أخبار عاجلة

مفارقة باحثي الفيسبوك

تشهد المجتمعات العربية انخراطًا متزايدًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة الفيسبوك. يتجلى ذلك في اتساع دائرة المسجلين في الموقع؛ فبحسب مؤسسة ويدو للتقنيات، بلغ عدد المشتركين العرب في الفيسبوك، في فبراير 2017، 156 مليونًا، وهو ما يكاد يقترب من 45 % من إجمالي عدد سكان العالم العربي في الفترة نفسها. تتوافق هذه الزيادة العامة في أعداد المسجلين في الموقع، مع تضخم أعداد الباحثين العرب النشطين فيه. وهو ما يُمكننا رصده من خلال ملاحظة تزايد عدد المجموعات العلمية المتخصصة التي تظهر تقريبًا كل يوم، وبخاصة في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية. ويكشف النشاط المتنامي للباحثين العرب على الفيسبوك عن رغبة قوية في تعزيز التواصل بين الباحثين، ولكنه يضعنا أمام ما يمكن عدُّه مفارقةً مهمة، هي احتمال وجود علاقة عكسية بين درجة انخراط الأفراد في وسائل التواصل الاجتماعي، وجودة البحوث العلمية التي يقدمونها. وهي مفارقة سوف أسميها «مفارقة باحثي الفيسبوك». وسوف أُخصص هذا المقال لشرح هذه المفارقة، وتتبع أثرها في البحث العلمي، وكيفية مقاومتها في العالم العربي.
إسهام وسائل التواصل الاجتماعي في خلق مجتمع بحثي عربي
عانى الباحثون العرب على مدار عقود طويلة من ضعف روابط الاتصال فيما بينهم. فقد حالتْ صعوبات عدّة أمام خلق مجتمع بحثي واحد، تُتبَادل فيه المعارف تبادلاً تزامنيًا فعالاً، وتُتَرَاكم فيه الخبرات العلمية من الأقطار العربية بشكل كفء وعادل؛ إذ أدتْ أسباب، مثل صعوبات تداول المنشورات، أو التشتت الجغرافي، أو النزوع للمحلية، أو غيرها، إلى هيمَنة واقع انغلاق المجتمعات البحثية المحلية على نفسها. بالطبع كانت هناك استثناءات واضحة تمكّن أصحابها من تجاوز المحيط الجغرافي المحلي، وتبودلت أعمالهم على نطاق أوسع في العالم العربي بأكمله، واستفادوا بدورهم من منجزات الآخرين في بلدان مختلفة على اتساع العالم العربي. لكن عدد هؤلاء الذين حققوا تبادلاً معرفيًا على المستوى الإقليمي لا يُقارن بعدد الباحثين الذين ظلت كتاباتهم تُتداول في نطاق محلي فحسب، وظلت قراءاتهم محصورة بهذا النطاق المحلي نفسه.
وعلى الرغم من أن وسائط التواصل الاجتماعي نشأت في الأصل لتيسير التواصل الإنساني غير المهني أو الوظيفي، فإن العالم العربي وظّف هذه الوسائط على نحو مختلف في كثير من الأحيان. فقد لعبت أدوارًا مهمة في إنجاز أشكال أخرى من التواصل غير الاجتماعي، على نحو ما تجلى في دورها بوصفها منصة نضال سياسي، أو حشد شعبي. وعلى النحو نفسه، تجاوزت هذه الوسائط دورها في المجتمع البحثي العربي، لتُقَدّم وسيطًا فعالاً لكسر القيود أمام التواصل البحثي الإقليمي، وانفتاح المجتمعات البحثية المحلية.
