واقفا قرب الستائر البيضاء. يمكن للنار أن تمتد إليها.
القديس أنطوان: ليس ثمة من خطر؛ فهي شعلة سماوية. قوديني قرب الجثمان.
فرجيني: سبق أن قلت لك  إنه لا يمكنني إزعاجهم وهم لم يفرغوا بعد من تناول الطعام.
القديس أنطوان: من هم؟
فرجيني: السادة وكل أفراد العائلة وحق الرب. ابنا أخيها السيد غوستاف والسيد أشيل وأبناؤهما السادة جورج، ألبريك وديزيري وأبناء وبنات العم والراهب والطبيب، ومن أيضا؟ أصدقاء وأقرباء لم نرهم من قبل وقد قدموا من أماكن بعيدة جدا. إنهم أناس ذوو ثراء شديد.
القديس أنطوان: آه!
فرجيني: هل رأيت الشارع؟
القديس أنطوان: أي شارع؟
فرجيني: شارعنا بحق الرب! الشارع الذي يوجد فيه منزلنا.
القديس أنطوان: نعم.
فرجيني: إنه شارع جميل. وكل المنازل الواقعة في الجانب الأيسر ما عدا الأول، وهو كما تعرف جيدا، الأصغر، هم في ملكية الآنسة. أما تلك التي توجد في الجانب الأيمن، فتعود للسيد غوستاف. ثمة اثنا وعشرون منزلا، وهذا مال طائل.
القديس أنطوان: بالفعل.
فرجيني (مشيرة إلى الهالة): انظر! إن شيئك ينطفئ.
القديس أنطوان (متحسسا هالته): نعم. أعتقد ذلك بالفعل.
فرجيني: ألا تشتعل لمدة طويلة؟
القديس أنطوان: هذا يتوقف على الأفكار التي تغذيها.
فرجيني: إنهم يملكون غابات وضياعا ومنازل. وللسيد غوستاف مصنع كبير للنشا، وهو مشهور باسمه. ما من شك في أنها تعرفه. آه! إنها بالفعل عائلة شديدة الطيبة والثراء. هناك أربعة منهم لا يفعلون شيئا عدا إقراض الناس مبالغ من المال. آه! كل هذا جميل. وهناك أصدقاء ومعارف ومستأجرون. كل هؤلاء جاؤوا،إذن، من أجل حضور مراسيم الدفن، ومنهم من جاء من أماكن بعيدة. يقال إن أحدهم سافر يومين كاملين كي لا يخلف الموعد. سوف أريك إياه، وهو صاحب لحية رائعة. إنهم يتناولون غذاءهم هناك، ولم يفرغوا بعد، ولا يسعنا إزعاجهم. إنه حفل غذاء كبير: أربعة وعشرون طبقا، وقد رأين بعيني لائحة الطعام. سوف يقدم المحار ونوعان من الحساء، وثلاثة أطباق فواتح وعصيدة اللانكوست وسمك السلمون على طريقة شوبير، هل تعلم أي شيء هو؟
القديس أنطوان: لا.
فرجيني: ولا أنا أيضا. يبدو أنه صنف جيد، لكننا لن نذوق منه شيئا. ولن تقدم الشمبانيا بسبب الحداد، لكن كل أنواع الخمور الأخرى سوف تكون حاضرة. كان للآنسة هورتنس أفضل مخزن للخمور في المدينة. سوف أحرص على أن أجلب لك كأسا مترعة إذا كانت ثمة فضلة، وسوف تقيم بنفسك الجودة. انتظر! سوف أذهب لأرى ما يفعلون. (تصعد الأدراج وتزيح الستارة لتنظر من خلل الباب الزجاجي) أعتقد أنهم شرعوا في أكل السلمون على طريقة شوبير. انظر! هو ذا جوزيف وهو ينقل الأناناس. تلزمهم ساقيتان أخريتان قبل أن يفرغوا. هيا! اجلس (يذهب القديس لكي يجلس فوق الأريكة) لا. لا. ليس فوق الأريكة المغشاة؛ لأنك ملطخ بالوحل، ولكن فوق هذا المقعد. ينبغي أن أنتهي من عملي (يجلس القديس أنطوان فوق مقعد فيما تعاود فرجيني العمل) وتذهب لأخذ جردل من الماء) انتبه!  ارفع ساقيك؛ لأنني سوف أدلق الماء. لا، لا تبق هنا؛ لأنك تضايقني، وليس المكان بعد نظيفا. اذهب هناك في تلك الزاوية وأسند المقعد إلى الجدار (يمتثل القديس لما تأمره به) سوف تكون هناك في مأمن، ولن تتبلل قدماك. ألست جائعا؟
القديس أنطوان: لا. شكرا. أنا في عجلة من أمري. اذهبي،إذن، وأخبري السادة.
فرجيني: أنت مستعجل؟ ما الذي سوف تفعله إذن؟
القديس أنطوان: معجزتان أو ثلاث.
فرجيني: لا يمكننا أن نقول لهم شيئا وهم بعد حول المائدة. ينبغي أن ننتظر إلى أن يفرغوا من احتساء القهوة. سوف يستاء السيد غوستاف كثيرا. ولا علم لي أيضا بالطريقة التي سوف يستقبلونك بها. فهو لا يرغب في أن ندخل فقراء إلى المنزل، ولا يلوح عليك مظهر الثراء.
القديس أنطوان: لا. ليس القديسون بأثرياء.
فرجيني: لكنهم يتوصلون بالهبات رغم ذلك..
القديس أنطوان: نعم، لكن هاته الهبات لا تصل إلى السماء.
فرجيني: هذا غير ممكن! الكهنة،إذن، هم من يستحوذون على ما نعطيه؟ قيل لي ذلك، لكنني لم أصدقه. طيب! ها أنا في حاجة ماسة إلى الماء. أصغ إلي!
القديس أنطوان: ماذا؟
فرجيني: ألا ترى ذلك الصنبور النحاسي على يمينك؟
القديس أنطوان: بلى.
 فرجيني: إنها النافورة وبجانبها جردل فارغ. هل يمكنك أن تملأه؟
القديس أنطوان: بكل سرور.
فرجيني: لن أتمكن من تنظيف المكان كله إذا لم يأت أحد لنجدتي، وليس ثمة من يستطيع ذلك. تعصف الحيرة بالجميع. ليس التحضير لجنازة بالعمل الهين، وأنت تعرف ذلك جيدا. من حسن الحظ أن ذلك لا يحدث كل يوم، ولا أتمنى أن تكون عرضة له. سوف يدمدم السيد غوستاف غاضبا إن لم يكن كل شيء نظيفا ولامعا أثناء مرور الضيوف من هنا. ليس هو بالشخص المتساهل، ثم إنه يلزمني تنظيف الأواني النحاسية. هناك، أدر الصنبور، هكذا، أحسنت. ناولني الجردل. ألا تشعر بالبرد في قدميك؟ شمر،إذن، عن ثيابك لأنك سوف تتبلل. انتبه إلى الإكليلين. ضعهما فوق المقعد هناك. جيد جدا (يأتي إليها القديس أنطوان بالجردل) شكرا. أنت لطيف جدا. يلزمني جردل آخر (تسمع ضجة أصوات وكراس تتحرك) اسمع! ما الذي يحدث؟ سوف أذهب لأرى (تذهب إلى الباب الزجاجي) انظر! لقد نهض السيد. ما الذي يحدث؟ هل هم مغتاظون؟ لا أعتقد؛ لأن الآخرين يأكلون. جوزيف يملأ كأسي السيد والراهب. لقد انتهوا من أكل السلمون. السيد يخرج، ويمكنني أن أكلمه أثناء مروره وأن أقول له إنك…
القديس أنطوان: نعم. نعم. اذهبي،إذن، فورا.
فرجيني: حسنا! اترك الجردل؛ فلم تعد بي حاجة إليه. هناك. خذ المكنسة. لا تمسكها هكذا. اذهب،إذن، واجلس (يمتثل القديس أنطوان ويذهب للجلوس فوق الإكليلين الموضوعين فوق المقعد) أنت!  ما الذي تفعله؟ لقد جلست فوق الإكليلين!
القديس أنطوان: أسألك المعذرة؛ فنظري ضعيف.
فرجيني: أيها الوقح. ها هما نظيفان. ما الذي سوف يقوله السيد غوستاف عند رؤية هذين الإكليلين. من حسن الحظ  أنه لم يلحقهما ضرر كبير ويمكننا أن نعيد ترتيبهما. اجلس هناك وضعهما فوق ركبتيك والزم الهدوء. لا تتحرك خصوصا؛ لأنك سوف ترتكب حماقات أخرى (تركع على ركبتيها قبالة القديس) أرغب في أن أصلي من أجلك…
القديس أنطوان: افعلي،إذن، ولا تنزعجي.
فرجيني: باركني ما دمنا وحيدين؛ لأنه إذا جاء السادة، فسوف يحملونني على الخروج، ولن أراك أبدا. امنحني الآن بركتك. امنحها لي وحدي أنا العجوز التي هي في مسيس الحاجة إليها.
القديس أنطوان (ينهض ويباركها فيما هالته تشتعل): يا ابنتي. أباركك؛ لأنك طيبة وبسيطة الروح والقلب دون خبث أو خشية حيال العجائب الكبيرة والوفية لواجباتك المتواضعة. اذهبي بسلام يا ابنتي وأخبري سيدك..
تخرج فرجيني ويجلس القديس أنطوان فوق المقعد. وبعد فترة وجيزة، يدخل السيد غوستاف متبوعا بفرجيني من الباب الزجاجي
المشهد الثاني
السيد غوستاف (بصوت مهتاج ومتوتر): ما الذي يحدث؟ ما الذي تريده؟ من أنت؟
القديس أنطوان (ينهض بتواضع): القديس أنطوان.
السيد غوستاف: أمجنون أنت؟
القديس أنطوان: من بادو.
السيد غوستاف: ما هاته المزحة؟ لست في مزاج جيد لكي أضحك. هل شربت؟ ما سبب وجودك هنا؟ ما الذي تريده؟
القديس أنطوان: أريد أن أحيي الآنسة عمتك.
السيد غوستاف: كيف؟ أن تحيي عمتي (موجها الخطاب إلى فرجيني) إنه سكران. لماذا سمحت له بالدخول؟ (مخاطبا القديس أنطوان) اسمع يا صديقي وكن عاقلا. لا وقت لدينا للمزاح. سوف نقوم بدفنها اليوم. عد غدا وهاك عشرة سنتات.
القديس أنطوان (بشيء من العناد): ينبغي أن نحييها اليوم..
السيد غوستاف: سوف تفعل ذلك لاحقا بعد المراسيم وبكيفية جيدة. هيا. الخروج من هنا.
القديس أنطوان: لن أخرج ما لم أعد إليها الحياة.
السيد غوستاف (منفجرا): آه! لقد طفح بي الكيل. هل تعلم إنك قد بدأت تضايقني. الضيوف ينتظرون ( يذهب لفتح باب الشارع) هيا. هي ذي الباب. أسرع.
القديس أنطوان: لن أخرج ما لم أعد إليها الحياة.
السيد غوستاف: آه!  هكذا، إذن. حسنا! سوف نرى (يفتح الباب الزجاجي ويصرخ) جوزيف!
المشهد الثالث
فرجينـــي، القـديس أنطــوان، السيــد غــوستـاف وجوزيف
جوزيف (يظهر فوق السلم وهو يحمل بيديه طبقا كبيرا يتطاير منه البخار): سيدي؟
السيد غوستاف (ناظرا إلى الطبق): ما هذا؟
جوزيف:  الحجل الفاخر.
السيد غوستاف: حسنا! سلم الطبق إلى فرجيني، واقذف بهذا السكير إلى الخارج، وبسرعة..
جوزيف (وهو يناول فرجيني الطبق): حسنا سيدي (وهو يقترب من القديس) هيا يا صديقي. هل سمعت؟ ليس شرب الخمر بكل شيء. هيا، اخرج من هنا. لننسل من هنا بهدوء وإلا فحذار من أحطم وجهك؛ لأن قبضتي قوية. لست على أحسن ما يرام؟ انتظر، انتظر! افتحي الباب يا فرجيني..
السيد غوستاف: انتظر. سوف أذهب لأفتحها..
يفتح باب الشارع
جوزيف: حسنا. حسنا! هذا يكفي؛ لأنه لن يخرج في سيارة ( يشمر عن أكمامه ويبصق في راحتيه) سوف نرى ( يمسك بالقديس أنطوان بعنف لكي يقذف به دفعة واحدة إلى الشارع، لكنه لا يتمكن من زحزحته قيد أنملة. يبدو مبلبل الخاطر) سيدي؟
السيد غوستاف: ما الذي يحدث؟
جوزيف: لست أدري ما به. إنه متسمر ولا يمكنني تحريكه من موضعه.
السيد غوستاف: سوف أساعدك.
يحاولان زحزحة القديس الذي يظل ثابتا كالطود
السيد غوستاف (بصوت خافت): آه! إنه خطير؛ فلنأخذ حذرنا. إن له قوة خارقة للمألوف. لنحاول التعامل معه بهدوء. لعلك تفهم جيدا يا صديقي إننا نقوم اليوم بدفن عمتي المسكينة التي تستحق كل تقدير.
القديس أنطوان: أنا هنا لكي أحييها.
السيد غوستاف: لكنك تفهم جيدا أن الوقت ليس مناسبا؛ فالحجل الفاخر يبرد والمدعوون ينتظرون، ثم إننا لا نرغب في الضحك.
يظهر السيد آشيل عند مدخل الباب الزجاجي وهو يمسك منديلا
السيد أشيل: من هذا الشخص يا غوستاف؟ ما الذي يحدث؟ نحن في انتظار الحجل الثمين.
السيد غوستاف: الذي يحدث أن السيد لا يرغب في الانصراف.
السيد أشيل: هل هو سكران؟
السيد غوستاف: طبعا!
السيد أشيل: اقذف به إلى الخارج، ولننته من هذه المهزلة. لن نضيع غذاء لذيذا بسبب شخص سكران؟
السيد غوستاف: ليس ثمة من وسيلة.
السيد أشيل: ليس ثمة من وسيلة، كيف؟ آه! أرغب في أن أتأكد حقيقية.
السيد غوستاف: حاول بنفسك إن شئت.
السيد أشيل:  لن أشتبك مع أفاق من هذا النوع، لكن ثمة جوزيف المسكين.
السيد غوستاف: حاولنا دون جدوى، ولم يبق إلا أن نلجأ إلى العنف
يظهر مدعوون آخرون عند الباب الزجاجي، وكانوا جميعهم بأفواه مكتظة بالطعام ويمسكون بمناديل تحت أذرعهم أو حول أعناقهم
المشهد الخامس
الشخصيات نفسها وعدد من الضيوف
ضيف: ما الذي يحدث؟
آخر: ماذا تفعل يا غوستاف؟
آخر: ما الذي يريده هذا الرجل؟
آخر: من أين انبعث هذا؟
السيد غوستاف: إنه لا يرغب في الخروج، وقد ارتكبت فرجيني مجددا حماقة أخرى. ويكفي أن ترى فقيرا لكي تفقد اتزانها. والحق أنها مفرطة في الغباء؛ إذ سمحت لهذا المجنون الذي يرغب في رؤية العمة بزعم إحيائها بالدخول.
ضيف: ينبغي أن تخبر الشرطة. ابعث في طلب شرطيين..
السيد غوستاف: لا. لا. لا أريد أي حضور لأعوان الشرطة. ينبغي أن نتجنب الفضيحة خصوصا في هذا اليوم.
السيد أشيل: غوستاف؟
السيد غوستاف: ماذا؟
السيد أشيل: هل لاحظت وجود قطعتي رخام أو ثلاث متآكلات على اليسار هناك في أقصى الدهليز؟
السيد أشيل: أعرف ذلك. ليس الأمر بذي أهمية. إنني أفكر في استبدال الرخام بالفسيفساء.
السيد أشيل: سوف يكون الأمر أكثر إثارة للضحك.
السيد غوستاف: سوف يكون بالأحرى أكثر حداثة، أما ما يخص هذا الباب بستائره البيضاء، فإنني أفكر في واجهة زجاجية ترمز إلى القنص والصناعة والتقدم مع حواش تزينه وتمثل للفواكه والحجل..
السيد أشيل: إنني أرى ذلك فعلا..
السيد غوستاف: أما فيما يهم غرفة مكتبي (يشير إلى الغرفة على اليمين) فإنني أفكر في نقلها إلى هنا، وسوف أخصص الغرفة الواقعة في الجانب الآخر للموظفين.
السيد أشيل: متى تشرع في التنفيذ؟
السيد غوستاف:  أياما قليلة بعد المراسيم. لن يكون من المناسب أن أشرع من الغد.
السيد آشيل: نعم، لكن في انتظار ذلك، ينبغي التخلص من هذا الدخيل.
السيد غوستاف: إنه يتصرف كما لو أنه في منزله..
السيد أشيل (مخاطبا القديس أنطوان): هل ترغب في أريكة؟
القديس أنطوان (بسذاجة): لا. شكرا. لا أحس بأي تعب.
السيد أشيل: دع الأمر لي وسوف أقوم بما يلزم (يقترب من القديس أنطوان ليخاطبه بود): هه يا صديقي، من أنت؟
القديس أنطوان: أنا القديس أنطوان.
السيد أشيل: نعم. نعم. هذا مفهوم (مخاطبا الآخرين) إنه يتمسك بمزاعمه، لكنه ليس خبيثا (يلمح الراهب وسط المدعووين الذين يحيطون بالقديس أنطوان ويتفحصونه بفضول يرشح بالسخرية والحذر) لكن، هو ذا السيد الراهب الذي عرفك وجاء ليقوم بالواجب تجاهك. اقترب سيدي الراهب؛ فالقديسون اختصاصك بدون منازع، أما أنا، فأختص بالأحرى بالآلات الزراعية وأدوات الحرث. هذا مبعوث من السماء، القديس الأكبر أنطوان شخصيا الذي يرغب في الحديث معك (يخاطب الراهب بهمس) هذا شخص مجنون، وعلينا أن ندفعه بهدوء صوب الباب دون أن يفطن إلى مقصدنا، وما أن يحتويه الخارج حتى نلقي عليه بتحية المساء وننتهي من الأمر كله..
الشخصيات ذاتها، الراهب والمدعوون
الراهب (بنبرة أبوية): أيها القديس الكبير أنطوان. إن خادمك المتواضع يتمنى لك مقاما سعيدا فوق هذه الأرض التي تكرمتم بتشريفها بحضوركم المقدس. ما الذي ترغب فيه قداستكم؟
القديس أنطوان: أن أحيي الآنسة هورتنس..
الراهب: صحيح أن السيدة الطيبة ميتة وا أسفاه! لكن معجزة من هذا القبيل سهلة بالنسبة لأكبر قديسينا. لقد كان للفقيدة العزيزة تقدير خاص لكم. سوف أقودكم إلى حيث هي مسجاة، ولتتكرم قداستكم بأن تتبعني (يتجه نحو باب الشارع وهو يعينه للقديس أنطوان) من هنا..
القديس أنطوان: (مشيرا إلى الباب على اليمين): لا. الطريق من هنا.
الراهب: لتتكرم قداستكم بقبول اعتذاري لمعارضتكم؛ ذلك أن الجثمان بسبب التوافد الكثيف للزوار، قد وضع في المنزل المقابل الذي تعود ملكيته أيضا للفقيدة العزيزة.
القديس أنطوان: (مشيرا إلى الباب على اليمين): إنه هناك.
الراهب (برخاوة أكثر): لتتكرم قداستكم كي تقتنع بالعكس وأن تتبعني لحظة إلى الشارع، وسوف ترى الشمعدانات وستائر الحداد السوداء.
القديس أنطوان (مشيرا بوثوق إلى الباب على اليمين): سوف أدخل هناك.
مدعو: ليس الرجل سويا.
السيد غوستاف: إنه يبالغ بعض الشيء.
مدعو: لنفتح الباب ونلقي به جميعا إلى الخارج..
السيد غوستاف: لا أرغب في فضيحة؛ إذ قد يغضب وهو شخص خطير ذو قوة عاتية. وقد حاولت بمعية جوزيف ـولسنا ذوي بنيتين ضعيفتين ـ أن نحركه من موضعه، لكن دون جدوى. يبدو الأمر عجيبا، لكنه متسمر في الأرض..
السيد آشيل: لكن، من قال له إن الجثمان موجود هناك؟
السيد غوستاف: إنها مجددا فرجيني التي ما من شك في أنها ثرثرت دون حسيب أو رقيب..
فرجيني: أنا يا سيدي؟ ليس الأمر كذلك. كنت منهمكة في عملي، ولم أزد على أن قلت نعم. لا. أليس كذلك أيها القديس أنطوان؟ ( لا يجيب القديس) أجب،إذن، عندما نخاطبك بأدب..
القديس أنطوان (وهو دائم الامتثال): لم تخبرني بذلك.
فرجيني: هل رأيتم؟ إنه قديس، وكان يعلم مسبقا بكل شيء. أقول لكم إنه يعلم كل شيء.
السيد آشيل (مقتربا من القديس وهو يربت على كتفه): هيا أيها الشهم. تحرك. اللعنة!
المدعوون: هل سوف يخرج؟ ألن يخرج؟
السيد آشيل: لدي فكرة.
السيد غوستاف: ما هي؟
السيد آشيل: أين الطبيب؟
مدعو: ما زال حول المائدة؛ إذ لم يفرغ بعد من أكل السلمون..
السيد غوستاف: اذهبوا،إذن، وأحضروه (سوف نخبر الطبيب) هذا صحيح. إنه مجنون وهو الجدير بالتعامل معه..
يدخل الطبيب وفمه مكتظ بالطعام والمنديل تحت ذقنه..
الطبيب: من ؟ مجنون؟ مريض؟ سكران؟ (يرى القديس) إنه فقير مسكين ولا يسعنا فعل شيء. حسنا يا صديقي. ألست على ما يرام؟ هل ترغب في شيء؟
القديس أنطوان: أريد أن أحيي الآنسة هورتنس.
الطبيب: آه! جيد جدا. أفهم؛ فلست طبيبا. هل تسمح لي بأن أمسك بيدك؟ (يجس لوزتيه) ألا تشعر بألم؟
القديس أنطوان: لا.
الطبيب (يجس جبينه ورأسه) وهنا؟ ألا تحس بشيء حين أضغط بإصبعي؟
القديس أنطوان: لا.
الطبيب: هذا جيد. ألم تشعر أبدا بالدوار؟
القديس أنطوان: أبدا.
الطبيب: والأجداد، أليست ثمة حوادث مزعجة؟ لننظر هنا. جيد جدا. تنفس بعمق. أكثر. أكثر. هذا جيد. ما الذي ترغب فيه يا صديقي؟
القديس أنطوان: أرغب في الدخول إلى هذه الغرفة.
الطبيب: لماذا؟
القديس أنطوان: لكي أحيي الآنسة هورتنس.
الطبيب: إنها ليست هناك.
القديس أنطوان: إنها هناك، وأنا أراها.
السيد غوستاف:  لن يتراجع قيد أنملة.
السيد آشيل: ما رأيك لو حقنته بإبرة؟
الطبيب: لماذا؟
السيد آشيل: لكي تنيمه، وسوف نضعه بعدها في الشارع.
الطبيب: لا حماقات من فضلكم، ثم إن ذلك خطير.
السيد آشيل: هذا مؤسف. بيد أننا لسنا معنيين بذلك، ولسنا مجبرين على العناية بالمجانين والأفاكين والسكارى.
الطبيب: هل ترغب في سماع رأيي؟
السيد غوستاف: ها أنا مصغ إليك.
الطبيب: إننا نواجه مجنونا ذا أطوار عجيبة، لكنه مسالم بدون شك. غير أنه قد يتحول إلى شخص خطير إذا نحن أزعجناه. إنني أعرف هذا الصنف من البشر، وهذا الحديث سر بيننا. وهما يبدو من غرابة  هذا الاختيار، فإنه لا يتضمن أية إساءة للفقيدة العزيزة. وعليه، لا أرى من أجل تجنب الفضيحة أية غضاضة  باعتبار بساطة ما يطلبه في أن نأذن له بالدخول للحظات إلى الغرفة.
السيد غوستاف: لن يحدث ذلك ما حييت. كيف سيكون حالنا إذا تمكن أي وافد من أن يقتحم هكذا منزل عائلة نبيلة بذريعة عبثية تتمثل في إحياء ميتة لم تلحق به أي أذى..
الطبيب: على رسلكم؛ والخيار لكم أولا وآخرا. ثمة، من جهة، فضيحة مجسدة؛ لأنه ما من شيء سوف يحمله على العدول عن رغبته، وهناك، من جهة أخرى، تنازل بسيط لن يضيركم في شيء..
السيد آشيل: الطبيب على صواب.
الطبيب: ليس ثمة ما تخشونه، وأنا أتحمل المسؤولية كاملة. ثم إننا سوف سوف نكون حضورا وسوف ندخل صحبته.
السيد غوستاف: ليكن. ولننته من الأمر. بيد أنه لا ينبغي لأحد أن يحيط علما بهذه المغامرة السخيفة..
السيد آشيل: إن جواهر العمة موضوعة فوق المدفأة.
السيد غوستاف: أعرف ذلك، وسوف أكون حريصا.  لا أخفي عنك كوني غير واثق (مخاطبا القديس أنطوان) هيا. من هنا. ادخل، هيا. بسرعة أكثر؛ لأننا لم نتناول غذاءنا بعد..
يدخلون جميعا إلى الغرفة على اليمين متبوعين بالقديس أنطوان الذي تشتعل هالته بقوة
الفصل الثاني
صالون. في العمق سجي على سرير كبير جثمان الآنسة هورتنس. شمعدانان مشتعلان، غصن صنوبر إلخ.. على اليسار باب، على اليمين باب زجاجي ينفتح على الحديقة.
تدخل شخصيات الفصل السابق جميعها عبر الباب الواقع على اليسار متبوعين بالقديس أنطوان الذي يعين له السيد غوستاف موضع السرير..
المشهد الأول
السيد غوستاف، القديس أنطوان، فرجيني، السيد آشيل، مدعو، الطبيب، المرأة العجوز..
السيد غوستاف: هو ذا جثمان الفقيدة العزيزة. ها أنت ترى بأنها ميتة حقا. هل رضيت الآن؟ اتركنا الآن بسلام. لنختصر هذا الاختبار. قودي السيد عبر باب الحديقة.
القديس أنطوان: أستسمحكم ( يتقدم إلى وسط الغرفة ويتوقف عند حافة السرير، ثم يتوجه بالخطاب إلى الجثمان بصوت قوي وجهير) انهضي!
السيد غوستاف: انتظر، فهذا يكفي. ليست بنا قدرة على أن نتحمل كثيرا عبث شخص غريب بأنبل مشاعرنا. أستحلفك للمرة الأخيرة..
القديس أنطوان: أستسمحكم (يقترب أكثر من السرير وبصوت قوي وآمر) انهضي!
وأمام دهشة الجميع، أتت المرأة الميتة في البدء بحركة خفيفة. فتحت عينيها قليلا وفكت يديها ثم انتصبت ببطء  وسوت وضع طاقيتها وهي تنظر حولها بامتعاض واستياء ثم أخذت تفرك بهدوء لطخة شمع اكتشفتها لتوها فوق ياقة الثوب. ران للحظة صمت كثيف، ثم كانت فرجيني أول من انسلت من وسط الجمع ثم ركضت نحو السرير وقد أطارت الدهشة صوابها ثم ارتمت بين ذراعي المرأة العائدة إلى الحياة..
فرجيني: آنسة هورتنس! إنها حية. انظروا إليها وهي تفرك لطخة الشمع. إنها تبحث عن نظارتيها. ها هما. ها هما. القديس أنطوان. القديس أنطوان. معجزة! معجزة! اركعوا! اركعوا!
السيد غوستاف: مهلا. اخرسي. لا تتفوهي بحماقات؛ فليس الوقت مناسبا.
السيد أشيل: لا جدال فيما نراه. إنها تحيا.
مدعو: لكن هذا غير ممكن. ما الذي فعله؟ أي فعل أتاه؟
السيد غوستاف: هذا غير معقول. سوف تسقط مجددا.
السيد آشيل: لا.لا. أؤكد لكم. انظروا كيف تتطلع إلينا.
السيد غوستاف: ما أفتأ عاجزا عن التصديق. أي عالم نوجد فيه؟ لم تعد ثمة قوانين. ما رأيك أيها الطبيب؟
الطييب (متضايقا): رأيي؟ ماذا تريدني أن أقول؟ هذا لا يعنيني في شيء ولم تعد لي صلة بهذه القضية. هذا عبثي وشديد البساطة في آن. وإذا كانت تحيا؛ فهذا يعني أنها لم تمت، وهذا يحدث أحيانا. ليس في الأمر ما يدعو إلى الدهشة أو اعتباره معجزة. ومهما يكن، فأنا لست مسؤولا.
السيد غوستاف: لكنك قلت بنفسك إن..
الطبيب: قلت. قلت. أولا، لم أؤكد أي شيء، كما أود أن أثير انتباهكم  إلى أنني لست من قرر الوفاة، بل إنه كانت لدي شكوك جدية لم أرغب في أن أفضي بها إليكم لكي لا أمنحكم أملا مغلوطا. أما فيما عدا ذلك، فليس فيما حصل ما يثبت شيئا، ومن المحتمل جدا أن لا تعيش طويلا.
السيد أشيل: مهما يكن، فإنه ينبغي لنا أن نعود إلى البداهة السعيدة..
فرجيني: بلى. بلى. يلزمنا أن نصدق ذلك. لم يعد ثمة من شك. قلت لكم ذلك جيدا. إنه قديس كبير. انظروا إليها كيف تحيا. إنها يانعة كوردة.
السيد غوستاف (يقترب من السرير ويقبل المرأة التي عادت إلى الحياة): عمتي. عمتي العزيزة. أنت إذن!
السيد آشيل (يقترب بدوره): وأنا يا عمتي الطيبة. هل عرفتني؟ أنا آشيل، ابن أخيك آشيل..
امرأة عجوز: وأنا يا عمتي الصغيرة؟ أنا ابن أخيك ايونتين.
شابة صغيرة: وأنا يا عرابتي الغالية، هل عرفتني؟ أنا صغيرتك فالنتين التي أهديتها كل أدوات مطبخك الفضية..
السيد غوستاف: إنها تبتسم..
السيد آشيل: لا، بل يبدو عليها الاستياء..
السيد غوستاف: إنها تتذكرنا جميعا..
السيد آشيل (وهو ينظر إلى العمة وهي تفتح شفتيها وتحرك شفتيها): انتبهوا.. سوف تتكلم!
فرجيني: يا إلهي! لقد رأت الرب، وسوف تبوح لنا بمتع السماء. اركعوا! اركعوا!
السيد آشيل: اسمعوا! اسمعوا!
المشهد الثاني
الآنسة هورتنس، السيد غوستاف، القديس أنطوان، السيد آشيل، فرجيني، الطبيب، جوزيف..
الآنسة هورتنس: (بصوت حاد وغاضب، فيما كانت تنظر إلى القديس أنطوان وقد لاح الانزعاج والقرف على وجهها): من هذا الشخص؟ من سمح لهذا البائس بالدخول إلى غرفتي؟ لقد لطخ كل السجاجيد. إلى الباب. إلى الباب. تعلمين جيدا فرجيني إنني أمنع الفقراء من…
القديس أنطوان (رافعا يده بطريقة آمرة): صه!
توقفت العمة بكيفية مباغتة ولما تكمل عبارتها بعد، وظلت خرساء وعاجزة عن إصدار أي صوت.
السيد غوستاف (مخاطبا القديس أنطوان): ينبغي أن تعذرها؛ فلا علم لها بعد بما هي مدينة لك به.لكننا على علم بذلك. فما أتيته ليس في متناول الجميع. أن يكون صدفة أو شيئا آخر؛ فهذا أمر آخر. آه! لا علم لي بشيء، وما أعرفه في كل الأحوال إنني سعيد جدا وفخور بأن أشد على يدك..
القديس أنطوان: أرغب في الانصراف. عندي مهمة.
السيد غوستاف: آه! لا من فضلك. ليس بهذه الطريقة. لن تخرج من هنا خلو اليدين. لا علم لي بما سوف تعطيك إياه عمتي؛ فهذا شأنها، ولن أتصرف باسمها. أما فيما يخصنا، فسوف أستشير صهري. وأن يكون ما حدث مصادفة أو شيئا آخر؛ فإننا سوف ندفع ثمن هذه المصادفة دون مناقشة، ولن تشعر بالندم على ما أتيت. أليس كذلك يا آشيل؟
السيد آشيل: على العكس. أنا على يقين من أنك لن تندم..
السيد غوستاف: لا نتمتع بثراء شديد؛ فلدينا وفرة من البنين والبنات، لكننا نعرف كيف نقر بالفضل لأهله.. ينبغي أن تعترف ـ على الأقل حفاظا على شرف العائلة ـ بأنه لا قدرة لنا على القول إن غريبا أو مجهولا وإن يكن فقيرا قد أسدى لنا صنيعا دون أن يستحق مكافأة تراعي مواردنا التي أكرر أنها محدودة، وأن لا نتأخر في الوفاء بها. آه! أعرف أن صنيعك من النوع الذي يعلو على أية مكافأة. لمن تقول ذلك؟ أعرف، فلا تقاطعني، لكن ذلك ليس ذريعة كي لا نفعل شيئا. ما الذي تريده؟ وما تقديرك لمستحقاتك؟ لن تسألنا جبالا؛ لأننا لا نستطيع ذلك.
السيد آشيل: صهري على صواب. لكن في انتظار حصول اتفاق بيننا، لدي اقتراح لن يلزمك في شيء، وهو أن نجمع بعض المال، ويمكنك أن تطلب ما تستحقه بسرعة..
القديس أنطوان: أرغب في الانصراف لارتباطي بمهمة في مكان آخر.
السيد غوستاف:مهمة في مكان آخر؟ أية مهمة يمكنها أن تشغلك؟ لا. هذا غير ممكن ولائق. ما الذي سوف يقوله الناس عنا إذا سمعوا بأننا تركنا من أعاد إلينا فقيدتنا العزيزة يذهب هكذا؟ إذا كنت لا ترغب في شيء، وأنا أفهم لباقتك وأقر بها، فلا أقل من أن ترضينا بقبول تذكار صغير. أوه! ليس شيئا ذا بال، لا تخش شيئا: علبة سيجار، دبوس لربطة العنق، أو غليونا مصنوعا من زبد البحر ننقش عليه جميعا اسمك وعنوانك وتاريخ ميلادك..
القديس أنطوان: لا. شكرا، لا أستطيع أن..
السيد غوستاف: أأنت جاد؟
القديس أنطوان: أكثر مما تتصور..
السيد آشيل (وهو يخرج علبة سيجاره): على أية حال، سوف يكون من دواعي سرورنا أن ندخن معا سيجارا. هذا رجاء لن يسعك رفضه..
القديس أنطوان: شكرا، لكنني لا أدخن..
السيد غوستاف: هذا محبط. ما الذي تريده، إذن؟ ينبغي أن تكون لك رغبة ما. يكفي أن تتكلم؛ لأن كل ما في المنزل ملك لك. وكل ما فيه ملك يمينك، وليس في مستطاعنا أن نقول أفضل مما قلناه أو على الأقل ما يسعنا قوله بأمانة. غير أنك تسيء إلينا بانصرافك بهذه الطريقة..
السيد آشيل: اسمعوا! لدي فكرة أعتقد أنها جيدة. حيث إن السيد يرفض قبول أي شيء، وأنا أفهم شأن صهري لباقته ونقر بها جميعا؛ لأن الحياة لا تقدر بثمن. وبما أنه أفصح عن لا مبالاة جعلته عديلا لنا، فإنني أتساءل لم لا يشاطرنا الجلوس حول المائدة وينهي معنا غذاء قطعه بمصادفة سعيدة… ما رأيكم؟
غمغمة مؤيدة
السيد غوستاف: هو ذا الرأي السديد الذي يرضي الجميع. كان ينبغي لنا أن نفكر فيه (مخاطبا القديس أنطوان) ما رأيك؟ يكفي أن نتراص قليلا لكي نرتب لك مكانا صغيرا. مكان الشرف! لقد انتظر الحجل طويلا ولا بد أنه قد برد، لكن لا يهم؛ فشهيتنا طيبة. اتفقنا، ولن تكون ثمة طقوس؛ فنحن أناس طيبون وغير تياهين كما ترى..
القديس أنطوان: لا بكل تأكيد. اسمحوا لي، ولا أستطيع بكل أسف. إنهم ينتظرونني..
السيد غوستاف: لن ترفض دعوتنا، ثم من الذي ينتظرك؟
القديس أنطوان: ميت آخر..
السيد غوستاف: ميت! ميت آخر! لن يحدث ذلك. آمل أن لا تؤثر علينا ميتا. تتخلى عنا من أجل ميت!
السيد آشيل: لا. إنني أدرك مقصوده. لعلك تفضل ربما النزول إلى المطبخ. سوف تشعر ربما هناك براحة أكبر.
السيد غوستاف: يمكنه أن يعاود الصعود لتناول القهوة.
السيد أشيل: هه! إنه غير ممتنع، ويبدو أنه يؤثر هذا الاقتراح. إنني أفهم. فرجيني! اتركي سيدتك؛ فلم تعد بحاجة إلى خدماتك ورافقي السيد وعرفيه على فضائك الصغير. سوف يأكل من كل الأصناف، هه! أعتقد أنكما لن تتضايقا من بعضكما البعض (يقترب من القديس ويربت على كتفه وبطنه بمودة) أحسنت الإدراك، أليس كذلك؟ اذهب أيها العجوز الماكر! آه، يا لك من عجوز ماكر!
فرجيني (بارتياع): سيدي؟
السيد غوستاف: ما الذي يحدث؟
فرجيني: لا علم لي بما يحدث، لكن الآنسة فقدت القدرة على الكلام..
السيد غوستاف: كيف؟ هل فقدت القدرة على الكلام؟
فرجيني: لا يا سيدي. انظر. إنها تفتح فمها وتحرك شفتيها وتشير بيديها، لكن، لم يعد لها صوت..
السيد غوستاف: ما الذي يحدث لك يا عمتي؟ هل ترغبين في أن تقولي شيئا؟ (تشير دلالة الإيجاب) ولا تستطيعين؟ هيا! ابذلي بعض الجهد؛ فليس الأمر سوى شلل عارض. ما بك؟ ما الذي ترغبين فيه؟ (مخاطبا القديس أنطوان) ما قولك فيما يحدث؟
القديس أنطوان: لن تتكلم أبدا.
السيد غوستاف: لن تتكلم أبدا؟ لكنها تكلمت منذ فترة وجيزة وقد سمعتها بأذنيك، بل إنها قالت لك أشياء غير مستحبة..
القديس أنطوان: كان ذلك نسيانا من جانبي.. لن يسمع لها صوت بعد الآن..
السيد غوستاف: ألا يمكنك أن تعيده لها؟
القديس أنطوان: لا.
السيد غوستاف: ومتى يعود لها صوتها؟
القديس أنطوان: لن يعود مطلقا..
السيد غوستاف: كيف؟ هل ستبقى خرساء إلى آخر أيامها؟
القديس أنطوان: نعم.
السيد غوستاف: لماذا؟
القديس أنطوان: لقد رأت أسرارا عجيبة لا يسعها البوح بها.
السيد غوستاف: أسرار! أية أسرار؟
القديس أنطوان: أسرار من عالم الأموات.
السيد غوستاف: من عالم الأموات؟ ما هاته المزحة الجديدة؟ ماذا تظننا؟ لا يا صغيري، لن تجري الأمور هكذا! لقد تكلمت، وقد سمعناها وكلنا شهود على ذلك. لقد منعتها من الكلام بخبث ولغرض بدأت أتلمسه الآن. سوف تعيد إليها صوتها في التو واللحظة وإلا..
السيد أشيل:  لم يكن من الضروري أن تعيد إليها الحياة لكي تتركها وهي بهاته الحالة..
السيد غوستاف: إذا لم تكن قادرا على أن تعيدها لنا كاملة كما كانت قبل تدخلك الصفيق، فما كان يحق لك أن تقحم نفسك..
السيد أشيل: هذا فعل سيء..
السيد غوستاف: وخيانة للثقة..
السيد أشيل: خيانة للثقة. هذا هو الصواب، ولن نغفر لك..
السيد غوستاف: لعلك تأمل أن تبتزنا..
السيد أشيل: من الذي رجاك أن تأتي؟ من المحزن أن أقول ذلك، لكنني كنت أفضل أن أراها ميتة على أن أجدها في هذه الحالة. هذا سلوك مفرط في القسوة والإيلام بالنسبة لمن يحبونها. لا يحق لك أن تأتي هكذا بذريعة المعجزة كي تزعج أناسا لم يلحقوا بك أي أذى، وتزرع المصيبة. آه! كننا سوف نرى من سوف يضحك في النهاية..
الطبيب: اسمحوا لي.. الهدوء من فضلكم.. لقد أساء هذا الرجل التصرف بكيفية لا تقبل الجدل، لكن لا يسعنا مؤاخذته؛ إذ من المحتمل أنه غير مسؤول (يقترب من القديس أنطوان) دعني أفحص عينيك أيها الصديق. جيد، هذا ما كنت أعلمه. لم أتدخل حين كان الجميع يشكره بحرارة على معجزة بعث الحياة لكي لا أبدو كالمتطفل على ما لا يعنيني. كنت أعلم بحقيقة ما يحدث، وها أنتم ترون مثلي أنها لم تكن ميتة. ليس في الأمر ما هو فوق طبيعي أو سر عجيب، والحكاية ببساطة أن هذا الشخص يمتلك قوة عصبية عجيبة، وأنه يبالغ في استخدامها لكي يتيح لنفسه مزحات قد تكون هامة، لكنها غير ملائمة للظرف العصيب الذي نوجد فيه. لقد جاء في الوقت المناسب، وهذا كل ما في الأمر. ومن المحتمل جدا إن لم يكن موجودا هنا أن أكون أنا أو أي واحد منكم السبب في حدوه هذه المعجزة ما دمنا نعني بها…
السيد غوستاف: ما الذي ينبغي علينا أن نعمله؟
الطبيب: أن نمنعه من الإزعاج بأن نضعه في موضع آمن؛ لأنه شخص خطير..
السيد غوستاف: هذا صحيح، وقد حان الوقت لكي ننتهي من هذه المهزلة. لقد ضقت ذرعا بها (يرفع صوته بالنداء) جوزيف!
جوزيف: سيدي؟
السيد غوستاف: اركض إلى مقر الشرطة في أقصى الشارع وأحضر معك شرطيين واحرص على أن يحملا معهما الأصفاد. يتعلق الأمر بشخص خطير وقادر على فعل أي شيء، وقد برهن على ذلك جيدا.
جوزيف: حاضر سيدي..
يخرج راكضا
القديس أنطوان: أطلب منكم الإذن بالانسحاب..
السيد غوستاف: نعم يا عزيزي. تظاهر بالغباء؛ فالوقت مناسب. نعم، سوف تتمكن من الانسحاب، وسوف تكون مشفوعا بموكب رائع وموقر.. انتظر!
السيد آشيل: نعم يا صديقي، لن تشعر بأي ضيق، وسوف تواصل مزحاتك الصغيرة والإفصاح عن طاقاتك في مكان أكثر روعة وليس أقل تميزا ويدعى مقر المخفر. هل تعلم ما يعنيه ممر التبغ؟
القديس أنطوان: التبغ. لا، شكرا، لكنني لا أدخن مطلقا…
السيد أشيل: حسنا
 سوف تعلم. والآن، إليك هذه النصيحة. حين يأتي هؤلاء السادة الذين سوف يشرفونك بمرافقتك.. أعتقد أنني أسمع وقع خطواتهم الخفيفة والمنسجمة.. لقد وصلوا!
المشهد الثالث
يدخل جوزيف وفي أثره مفتش وعون شرطة..
مفتش الشرطة (مشيرا إلى القديس أنطوان): هل هذا هو الشخص الغريب الذي ارتكب الجريمة؟
السيد غوستاف: تماما..
مفتش الشرطة (واضعا يده على القديس أنطوان):  أوراق هويتك؟
القديس أنطوان: أية أوراق؟
مفتش الشرطة: أليست عندك أوراق؟ كنت متأكدا من ذلك.. ما اسمك؟
القديس أنطوان: القديس أنطوان..
مفتش الشرطة: قديس ماذا؟ القديس أنطوان؟ ليس هذا باسم شخص مسيحي. أريد الآخر، الحقيقي..
القديس أنطوان (برقة شديدة): ليس عندي اسم آخر..
مفتش الشرطة: لنكن مؤدبين، أليس كذلك؟ أين سرقت ثوب النوم هذا؟
القديس أنطوان: لم أسرقه. إنه ملكي..
مفتش الشرطة: أنا الذي أكذب، إذن؟ هكذا، أليس كذلك؟ قل ولا تنزعج..
القديس أنطوان: لا أعرف. أعتقد ربما أنك مخطئ..
مفتش الشرطة: إنني أسجل وقاحاتك الجسورة. من أين أنت؟
القديس أنطوان: من بادو..
مفتش الشرطة: بادو؟ ما هذا؟ أين توجد؟ وفي أية شعبة؟
القديس أنطوان، في إيطاليا..
مفتش الشرطة: أعرف، لكنني أتجاهل لكي أحمله على الكلام. آه! أنت إيطالي؟ كنت أشك في ذلك. من أين أتيت؟
القديس أنطوان: من الجنة..
مفتش الشرطة:  أية جنة؟ أين يوجد إذن الأشرار فوق هاته الأرض؟
القديس أنطوان: إنها المكان الذي تصعد إليه الأرواح المخلصة بعد الممات؟
مفتش الشرطة: آه! جيد جدا. إنني أفهم؛ فالسيد يتخابث ويعبث بي. وبعد الوقاحات، يأتي السيد ليمارس الروحانيات. حسنا. قضيتك واضحة ولن تأخذ كثيرا من الوقت. وبعد، هل لك أن تحيطنا بما لا نعلمه؟ ما الذي سرقته؟
السيد غوستاف: أن يكون قد سرق، فهذا ما لا جرأة لي بعد على تأكيده، ولا وقت لي لكي أقوم بالجرد، كما أنني لا أحب أن أتسرع في الاتهام، وينبغي للمرء قبل كل شيء أن يتسمت العدل. غير أن ما فعله أكثر جسامة..
مفتش الشرطة: كنت متأكدا..
السيد غوستاف: هل تعلم بالمصيبة التي ألمت بنا؟ بينما كنا نبكي فقيدتنا الغالية وننهي طعام الغداء انسل هذا الرجل إلى منزلنا بذريعة ما ولمقاصد لا تخفى على اللبيب. وقد استغل ببساطة الخادمة وسذاجتها لكي تفتح له باب الغرفة حيث كان يسجى الجثمان. كان يأمل بداهة استغلال الفوضى والألم الناتجين عن المصيبة لكي يصطاد في الماء العكر وينجز عملية رابحة. ربما عرف بوساطة شريك له بأن مجوهرات العمة وأوانيها الفضية مرصوصة فوق المدفأة. ومن سوء حظه أن العمة لم تكن ميتة، وحين رؤيتها بغتة لهذا الشخص ذي السحنة السيئة داخل غرفتها، استيقظت وشرعت في الصراخ عليه بحدة وشجاعة. ولكي ينتقم لخيبته، عمد ولست أدري كيف، لأن الطبيب هو من سيتكلف بالشرح، إلى إفقادها القدرة على الكلام. وهو يرفض رغم إلحاحنا في الرجاء أن يعيده إليها، وذلك في محاولة طبيعية للابتزاز. لاحظ أنني لا أتهم وإنما أستنتج فقط. أما فيما يخص البقية فعليك بسؤال الطبيب..
الطبيب: سوف أقدم بين يدي عميد الشرطة كل التفسيرات الضرورية، وسوف أكتب تقريرا إذا رغبتم في ذلك..
السيد أشيل: أود أن أقرر في انتظار ذلك أن ليس ثمة من خطأ. فالرجل محتال وشرير أو مجنون، وربما كان الاثنين في آن، وهو في كل الأحوال شخص خطير ينبغي الزج به في مكان آمن..
مفتش الشرطة: هذا مسلم به، وسوف نخلصكم من كل هذا. رابوفو؟
الشرطي: حاضر أيها المفتش..
مفتش الشرطة: الأصفاد؟
السيد غوستاف: أيها السادة، لقد تجشمتم الكثير من العناء برحابة صدر، وسيكون من بالغ سرورنا أن تتفضلوا قبل مغادرتكم بمشاركتنا تناول كأس من الشراب..
مفتش الشرطة: لا يتعلق الأمر بأي رفض، أليس كذلك يا رابوفو؟ خصوصا وأن رجلنا ليس متساهلا..
السيد غوستاف: جوزيف.. أحضر قنينة وكؤوسا (يخرج جوزيف) سوف نفرغ كؤوسنا في وقت واحد متمنين الشفاء لعمتي..
مفتش الشرطة: لا أرى بأسا إذا لبثنا معكم بعض الوقت..
السيد غوستاف: أما زالت السماء تمطر؟
مفتش الشرطة: طوفان! لم أعد أن عبرت الشارع، لكن انظر معطفي..
الشرطي: لا نعرف إن كان الماء أو الثلج، لكن يقينا إنه الأسوأ..
يدخل جوزيف حاملا صينية ويوزع الكؤوس تباعا على الحاضرين..
مفتش الشرطة (يرفع كأسه): سيداتي سادتي، نخبكم!
السيد غوستاف (يقرع كأسه بكأس المفتش): نخبك! (يقرع الجميع كؤوسهم بكأس المفتش) مرة أخرى؟
مفتش الشرطة: بكل امتنان (يتلمظ) إنه شراب لذيذ!
القديس أنطوان: أنا ظمآن.. أرغب في كأس ماء..
مفتش الشرطة (مقهقها): كأس ماء؟ غير معقول. هل تسمعون هذا العصفور؟ سوف يكون لك ما تريد، فانتظر يا صغيري إلى أن نخرج، وسوف تتلقاه في فمك ساخنا. هيا. كفانا تلكؤا. رابوفو، إلي بالأصفاد، وأنت مد يديك..
القديس أنطوان: لكنني لم..
مفتش الشرطة: هه! أتتعمد مجددا الاحتجاج والاعتراض؟ لم يكن ينقصنا غير هذا.. جميعهم سواء
يسمع قرع جرس البوابة
السيد غوستاف: قرع الجرس (يخرج جوزيف لكي يفتح) كم الساعة؟ من الممكن أن يكون الضيوف قد بدأوا في التوافد..
السيد أشيل: لم يحن الوقت بعد؛ فالساعة لم تتجاوز الثالثة..
يدخل عميد الشرطة
المشهد الرابع
الشخصيات ذاتها، عميد الشرطة..
السيد أشيل: انظروا. إنه السيد ميترو عميد الشرطة..
عميد الشرطة: سيداتي، سادتي. أسعدتم صباحا. لقد علمت (يلمح القديس أنطوان) لكن كانت عندي شكوك قوية. إنه القديس أنطوان ذاته، قديس بادو الكبير..
السيد غوستاف: أنت،إذن، تعرفه..
عميد الشرطة: لا أعرف غيره. وهي المرة الثالثة التي يهرب فيها من دار العجزة. أنتم لا تعرفون (يحرك إصبعه أمام صدغه) يبدو أنه كان طوال حياته منوما مغناطيسيا ذا شأن. وهو يكرر العمليات ذاتها في كل مرة يهرب فيها؛ فهو يداوي المرضى ويزيل الحدبات ويمارس الطب بطريقة غير شرعية وإجمالا كما من الأفعال التي يحرمها القانون (يقترب من القديس أنطوان ويفحصه بدقة) نهم. إنه هو إلا إذا… بيد أنه تغير كثيرا منذ هروبه الأخير. وإذا لم يكن هو، فينبغي أن يكون شقيقا له. ثمة شيء هنا لا يبدو لي واضحا.. سوف نرى ذلك في مخفر الشرطة. لنذهب؛ فأنا في عجلة من أمري. لنذهب بسرعة يا أبنائي. إلى المخفر، هيا، إلى المخفر!
السيد غوستاف: لنخرجه من هنا عبر باب الحديقة حتى لا نلفت الأنظار..
تفتح الباب التي تفضي إلى الحديقة لتنسل عاصفة من المطر والثلج والريح..
السيد أشيل: يا له من طقس سيء! المطر والثلج والريح..
يسحب القديس أنطوان نحو الباب
فرجيني (مهرولة): لكن يا سيدي.. الرجل المسكين. انظر، إنه حافي القدمين..
السيد غوستاف: وماذا بعد؟ قد نكون ملزمين ربما بأن نحضر له عربة أو حصانا؟
فرجيني: لا, سوف أعيره حذائي. خذه أيها القديس أنطوان؛ فأنا أملك زوجا آخر..
القديس أنطوان (ينتعل الحذاء): شكرا..
تومض هالته
فرجيني: ولا تعتمر أي شيء؟  سوف تصاب بنزلة برد..
القديس أنطوان: لا أملك شيئا..
فرجيني: خذ شالي الصغير وسوف أذهب لأحضر مطريتي..
تخرج راكضة..
السيد أشيل: العجوز الحمقاء..
السيد غوستاف: أنت على حق. لكن، ثمة برد قارس يتسرب من خلل الباب. هيا، لنذهب إلى مخفر الشرطة ولننته من هذه المهزلة..
فرجيني (تعود حاملة مطرية كبيرة أعطتها للقديس أنطوان) هذه مطريتي..
القديس أنطوان (يبرز يديه): لقد قيدوا يدي..
فرجيني: سوف أحملها عوضا عنك..
تفتح المطرية عند عتبة الباب لتحمي من المطر القديس أنطوان الذي يخرج محاطا بشرطيين ومتبوعا بعميد الشرطة. تتألق هالته تحت المطرية ويتجه الجميع وسط الثلج المتراكم في الحديقة..
السيد غوستاف (وهو يغلق الباب):  وأخيرا!
السيد أشيل: أوف! لم يحدث ذلك مبكرا. لقد كان حقا شخصا مزعجا..
السيد غوستاف (يقترب من السرير): حسنا عمتي؟ كيف حالك؟
السيد أشيل: ما بها؟ إنها تنهار..
الطبيب (يسرع نحوها): لا أعرف. أعتقد فعلا..
السيد غوستاف (وهو يشرئب نحوها): عمتي؟ عمتي؟ ما الخبر؟
الطبيب: إنها النهاية هذه المرة. أخبرتكم بذلك بالفعل..
السيد غوستاف: لكن، هذا غير ممكن!
السيد أشيل: لكن أيها الطبيب. انظر،إذن. أليس هناك ما يمكنك فعله؟
الطبيب: لا شيء للأسف!
ران صمت عميق تجمعوا خلاله حول السرير
السيد غوستاف (وكان السباق إلى استعادة برودة دمه): يا له من يوم!
السيد أشيل: اسمعوا العاصفة..
السيد غوستاف: الأمر سواء.. كنا قساة إلى حد ما حيال هذا العجوز المسكين. ومهما يكن، فهو لم يلحق بنا أي أذى..                 
 
موريس مايترلينك     ترجمة: عبد المنعم الشنتوف
كاتب ومترجم مغربي مقيم في بلجيكا

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …