صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

معركة الجزائر

اعتبر فيلم «معركة الجزائر» من قِبل طائفة من أبرز النقاد فيلماً وثائقياً قوياً جداً، يجسد المواجهة الشعبية ضد القوى المحتلة. إنه فيلم كلما يراه المشاهد يشعر أنه تعبير صادق طازج عن تجربة نضال شعب. إنه فيلم سياسي رفيع المستوى عن نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. وقد حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1966.اعتبر فيلم «معركة الجزائر» من قِبل طائفة من أبرز النقاد فيلماً وثائقياً قوياً جداً، يجسد المواجهة الشعبية ضد القوى المحتلة. إنه فيلم كلما يراه المشاهد يشعر أنه تعبير صادق طازج عن تجربة نضال شعب. إنه فيلم سياسي رفيع المستوى عن نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. وقد حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1966.صُور الفيلم بمعظمه بطريقة العودة إلى الوراء، (Flash Back) وقُدم وكأنه ذكريات علي لابوانت (ابراهيم حجاج) أحد قياديي جبهة التحرير الذي اعتقل أخيراً من قِبل الفرنسيين عام 1957. قبل ثلاث سنوات كان علي لصاً انضم إلى المنظمة السرية حتى يساعد في تخليص القصبة من الشرور المرتبطة بالحكومة الكولونيالية. الفيلم يتابع نضال الثائرين والخطوات الشديدة التي مارستها الحكومة الفرنسية لتقاوم ما أصبح سريعاً ثورة وطنية عارمة. بعد العودة إلى الوراء يقتل علي، آخر قيادات الجبهة، ويتحول الفيلم للتركيز على نقطة أخرى تقود إلى اعلان استقلال الجزائر في 1962.يبقى فيلم بونتيكورفو حتى اليوم انتصاراً لقيم الانتاج الواقعي. فالفيلم صور في مواقعه في الجزائر واستخدمت المواقع الحقيقية في الحي الأوروبي والقصبة التي حمت (جبهة التحرير). الفيلم أعاد بناء الحقيقة المقنعة وهو لا يتضمن أي جزء وثائقي أو إخباري خلال ساعتي العرض. كل شيء صُور تصويراً حياً حتى مشاهد الاضطرابات حيث يقابل البوليس المتظاهرين المدنيين.أحدث فيلم «معركة الجزائر» في فرنسا خلافات سياسية كان من شأنها أن منع عرض الفيلم لمدة خمس سنوات. الموضوع كان مثيراً للخلاف بسبب تعدد وجهات النظر حول إلى أي جانب انحاز الفيلم. شعر العديدون في فرنسا أن الفيلم كان متعاطفاً مع وجهة النظر الجزائرية وربما كان هذا سبب عدم عرضه لفترة طويلة. قال: «بونتيكورفو الجزائريون لم يضعوا أية عراقيل في طريقنا، لأنهم كانوا يعلمون أنني سأعمل بشكل أو بآخر فيلماً موضوعياً حول القضية.»السلطات الفرنسية التي كانت حساسة تجاه القضية الجزائرية منعت عرض الفيلم ثلاثة أشهر، كما منعت تهديدات الجماعات الفاشية عرضه لمدة اربع سنوات، رغم محاولة بونتيكورفو أن يصنع فيلماً محايداً سياسياً.1. فيلا مركز قيادة. داخلي. ليلاً  داخل فيلا ثلاثة أدوار بنيت حديثاً، حيطانها بيضاء ناصعة. بئر مصعد خالٍ واسلاكه الغليظة متدليه.  يتألف كل طابق من شقتين. أبوابهما الأمامية مفتوحة.  يملأ الجير أرض القاعات وغبار الجير على زجاج النوافذ، وتتدلى اللمبات الكهربائية العارية من الأسلاك الكهربائية. وبالكاد تحتوى الغرف على أي فرش.  ما زالت المطابخ بدون بلاعات أو سخانات.  حركة مضطربة مستعجلة ونشطة، إيقاع فعال. يتحرك المظليون ذهاباً وإياباً من أسفل السلم إلى اعلاه والعكس. يمرون بالقاعات يدخلون الغرف ويخرجون منها. الأصوات في الخلفيه غير واضحة.  أوامر بصوت مرتفع، صراخ، عويل.  صرخات، تعليقات نصف متفوه بها، ضحكات.  في مكان ما يدور ميكرفون بأعلى صوته.  المشهد موتّر. لا توقّف.  عندما يتعب المظليون، يتحركون نحو غرفة أخرى.  يجلسون ويتمددون على الأرض يشربون القهوة او البيرة ويشربون السجائر وهم ينتظرون الدورة الثانية. فجأة يضطرب إيقاع هذا الروتين وتوقيت هذه الصور. احد المظليين يركض إلى اسفل مسرعًا ويسأل بابتهاج وهو يركض:  مارك: الكولونيل. اين الكولونيل؟  مظلي: ماذا؟ ما الذي يحدث؟  مارك: عرفنا مكان علي لابوانت. احدهم «تكلم» …  صوته يرسل صدى عبر الممرات وعلى الفسحات من طابق إلى آخر. الحماس ينتشر كالعدوى. ويتجمع العديدون حول باب المطبخ.  الجزائري الذي «تكلم» موجود هناك. إنه صغير ذو وجه رفيع وعينان محمومتان. المظليون كلهم حوله: يساعدونه لكي يقف، يجففونه وينظفون وجهه بخرقه، يعطونه بعض القهوة بغطاء ترموس.   كلهم انتباه ومعنيون بالقضية إلى أبعد الحدود. يحاول أحدهم أن يدفع الآخرين.  المظلي: تعالوا، دعوه يتنفس!  في هذه الأثناء آخرون يصلون ويسألون إذا كان الأمر حقيقيا.  مظلي آخر: إذاً هو تكلم؟ هل يعرف حقاً أين مكان علي؟  مارك: يبدو كذلك. سنذهب ونرى. اعطه قليلاً من القهوه.  مارك طويل وجاف، عيناه شابتان ومرحتان. أحد الآخرين يسأله بشيء من الاعجاب:  مظلي: اسمع يا مارك، أنت جعلته يتكلم؟  مارك (مبتسمًا) بالتأكيد.  ثم بعد ذلك يأخذ في التدخين مرة ثانية ويتحرك جانباً ليستريح قليلاً. يحاول الجزائري الشرب ولكن يدايه ترتجفان. احدهما يساعده ويمسك له غطاء الترموس، ويقربه من فمه:  لاغلوي: تعال يا صادق .. اشرب ستشعر بتحسن.  يشرب الجزائري، ولكن معدته لا تتقبله فينحني ويتقيأه مرة ثانية.  يدخل الكولونيل ماسو، انيقاً ورشيقاً.  ماسو (مبتسمًا) على مهل. هل هذا صحيح؟  مارك: اعتقد كذلك. شارع عبدراميس رقم ثلاثة …  يستدير الكولونيل نحو المظلي، الذي ذهب لاستدعائه، والذي يحمل في يديه زوجاً من ثياب التخفيّ.  ماسو: ألبسه.  ثم يذهب بقرب الجزائري، يرفع ذقنه، يتفحصه برهة من الزمان باهتمام.  ماسو: إرفع ذقنك، لقد انتهى الأمر. لن يحدث لك شيء الآن، سترى. هل تستطيع الوقوف؟  يهز الجزائري رأسه موافقًا. يستدير الكولونيل نحو المظليين الذين يمسكون به.  ماسو: دعه يذهب.  يأخذ ثياب التخفي ويسلمها للجزائري.  ماثو: هاك، ألبسها.  يأخذ الجزائري الثياب بشكل أوتوماتيكي ولكنه لا يفهم.  يشرح له الكولونيل.  ماسو: نحن نحاول مساعدتك. نحن ذاهبون إلى القصبة. فإذا ما لبست هكذا. فلن يعرفوك. هل فهمت؟ سوف نذهب لنرى المكان، عندئذ ستصبح حراً … وتحت حمايتنا …  يرتجف الجزائري من البرد. انه عار تماماً. يحاول بعناء لبس الثوب الكبير عليه.  ماسو: تابع. اعطه الطاقية.  اعطوه حزاماً واسعًا واقفلوه. المظليان الآخران، واحد على كل ناحية منه يرفع أكمامه حتى المرفق. واحد ثالث يضع الكاب على رأسه ويثبته.  لاغلوي: تأمم!  يستدير الكولونيل نحوه بغضب:  ماسو: لا تكن غبياً يا لاغلوي!  الجزائري مستعداً. ينظر المظليون إليه وقد كتموا ضحكاتهم.   يرتجف الجزائري، نفسه قصير وعيناه تتلألآن وهو يبكي.  القائد: دعنا نذهب.  ينظر الجزائري حوله. يتنفس بعمق. ثم، فجأة، وبدون توقع ينفجر بصرخة مكتومة:  صادق: كلا!  ويحاول أن يهتز إلى الأمام باتجاه النافذة.  يوقفه مارك فوراً، ويمسك صدره بيده اليمنى يكاد يرفعه ويصفعه بيده اليسرى صفعتين سريعتين، خفيفتين.  مارك (محاولاً اقناعه) ماذا تظن انك فاعلاً ايها المجنون؟  هل تريدنا ان نبدأ مرة ثانية؟ تعالى، كن جيداً. لا تجعلني ابدو غبياً امام الآخرين.  يشير إلى الكولونيل اشارة الواثق من نفسه. ثم يأخذ الجزائري من ذراعه، ويتحركان إلى الأمام.  2. في شوارع الجزائر. خارجي. فجراً. 7 اكتوبر 1957  المدينة رمادية وبيضاء عند البحر الذي يبدو كالحليب. الفجر يحدد تقاطيعها بحدة.  الشوارع العادية والواسعة المشجرة في المنطقة الأوروبية خاليه. سكون، إلى أن نسمع هدير الموتورات التدريجي.  شاحنة بعد الأخرى. بأنوارها المضاءة وعليها وهج معتم لا فائدة منه في مثل هذا الوقت.  يتبع خط من الشاحنات بعضه البعض عند واجهة البحر، وكلها بنفس السرعة. يتوجهون إلى اليمين ثم إلى أعلى، إلى محلة الحكومة. هنا، وبدون توقف، ينقسم الخط إلى قسمين. يدخل كل من الخطين أحد الطريقين المؤديين إلى أعلى ليحيطا بالقصبة.  تبدو القصبة بالكامل حجرا جيريا تحت الضوء الأكثر شعاعًا.  تحاط بها المدينة الأوروبية، تقف على ارتفاع أعلى وتشرف عليها شرفات كالفسيفساء وارصفة بيضاء موشاة باللون الأسود الذي تنثره هنا وهناك الحواري الضيقه. قفزة واحدة من شرفة لأخرى… رشيقة وصامتة، يقفز المظليون واحداً بعد الآخر من الشاحنات بسرعة.   – صوت الشاحنات   يرتبون أنفسهم ترتيبًا هندسياً وحركتهم متزامنة معها.  يتفرقون ويختفون بين الحارات. ثم يعاودون الظهور معاً، ثم يعاودون الافتراق.  يجتمعون دون ان ينظرو الى بعضهم البعض، كل منهم يأخذ طريقه الخاص. بطريقة متماثلة دون اي صوت، انهم في الأعلى حتى على الشرفات هم في كمال هندسي. وحتى وهم فوق هنا، يغلق المظليون قبضهم…   3. في شارع عبدالرامس. ساحة أحد المنازل. داخلي/ خارجي. فجراً.  هنالك مظليً كل ثلاث ياردات، بشكل متساوٍ على اربع زوايا التقاطع.  انهم ايضًا في الشوارع الجانبية كما في الشوارع الرئيسية. وايضاً في الأعلى تحت السماء يظهر العديد من المظليين.  رقم ثلاثة. بابه بارتفاع قامة رجل. تقف سرية من الجنود الجاهزين بنصف دائرة يحملون رشاشات جاهزة للإنطلاق.   يتابع مارك إمساكه بالجزائري من ذراعيه.  ينظر القائد إلى ساعته. ثم ينظر إلى اعلى نحو الشرفة ويرسل إشارة.  بصوت منخفض ودون أن يستدير يكلم المظلي الواقف وراءه.  الكابتن: اطلق النار…  المظلي الواقف عند الباب الأمامي وساقاه منفرجتان ورشاشه معلق بجانبه يصوبه نحو القفل.- الرشاش يطلق النار.  يحرك اسطوانة الرشاش باتجاه دائري.  يقذف الباقون أنفسهم فوراً بعنف نحو الباب.  في نفس الوقت فإن باب الشرفه يكسر ارضا ويندفع المظليون نحو المنزل السفلي.  الساحة الداخلية على شكل مربع. في الوسط هنالك بئر؛ واعلاه قطعة من السماء؛ وعلى الأطراف الأربعة ممر مقنطر، وأعمدة وأقواس مايوركا.  وتحت الشرفات المسقوفة هنالك باب لكل مسكن وفوقه شرفة لها درابزين وابواب أخرى. الأبواب جميعها مفتوحة. وبسرعة يقوم المظليون بتطبيق ما أمروا به.- الأوامر، مقتضبه وقصيرة.  تعود الناس على كل هذا ويعرفون كيف يطيعون. يأخذ المشهد مكانه وكأنه مناورة مجهز لها، كتمرين عليها.  تخلى الغرف خلال ثوان معدودة، يتجمع الناس مع بعضهم في الساحة.- العيون متسعة من الرعب  رجال ونساء وأولاد تلفهم البطانيات والملايات حول أكتافهم.  لقد قارب النهار على البزوغ. ضوء ناعم ينتشر من أعلى.  يسير الجزائري مطأطأ الرأس مارك على احد جانبيه والقائد على الجانب الآخر. يتسلقون نحو الطابق الأول ويسيرون على الشرفة.  يقف الجزائري عند أحد الأبواب  يتمتم القائد بلطف:  القائد: هنا؟  يهز الجزائري رأسه موافقاً. يدخلان.  4. غرفة علي. الداخل. فجراً  الغرفة سيئة الإضاءة. هنالك فرشة على الأرض وأخرى على المائدة وخزانة حائط وبعض الكراسي لا شيء آخر. وفي خلفية الغرفة يساراً هنالك ستارة تقسم الغرفة معلقة بوتر بارتفاع متوسط. الستارة منسدلة ونرى سريراً نحاسياً كبيراً. يشير الجزائري إلى ذلك الاتجاه.  يشير القائد له بأن يذهب إلى هناك.  يذهبان إلى الأمام بصمت ويزيحان الستارة. هنالك لمبه صغيره للإضاءة تحت رف مغطى بالبطاقات البريدية والصور. الأرضية المحيطة تتجاوز الثلاثة أقدام طولاً وهي مغطاه بالأجر المايوركا.  يشير الرجل الجزائري إلى نقطة في هيكل الآجر في الخلفية بين جانب السرير الخلفي وإحدى زوايا الغرفة.  يجهز مارك والقائد رشاشاتهم. يذهب القائد مقترباً من الحائط فتخرج انفاسه ويبدآ بفحصها.  يمر بسبابته على الحائط أفقياً، بين صف من الأجر وآخر.  يضرب الآجرّ بأماكن مختلفة حتى يسمع صوت الجص في الفواصل وهو يتفتت. ينظر إلى ما تبقى من الجص في ظفره. يضغطه في رؤوس أصابعه؛ إنه طري، موضوع حديثاً. ثم ينحني ويضع أذنه إلى الحائط ويسمع.- فجأة يبتسم.  5. مكان اختفاء علي. الداخل.  لا يوجد هواء كافٍ في مكان الاختباء. على الأربعة أن يتنفسوا بعمق. وفي تلك الفسحة الصغيرة ترسل الأنفاس صدى كالرذاذ.  يثبت علي لابوانت عيناه على المربع في الحائط الذي يقفل مكان الاختباء. عيناه واسعتان، سوداوان منحنيتان وأجفانه ثقيله، منخفضة قليلاً، لدرجة ان سواد البؤبؤ يظهر أسود مما هو في الظلال واكثر عمقاً واكثر غضباً.  عمر الصغير معه، صبي في العاشرة ومحمود ابن الثامنة عشرة. كذلك هناك حسيبة، فتاة من القبائل، شقراء، عيناها زرقاوان وبشرتها بيضاء.  مكان الاختباء بعلو خمسة أقدام فقط، وبالكاد يستوعبهم. إنهم يجلسون او يتمددون على الأرض، بمحاذاة بعضهم البعض.  مدخل مكان الاختباء مغلق بقطعة من نفس مادة الحائط تتناسب مع باقي الأجزاء. مثبّتة في مكانها بلوح يدخل في دائرة حديدية معلقة في المركز. وعلى الجانب الآخر من الزنزانة فوقهم هنالك فتحة للهواء.  إنهم في حالة من التوتر ولا يتحركون من مكانهم. شفاههم جافة مفتوحة نصف فتحه، وصدورهم ترتفع وتنخفض بمحاولات صعبه للتنفس.  الكابتن (بعيداً) علي لابوانت …. المنزل محاصر.  ليس امامك أية فرصة. استسلم. دع الطفل والفتاة يخرجان، ثم انت والشخص الآخر. اترك سلاحك في الداخل. من العبث ان تحاول شيئاً. الرشاشات جاهزة للانطلاق … لن يكون لديك وقت. هل تفهم؟  وجه علي لا يتحرك ولم يغيّر تعبيره.  الكابتن (بعيداً)  علي، هل تسمعني؟ اسمع! انت آخر واحد. الجبهة انتهت. جميع رفاقك إما امواتًا أو في السجن. اخرج ستكون لك محاكمة عادلة. اخرج. استسلم.   صوت خطوات، اصوات أخرى، مرحه، مشوشة.  اصوات المظليين:  لماذا يتنفسون بانفاس ثقيلة؟  خوف …   هواء …  ليس لديهم هواء كافيًة في الداخل …  ثم صوت الكابتن، واضحاً وبعيد قليلاً:  كابتن (بعيداً) احزم امرك يا علي؟ هل تريدنا أن نقفل الحائط عليك، او أنك تفضل ان ننسفك إلى أشلاء؟…  على أي حال. فكل شيء سيكون سيئاً لك.  ما زال تعبير علي شديداً؛ تحديقه ما زال مظلماً وغاضباً.  6 – مشاهد من القصبة. خارجي. نهاراً. نوفمبر 1، 1954.  القصبة: كثافة بشرية، تتجمع في الحواري والأزقة وعلى الأدراج وفي المقاهي، في الحمامات العربية، في الجوامع، وفي الأسواق؛ تشابك من الأصوات، الإشارات، الوجوه، نساء منقبات، عيون.  واحد يضع اعلانًا وآخر يوزعه.  المنادي: «جبهة التحرير الوطنيه! ايها الاخوة الجزائريون! آن الأوان لأن نكسر قيود الذل التي قيدنا بها الاستعمار الكولونيالي لمائة وثلاثين سنة. لحظة النضال آتيه .. هدفنا .. الاستقلال الوطني …»7 – مشاهد من المدينة الأوروبية. خارجي. نهاراً  المدينة الأوروبية: خرسانة مدعّمة، اسفلت، فولاذ، أضواء واجهات محلات، بنايات، سيارات. نغمة ثابتة من القدرة على الفعل، موسيقى، حرارة اللقاء، مشهيات.  منادي: «حتى نتفادى صراعاً مميتا وخلافات دموية، نتقدم ببرنامج مشرّف من الحوار للسلطات الفرنسية بشرط ان يلاحظوا حق شعبنا بالحكم الذاتي…»  والجزائريون الذين يعملون في المدينة الأوروبية، عمال السفن عمال المقاهي، منظفي الشوارع، عمال حقول وعمال حدائق.  المتكلم: «أيها الجزائريون اتحدو! استعدو للتحرك! جبهة التحرير الوطنية تدعوكم للنضال».  ايها العاطلون عن العمل، البائعون الجواليون، الشحاذون، ماسحي الأحذية …  8. لعبة الثلاث ورقات في الشارع. خارجي. نهاراً.  زوج من الأيدي يتحرك؛ واحدة فوق الأخرى، يتقاطعان بسرعة هائله، في نفس الوقت، انهما يحركان ثلاث قطع خشبيه تظهر وكأنها متطابقه. حركات الأيدي تتحدد بنوع من الأنشودة الرتيبة الجزائرية.  بين الفترة والأخرى تقلب قطع الخشب للحظة من الزمن بحيث تظهر الناحية الأخرى. أيد قوية، ثابتة، سميكه رشيقه بشكل غير عادي نسبة لحجمها، يدا علي لابوانت، اصغر في ذلك الوقت، عمره اربعة وعشرون عاماً.  حي اوروبي في الجزائر. ذهاب وإياب الناس، سيارات تسير. وعلى الممر الجانبي مجموعة قليلة من الأوروبيين معهما صبيان جزائريان.  بعض الماره الآخرين يتوقفون رغبة في المشاهدة.  يتجمع الجميع حول النضد حيث يمارس علي لابوانت لعبته.  تحملق العيون المسحورة جميعها على قطع الخشب. تتحرك يدي علي وكأنها كائن لوحدها.  نظرته دائماً غاضبة قليلاً، مضطربة بوضوح، غير عابئه بشيء.  تمر من وجه لآخر ومن ثم إلى الشارع، من جهة لأخرى.  وعلى بعد خمسين ياردة رجل بوليس. اثنان أوروبيان رجل وامرأة يخاطبانه بطريقة استفزازيه ويدفعانه إلى الأمام وهما يشير الى علي.  المرأة: انظر! نعم، هذا هو!  لم يعد علي يغني وتوقفت يداه عن الحركة.  تسمع صفارة بوليس.  يشق علي طريقه بيديه بين الجموع.  ثم ينطلق راكضًا.  ويبدا البوليس بملاحقته راكضًا.  9. شارع. هروب علي. خارجي. نهاراً.  ينحدر الطريق. يهرب علي يتبعه رجل البوليس. يناور احد المارين بخفة. يكسب موقع أرض. ولكن يسمع من مكان قريب … صفارات وايضاً امامه.  رجلان آخران من البوليس؛ هما ايضًا يركضان.  هنالك تقاطع. وعلى الزاوية قهوة.  موسيقى مرحة  يتكئ شباب اوروبيون على نافذة حانوت يتوقفون عن الثرثرة وينظرون.  يصل علي إلى الزاوية، يقطع الشارع، يمر بالقرب من البار. هنالك شاب أشقر، حوالي الثامنة عشرة من العمر، يبدو انه تلميذ، يمد قدمه إلى الأمام، ويدفع بأحد الكراسي أمامه. يتعثر علي ويقع.  يحاول الصبي الضحك وفي نفس الوقت يتحرك إلى الخلف. علي ملقى ووجهه إلى أسفل، ولكن فجأة يدير رأسه باتجاه الشاب ويحدّق به. ثم يرفع رأسه بذراعيه. ويستدير لينظر إلى الخلف. يبعد البوليس الآن عشرين يارده عنه.  ينهض علي على قدميه. يتردد لأقل من ثانية. يقذف بنفسه على الشاب، الرأس أولاً. ومستخدماً رأسه ينطح علي وجه الشاب ليصيب أنفه ويرش الدماء في كل اتجاه.   لا يستطيع الشاب الصراخ. يفتح فمه محاولاً، ولكن النتيجة هي صوت غرغرة ودماء. يتدخل رفاقه.  يُحاصر علي. يصل البوليس. مجموعة من الناس تقفز على علي ترفسه، وتضربه بقبضاتها كما تشاء.  اخيراً يساعد البوليس علي ويفرق الجموع.  الآن علي مقيّد بالأغلال ويؤخذ بعيدًا.  حضر المزيد من الناس. انهم يصرخون ويرسلون الشتائم والبصاق على علي.  يسير علي في منتصفهم محمياً من البوليس. لا يهتم بالضربات الأولى، والصرخات والبصاق، ولكنه يبدو وكأنه لا يرى ولا يسمع، وكأنه قد استسلم لخسارة المعركة هذه المرة، وأخذ يجهز للانتظار بصبر لفرصة أخرى أفضل.  يسير بخطىً ثابتة. وجهه خالٍ من العاطفة، بيضاوي، داكن اللون. شعره أسود متموج، جبهته منخفضة واسعه، عيناه واسعتان منخفضتان بأجفان متهدله، فمه ثابت ومتكبّر.  المتكلم: عمر علي، المعروف بـ «علي لابوانت» ولد في ميليانا 1 مارس، 1930.  التعليم: امي  العمل: عامل يدوي، مزارع يدوي، ملاكم، وحاليا بلا عمل.  اتهاماته السابقة: 1942 .. محكمة اوران جوفينيل، سجنه في الإصلاحية بسبب التخريب المتعمد.  1944 .. سنتان في الإصلاحية بسبب السرقه.  1949 .. محكمة الجزائر، ثمانية أشهر من اجل ممارسة الدعارة ومقاومة القبض عليه، يسيء للآخرين بشكل دائم.  10. باريس 1955. خارجي. نهاراً.  الهواء صافٍ كمثل طقس الربيع. تقف سيارة ستروان للنقل ماركة 4CV . امام مخازن مبنى وزارة الداخلية. الباب الخلفي مفتوحاً والمحرك شغال ورجل بوليس يقف عند عجل السيارة. يخرج عاملان بملابس العمال من المخازن.  كل واحد منهما يحمل صندوقًا ويضعه داخل الشاحنة، الصندوقان مصنوعان من الخشب الجاف وكلاهما مستطيلان. كل واحد منهما طوله ثماني بوصات؛ وارتفاعهما بارده وياردتان على التوالي.  يجلس العاملان داخل الشاحنة عند المؤخرة. ووجهاهما متجهان نحو الداخل. اقدامهما متدلية تكاد تلمس الأرض.  تدفعهم الحركة المرتجه للشاحنة وهي تتحرك إلى الضحك.  شوارع باريس. الربيع. فتيات بأثواب رقيقة تلتصق باجسادهن. يناديهن العاملان، يصفران، يلوحان بحركات مختلفه، ثم يتحركان بعيداً.  مطار أورلي تقف الشاحنة أمام مخزن كبير. يقفز العاملان إلى الأرض، يضعان الصناديق على اكتافهما ويدخلان إلى المخزن.  تتحرك الصناديق على حامل منحدر متحرك. على كل منها يقول: جمهورية فرنسا. وزارة الداخلية.  الجهة المقصودة: سجن برباروس. الجزائر.  11. الجزائر. سجن برباروس. خارجي. صباحاً  يقع سجن برباروس في ضواحي القصبة العليا. انه قلعة قديمه محاطة بحيطان كثيفة مرتفعة. تكاد لا تظهر إذا ما قورنت بالمبنى المركزي الذي يطغى عليها.  يغطي كل البناء الجير الأبيض مثل باقي بيوت القصبة. اعمدة الشبابيك فقط مغطاة باللون الأسود.  تفتح البوابة. تدخل باحة السجن سيارة جيب مغطاة. ووضع داخل الجيب الصندوقان المرسلان من باريس.  الصباح الباكر. السماء زرقاء باهتة. في باحة السجن يفتح العمال الصندوقان ويجمعان أجزاء المقصلة. من الممكن رؤيتها من نوافذ غرف السجن المواجهة للساحة، تظهر وجوه بعض المساجين بين أعمدة الشبابيك. يختفي العمال. ولا يبقى سوى البديل المؤقت لشكل المقصلة يظهر وقد استطال شكلها الدقيق.  12. غرفة السجن. داخلي. صباحاً.  في احدى الغرف هنالك عشرون سجيناً، الغرفة واسعة؛ هنالك شباكان مرتفعان تكادان تصلان إلى السقف.  يقف أحد المساجين على وعاء البول، وينظر إلى الخارج عبر الشباك المغلق بالأعمده.. على الأرض هنالك بعض البسط التي تستعمل كمكان للنوم. لا شيء آخر.  يجلس على الأرض حوالي عشرة سجناء كمجموعة يتكلمون همساً. يتكلمون بحركة الشفاه همساً.  يلعب اثنان منهما ببعض الحجارة على رقعة شطرنج رسمت على الأوساخ؛ الآخرون يتكلمون مع بعضهم البعض. يقرأ واحد كتاب ميكي ماوس الفكاهي ويضحك لنفسه. ولكنهم جميعاً يتميزون بالمظهر والتصرفات من الباقين الذين يشكلون الأكثرية. هؤلاء الرجال المنفردون يختلفون بطريقة ما، انهم ليسوا جانحين اعتياديين.  علي لابونت لوحده مبتعداً عن الآخرين، يجلس ارضاً، كتفاه مسنودتان غلى الحائط، ركبتاه مرفوعتان. حافياً. وعلى كاحله الشمالي مباشرة فوق قدمه دق وشم بكلمتين مطبوعتين Tai Toi (اقفل فمك). قميصه غير مزرر وعلى صدره اوشمه أخرى بأشكال غريبه.  ينظر علي إلى المجموعة ويبدو انه يستمع إلى كلماتهم المهموسة. دون تفكير تعبيره قليل الكلام، متحفظ وغير مبالٍ.  يستدير علي نحو السجين الواقف على الشباك.  السجين الواقف على النافذة: انظر إليهم.  يقفز علي على قدميه. الجميع يتجهون نحو الشباكين.   يتحرك علي بعيداً اثنين ياردة بخطى سريعة، ثم يركض باتجاه الشباك، ويمسك الأعمدة بكلتا يديه، ويرفع نفسه إلى أعلى نحوه.  يستدير الرجل المحكوم عليه وينظر إلى أعلى باتجاه الشباك. يبدو انه يبتسم بالرغم من أن وجهه لا يتحرك. وبصوت رقيق، يخاطب هذه الوجوه التي تظهر خلف القضبان.  الرجل المحكوم عليه: تحيا الجزائر!  يردد المساجين السياسيون الجملة ويعيدون تردادها تاركين وقتاً لخطوات المحكوم عليه.  المساجين السياسيون: تحيا الجزائر.13. ساحة السجن. خارجي. صباحاً  يسير المحكوم عليه باتجاه المقصلة يرافقه الحراس ورجل دين يقرأ القرآن. وهناك ايضاً من سينفذ الحكم يلبس ثياباً سوداء. يحاول منفذ الحكم أن يتظاهر بعدم الاكتراث. يتلو الشيخ صلواته. كل المراسم تبدو مرتجلة وسريعة.   الوصول للنهاية سريع.  صلوات  ينحني المحكوم عليه. يضع المنفذ رقبة المحكوم عليه في مكانها الصحيح ويحكم موقعها، يدير رأسه قليلاً، ثم يدفع جسده إلى الأمام. ويطلق الآلة. يسقط النصل، يتدحرج الرأس. لم يعد هنالك جوقه. لا أحد يغني.  بقيت عينا علي بلا حراك.  ثم من الأعلى، بينما يحمل الجسد المقطوع بعيداً في سلة، وبينما يغادر الشيخ والحراس والضابط وبينما يفك العمال، المقصلة، تسمع من شرفات القصبة فجأة زغاريد النساء كثيفة مثل غناء العصافير، حادة، نحاسيه، غاضبة.  النساء: زغرده «جو – جو»  14. مربع صغير. القصبة. خارجي. نهاراً. يناير 1956  السماء تمطر. تتراكض المياه في القنوات على الممرات الضيقه.   تحولت البيوت البيضاء إلى رمادي اسفنجي، يلعب اولاد القصبة ويتراشقون بالوحل. اولاد ضعاف البنية انصاف عراة، أولاد منتفخو البطون مقصوصو الشعر بسبب الإلتهابات. تناديهم امهاتهم بلا جدوى، يتابعون الركض واللعب والتمرغ بالوحل، بمرح يائس.  نداءات. اصوات. صراخ  كان عمر الصغير آنذاك في العاشرة من عمره. انه نحيل القامة يلبس بنطالاً طويلاً وسترة تبدو كبيرة الحجم عليه، ممزقة وكأنها سترة مهرج. هادئ ومستوعب بافكاره، يمرّ بين الأولاد الآخرين فلا يلاحظهم ولا يلاحظ لعبهم.  مربّع صغير على أرض مرتفعة. في منتصفها، نبع ماء، وعلى الجهة المرتفعة من المربع، في احدى الزوايا. هنالك جامع.  صوت موسيقى كنسية  يقف ساكناً على أسفل السلالم جزائري يرتدي عباءة بيضاء، لا يظهر منها سوى عينيه، يمر أناس آخرون من أمامه. يستدير الجزائري إلى ناحية واحدة حتى لا يراه أحد. يسير عمر الصغير نحوه ويقترب من ظهره. يستدير الجزائري، إنه علي لابوانت. يخاطب الصبي بلهجة صبوره لطيفة:  علي: اذهب !  عمر الصغير: للرجال وجهان: واحد يضحك وواحد يبكي …  ينظر علي نحوه غير مصدق ويسأل:  علي: وهم ارسلوك!  يدخل الولد يده تحت سترته الصوفية عند صدره.  عمر الصغير» طبعاً، وهل في هذا خطأ ما؟  يأخذ عمر ورقه مطوية إلى أربع ويناولها إلى علي.  عمر الصغير: خذها. كل شيء مكتوب هنا.  يستدير ويأخذ في الجري.  علي: انتظر!  يتوقف عمر عن الجري ويستدير نحو علي.  علي: تعالى إلى هنا…. تعالى.  يعود عمر على آثار خطواته. يذهب علي ليقابله.  علي: (بطريقة جافه) هل تستطيع القراءة؟  عمر الصغير: طبعاً …  يعيد علي له الورقة.  علي: اقرأها.  عمر الصغير: هنا؟  يستدير علي وينظر حوله. يقرفص على أكعابه حتى يصل إلى ارتفاع عمر.  علي: هنا.  ما زالت تمطر رذاذاً. يفتح عمر الورقه ويبدأ في قراءتها.  15. شارع راندوم. قهوة ود جيري. خارجي/داخلي نهاراً.  في اليوم التالي وعند الساعة الخامسة بعد الظهر في شارع راندوم. الشارع واسع بالنسبة للشوارع الأخرى في المنطقة العربية وفي مثل هذه الساعة فهو مزدحم بالناس، هنالك جزائريون يرتدون ثيابهم التقليدية والآخرون يلبسون ثياباً أوروبيه. خلفية صاخبة مليئة بالضوضاء….  ناس يتكلمون، اصوات، كلمات … كلها مخلوطة معاً.  نساء محجبات بنظرات حاده. نساء صامتات وكأنهن يطفون بين الجموع، ولا يمكن لمسهن.  مقهى عربي مليء بالزبائن على الموائد والبار. وعبر نافذة الدكان الواسعة نرى الداخل مليئا بالدخان والبخار. تقع القهوة في شارع راندوم، رقم 40.  عمر (بعيداً) هنالك مقهى عربي في شارع راندوم رقم 40.  اسم صاحبها مدجبري. إنه مخبر بوليس…   يقف مد جبري خلف آلة المحاسبة، يبتسم، مشغول جداً.   انه يلبس ثوباً تقليدياً. إنه واضح للرؤيا عبر شباك الحانوت. فوق رؤوس الزبائن.  ومن احد الممرات قرب القهوة هنالك ساعة معلقة من لوحة اعلان امام المحل. انها الساعة الخامسة. رجل بوليس فرنسي يدخل القهوة.  عمر (بعيداً) كل يوم عند الساعة الخامسة يأتي بوليس فرنسي ليراه. يقف بضع دقائق ليأخذ معلومات متذرعاً بشرب قدح من الشاي. عليك ان تقتل رجل البوليس هذا …  علي (بعيداً) ليس مدجبري؟  يبتعد مدجبري على آله التسجيل، ما زال يقف خلف البار، حيث يجلس رجل البوليس. يحييه، ويعطيه قدحاً من الشاي.  عمر (بعيداً) كلا. انها تقول رجل البوليس.  يتكئ رجل البوليس إلى البار. انه طويل القامة أجشّ الصوت يلبس ثوباً رثاً وعلى كتفيه معطف، يتدلى إلى الخلف قليلاً.   والآن ترشف شفتاه الغليظتان شاي النعناع الحارق.  علي: (بعيداً) حسناً …  امام الساعة الضخمه وإشارة الدكان تقف فتاة رفيعة القوام، محجبة، عيناها ثاقبتان على خلاف شكل جسدها الجامد الحركة. ذراعاها مرفوعتان لتشكلا قوساً، ويداها تدعمان حواف سلة كبيرة تتوازن على رأسها.  عمر (بعيداً) عند الزاوية امام الساعة الكبيرة تماماً ستكون هنالك فتاة تحمل سلة. وعندما يخرج البوليس ستتبعانه معاً. في اللحظة المناسبة ستعطيك مسدساً. ما عليك إلا أن تطلق النار … بسرعة وفي الخلف.  الآن انتهى رجل البوليس من شرب شايه. يعطي اشارة الدفع. يرفض مدجبري المال وهو يبتسم ويقول مع السلامة.  يقترب علي من الفتاة. يتبادلان النظرات. تضع الفتاة سلتها المليئة بالذرة وتتركها بجانبها.  تتحرك ببطء نحو القهوة. يسير علي إلى جانبها يخرج رجل البوليس من المقهى. يندفع بوقاحة نحو الداخلين إلى المقهى. يشق طريقه على الممر الجانبي ويتحرك بعيداً أكثر يوازن جسده الثقيل عند كل خطوة.  يبعد علي والفتاة عنه بياردة تقريباً. يتبعانه متدافعين مع الآخرين الكثر المزدحمين على الممر الجانبي.  عندئذ تدخل الفتاة يدها إلى داخل الذرة. وبثانية تضع المسدس في يد علي اليمنى. يحمل تحت عباءته   يبعد ظهر رجل البوليس شبراً عنه علي لا يطلق النار، يتحرك إلى الأمام لكي يمر من جانب رجل البوليس. تنظر الفتاة نحوه مضطربة وتحاول إرجاعه إلى الخلف. تهز رأسها وكأنها تريد الكلام.  يبتسم علي لها. وبعيناه بريق قاسٍ.  يسير بضع خطوات متجاوزاً رجل البوليس. فجأة يستدير علي، يرفع يده وكأنه يحاول شق طريقه، ثم يمد يده وهو يصوب المسدس.  يتوقف رجل البوليس، عيناه تتسعان خوفاً.  وبشكل غريزي يرفع ذراعاه ويفتح كفاهما. الخوف يشلّه.   ينظر علي حوله. العديد من الناس يتحركون بسرعة، ولكن آخرون يقفون ثابتين بشكل دائري يراقبون المشهد مذهولين، علي يخاطبهم جميعاً، بصوت عالٍ. عيناه تلمعان.  علي: لا تتحركوا ! انظروا إليه. انت لا تعطي اية اوامر الآن! يداك إلى أعلى، ايه! هل ترونه، أيها الإخوة؟ اسيادنا ليسوا مميزين، هل هم كذلك؟  صوت طقة معدنية حادة. يحاول علي مرة ثانية يضغط على الزناد مرة ثانية.  طقطقات متعدده المسدس فارغاً  يدير علي ماسورة المسدس؛ إنها فارغة.  ينزل رجل البوليس يديه ببطء. تندفع يده اليمنى نحو جراب المسدس.  يستعد علي للقفز، يرمي المسدس بعيداً، ويبدأ في التحرك إلى الأمام.  يدفع البوليس ارضاً حيث أنه أخذ بالمفاجأة وسقط إلى الخلف، يبتعد الجموع بسرعه. يبدأ علي يرمي نفسه على رجل البوليس الملق أرضاً، ولكنه يتوقف في منتصف الطريق.  تدور في رأسه فكرة تكبحه عن المضي فيما يفعله. يستدير فيرى الفتاة التي التقطت المسدس واخفته ثانية في سلتها. ثم تتحرك بسرعة بعيداً.  يبدأ علي بالسباب غاضباً ثم، يرفس رجل البوليس مرتين في رأسه. ويركض وراء الفتاة.  يصل إليها، يلتقط كتفها بوحشية فتصرخ.  علي (هامساً) عكروته! … عاهرة!  تناضل الفتاة لتخلص نفسها من قبضته. في نفس الوقت يسمعون خلفهم …   صفارات بوليس  تسارع الفتاة خطواتها.  16. زقاق جانبي وباب أمامي. خارجي / داخلي غروب الشمس.  تصل الفتاة عند شارع جانبي، تدخله، وتنطلق راكضة.   مرة ثانية علي بجانبها، ولكن فجأة تدخل الفتاة باب أمامي.  تنحني، تضع السلة أرضاً، تخرج المسدس، وتخبئه في صدرها تحت شالها. تنهض ثانية وتترك السلة. يسد علي طريقها.  علي: اخبريني ماذا وراء هذه النكتة.  تحاول الفتاة الدفع نحول الباب متجاوزة إياه.  جميلة: دعنا نتحرك الآن وإلا فسيلتقطونا.  يلتقطها علي من ذراعها، يهزها ويصرخ غير مسيطر على نفسه.  علي: إريد ان اعرف من الذي ارسل لي تلك الرسالة. وما اسمه؟  جميلة: إنه ينتظرك!  علي: أين؟  جميلة: نحن ذاهبون إلى هناك … إذا لم تتسبب في اعتقالنا قبل ذلك.  تشير الفتاة برأسها نحو الشارع حيث يمر رجلي بوليس بسرعة يسير علي إلى الخلف نحو ظل الممر. يستعيد سيطرته على أعصابه يفك عباءته ويتركها تسقط على السلة. إنه يلبس ثياباً أوروبيه بنطالأً وبلوزة صوفيه.  علي (يدفعها إلى الأمام) تحركي … تابعي إلى الأمام. سألحق بك.   تنظر الفتاة إلى الخارج، ثم تخرج. يتبعها علي بضع خطوات خلفها.   الآن اصبح وقت الغسق.  17. شرفة. منزل قادر. خارجي. ليلاً  ليلة مضيئة بالنجوم. اضواء قليلة تظهر في شبابيك القصبة. في الخلفية، هنالك النيون المنتصر للمدينة الأوروبية، البحر، السفن الراسية، الأشعة المتلألئة من الفنار. يستدير قادر برشاقه، ويذهب ليجلس إلى حائط الشرفة.  قادر: كان من الممكن أن تكون جاسوسًا. كان علينا ان نضعك تحت الاختبار.  ينظر علي إليه بسكون.  علي: بمسدس غير محشو؟  قادر: سوف أشرح.  قادر اكبر من علي ببضع سنوات ولكنه ليس بمثل طوله. إنه رفيع ولكنه مفتول العضلات. وجهه مثلث الشكل، ارستقراطي، شفتاه رقيقتان، عيناه تشتعلان حقداً ولكن في نفس الوقت خادعتان. يتابع الكلام بنبرة هادئة تحمل نوعاً من السخرية.  قادر: لنفترض أنك جاسوس، في السجن، وعندما تتصل بك جبهة التحرير الوطنية، سوف تتظاهر بأنك تدعم الثورة، ومن ثم سوف يساعدك الفرنسيون على الهروب …   علي: حتما. بأن يرمونني بالنار.  قادر: حتى هذه قد تكون حيلة. سوف تهرب ثم تظهر في العنوان الذي اعطاه لك الإخوة في السجن، وهكذا سوف تتمكن من الاتصال بي…   علي: انا حتى لا اعرف اسمك حتى الآن …  قادر: اسمي قادر، علي … سقاري قادر …   وبكلام آخر، حتى تنضم إلى المنظمة، عليك ان تمر بامتحان. كان من الممكن أن أقول لك اقتل رجل البار، ولكنه جزائري … وسيسمح لك البوليس بقتله، حتى لو كان من رجالهم.  بإطاعتك لمثل هذا الأمر، كان من الممكن ان تكون عميلاً مزدوجاً. ولذلك قلت لك ان تقتل رجل البوليس الفرنسي: لأن الفرنسيين لن يسمحوا لك ان تفعل ذلك. فإذا كنت مع البوليس فلن تفعل هذا.  يتبع علي منطق قادر بشيء من الجدية وقد اذهله هذا المنطق، ولكن ليس كل شيء واضحً حتى الآن.  علي: ولكنني لم اطلق النار عليه.  قادر: (يبتسم) لم تكن قادراً على ذلك. ولكن المهم أنك حاولت.  علي: المهم بالنسبة لي هو انك تركتني اقامر بحياتي مقابل لا شيء.  قادر: تعالى … انك تبالغ. الأوامر كانت ان تطلق النار عليه من الخلف.  علي: انا لا افعل مثل هذا الشيء.  قادر: غذا لا تشتكي.  علي: حتى الآن لم تخبرني لماذا لم تدعني اقتله.  قادر: لأننا لسنا جاهزين الآن لمجابهة الفرنسيين.  قبل الهجوم عليهم، يجب ان تكون لدينا اماكن آمنه من حيث ننطلق ونجد ملاذاً. طبعاً لدينا القصبة. ولكن حتى القصبة ليست آمنه بعد. هنالك العديد من السكارى، مروجي المخدرات، العاهرات، المدمنين، الجواسيس، الثرثارين الناس الجاهزين لبيع انفسهم، المترددين. فإما ان نقنعهم او نخرجهم. يجب ان نفكر بأنفسنا أولاً. يجب ان ننظف القصبة اولاً. هل سنستطيع التعامل مع الفرنسيين.  هل تفهم يا علي؟  علي لا يجيب.  ينزل قادر من على الحائط وينظر إلى القصبة. ينظر علي ايضاً نحو القصبة وقد غمره الظلام.  علي: وكم نحن؟  قادر: ليس ما يكفي.  18. مساحات من عالم القصبة السفلي. خارجي/داخلي نهاراً مارس 1956  ريح ربيع دافئة، غيوم واسعة بيضاء. عند الحافة الغربيه للقصبة، من اعلى إلى أسفل القصبة، ينخفض شارع العالم الجزائري السفلي نحو حي المواخير.  المذيع: «جبهة التحرير الجزائريه، النشرة 24.  اخواننا في القصبة! الإدارة الكولونيالية ليست مسؤولة فقط عن بؤس شعبنا الهائل، ولكن عن الرذائل المنحطه التي يمارسها العديد من اخواننا الذين غابت عن أذهانهم كرامتهم. اماكن مقامرة في الظل لمدخني الأفيون، ودكاكين مليئة بالحلى السياسية والتجار، اماكن بيع حلى مسروقة، قوادين. اطفال بوجوه رجال، ونساء عجائز بوجوه شاحبة وشابات، عاهرات يقفن في ابواب منازلهن. وفتيات يكشفن وجوههن ويضعن غطاء على رؤوسهن مربوطاً عند مؤخرة الرقبة.  المذيع: الإفساد والقسوة كانا دائماً اخطر اسلحة الاستعمار.   جبهة التحرير الوطنية تدعوكم جميعاً للنضال من أجل خلاصهم الجسدي والأخلاقي .. فهذا شرط لا بد منه من اجل استعادة الاستقلال. ولذلك فبدءاً من الآن فإن السلطة السرّية لجبهة التحرير الوطنية تمنع الأمور التالية:  القمار، بيع واستخدام جميع أنواع المخدرات، بيع واستخدام المشروبات الروحية، الدعارة وترويجها. سوف يعاقب المذنبون. اما المذنبون الممارسون فسوف يعاقبون بالموت.  19. بار. المدينة الأوروبية المواجهة للقصبة. خارجي/داخلي. عند الغروب.  إنه الغسق. في المدينة الأوروبية يمكن رؤية الأضواء الأولى.   يبدأ الناس في التهافت على البارات طلباً للمشهيات.  يترك ماسح الأحذيه الجزائري صندوقه عند مدخل البار.  يتجه نحو المنضدة. إنه طويل القامة رفيع كالبوصة. يتناول من جيبه قبضة مليئة بالعملات الصغيرة .. يداه ترتجفان قليلاً وهو يعدّها.  يتعرف الساقي عليه، يملأ كأساً من النبيذ ويضعه أمامه. يحاسب الجزائري ويتناول الكأس. قد لا يكون هذا كأسه الأول. يزداد ارتعاش يديه. يشرب الجزائري النبيذ دفعة واحدة، ثم يذهب نحو الباب. ينتظر بصبر دخول بعض الأوروبيين. يخرج، يحمل صندوقه ويتحرك مبتعداً.  20. شارع مارنجو وسلالم. خارجي. داخلي. غروب.  يقف الجزائري أعلى السلالم التي تقف حادة تقود من الأحياء الأوروبية إلى القصبة.  الآن هو في شارع مارينجو. ما زال هنالك ضوء نهار. الشارع مزدحم. يهتز الجزائري مترنحاً على ساقيه. ويقف متمتماً شيئاً في سرّه. من الواضح أنه يحاول إخفاء سكره. يبدأ بالسير ويده مثبتة إلى الحائط كدعامة. يتعثر. يسقط صندوق الصبغ فتتناثر الفراشي وعلب الصبغات على الأرض. ينحني الجزائري ويبدأ في التقاط أدواته. انه يشتم ويسب. يراه آخرون. يشير إليه بائع متجول ليراه طفل في العاشرة.  إنه عمر الصغير، الذي يوميء بنعم ثم يصفر. فتجيبه صفارة أخرى، ثم اخرى، وأخرى.  هنالك اطفال آخرون، على كل زاويه في الشارع.  يصلون راكضين ويتجمعون مع بعض  يشير عمر إلى السكران الذي يتحرك الآن بعيداً، ويوجه الأمر بالهجوم. من الواضح ان هذه ليست لعبه يلعبونها بل واجب يؤدونه.  هنالك فرقة من الصراخ القصير المدى، من الشتائم، والصفارات.  يراهم السكير يقتربون. يخاف  يحاول التسريع في خطاه.  يصلون إليه بسرعة ويحيطون به. يهجمون عليه ويهربون.  صغار ولكنهم مراوغون. لا يضحكون ولو مرة واحدة، ؛ وجوههم صلبة وقاسية. يتأرجح السكير حول نفسه وهو يمسك صندوقه بحاملته.  بعض الأطفال يضربون، وبعضهم يسقط..  يستفيد السكير من هذه الفرصة ليهرب ويعود إلى الخلف نحو السلم.  يبدأ في النزول نحو الأحياء الأوروبية ولكن الأطفال يعاودون الهجوم عليه.  إنهم يصرخون الآن بصوت أعلى ويدفعونه. يسرّع خطاه ويأخذ وهو يترنح كل درجتين بخطوة. يدفعه الأولاد فيسقط. إنه يبكي. ويخفي نفسه بيديه.  سقط الصندوق واخذ يتدحرج على السلم. الأولاد الآن اعلى منه، مثل الحيوانات الصغيرة على الجيفة. فيخنقونه. يدفعونه ويشدونه. لم يعودوا يصرخون.   جميعهم مركزين على جهودهم. السكير هو فقط الذي يصرخ فاقدًا الأمل.  ينجحون في تحريكه ودحرجته من على السلالم. يتدحرج إلى أسفل محاولاً عبثاً إمساك اي شيء بيديه.  21. بار القصبة. خارجي/ داخلي. نهاراً  في الخارج الشمس تعمي العيون. في داخل البار الصغير هناك هواء منعش وظل.  شاب جزائري بعيون ميتة وتعبير جامد يلف سيجارة من الأفيون. يشعلها. صفعتين يتسببان في اسقاط السيجارة من شفتيه.  يلبس علي لابوانت جلابيه، ثوب بلا أزرار يلبس من الرأس.  هنالك فتحه عند الخصر حوالي ثمانية إنش. يمد علي يده من هذه الفتحة ليصفع مدمن الأفيون، الذي يتعرّف على علي، فيبتسم، ويكشر تكشيرة دائخة.  مدمن الأفيون: علي لابوانت …   علي: استيقظ! هل رأيت حسين لوبونوا؟  مدمن الأفيون (يهز رأسه) ليس اليوم …  ثم ينهض بتثاقل، ينحني، وينظر بحثا عن السيجارة التي سقطت من يده.  لا يستطيع الوصول إليها. يسحق علي بسرعة السيجارة تحت قدمه. إنه يلبس حذاءً رياضياً. يتحرك بعيداً ويترك البار.  22. بار شارع. القصبة. خارجي. نهاراً.  يتابع على الطواف في الشوارع باحثاً وبين الفترة والأخرى، وبدون توقف، يسأل احدهم:  علي: هل رأيت حسين لوبونوا؟ ثم يضيف  علي: قل له انني ابحث عنه …  23. احياء المواخير. خارجي. نهاراً.  بعيداً عن الحدود مدخل حي المواخير. يتسع الشارع والحواري تتشعب وتبدو واسعة. هنالك شخص أو اثنان اوربيان، ليس فقط سواح يبغون المقامرة ولكن عناصر من عالم الجريمة السفلي الذي يختلط مع الجزائريين.  جميع المباني تقريباً تحتوي على بيت للدعارة او بيوت اخرى سيئة السمعة.  على بعض البيوت هنالك لوحات معلقة تقرأ:  هذا منزل شريف.  24. ماخور. داخلي. نهاراً.  دخل علي احد المواخير. الوقت صباحاً هنالك عدد ضئيل من الزبائن. العاهرات جزائريات واوروبيات. بعضهن جميل الصورة.  السيده جزائرية تلبس ملابس أوروبية. إنها في الأربعين من العمر تقريباً، مزينة وجهها بكثافة. عندما تلاحظ وجود علي، تقطع أغنيتها العاديه. تبدو فضولية، ولكن سعيدة.  السيدة (تصرخ) علي لابوانت!  توقف نفسها، وقد شعرت بالأسف لأنها تكلمت بسرعة وبدون تحفظ. علي لا يجيبها، ولكنه يقترب وهو يحملق بها بثبات.  السيده: (تبدّل نبرة صوتها) لم أعد اراك حول المكان منذ مدة طويلة. ظننت أنك ما زلت في السجن.  يتكئ علي على النضد، ولا يبعد عيناه عنها ولا لثانية.  علي: هل حسين لوبونوا ها؟  السيده: كلا. غادر في الصباح الباكر. تعلم ما هو الأمر مع المعلم …  علي: أريد ان اراه. إذا ما ظهر، قولي له أنني حول المكان.  يتحرك علي بعيداً عن النضد ويستدير. يغادر المكان دون أن يقول كلمة.  تحاول المرأة ان تفهم ما حدث، وتتبعه بنظرة قلقة.  25. شارع صغير. حسين. خارجي. نهاراً  حسين: علي، يا بني … اين كنت مختبئاً؟  يستدير علي فجأة، ثم يتراجع إلى الخلف حتى يصبح ظهره عند حائط الزقاق.  علي (بصوت حاد) لا تتحرك!  ثم يحدق في الآخرين.  علي: جمدو أيديكم.  الآخرون هم ثلاثة جزائريين، حرّاس حسين. حسين لوبونوا طويل قصير الساقين ما لا يتناسب مع صدره الضخم. إنه يميل إلى البدانة. له وجه واسع بتعبير مرح واثق النفس. ملابسه مزيج غريب من الجزائري والأوروبي الذي مع ذلك لا يبدو سخيفاً بل مهيباً. عند تعليق علي، يتبدل تعبيره فيصبح مذهولاً مربكاً ولكن في نفس الوقت تظهر عيناه ما يفكر به ليجد تفسيراً وحلاً.  حسين (مذهولاً) تعرفين أنني لا أحمل اسلحة …  يبقى علي ذراعيه مخبأة تحت الجلابية.  علي: أعرف.  يضحك حسين بحرارة، ويمد يداه الضخمة والقاسية.  حسين: أنت خائف من هؤلاء …؟  علي: لا تتحرك، يا حسين.  حسين: لماذا انت خائف؟ لقد كنا دائماً اصدقاء. ممكن أن يقول الواحد انني انا ربيتك … أليس هذا صحيحًا، علي؟  علي: هذا صحيح.  حسين: ماذا جرى لك؟  علي: جبهة التحرير حكمت عليك بالإعدام.  ذهل حسين. أخذ يردد أفكاره عالياً بصوت ناعم.  حسين: آه، فإذاً وصل الأمر إلى هذا …   ثم انفجر في ضحك عال، وبدا يستدير نحو حرسه الثلاثه خلفه.  حسين: انا سأموت من الضحك! ها … ها … ها …  علي لا يتكلم. يتابع الحملقة في حسين. يتوقف حسين فجأة عن الضحك. تتغير نغمة صوته وتصبح فظه ومتسرعة.  حسين: كم سيدفعون لك؟  علي: لن يدفعون الي شيئاً. لقد انذروك مرتين قبل الآن؛ هذا هو الإنذار الأخير. قرّر.  حسين: ماذا … ماذا عليّ أن أقرر؟  علي: عليك أن تغيّر عملك، يا حسين. فوراً!  يقوم حسين بإشارة وكأنما للتعبير عما يريد قوله.  حسين (متهكماً) حسناً، اقنعني.  ثم فجأة، وبدون توقع، يصرخ بصوت عالٍ مثل المتبارزين الذين قبل أن يغمدوا سيوفهم، يحاولون إخافة أضدادهم.  يتحرك بتواتر ويدفع نفسه إلى الأمام، رأسه منحنياً وذراعاه ممتدتان.  يخطو علي إلى الجانب، ويطلق النيران من الرشاش.  يسقط حسين على وجهه أرضاً. هنالك حركة. يقترب بعض المارة. الأولاد الثلاثة يحاولون الهرب.  علي (يصرخ) توقفوا!  نرى ماسورة الرشاش من فتحة في الجلابية. صوت علي يرتجف بغضب.  علي: انظروا إليه جيداً! الآن لا أحد يستطيع أن يفعل ما يشاء في القصبة. ولا حتى حسين … واقل شيء انتم أيها القِطع من الخراء! اذهبوا الآن … اذهبوا وانشروا الكلمة .. انطلقوا!  26. زفاف. خارجي. نهاراً  الصيف. زينة من الورود معلقه فوق حارة. باب أمامي مفتوح والضيوف ما زالوا يتوافدون.  27. منزل الزفاف. خارجي. نهاراً.  في القاعة الداخلية هنالك مقاعد وكراسي مصفوفة.  امامها جميعاً، هنالك كرسيان منفصلان عن الباقي، واحده بجانب الأخرى. أمامهم هنالك مائدة صغيرة عليها قلم ومحبرة. يبقى الناس واقفين، حوالي عشرين جزائرياً من مختلف الأعمار. يتكلمون فيما بينهم همساً. الجو مليء بالتوقعات والإحتفالية.  طنين  كان محمود في السابعة عشرة عندئذ. خداه ناعمتان وتنبت حولهما ذقنه الأولى. رقيق العود، طويل الرقبة، متوتر، نظرته عصبية يبدو أنه بطل ما سيجري بعد قليل. شعره مصفف بعناية وعليه كمية كبيرة من كريم الشعر. يلبس ثوباً أبيض نظيفاً جديداً.  جاء العديد من الآخرين ليتكلموا معه. الصغار يمازحونه محاولين إثارته.  تعليقات غير مسموعة.  ردود فعل محمود هزلية مصحوبة بتقطيبة وجه يحاول بها إخفاء خجله. وفي نفس الوقت، يحدق خفية بتعطش إلى الشرفة الخالية في الطابق الأول يغمره المرح والحيوية ويمكن الإستماع إلى المحادثات من الباب المفتوح فوق.  28. غرفة الزفاف. داخلي. نهاراً  داخل الغرفة. ينهمك مجموعة من الفتيات يجهزون الصواني بفناجين القهوة. انهن أكبر من الأولاد بقليل، حوالي الثانية عشرة والثالثة عشرة من العمر، انقياء البشره، بيض الأسنان بعيون مشرقة. يبدون أولاداً يلعبون ولكن تحت هذا السطح من المرح يلاحظ شيئاً من الحماس والعواطف المثارة.  وصوت مترنح لامرأة عجوز يدعوهن من الغرفة المجاورة. تترك احدى الفتيات المجموعة، تحرك الستارة التي تقسم الغرفة قرب السرير حيث تستلقي المرأة العجوز. تركع بقربها. ترفع السيدة العجوز يدها وتضعها على شعر الفتاة، مداعبة إياها برقه. تتكلم بصوت متموج وعيناها الصغيرتان اللطيفتان تمتلئ بالدموع.  كلمة المرأة العجوز بالعربية.  تهز الفتاة رأسها ثم تقف وتذهب لتصحب رفاقها.  تمر من أمام مرآة، تتوقف دقيقة لتهندم شعرها.  29. منزل الزفاف. خارجي. نهاراً  يظهران على الشرفه، ثم ينزلان نحو الساحة. نظرة محمود العصبية تبحث في وجوههم، ثم تستقر عند تلك الفتاة التي تنظر بجفون منخفضة بسرعة نحوه. في هذه الأثناء تمر الصواني بين الضيوف.  الآن يستدير الناس ليواجه الباب الأمامي. دخل رجل شاب يحمل حقيبة أوراق تحت إبطه. خلفه صبيان يبدو انهما حرسه. وهم الوحيدون الذين يلبسون ملابس أوروبية.  كلاهما يضعان يدهما اليمنى تحت السترة القديمة والممزقه. يبدو أنهما مسلحان. يغلقان الباب ويبقيان واقفين على جنبيه.  يسير الرجل الذي يحمل الحقيبة نحو المائدة. ينظر جميع الحاضرين اليه باحترام. يبتسم، متجاوباً مع تحياتهم، يصافح الجميع. ولكنه يرفض القهوة ويبدو أنه مستعجل.  يجلس ويضع حقيبته على المائدة، يفتحها، ويخرج منها دفتر تسجيل كبيرا. من داخل الحقيبة تظهر يد معدنية لبندقية رشاش على غلاف الكراسي مكتوب: جبهة التحرير الوطنية (NLF).  الحزام الجزائري المحرر – المحفوظات المدنية.  يقلب صفحات الكراسة حتى يصل إلى آخر صفحة مكتوبة – ثم يحدق باتجاه الناس الذين في هذه الاثناء اتخذوا مقاعدهم. يبتسم، يقول بضع كلمات، ثم يستدعي اسمين.  يسير محمود إلى الأمام جامداً، منتصب القامة، عيناه يحدقان مباشرة امامه.  تسير الفتاة، ايضاً إلى الأمام بتعبير مرتبك. يجلسان بالقرب من بعضهما البعض، ولكن دون النظر إلى بعضهما. الاحتفالية تتألف من بضع كلمات. أخيراً ينظر الشابان إلى بعضهما البعض. يحاول محمود الابتسام، ولكنه لا يستطيع.  تعبير الفتاة ينعم قليلاً. نظرتها حنونة، تخفض وجهها بسرعة. في هذه الاثناء الآخرون يرددون آيات من القرآن بأصوات منخفضة.  30. شارع ديسلي. خارجي. نهاراً. 20 حزيران، 1955. 8:05 قبل الظهر.  هنالك حارس فرنسي لا يتجاوز الثلاثين من العمر. بشارب اشقر وذقن حلقت توّاً. هنالك بضع اشخاص في الشارع. يمشي الحارس ببطء يحدق في نوافذ الحوانيت بين الفترة والأخرى. معبراً عن اعجابه بالانعكاس. يتوقف، يسوّي قبعته ويبتسم.   يظهر بجانبه جزائري شاب مثله. يتظاهر الحارس بأنه مهتم بآلة التصوير التي تعرض هناك ثم يتابع مسيرته.  ذراع الشاب الجزائري تندفع إلى الأمام وتعود بسرعة إلى مكانها. يغمد السكين في رقبة الحارس. يفتح الحارس فمه على وسعه ليصرخ ولكنه لا يستطيع. يتمخمض الدم في رقبته الجريحه. لا أحد من المارين القلائل يرى ما حدث. يسقط الحارس مسطحاً على وجهه. يراه احدهم فيصرخ.  ينحني الجزائري متكوماً فوق الحارس ويفتح الجراب ويأخذ المسدس، ثم يقف وهو يشد البندقية معه. البندقية مربوطة برباط جلدي. والرباط يتعلق برقبة الحارس المقطوعة.  يشد الجزائري عبثاً. فيخاف. ينظر حوله بعيون خائفة.  يقترب الناس بسرعة. إنهم يصرخون. يشد الجزائري الرباط مرة ثانية، يائساً. يستعيد سيطرته، يتناول السكين الملقاة ارضاً ويقطع الرباط الجلدي وهكذا يحرّر المسدس.   يقترب الآخرون منه تقريباً وهو محاصر ولكنه يتمكن من التخلص منهم والهرب.  31. شارع برو. خارجي. نهاراً. 8:40 قبل الظهر  مجموعة زواوي في دوريه، ثلاثة عساكر وضابط. الطريق منحدر؛ على الجانب الأيمن هنالك سور عالٍ مغطى بالإعلانات وصور الأفلام السينمائية. يقف احد الجنود لأنه يرى شيئاً يتحرك على جانب السور الآخر. يشير له ويصرخ، ولكن ليس في الوقت المناسب.  نيران الرشاش تتقاطع مع طلقات منفرده.  يسقط الجندي، يبقى الآخرون بدون حراك، غير مصدقين.  يبدأون في الركض ويتفرقون يبحثون عن التغطية.  يظهر جزائري فوق السور. يتحرك كقطه، ويقفز من الناحية الأخرى.  يتابع رفاقه غير المرئيين إطلاق النار. إنه غير مسلح، ويركض نحو الجندي الميت. يلتقط الرشاش ويعيد رسم خطواته. العملية تأخذ مكانها في ثوانٍ.  وعندئذ يبدأ الجنود في إطلاق النار، ولكن بعد فوات الأوان.  32. مركز بوليس. طريق عين زيبودا. خارجي/ داخلي نهاراً 9:10 قبل الظهر  مركز بوليس في القصبة. بناية جاهزة الصنع من دورواحد. على الباب الرئيسي هنالك حارس بوليس. مجموعة من خمسة جزائريين يقتربون إنهم يتكلمون مع بعض ويشيرون بايديهم.* أزيز  يتمتع البوليس في مراقبتهم. ثم يتساءل ماذا في الأمر.  يجيب الخمسة دفعة واحده، محاولين التفوق على بعضهم البعض.  على البوليس ان يصرخ حتى يسكتهم. ثم يتصرفوا متظاهرين بالمسكنه، يدخلون بهدوء. يتكلم كبيرهم بصوت حزين. كان يبدو باكياً وهو يسأل الضابط شيئاً.  ينادي رجل البوليس زميلاً له ويطلب منه مصاحبة الجزائريين. يصطحب رجل لبوليس اربعة منهم، بينما الآخر يبقى في غرفة الانتظار، قائلاً ان هذا أفضل خوفاً من أن يفقد سيطرته.  ثم يبدأ في شرح أسباب المشاجره: إنها تخص وصيه.  الرجل العجوز هو جده، ولكنه منذ مده وجيزه تزوج مرة ثانيه.  ثم نسمع من الداخل …  إطلاق نار من رشاش   تصدر ردود فعل رجل البوليس بسرعة فيحاول إخراج مسدسه. ولكن الجزائري كان أسرع ويطلق رصاصة نافذة.  يعاود الأربعة الظهور. واحد منهم مجروح. جميعهم مسلحون بمسدسات، ويحملون على جوانبهم مدافع رشاشه ومدفعين نصف رشاشين كانوا قد اخذوها من مستودع أسلحة.  يسمع خلفهم صراخ واطلاق نار.  يركض الخمسة إلى الخلف بسرعة.  33. شارع مارينغو. خارجي. نهاراً. 9:45 قبل الظهر   مركز بوليس آخر. أمام المركز يقف رجلا بوليس يتبادلان الأحاديث. تمر سيارة رينو سوداء بسرعة المشاة على الأقدام، ثم تبطئ أكثر فأكثر لدرجة التوقف الكامل.  يفتح الباب من الجهة اليمنى وينطلق رشاش بالنار. يصاب واحد من رجال البوليس، فيمسك بالآخر حتى لا يسقط.  إطلاق نيران آخر من رشاش.  يسقط رجلا البوليس معاً. يسرع موتور السيارة، فتصفر الإطارات وتنطلق الرينو إلى الأمام.   تصل سيارة جيب عسكرية من الاتجاه المعاكس.  تصطدم مع السيارة وتمنع هروبها.  يهرب جزائري ويلاحق. والآخر يخرج من السيارة ويداه مرفوعتان.  يطلق الجنود النار فيقتلونه.  34. شارع 8 نوفمبر. خارجي. نهاراً. 1:10 بعد الظهر  كاراج كبير به غرفة تصليحات ومحطة تموين وقود. في المقدمه هنالك بعض السيارات وشاحنة عسكرية.  جزائريان على دراجة بخارية يمران يصرخان ويلعلعان على الطريق. ثم يستديران فجأة بسرعة قصوى يعيدان خطواتهما ويستديران ثانية.  في هذه الأثناء العاملون في الكاراج يتركون اعمالهم بسبب استراحة الغذاء. الوحيد المتبقي في عمله هو عامل تموين البنزين. تتوقف الدراجة البخارية أمام مضخة البنزين. العامل الواقف أوروبي، رجل كبير في السن، يتقدم بينهم يحمل بإحدى يديه بعض الخبز الذي فتحه من اللفة تواً. يرفع يد المضخة ويسألهم كم جالونا يريدون.  يشير واحد من الجزائريين بمسدس متجه نحو العامل ويقول له أن يترك البنزين يتدفق على الأرض حول المكان. والآخر يذهب في هذه الأثناء لمضخات البنزين الأخرى، يفك الأيدي ويفتحها حتى يفرغ البنزين كله. يستخدم قطعتين من الحديد جاء بهما ليفتح اليدين. يشد انابيب البنزين إلى ابعد نقطه تصل إليها نحو الكاراج والسيارات المتوقفة.   فيندفع البنزين إلى كل اجزاء المربع. يعود الشابان لركوب الدراجة البخارية يطلبان من الرجل الأوروبي الابتعاد.  يبللون قطعة قماش بالبنزين ويشعلانها.  يتابع البنزين التدفق من المضختين المفتوحتين. اصبح الرجل الأوروبي الآن بعيداً، والدراجة البخارية متحركه بعيداً وفي نفس الوقت يلوح الصبيان بقطعة القماش المشتعلة نحو المربع. فتنفجر مباشرة وتتحول إلى نيران.  35. مكتب الضابط. داخلي. ليلاً  نفس اليوم ليلاً، وفي مكتب مركز قيادة البوليس.  على المائدة، صور أعمال اليوم الإرهابية موضوعة برزمة موظف على آلة الطباعة.  الضابط المساعد حوالي الأربعين من العمر، قوي البنية. وجهه واسع إلى حد ما، عادي، وبتقاسيم حادة. يتفحص الصور ويقلبها وهو يتكلم على الهاتف. إنها ليلة دافئة جداً، وشباك المكتب مفتوح. يسمع من الخارج صوت المرور.  الضابط المساعد (على الهاتف): نعم، سيدي، ولكنهم لم يستلموا إشارة تفتيش حتى الآن. شارع ديسلي؟ تابعناه لبرهة من الزمن، ولكن بعد ذلك فقدنا أثرهم … نعم، سيدي، ولكنها في منطقة أخرى، كلا، لم تكن في منطقتهم … هنالك بعض المشتبه بهم في شارع مارينغو … كلا … القاضي لم يصدر أمراً حتى الآن. إنه يطلب تحقيقاً رسمياً أولاً.  نعم، سيدي، نعم … نعم، سيدي، نعم .. ولكن ليس لدينا ما يكفي من الرجال. طبعاً، أنا افهم … إذا كان ذلك ممكناً، يا سيدي فعليك ان … ولكن الضابط لا يمكنه … في … ولكن اليس باستطاعتك … حسناً، سيدي … سندعهم يقطعون رقابنا إذاً.  يصفق الهاتف بغضب ويبدأ في إملاء تقريره. صوته قاسٍ مملوء بالحقد.  الضابط المساعد:  الزمن: 3 بعد الظهر محاولة قتل دورية من ثلاثة من B.P.C  المكان: شارع لوسياني في البيار.  السلاح: مسدس 7.75  الضحية: جندي جريح في ساقه اليمنى واعلى فخذه. اخذ إلى المستشفى.  المهاجمون: مجهولون…  الزمن: المهاجمون: مجهولون…  الزمن: 3:35 بعد الظهر.  مكان القتل: شارع شوبان، مواجه رقم 20.  السلاح: P.M. 38  الضحيه: دير جاكي من الحرس الخاص الدرجة الثانية، ولد في مارس 12، 1931. قتيل.  القاتل: مسلم. طوله: خمسة اقدام و8/7 انش.  يلبس ثياباً فاتحة اللون. ربما هرب في سيارة سيمكا مجهولة الرقم.  الزمن: اربع دقائق بعد الرابعة من بعد الظهر.  قتل مع محاولة قتل ضد دورية من حرس الحدود.  المكان: تقاطع بين شارع كونسولار والجنرال لاكوير … انتظر دقيقة …   يتوقف الضابط عن الكلام، يتناول كأساً من مكتبه، ويذهب نحو الشباك. على حافته هنالك زجاجة من البيره، متروكة هناك بشكل واضح حتى تبقى باردة قليلاً. يتناولها ويملأ كأسه ويشرب.  ثم يتكلم بصوت منخفض وهو ينظر إلى الخارج، دون ان يعطي اية توجيهات للموظف الذي ينتظر ويداه موضوعتان عند لوحة احرف الآله الكاتبة.  الضابط المساعد: إريد ان ارى الصحف غداً إذا ما زالت تتكلم عن تهدئة اخواننا المسلمين.  يعود إلى مكتبه.  الضابط المساعد: اين كنا؟  الموظف: تقاطع بين شارع كونسولار وشارع جنرال لاكوير.  36. وميض متنوع – مراكز بوليس. خارجي. نهاراً.  امام مراكز البوليس: عين زبوديا … شارع مارنغو – وجميع المراكز الأخرى …. في القصبة … وفي المناطق الأوروبية … تحصينات من الأكياس الرملية جهزت اسلاك شائكة مدّت، ابراج مراقبة معدنية متحركة نصبت. الجو حار جداً. يعمل العمال ورجال البوليس بصمت. هنالك جو ضاغط.  المنادي:  أمر من حاكم الجزائر:  على جميع مراكز البوليس في الجزائر، دون استثناء وإلى حين صدور أوامر أخرى، ان يقوموا بتجهيز وتأمين اساليب حماية خارجيه. تبديل الحرس الخارجي يجب ان يستمر بلا توقف اربعا وعشرين ساعة يومياً. ويجب تزويد الخفراء بأسلحة اتوماتيكية …   37. صيدليات اوروبية وفي القصبة. مستشفى المصطفى. خارجي/داخلي. نهاراً  مشهد الصيدليات في الأحياء الأوروبية وفي القصبة.  الأرفف، الأدوية، الناس الذين يشترون. مستشفى المصطفى المحجوز للجزائريين. الحرس: جزائريون في المستشفى.  المنادي:   يأمر الوالي العام للجزائر بما يلي:  المادة الأولى: لا يمكن السماح ببيع الأدويه والمواد الصيدلانيه المعالجة لجراح إصابات البنادق إلا لمن يتقدم بتقرير مكتوب من ضبط البوليس.  المادة الثانية: على مديري المستشفيات والعيادات ان يقدموا إلى سلطات البوليس قوائم فورية لكل المرضى الذين دخلوا إلى مؤسساتهم لمعالجة ومراقبة جراح إصابات رصاص البنادق.»  38. طريق القصبة المقفول. خارجي. نهاراً.  اقفلت القصبة تماماً. كل نقطة دخول، كل حارة، كل شارع يصل القصبة والأحياء الأوروبية سد تماماً بأحصنة خشبية واسلاك شائكة ترتفع تسعة اقدام عالياً.  هنالك ايضاً عمال، ورجال بوليس وجنود يعملون في المتاريس. بعيداً عنهم، على الجانب الآخر للاسلاك الشائكه التي تجعل الجزائريين وكأنهم في قفص.المنادي:   تعلن ولاية الجزائر:  خلال الأيام القليلة الأخيرة حدثت عشرات من الاعمال الهجومية في هذه المدينة. ولدينا اسباب تجعلنا متأكدين أن المهاجمين انطلقوا من حي القصبة وأنهم دائماً كانوا يجدون من ينجدهم بسرعة في حواري المنطقه العربية. وكنتيجة لذلك، وحتى نرفع بسرعة حالة عدم الأمان التي تسود في المدينة وعليه قررت ولاية الجزائر ان الدخول إلى حي القصبة سيكون عبر نقاط محددة تحت السيطره العسكرية حيث يكون مرور المواطنين بعد إظهار وثائقهم عند الطلب، والقيام بتفتيشهم عند الضرورة»  القصبة مسجونة، مثل معسكر اعتقال. خمسة شوارع بقيت مفتوحة، اوسع الشوارع. هنالك خمسة مخارج تستخدم فيها احصنة خشبية لتحدد المرور وحيث رفع فيها اعمدة خشبية للحرس. كل مخرج من المخارج له علاقة مكتوبة بأحرف كبيرة.  39. حاجز مارينجو. خارجي. نهاراً. 10 أغسطس 1956  عند كل حاجز هنالك ممران واحد للدخول والآخر للخروج إلى القصبة. الجزائريون وبعض الأوروبيين يتجمعون حول الاتجاهين. الجنود يلبسون توب السخرة مع أقنعة ورشاشات. لا يطلب من الأوروبيين اظهار اوراق ثبوتية.  وفي كثير من الأحيان يفتش الجزائريون بحثا عن السلاح ويتقبلون هذه الحقيقة بصمت وصبر، دون اظهار اي نوع من التململ.  ولكن إذا ما حاول الجنود تفتيش امرأة، عندئذ، فالموضوع يختلف. تبدأ المرأة بالصراخ وهي تلوح بذراعيها بشراسة، وتدفع الجندي الذي حاول تفتيشها. وتسكب شلالاً من الكلمات غير المتجانسة. يتدخل الجزائريون الآخرون، يدفعون إلى الأمام مهددين. الجندي شاب صغير إنه جبان وخائف.   ينظر من خلف ظهره طلباً للمساعدة. يقترب ضابط بوليس يتكلم بنغمة مختلفة وثقة عالية بالنفس. يصرخ على الجزائريين ليهدأوا.  الضابط: هل انت مجنون، لتمسك احدى نسائهم؟  تابعي، تابعي، لا بأس إلى الأمام، تحركي!  تعبر المرأة من الحاجز، ولكنها تستمر متابعة احتجاجها بصرخة وصوت لا يحتمل.  40. شارع فيليب. خارجي. نهاراً. 8:35   قبل الظهر.  تسير امرأة جزائرية على الممر. إنها كبيرة، سمينة، تلبس ثوباً تقليدياً ووجهها مغطى. تسير ببطء نحو أحد البارات الذي تصفّ موائده في الخارج وهنالك بعض الزبائن.  بالقرب من البار، يتكئ على حائط، رجل جزائري يبدأ الآن في الحركة ويذهب ليلتقي مع السيده العجوز. يحييان بعضهما بحرارة شديدة مثل أم وابنها لم يلتقيا منذ فترة طويلة.  يتعانقان، فيفتش الرجل في صدرها بين ثنايا حجابها. فيجد مسدساً معلقاً بشريط، فيلتقطه. انهما على بعد عشرة او اثنتي عشر قدماً عن البار. على إحدى الموائد هنالك جندي فرنسي يتناول القهوة بالكريما، والكرواسون، وامامه جريدة مفتوحة.  يتابع الجزائري معانقة السيدة العجوز ويصوب من فوق كتفها. طلقة واحده، تتمزق الجريدة، يحاول الجندي النهوض، وجهه مليء بالدم. ثم يتلاشى ساقطاً فوق المائدة.  يخفي الجزائري المسدس ثانية في خمار المرأة. يوقف الاثنان عناقهما. يبدوان خائفين ومتفاجئين، ويتحركان مبتعدين عن بعضهما باتجاهين مختلفين بينما يتراكض الناس صائحين.  41. سوق دولالير. خارجي. نهاراً. 9:10 قبل الظهر.  صوت البائعين المتجولين عال وغير متجانس. جزائري يقرفص على أكعاب اقدامه أمام سلع مبعثرة على الأرض:  أكوام من الأعشاب النفاذة الرائحة، قوارير بهارات. شاب يقف امامه وبين الفترة الأخرى ينظر حوله. يبدو منتظراً. الآن ينحني ويبدأ في التنقيب بين الأعشاب. يختار باقة من النعناع، يروزها في يده ويفاصل في السعر مع البائع.  رجل بوليس في السوق يمر بقربه ويراقب. ينتظر الشاب ثانية من الزمن، ثم يستدير باتجاه ظهر البوليس، ويمد يده.  يمسك في يده باقة النعناع، ومسدس مخفي بين الورق الأخضر. يطلق الرصاص مرتين.  يسقط البوليس الفرنسي. يسقط الشاب النعناع وبه المسدس بين الأعشاب الأخرى ويتحرك بعيداً في منتصف الجموع.  42. شارع بارالكويد. خارجي. نهاراً. 10:15 قبل الظهر  امام مركز البوليس هنالك اكياس رمل ورجل بوليس في مركزه يلبس خوذة ويحمل رشاشاً. يقف البوليس وقفة تأهب وتحية. جاء ضابط من المركز ورد له التحية. يتحرك بعيداً ويسير على الممر. هنالك بضعة أناس. يظهر جزائري وكأنه جاء من لا مكان ويسير خلفه. إنه شاب صغير السن، يلبس قميصاً نصف كم وسروالاً جينز.  يستدير الضابط عند اول منعطف. وإلى الأمام قليلاً هنالك صف من السيارات واشارة معدنية تحذر من ان المساحة هي موقف لسيارات البوليس فقط.  يسمع البوليس خطوات لصبي خلفه ويناديه باسلوب خشن.   الضابط: ماذا تفعل هنا؟ إلى اين انت ذاهب؟  يرفع الصبي اكتافه الرفيعة ويطأطئ رأسه.  الصبي (بنبرة خنوعه) انا ذاهب للسباحة؛ اصدقائي ينتظرونني.  يلعن الضابط تحت انفاسه ويتابع السير. يتوقف عند سيارة دينا – بانهارد الواقفة في مكان ليس بعيد.  يتحرك الصبي بضع ياردات متجاوزاً السيارة حتى يصل إلى صفيحة زبالة معدنيه مربوطة في عامود كهربائي في الشارع. يتوقف هناك، ثم ينظر حوله.  الضابط ليس بعيداً عنه، أخذ مفتاح سيارته من جيبه، وهو على وشك ان يفتح باب السيارة. يُدخل الصبي يده في المسلة، ويفتش بين الأوراق الممزقه، ثم فجاة يستدير، ويوجه مسدسا نحو ظهر الضابط ويطلق الرصاص.  يحاول الرجل أن يلتقط شيئاً، ولكنه ينزلق ويسقط أرضاً. يطلق الصبي الرصاص ثانية نحو الرجل الملقى على الأرض، ثم يقحم يده مرة ثانية في سلة الزبالة، ليسقط المسدس وينظر حوله. وينطلق راكضاً.  يخرج رجل البوليس من مركز البوليس بسرعة.* يصفر، يأمر، صرخات حماسيه.  يستديرون حول الزاوية، بعضهم يسرع نحو الرجل الملقى أرضاً. الآخرون يقفزون إلى داخل سيارة الجيب. اربعة منهم يقفزون نحو الدراجات النارية المصفوفة في الفسحة. يتحركون في اتجاهين.  في نفس الوقت، صفارات البوليس تصرخ وتتحرك مقتربة فيسمع صوتها عن بعد. الشارع مهجور. لم يعد هنالك اثر للصبي.  تظهر الناس على شبابيك بيوتهم يُرفع الضابط من ذراعيه. تصل سيارة إسعاف وتتوقف، صفارتها على اقصى وتيرة، وأبوابها مفتوحة. يوضع الضابط في الداخل.  تتسابق الدراجات النارية في الشوارع الجانبية. تدور سيارة الجيب عليهم ثم تعكس اتجاهها، متحركة بشكل متوازن على عجلين اثنين.  يتوقف المارون للمشاهدة، جميعهم من الأوروبيين.  صوت صفارة السيارة يزعق بأعلى طاقة له.  43. شوارع محاذيه. خارجي. نهاراً.  شارع مهجور، غطي حديثاً بالأسفلت.  يجلس عامل طرق مسلم على الأرض بالقرب من محدلة بخارية.  إنه يتناول غذاءه.  تسمع الصوت المختلط للصفارات وهدير الدراجات الناريه يقترب.   تظهر دراجتان ناريتان في الشارع تمران امام عامل الطريق. واحدهما يتوقف ويستدير إلى الخلف.  يتحرك عامل الطريق إلى الخلف نحو زاوية الشارع. وينطلق راكضاً عيناه تحترقان خوفاً، وجهه متحفز، حائر.  يشير الناس إليه من الشبابيك ويصرخون له، تظهر سيارة جيب في الشارع أمامه. يقترب راكب الدراجة الناريه من الاتجاه المعاكس. يتوقف الرجل الجزائري عن الركض، لا يدري ما يفعل تتابع الناس الصراخ من الشبابيك.  يتكئ الجزائري على الحائط، يراقب المشهد ويبدأ في البكاء. يقفز رجل البوليس من سيارة الجيب إلى الطريق ويهجم عليه. الجزائري عاجز عن الكلام ولكنه يهز رأسه فقط.  44. مركز بوليس. داخلي. نهاراً.  غرفة داخل مركز البوليس. يصفع وجه الرجل الجزائري يميناً ويساراً بسلسلة من الصفعات. الغرفة مليئة برجال البوليس. جميعهم متجمعون عملياً فوق الجزائري، وجميعهم يصرخون. وخلال هذه الفوضى تسمع صرخات.  اصوات مختلفة: هل تعرف أنه مات، يا ابن الكلب؟ هل تدري انك قتلته؟  يحاولون الوصول إليه، يتدافعون واحد عكسا لآخر ليقتربوا إليه ويضربوه. يبكي الجزائري ويتكلم بجمل متقطعه، نصفها بالعربية والنصف الآخر بالفرنسية. مثابرته على ترداد بعض الكلمات تسمع:  الجزائري: كلا، كلا، كلا، كلا، … ليس انا … تحيا فرنسا …   يدخل احد الضباط يشق طريقه.  الضابط: اخرجوا، امشوا، إلى الخارج… ابتعدوا عن الطريق!  ابتعدو …  يفسحون له الطريق، يصل إلى الجزائري الذي يحاول ان يبتسم له متابعاً هز رأسه.  الجزائري: سيدي … سيدي .. سيدي …  الضابط: ما اسمك؟  فم الجزائري جاف: يحاول ان يبتلع.  الجزائري: سيدي… سيدي … سيدي …  الضابط: ما اسمك؟  الجزائري: (يحاول جاهداً، محاولاً البلع مجدداً) لاردجان بوعلم.  45. مكتب الحاكم. داخلي. ليلاً  داخل مكتب الحاكم، مساعده يملي الموظف:  مساعد الحاكم: مذنب، لاردجان بوعلم، عامل يدوي، متزوج وله ثلاثة أولاد، يقيم في شارع طيبة، نمرة 8 … إذا؟ كم واحد اليوم.  يخرج الموظف النسخ من آلة الطباعة ويبدأ في وضعها بالترتيب.  الموظف: سبعة مهاجمين، ثلاثة قتلى.  ثم يتحرك نحو المكتب، ويسلم النسخ ليوقع عليها.  الموظف: هنا، واحده للحاكم .. وواحده لمكتب الصحافة … والأرشيف وواحده لك سيدي.  يوقع مساعد الحاكم.  مساعد الحاكم: جيد، شكراً، يا كوربييه … أراك غداً.  الموظف: مساء الخير، سيدي.  يقوم الموظف بالتحيه، ثم يتحرك نحو الباب. وبينما هو على وشك الخروج يوقفه مساعد الحاكم.  مساعد الحاكم:قل لي … أين هذا الشارع طيبه؟  الموظف: شارع طيبه؟ في القصبة العليا على ما اعتقد …  مساعد الحاكم: حسناً. اراك غداً، يا كوربييه.  الموظف: مساء الخير، سيدي.  يغادر الموظف ويغلق الباب. يقطع مساعد الحاكم الغرفة نحو خارطة كبيرة تغطي الحائط كله، يحرك اصبعه نحو محور القصبة؛ وبينما هو يحركه يتبعه بنظرات من عينيه نحو مجموعة الشوارع تلك.  مساعد الحاكم (مخاطباً نفسه) شارع طيبه … طيبه ….   لقد وجده، يراقبه لمدة دقيقة، ثم يحرك اصابعه على الطريق المؤدية إلى القطاع الأوروبي. يجد الطريق السليم، ثم يركز حتى يحفظه.  يعود نحو المكتب، يرفع سماعة الهاتف، ويطلب رقماً.  مساعد الحاكم (على الهاتف) هللو، المهندس هنري آمود.، من فضلك … لقد غادر؟ حسناً، نعم، نعم، حسناً… لدي رقمه.  يضغط على أزرار الهاتف ويطلب ثانية رقماً آخر. في نهاية الخط، يسمع صوت نسائي. يتخلى مساعد الحاكم عن صوته المعتاد.  مساعد الحاكم: مرحباً، برناديت … نعم، حالاً، سوف اغير ملابسي اولاً، وسأكون فوراً هناك. زوجتي هناك الآن حسناً؟ لا ليس مهما، ولكن اتصلي بهنري من أجلي. فقط لمدة دقيقة … حسناً … شكراً….  يضع الهاتف على المكتب، ثم يلبس سترته الموضوعة على ظهر الكرسي. يسوي ربطة عنقه. الآن يسمع صوتا مكتوما؛ يمسك مساعد الحاكم بالهاتف.  مساعد الحاكم: مرحباً، يا هنري؟ … كل شيء تمام. جيد. ماذا سنقول لزوجاتنا؟ النادي؟ فكرة جيدة، نعم سأكون هناك حالاً. فقط أترك لي وقتاً لأغير ملابسي. … آه، وجدت العنوان. كلا، من الأفضل أن نتكلم شخصياً. نعم، انه المكان الملائم… حسناً. إلى اللقاء.  يضع سماعة الهاتف، ثم يذهب نحو حمالة البلاطي ويتناول القبعة الخاصة به. يخرج بعد ان ينظر ثانية إلى صور هجوم اليوم.  46. منزل هنري أرنو: داخلي. ليلاً  صبيان صغيران يركعان أمام سريريهما.  الصبيان: أبانا، الذي في السموات…  صبيان؛ في الخامسة أو السادسة من العمر، شقراوان، جذابان إلا أنهما غير متصنعين. يبدو انهما توأمان، يلبسان نفس البيجاما.  في نفس الوقت هنالك خادمة تجهّز لهما سرائرهما لليل. إنها حوالي الخمسين من العمر، مريلتها نظيفة ومكوية، شعرها رمادي، وجهها يوحي بوجه سيدة فاضلة. انها جزائرية. عندما يتلعثم الصبيان اثناء الصلاة، تساعدهما وعندما ينتهيان تقول لهما بلهجة جزائرية:  الخادمة: الآن دعنا نذهب لنقول تصبحون على خير.  في غرفة الطعام هنالك شباك كبير مفتوح. الشاطئ، والبحر وصوت الأمواج في الخارج ليس بعيداً. إنها ليلة متناثرة النجوم. عند المائدة هنالك اربعة رجال وأربع نساء، جميعهم حسان الملبس والتزوق. انه منزل هنري وبرناديت أرنو.  مساعد الحاكم يلبس ملابس عادية. هو وزوجته يبدوان غير مرتاحين وكأنهما لا مكان لهما.  تدخل الخادمة والصبيان إلى الغرفة.  برناديت: تعالو يا أولاد. حيوا الموجودين…  الصبيان: مساء الخير …  يبتسم الآخرون. ترافق الخادمة الأولاد إلى أهلهم.  الصبيان: مساء الخير، يا والدي. مساء الخير، يا أمي.  برناديت: مساء الخير، يا أحبائي.  يتبادلان القبل. في نفس الوقت يقوم النساء بالتعليق المعتاد. احد الرجال ينبه نائب الحاكم ويشير إلى ساعته ويشير له. يهز نائب الحاكم برأسه موافقاً.  47. شوارع جزائرية. خارجي. ليلاً  سيارة ستروان تقطع المدينة بسرعة شديدة.  في الداخل الأربعة رجال. ارنو يسوق العربه. مساعد الحاكم يجلس في المقعد الخلفي.  48. مدخل القصبة. خارجي. ليلاً  تصل السيارة إلى مكان الحكومة، تدور حول المربع، ثم تدور حول الحاجز وتبطئ. احد الجنود يتحرك نحو مركز المنحدر ويرفع العلم الفوسفوري. تخفض السيارة اضواءها وتقف.   يذهب العسكري نحو شباك السائق، يحمل في يده اليمنى رشاشا معلقا في كتفه. يحييهم، ينحني إلى مستوى الشباك.  العسكري: مساء الخير ….  يجيبه ارنو بنغمة بريئة، مرحة.  أرنو: مساء الخير … هل بإمكاننا المرور؟  العسكري: الوقت متأخر. لا يسمح لأحد بالدخول إلى القصبة في هذه الساعة. هذا مستحيل.  أرنو: ولكن لم يصبح منتصف الليل بعد!  العسكري: إنها عشر دقائق بعد منتصف الليل.  ارنو: من فضلك، نريد فقط أن نلف قليلاً. فأحد اصدقائي لم يرى القصبة.  العسكري: انا آسف. غداً. الليله مستحيل.  يتدخل مساعد الحاكم بصوت واثق من نفسه، متعال إلى حد ما ككل رجال البوليس. يمد ذراعه نحو النافذة ويسلم الجندي بطاقة.  مساعد الحاكم: لا بأس في ذلك فهم معي.  يتفحص الجندي البطاقة على ضوء السيارة، ويعيدها، ويتقدم بيده محيياً زائره.  الجندي: حسناً، سيد، تابع مسيرك.  يحييه مساعد الحاكم بيده.  مساعد الحاكم: لنذهب، يا هنري.  أرنو (يبدل في السيارة) شكراً. مساء الخير.  يخطو العسكري جانباً، ويحيي ثانية.  تبدأ السيارة في التحرك، وبثبات تتزايد سرعتها.  49. شارع القصبة. خارجي. ليلاً.  شوارع القصبة مهجورة، وتقريباً كلها مطفأة. بعض القطط افزعتها اضواء السيارة فأخذت تتراكض بالقرب من الحائط.  داخل السيارة اربعة رجال صامتين. عيونهم مثبتة إلى الأمام ووجوههم مركزه مشدودة.  أرنو: من هنا؟  مساعد الحاكم: نعم، انه التقاطع الأول … او الثاني.  50. شارع طيبه. خارجي. ليلاً.  تبطئ السيارة عند التقاطع الأول. ينحني أرنو من الشباك وينظر. هنالك لوحة معدنية مكتوب عليها شارع طيبه.  أرنو: يمينا ام يساراً؟  مساعد الحاكم: حاول الدخول إلى اليمين.  تستدير السياره نحو اليمين، وتتحرك ببطء.  على أحد جوانب الطريق ترتفع الأرقام الزوجية … 26…. 28 …. 30 ….  أرنو: ما هو الرقم؟  مساعد الحاكم: ثمانية.  يقول الرجل الجالس بقرب مساعد الحاكم:  الصديق: دعنا نقف هنا. لا يهم.  مساعد الحاكم: (بنغمة حاده) طبعاً يهم. عد إلى الخلف، يا هنري.  دعنا نذهب إلى رقم 8.  يبدل أرنو إلى الخلف، تتحرك السيارة بسرعة إلى الخلف وتر بالأرقام 16 … 14 … 12 … 10 … 8 وتقف.   يقف أرنو والسيارة على الحياد وموتورها ما زال دائراً.  يضغط على شعلة السجائر في لوحة السيارة.  يتناول مساعد الحاكم رزمة كبيرة يحملها تحت ساقيه على ارض السيارة. إنها مغلفة بورق جرائد. يرفعها إلى الأمام. يأخذها الرجل الملاصق لأرنو ويخفيها على خلفية مقعد السيارة، يلامسها إلى أن يجد النقطة المناسبة، يفك غلافها من ذلك الجزء ويسوي انبوباً بلاستيكياً صغيراً يظهر عند فتحتها. انه فتيل مفرقعات.  أرنو: كم من الوقت ترغب أن نضع جهاز التوقيت؟  الصديق: خمس دقائق. أعطني كبريتا …  يأخذ أرنو الولاعة من لوح السيارة.  يفتح الرجل الآخر باب السيارة. يأخذ الولاعة ويلامس الفتيل الذي يشتعل مباشرة. باب نمرة 8 قريب جدأً، تقريباً مباشرة مواجه باب السيارة.  يضع الرجل الرزمه في منطقة ظليلة ويعود راكضاً نحو السيارة. كان أرنو قد بدل الناقل وفك الفرامل، فانطلقت السيارة إلى الأمام.  51. شارع طيبه. انفجار. خارجي. ليلاً  11 اغسطس، 1956، 12:20 بعد منتصف الليل   الانفجار قوي جداً. واجهات الابنية رقم ثمانية وعشرة واثنى عشر انفجرت وانهارت أرضاً.  انفجار   انتهى صدى الانفجار. هنالك توقف طويل، فقط هنالك بعض ردود صوتية سمعت. إنها مركزة وواضحة: موجة حارقه واكوام حطام، زجاج محطم ….  ثم فجأة وبتردد مع الأصوات الأخرى، بعد الصدمة، الاصوات الإنسانيه، الصراخ والبكاء كل هذا يسمع عالياً.  أصوات، صراخ، بكاء  52. شارع طيبه. خارجي. فجراًز  ضوء الفجر واضح وأبيض. إنه يبدد كل ظل ويشكل كل هيكل. وهنا وهناك في منتصف السماء غيوم كثيفة من الغبار من الغريب أنها لا تحرك ساكناً. وفي الضوء تبدو الأشكال الإنسانية سوداء. وعندما تراها عن بعد تبدو كالنمل على أكوام من الحطام. هنالك نساء لا تتحرك تبكي بهدوء اصواتهن شبيهة بالصلوات. من آن لآخر؛ هنالك صرخة فجائية. أنين يائس، واحد يركض.  جثة أخرى تشد من الحطام، اجساد شوهت او ما زالت لم تمس وكلهم موتى.  الناس ما زالت تنقب في الحطام وتنتظر حول المكان مثيرة للشفقة.  53. شوارع القصبة. خارجي. نهاراً.  في شوارع وحواري القصبة الأخرى أو حتى في أعلى السلالم ليس هنالك أية شفقه. هنالك غضب وكراهية. يركض الناس وهم يصرخون. انهم يصرخون من شبابيكم وشرفاتهم: جو-جو  فيغطون أي صوت آخر. يزداد الحماس. يركضون حيث هنالك المزيد من الصراخ.  حتى الآن، لا يدرون ماذا يفعلون ولكن يريدون ان يبقوا معأً متجمعين، حتى يكون هنالك صوت أقوى وأوضح من الجميع مما يعطيهم هدفاً واتجاهاً.  يشير علي لابوانت إلى الاسفل خلف منحدرات الحواري والسلالم.   هناك في الأسفل المنطقة الأوروبية التي تتسع قرب البحر. تصرخ الجموع وتتدافع، وتتراكض مسرعة إلى الأمام معه مثل ساقية غاضبة مثيرة للضوضاء ولا يمكن كبح جماحها.   علي واقف مع رجاله. خمسة صبيان واحد منهم اكبر من عشرين. جميعهم مسلحون. الجموع تدفعهم للإسراع والركض.  عمر الصغير ابعد واحد في المؤخرة. انه يلبس سروالاً قصيراً، صدره عارٍ، وهو حافي القدمين، ينادي علي بكل قوته ولكن عبثاً.  يحاول أن يلتقي مع علي ويشق طريقه بين سيقان الآخرين؛ يركض متعلقاً بالآخرين، يدفع، ويمر بالقرب من الحيطان ثم يستدير نحو شارع جانبي، ويندفع نحو طريق فرعي، وأخيراً يصل إلى الأمام. يركض نحو علي. تقريباً وقد توقف عن التنفس.  عمر الصغير (يصرخ) قادر يقول لك ان توقفهم! يقول انه علينا ان نوقفهم!  يبطيء على قدر الإمكان والجموع تدفعه من الخلف.  علي: أين قادر؟  عمر الصغير: مع الآخرين. إنهم يحاولون ايقاف الناس.  علي: ابتعد.  اصواتهم بالكاد تسمع أو تفهم بين الأصوات العالية.  عمر الصغير: ولكنه يقول إذا ما استمرينا في السير هكذا، فنحن نلعب لعبتهم، وسيقتلون الجميع … توقف، علي!   يتابع علي الركض. وجهه جامد، عابساً، كما يكون دائماً عندما عليه ان يختار بين الغريزة والعقل. يناديه عمر ثانية. صوته هستيري مردداً ثانية الطلب بالتوقف انه متعلق باحدى ذراعي علي. يخلص علي ذراعه بطريقة عنيفة ويضرب الولد.  يتأرجح عمر ويسقط ضارباً الحائط.  بهذه الحركة يبدو أن علي تخلص من غضبه الذي اصابه بسبب عدم قدرته على القيام بأفعاله.  ابطأ حركته وتكلم لرجاله بضع كلمات بالعربية بصوت بارد مرير.  يمد علي ذراعه فتقلده الآخرون. كل رجل يمسك بذراع الآخر ليشكلوا سلسلة تضبط المتدفقين خلفهم فيوقفوا الجموع ويرجعوها إلى الوراء بدلاً من تقدمها إلى الأمام.  54. منزل قادر. داخلي. نهاراً. سبتمبر 30، 1956.  تقف جميلة، الفتاة التي سلمت في يناير المسدس لعلي لابوانت في شارع راندوم امام مرآة كبيرة ترفع البرقع من على وجهها. نظرتها قاسية ومركزة ووجهها خالٍ من التعبير. تعكس المرآة جزءاً كبيراً من الغرفة: إنها غرفة نوم. هنالك ثلاثة فتيات أخريات.  هنالك زهرة التي هي في عمر جميلة. انها تخلع ثيابها وتنزع عنها ملابسها التقليدية وهي تلبس قميصاً داخلياً…  وهنالك حسيبة التي تدلق زجاجة من البيروكسايد في طشت. وتضع شعرها الطويل في الماء لتصبغه باللون الأشقر.  كل حركة محسوبة بدقه وحذر. انهن مثل ثلاث ممثلات يجهزن انفسهن للمسرح. ولكن ليس هنالك اي مرح؛ لا احد يتكلم. الصمت هو الذي يؤكد الإيقاع التفصيلي لتحولهم …  فستان جميلة الخفيف الوزن الأوروبي من الحرير المطبوع … قميص زهرة وتنورتها القصيرة حتى الركبه … وماكياجها واحمر شفاهها وجزمتها العالية وكلساتها الحريرية…  حسيبة لفّت شعرها بفوطة لينشف … وتلبس سروالاً من الجينز . وقميصاً بلا أكمام…   جف شعرها الأشقر الآن. ربطته إلى الخلف كذيل حصان. جسد حسيبة غض، رفيع. تبدو وكأنها فتاة أوروبية صغيرة تجهز نفسها للذهاب إلى البحر.  صمت مستمر. انتهت جميلة وزهرة من استعدادهما ويجلسان منتظرتين. ما زالت حسيبة حافية. انها تلبس الصندل عندما يدق واحد على الباب.  تنهض جميلة وتذهب لتفتحه.  إنه قادر.  نظرة سريعة جاهزة؛ جميله … زهرا … حسيبة ….   ترد حسيبة على نظرته بتعبير مرح مغرٍ، فتقول مركزة على فرنسيتها.  حسيبة سيدي كل شيء على ما يرام.  يبتسم قادر لثانية، دون بهجة، فقط ليسعدها. ثم يتكلم باختصار وبشدة بالعربية. ويستدير على كل واحدة على حدة، ويعطيهم العناوين.  قادر: (مخاطباً جميلة) نمرة ثلاثة شارع دوشين. (مخاطباً زهرة) نمرة اربعة عشر شارع مونسينيور لينود.. (مخاطباً حسيبة) نمرة واحد وعشرون شارع ليدر.  كل واحدة من الفتيات تعيد، بدورها، العنوان الذي اعطاها إياه. كل واحدة من الثلاثة تجيب بشكل عاطفي. الجو المحيط متوتر. يقوم قادر بتوديعهم على الطريقة الجزائرية، اولاً يضع يده اليمنى فوق قلبه. ثم يعانقهن.  ينظرن إليه برهة من الزمن؛ إنهن مصابات بالخجل. يحاول قادر أن يزيل تعبهن، فيبتسمن، ويجيب على تعليق حسيبة السابق.  قادر: حسناً، حظ سعيد.  55. شارع ليدر. خارجي/داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر   هنالك عند رقم واحد وعشرين شارع ليدر مخزن لبيع الخبز. عادت حسيبة مرة ثانيه وغطت وجهها بنقاب وهي ايضا لبست ثوباً ابيضاً واسعاً يغطي جسدها بأكمله.  دخلت إلى المخزن. هنالك نساء أخريات يشترين خبزاً.  تنتظر حسيبة خروجهن، ثم تقول بالعربية لصاحب المخزن:   حسيبة: جئت لآخذ الرزمة…  يفرغ صاحب الدكان نصف سلة من الخبز؛ وفي الأسفل هنالك شنطة سباحة بحزام للكتف، ويعطيها لحسيبة.   تخفيها حسيبة تحت ثوبها الفضفاض وتحني رأسها مودعة وتغادر المكان.  56. شارع مونسنيورلينو. داخلي. نهاراً. 5:45 بعد الظهر.  عند الرقم 14 شارع مونسنيور لينو، هنالك دكان خياط مخزن لبيع الثياب، تلبس زهرة ايضاً برقعاً وثوبا فضفاضاً أبيض.   تدخل.  زهره: جئت لأخذ الرزمة …   يصطحبها الخياط إلى الجهة الخلفية للمحل، حيث توجد غرفة عمل وفتيات شابات يخيطن. يبحث في أخذ الخزائن، يخرج شنطة قماش للطيران الفرنسي ويعطيها لزهرة التي تخفيها تحت ثوبها، تحييه، وتغادر المكان.    57. شارع الصين. داخلي. نهاراً  داخل الرقم 3 في شارع الصين وحرفي جزائري يعمل في التخريم. تأخذ جميلة شنطة جلديه صغيرة لوضع ادوات التجميل. تخبئها جميلة وتحيي الرجل، وتغادرا لمكان.  58. حارة وستائر. شارع مارينغو. داخلي/خارجي نهاراً. 6:05 بعد الظهر  عند تقاطع في شارع مارينغو، هنالك حارة، تدخل حسيبة باب ضخم، وتغلقه. خلال ثانية تزيل البرقع والثوب الفضفاض. وجهها مطلي بالزينة، تلبس سروالاً ضيقاً وبلوزة خفيفة. تضع حزام الشنطة على كتفها. داخل الشنطة، منشفة؛ وثوب سباحة ظاهرين.  تخرج حسيبة من الباب، تواصل السير إلى اسفل الحارة حتى تصل شارع مارينغو. تصل إلى الحاجز.  الوقت مساء السبت؛ هنالك جموع من المتسارعين جزائريين وأوروبيين، عساكر ورجال شرطة منهمكين في تساؤلهم العادي عن الوثائق.  وصول حسيبة يلاحظ بسرعة لأنها جميلة جداً وتجذب النظر بقوة، بعض الجنود يصفرون. سيدة جزائرية كبيرة في السن تنظر نحوها بامتعاض. لا تهتم حسيبة وتنتظر دورها. يقترب عسكري فرنسي منها.  العسكري: اود ان افتشك، يا آنسة …   للحظة يخيب أمل حسيبة، ثم، تنظر إلى بلوزتها وسروالها الضيقين.  حسيبة (ببراءة) اين؟  الولد شاب، جميل الصورة وقح.  الجندي: ليس هنا. هنالك أناس كثيرون.  حسيبة: ولكنك لم تفهم. كنت أقول ليس هنالك ما تفتشه.  الجندي: هذا ما تظنينه!  يضحك بعض الأوروبيين، يبدو على الجزائريين انهم لم يسمعوا ويروا، ولكن من الواضح انهم متضايقون.  الجندي الثاني: هل انت ذاهبة للسباحة يا آنسه … لوحدك؟  حسيبة: كلا، مع بعض الأصدقاء.  في نفس الوقت تمر من الحاجز.  الجندي الثاني: يا لحظهم السعيد. انا حرا في الأحد القادم …  هل يمكن أن نذهب سوية؟  ترفع حسيبة اكتافها، تبتسم ثانية، وتتحرك مبتعدة.  59. حاجز شارع دو ريفان. خارجي. نهاراً  عند حاجز شارع دو ريفان، تلبس زهرة ثياباً اوروبية وتبدو هادئة.  ليس هنالك كثير من الناس. يشير لها جندي بالمرور بطريقة متسرعة وتمر الفتاة.  60. حاجز شارع دولالير. خارجي. نهاراً  جميلة متوترة، شاحبة، وتقاطيعها مصفاة، عيناها تبدوان اكبر من حجمهما الطبيعي بالزينة. والآن عند الحاجز شارع دولالير، مخرج القصبة مقفل. لقد وجد جزائري لا يحمل أوراقا ثبوتية.. يجادل، يصرخ ويقول أنه يريد أن يعود.    اصوات غير متجانسة.  يحاول الجنود الإمساك به. فيناضل ليحرر نفسه.  في هذه الأثناء يتدافع الناس إلى الأمام محتجين. يلتقط جنديان الجزائري. ويشدانه إلى مركز الحرس. يتابع تدفق الناس. تخط جميلة إلى الأمام وهي تحمل كيس ادوات التجميل بكلتا يديها. لا تعرف كيف تحمله وتغير وضعها مرة بعد الأخرى. فتدرك أنها تبدو غير طبيعية. جاء الآن دورها. نبرة الجندي متعالية. المشهد السابق جعلهم عصبيين. يشير لها ضابط المرور، ثم يشير إلى كيس ادوات التجميل.  الضابط: ماذا بداخله؟  غريزياً، ترفع جميلة الكيس وتنظر إليه، تشعر انها فشلت، ولكنها تبذل جهداً للإجابة.  جميلة: هنا؟  الضابط: هناك …  تستخدم جميلة كل طاقتها لتبتسم وتنجح. وعيناها تشتعلان متحدية.  جميلة (باستفزار) لا شيء.  يشير الضابط لها بالمرور  61. سوق السمك. داخلي. نهاراً. 6:15 بعد الظهر  مخزن كبير في سوق السمك. هنالك ثلاجات عديدة. وصناديق من السمك المجمد وصنابير من المياه الجاريه واسماك حية. الفتيات الثلاث بجانب بعضهن البعض.  الشنط الثلاث موضوعة على ظهر النضد. بضع خطوات بعيدة. ومعهن جزائري نحيل يبلغ حوالي خمسة وعشرين عاماً من العمر. شعره اسود كثيف أملس مصفف بعناية. يلبس نظارات بيده الجلفتين العصبيتين يشد المنشفة وثوب البحر من شنطة حسيبة، ثم بلطافه وانتباه يفتح علبة خشبيه مربعة ويستدير نحو الفتاة ويشير لها أن تبتعد قليلاً. تخطو الفتاة إلى الوراء. داخل العلبة، هنالك انبوبة حديدية ضخمة مقفلة من كلتا الجوانب بساعتي توقيت. داخل الأنبوب بطاريتان بهما اسلاك موصولتان بالساعات. ينظر الشاب إلى ساعة معصمه، ثم يضبط عقارب الساعة على 6:45 ويعيد القنبلة إلى مكانها في العلبة ويغلقها، ويضعها في الشنطة. ثم يعيد وضع المنشفة وثوب البحر. ثم يسلم الحقيبة إلى حسيبة.   انه يبتسم قليلاً.  تأخذ حسيبة الشنطة وتذهب.  العلبه تدخل إلى شنطة جميلة بإحكام، يفتحها الشاب دون ان ينزعها من مكانها ويضبط الساعتين على 6:50 ثم يضع كل شيء في مكانه ويسلم الشنطة لجميلة. يبتسم لها وتتحرك مبتعدة.   في شنطة شركة الطيران الفرنسيه هنالك جرائد ومجلات على الوجه وفي أعلى الشنطه ومعها العلبه المماثله. يضبط الشاب القنبلة على 6:55 ثم يضعها في الشنطة كما كانت، يغلق السحّاب ويناول الشنطة لزهرة. يبتسم لها. ابتسامته اكثر صدقاً وأقل ميكانيكية. الضغط اصبح اقل من ذي قبل.  يبتسم الشاب للفتاة ويقول بالعربية:  الجزائري: ليحفظك الله.  تشكره زهرة بوشوشة، تحني رأسها، وتتحرك بعيداً، يأخذ الشاب سيجاره من جيب قميصه، يضعها بين شفتيه ويشعلها. يده ترتجف قليلاً.62. قهوة في شارع ميشليه. داخلي. نهاراً 6:30 بعد الظهر  قهوة، شارع ميشليه 1. النادي مزدحم جداً. هنالك غرفتان؛ واحدة في المدخل بها بار أمريكي، وواحدة في الخلف بها بضع موائد. إن اليوم هو السبت، وفي مثل هذه الساعة تذهب عائلات أوروبية عديده لشراء الجيلاتي. ليس هنالك اضطرابات أو ضوضاء. يأخذ الناس اماكنهم هادئين عند البار وعلى الموائد الصغيرة، يأكلون الجيلاتي الخاص بهم وهم يتبادلون أطراف الحديث بهدوء.  تدخل حسيبة، تنظر إلى الساعة فوق آلة الحسابات. إنها الساعة السادسة والنصف تذهب نحو المحاسب وتنتظر دورها تختلط الطلبات المتنوعة ببعضها البعض. تطلب كوكاولا. يعطونها الإيصال فتدفع.  تذهب إلى البار؛ كل المقاعد مشغولة. تطلب ما تريد وتعطي الوصل للنادل.  رجل يتحرك جانباً، ينظر نحوها، ثم يخطو من مقعده ويعطيه لها.  تقول له حسيبة أن هذا غير مهم ولكن الرجل يصر. تشكره حسيبة وتجلس. الرجل حوالي الخمسين من عمره حسن المظهر. يبتسم ثانية. ويستدير ليتكلم مع بعض الأصدقاء.  تستقر حسيبة مرتاحة على الكرسي ثم تخرج الحقيبة من كتفها. تمسك بها من الحزام، تضعها على الأرض تحت النضد خلف السور النحاسي المستخدم لراحة الأقدام.  احضر لها النادل الشراب. تشرب حسيبة ببطء، وتنظر بين الفينة والأخرى نحو الساعة. تنتهي من الشرب. الحقيبة، في وضع رأسي. تحرك حسيبة قدميها ببطء وبانتباه وتقلب الحقيبة على جانبها. تنزل من على مقعدها، وتشير للرجل الواقف بجانبها نحو المقعد.  حسيبة: سأعطيك مقعدك.  الرجل: هل ستتركي المحل، يا آنسة؟  تبتسم حسيبة، وتشير بنعم.  حسيبة: مساء الخير …   يجلس الرجل.  الرجل: مساء الخير …
(البقية في العدد القادم)


ترجمة: مها لطفي