تفاوتَ الباحثون في الاستفادة من هذه الوسائط. ففي سنواتها الأولى استطاع فريق منهم، وبخاصة من شباب الباحثين، توظيفها بأفضل الطرق للتعريف بأعمالهم وأنفسهم من ناحية، والاطلاع على أعمال الآخرين من ناحية أخرى. في حين زهد فريق آخر، أغلبهم من الباحثين المخضرمين، في ارتيادها. لكن الوضع تغير جذريًا تقريبًا في الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ إذ تزايد أعداد الباحثين من جميع الأجيال، ممن يتخذون من وسائل التواصل الاجتماعي نافذة للتواصل العلمي. وهو ما أدى إلى إتاحة أشكال ومستويات من التواصل البحثي غير المسبوقة. وتكاد تكون هذه الوسائط حاسمة الأثر في تعزيز إمكانيات خلق مجتمع بحثي عربي واحد. وهو أمر شديد الأهمية فيما يتعلق بمستقبل المعرفة في العالم العربي. لكن واقع استعمال هذه الوسائط ليس ورديًا تمامًا كما يبدو للوهلة الأولى، ويكمن القلق من تأثيرها السلبي المحتمل على جودة البحث العلمي، بسبب عوامل عدّة، أحدها ما أسميه «مفارقة باحثي الفيسبوك».
مفارقة باحثي الفيسبوك: صراع الجودة والإعجاب
يتيح الفيسبوك أشكالاً متنوعة من التفاعل بين المشاركين؛ منها كتابة التعليقات، أو إعادة النشر، أو الضغط على أيقونات المشاعر المختلفة؛ إظهارًا للإعجاب، أو الحب، أو المواساة، أو الاندهاش …إلى آخره. وتُشكِّل هذه السلوكيات التفاعلية أداة لتحفيز المشاركة، ودعم التواصل بين النشطاء على الموقع. وتزداد أهميتها حين ننظر إلى تأثيرها فيما يتعلق بالتواصل البحثي؛ إذ تتيح تبادل الأفكار والآراء، وتخلق فضاءً للنقاش والمناظرة، وتقدِّم منصةً للتعريف بالمنجزات البحثية للمشاركين، وتمكّنهم من الحصول على استشارات، أو نصائح بحثية معتبرة. وهي بذلك تُعدُّ منصة تواصل فعالة في تقريب المسافات بين الباحثين على اتساع العالم العربي، وتُمهّد الطريق بالفعل لأشكال من التعاون المتواصل، وتدفع باتجاه خلق مجتمع بحثي منسجم. لكنها، في الوقت ذاته، قد تؤثر سلبًا في جودة البحث العلمي على المدى البعيد. وسوف أحاجج في هذا المقال تحديدًا بأن طبيعة وسيط الفيسبوك، بوصفه فضاء اجتماعيًا، قد تؤدي إلى تقليص الأوقات والجهود المكرسة للبحث العلمي، وتغيير الإدراك الجمعي للقيمة العلمية، نتيجة ما أسميه «قانون تبادل الإعجاب».
قانون «تبادل الإعجاب»: الفجوة
بين الصورة والقيمة
لقد تأسس الفيسبوك على مبدأ مركزية الصورة الشخصية، بالمعنيين؛ الحرفي والمجازي. فقد كانت صورة الوجه هي أداة التعرف الأساسية التي جعلت من الفيسبوك برنامجًا رائجًا، حيث الصورة هي أيقونة المرء، ووسيلة التعرف عليه من قِبَل هؤلاء الذين يسعون لمد جسور التواصل معه. لكن الصورة، بمعناها المجازي، هي محور عمل الفيسبوك أيضًا. فالفيسبوك تحوّل إلى مرآة هائلة، كل شخص يحرص أن يراه الآخرون فيها على أفضل صورة ممكنة. فيصمم منشوراته، وتعليقاته، وممارساته جميعًا، بحرص، لتخلق الصورة المرجوة عند الآخرين، عبر مرآة الفيسبوك. المشكلة الحقيقية في هذه المرآة هو أن جمال المرء لا يُقاس بجمال الصورة التي يقدمها في المرآة، بقدر ما يُقاس بمدى إعجاب الآخرين بها. وهو إعجاب يُقاس كميًّا في شكل عدد مرات الإعجاب، والتعليقات المستحسِنة، ومعدل مشاركة المنشور مع آخرين، والإشارة إليه في منشورات أخرى. وهكذا فإن صورة الأشخاص، كما تظهر على الفيسبوك، تصنعها بشكل كبير استجابة الآخرين لهذه الصورة. وهنا يكمن مصدر خطورة الفيسبوك على البحث العلمي.
يتأسس تبادل الإعجاب والاستحسان في سوق الفيسبوك على أساس ما أسميه «قانون تبادل الإعجاب». ويعني هذا القانون أن كثيرًا من علامات الإعجاب، أو تعليقات الاستحسان، التي نقوم بها في فضاء الفيسبوك، لا يحركها تقدير عقلاني للمنشور أو التعليق الذي نستحسنه، بقدر ما تُحددها علاقتنا بالشخص الذي كتبه، وبخاصة درجة انخراطه في عملية الاستحسان المتبادل. وبشكل أكثر عمومية أصوغ فكرتي على شكل معادلة هي: كلما زادت مشاركة الشخص (أ) في التعليق استحسانًا على منشورات الشخص (ب)، زادت مشاركة الشخص (ب) في التعليق استحسانًا على منشورات الشخص (أ)، والعكس صحيح. وعلى الرغم من أنني لا أملك دليلاً إحصائيًا على هذا القانون، فإن لدي حدسًا قويًّا بأنه يؤثر تأثيرًا كبيرًا في توجيه عملية إنتاج استجابات الاستحسان في فضاء الفيسبوك، استنادًا إلى المشاهدات الشخصية المتواصلة للفضاء الأزرق على مدار السنوات العشر الماضية.
يعني قانون «تبادل الإعجاب» أن الأشخاص الأكثر انخراطًا في تقديم استجابات استحسانية على ما يقدمه الآخرون، سوف يحصلون في المقابل على استجابات استحسانية أكثر. وتترتب على هذا القانون نتيجتان مهمتان:
الأولى: أن اكتساب المزيد من الإعجاب يتطلب، في الغالب، بذل المزيد من الجهد في التفاعل مع مشاركات الآخرين.
الثانية: أن درجة استحسان منشور ما (أو استهجانه) لا يرتبط على نحو حصري بالقيمة الحقيقية للمنشور، بقدر ما يرتبط بدرجة تمتع صاحبه بكم كبير من مقايضات تبادل إعجاب.
توجد بالطبع استثناءات لهذه النتيجة، يرتبط بعضها بالتعليق على منشورات المشاهير، الذين لا يتعاملون مع الآخرين – غالبًا – انطلاقًا من قانون «تبادل الإعجاب». والاستثناء الآخر هم الأشخاص الرافضون لقانون «تبادل الإعجاب»، ممن يقومون باستجابة الاستحسان استنادًا إلى تقييم عقلاني منطقي للمنشور في ذاته. وفي الحقيقة، فإننا نحتاج إلى دراسة متخصصة لتوضيح الحجم الفعلي لمن يقومون باستجابات الاستحسان على أساس قانون «تبادل الإعجاب»، في مقابل مبدأ التقييم العقلاني. لكن ما يعنيني أكثر في هذا المقال هو توضيح الأثر السلبي لقانون تبادل الإعجاب على البحث العلمي، انطلاقًا من النتيجتين السابق الإشارة إليهما.
قانون «تبادل الإعجاب» ومخاطر الجهد الضائع
تعني النتيجة الأولى أن الباحث الراغب في تحصيل درجة أكبر من الإعجاب بمنشوراته البحثية عليه أن يتبادل الإعجاب مع أكبر عدد ممكن من المشاركين النشطين على الفيسبوك. ويعني هذا تخصيص وقت أكبر للمشاركة على الفيسبوك للوفاء بواجبات الإعجاب تجاه الآخرين، والسعي باطراد نحو زيادة عدد الأصدقاء الذين يتشاركون تبادل الإعجاب، عبر الإضافة أو قبول الإضافة. ومن ثمّ، ينصرف جزء من جهد الباحث ووقته إلى الوفاء بالتزامات الحصول على الإعجاب، ربما على حساب التزامات أخرى؛ قد يتصل بعضها بجودة البحث العلمي نفسه. ويبدو هذا منطقيًا في إطار التعامل مع الوقت بوصفه سلعة نادرة، يعني إنفاقها في نشاط ما حرمان نشاط آخر منها. بالطبع، فإن الباحث قد يقتطع الوقت والجهد اللازم لإنجاز قانون الإعجاب المتبادل من الأوقات المخصصة لأنشطة أخرى غير بحثية، لكن هذا لا ينفي احتمال الاقتطاع من الوقت والجهد المخصصين للبحث العلمي.
تزداد مشروعية هذه المخاوف بالنظر إلى أسلوب إدارة الوقت المخصص للبحث؛ إذ يتمتع الباحثون العرب بمرونة كبيرة في تنظيم أوقات البحث العلمي لديهم. ففي معظم المؤسسات ليست هناك أوقات عمل ملزمة للعمل البحثي، وعادة يقع على عاتق الباحث نفسه تحديد عدد الساعات اليومية التي يكرّسها للبحث العلمي، وتوزيعها أثناء اليوم. ويترتب على ذلك إمكانية استقطاع أجزاء متزايدة من الوقت المخصص للبحث العلمي، لصالح أنشطة غير بحثية. وهو ما يحدث بالفعل على امتداد العالم العربي، وينتج عنه ظاهرة جلية هي ضعف إنتاجية الباحثين العرب مقارنة بقرنائهم في جامعات الغرب والشرق الأقصى. ويمكن البرهنة على هذا الضعف بسهولة من خلال مقارنة عدد الأبحاث المنشورة في الجامعات العربية بغيرها من الجامعات في التصنيفات الدولية، ومقارنة مستوى الدوريات أو المجلات العلمية التي تُنشر فيها هذه البحوث.
يُعدُّ مشكل إدارة الوقت تحديًا خطيرًا أمام الباحثين العرب. وأكثر ما يثير الخشية هو أن يؤدي تزايد الوقت المخصص لمقايضة الإعجاب في الفضاءات الافتراضية إلى مزيد من ضعف الإنتاجية البحثية. وهو ما يضطر الباحث إلى بذل جهد أكبر للحفاظ على الإعجاب المتبادل، في ظل تناقص المنجز الفعلي الذي يُنتِج الإعجاب، أو تدهور جودته. وفي الجهة المقابلة، يشكل الانهماك في العمل البحثي، عائقًا أمام التفاعل الجيد مع مشاركات الآخرين، وهو ما يؤدي إلى قلة إعجاب الآخرين بما ينشره الباحث؛ بسبب تقليص دائرة الإعجاب المتبادل. وهو ما يؤدي إلى ما أطلقتُ عليه مفارقة باحث الفيسبوك، أي العلاقة العكسية بين درجة انخراط الباحثين في فضاء الفيسبوك، وجودة البحوث التي ينتجونها. وتؤدي هذه العلاقة العكسية غير المنطقية إلى النتيجة الثانية التي سبقت الإشارة إليها؛ أعني تقويض العلاقة بين اطراد الإعجاب، وجودة المنشور، على نحو ما أشرح بالتفصيل في آخر أجزاء هذا المقال.
قانون «تبادل الإعجاب» وغياب الأساس العقلاني للاستحسان
يؤدي فك العلاقة بين الاستحسان والجودة إلى أمرين؛ الأول: استحسان منشورات بحثية رديئة وفاءً بمتطلبات قانون الإعجاب المتبادل؛ والثاني: عدم استحسان منشورات بحثية جيدة؛ لأن أصحابها لا يُعجبون بمنشورات الآخرين. وفي الأمرين يتوقف الإعجاب (ومظاهره المتنوعة) عن أن يكون دالاً على الجودة، وبالأحرى، فإنه يصبح أكثر دلالة على نقيضها، وهذا تجلي آخر لـ»مفارقة باحثي الفيسبوك»، التي شغلت الشق الأول من عنوان المقال. ويؤدي فك العلاقة بين الإعجاب والجودة إلى تأثيرات سلبية قد تكون خطيرة على مستقبل البحث العلمي. فالمنشورات السطحية أو التلاعبية أو المتناقضة قد تجد رواجًا كبيرًا إذا دعمتها مقايضات الإعجاب.
لتوضيح الأثر السلبي لمفارقة باحثي الفيسبوك، دعونا نتخيل أن (س) من الناس هو باحث/ة رديء، أو يفتقد إلى النزاهة الأكاديمية، لكنه نشط جدًا على الفيسبوك، يقضي نهاره، وشطرًا من ليله في التفاعل مع منشورات الفيسبوك، فلا يترك منشورًا لشخص في قائمة أصدقائه الخمسة آلاف دون تعليق، يهنئ في مناسبات التهنئة، ويعزي في مناسبات العزاء، ويتضامن في غيرها، ويحث الآخرين على التفاعل مع ما يكتب بطرق شتى. على الجانب النقيض فإن (ص) باحث/ة مجتهد، يكرس وقته وجهده لإنتاج معرفة أصيلة، وليس لديه فائض وقت للفيسبوك، ولا يتفاعل مع منشورات الآخرين.
في مساء يوم ما نشر السيد/ة (س) منشورًا على الفيسبوك استغرق في كتابته خمس دقائق لا غير، لخّص فيه فكرة قرأها بشكل عابر في كتاب قبل دقائق قليلة من كتابة المنشور. وفي اللحظة نفسها، نشر (ص) فقرة موجزة على الفيسبوك تتضمن خلاصة بحث استغرق منه أكثر من شهرين من العمل المتواصل. وبعد يوم من ظهور المنشورين، كان (س) قد حصل على مئات علامات الإعجاب، وأعاد عشرات من قرناء مقايضة الإعجاب توزيع منشوره، وعلّق عليه استحسانًا عشرات مثلهم. في حين لم يحصل منشور السيد/ة (ص) إلا على بضع علامات إعجاب، ولم يكن لدى أيٍّ من زملائه الحماس الكافي لإعادة نشره، أو التعليق عليه. لنتخيل الرواج والانتشار الذي ستحظى به منشورات (س) التافهة أو المسروقة، وفوّهة الصمت التي ستبتلع أفكار (ص) وإسهاماته الأصيلة. ولنتخيل أيضًا التقدير غير المستحق الذي قد يحصل عليه (س) عبر الزمن، والتجاهل (غير المستحق أيضًا) الذي قد يُفاجأ به (ص)، نتيجة الآثار السلبية لقانون تبادل الإعجاب.
من المؤكد أن أثر مفارقة باحثي الفيسبوك، خاصة على المدى البعيد، قد يكون كارثيًا. وحالة السيد/ة (س)، و(ص) ربما نرى نظيرها بأعيننا كل صباح في الفضاء الأزرق. وهي ليست إلا مثالا متواضعًا للآثار شديدة السلبية لقانون تبادل الإعجاب على البحث العلمي. يدفعنا الوعي بها إلى السعي إلى تقويضها تقويضًا كاملاً، وأقترح تحقيق ذلك بواسطة إحلال مبدأ آخر محلها هو مبدأ الاستجابة البليغة.
الاستجابة البليغة وتقويض مبدأ تبادل الإعجاب
ظهر مفهوم «الاستجابة البليغة» عام 2005، بوصفه مفهومًا معياريًا، يحدد ما يجب أن تكون عليه استجابات الجماهير في فضاءات التواصل. وتُعرّف الاستجابات البليغة بأنها الاستجابات التي تُنتج في سياق التواصل الجماهيري، وتستهدف مقاومة الخطابات السلطوية، والتلاعبية، وتدعيم الخطابات التحررية1. وتتنوع أشكال الاستجابة البليغة، فقد تكون امتناعًا عن التصفيق لخطيب مضلل، أو هتافًا داعمًا لخطيب يدافع بعقلانية ورشاد عن حقوق الفقراء، أو تعليقًا ناقدًا لمنشور عنصري يميز بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الجنسية، أو جرافيتي يحمل علامة النضال على حائط قوة احتلال غاشم، أو غيرها الكثير.
فيما يتعلق بالمنشورات البحثية على الفيسبوك، فإن الاستجابة البليغة تشمل كل تعليق، أو علامة إعجاب، أو استحسان، أو تضامن، أو إعادة نشر، أو غيرها، تستهدف دعم أو مقاومة منشور ما، استنادًا إلى مسوغات عقلانية، موضوعية، منزهة عن الغرض والمصلحة.
يؤدي إحلال مبدأ «الاستجابة البليغة» محل قانون تبادل الإعجاب إلى نتائج شديدة الأهمية؛ منها التقليل من هدر الوقت الضائع بسبب ضرورات الوفاء بالتزامات قانون الإعجاب المتبادل، وكذلك احتفاظ المرء بتقديره لذاته؛ بفضل الالتزام بالاحتكام إلى الموضوعية والعقلانية والنزاهة أثناء إنتاج الاستجابات على الفيسبوك، إضافة إلى إعلاء قيمة الاجتهاد في العمل، من خلال استعادة العلاقة الطردية بين الإعجاب والقيمة، وتفعيل مبدأ تقريظ الحسن، وتقبيح القبيح.
لتوضيح مبدأ الاستجابة البليغة دعونا نستحضر منشوري الباحثين (س)، و(ص) اللذين سبق ذكرهما أعلاه. ولنتخيل أن المتصفح (ع)، هو باحث ثالث، يسعى للسلوك وفقًا لمبدأ الاستجابة البليغة في فضاء الفيسبوك. فعلى الرغم من أن الباحث (س) يتفاعل دومًا مع منشورات الباحث (ع)، ويمتدحه، ويُعجب بكل ما يكتب، فإن الباحث (ع) لم يضع علامة إعجاب، أو يكتب تعليقًا داعمًا حين نشر الباحث (س) منشوره التافه أو المنقول. في حين أنه قدم استجابة إعجاب لمنشور الباحث (ص)، الذي لا يرتبط معه بصلة، لكنه أُعجب بأصالة منشوره، وجودته. لم يفكر الباحث (ع) في المنافع التي يمكن أن يجنيها من إعجابه بالمنشور، بل بأحقية المنشور بالإعجاب، مدركًا أنه يؤسس بذلك لفهم نبيل لاستجابات الفيسبوك بوصفها تقييمًا موضوعيًا عادلاً لما نقرأ. وأنه بذلك يقاوم الأثر السلبي لمفارقة باحثي الفيسبوك، ولقانون تبادل الإعجاب.
لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فرصة استثنائية لخلق مجتمع بحثي متفاعل، ومن الضروري اغتنام هذه الفرصة من أجل الارتقاء بالمجتمع البحثي العربي، وأول شروط هذا الهدف هو الوعي بالممارسات السلبية لهذا الوسيط، ومقاومتها. وآمل أن تكون مقاومة قانون تبادل الإعجاب، وإحلال مبدأ الاستجابة البليغة محله، خطوة مهمة في هذا الطريق.
هامش
1 – انظر، عبد اللطيف، عماد. (2005). بلاغة المخاطب: البلاغة العربية من إنتاج الخطاب السلطوي إلى مقاومته، ضمن «السلطة ودور المثقف»، جامعة القاهرة، القاهرة، ص 7-35، ص 21-23.


عماد عبد اللطيف*

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …