أخبار عاجلة

مقام الصبوة وبرج الهوى المتجدد

أحمد الويزي *

«السنوات تأتينا من غير صخب!»
أوفيد

عادة ما يترافق الإعلان عن الإصدار الجديد في بعض الأوساط الثقافية العالميّة، مع طقس احتفالي يشبه إلى حدّ ما أجواء التجمّعات العائليّة الحميمة، التي تحتفي بولادة الصّبية الرضّع. ذلك أنّ المؤسّسة المعنيّة بشأن الإصدار، غالباً ما تغتنم هذه المناسبة التي يلتئم فيها جمع، يضمّ لفيفا من رجال الفكر والأدب والسياسة والإعلام، لتقدّم نوعية خاصّة من الشراب، يحرص المحتفون خلال فترة تقديمه على فتح القنّينات بحركة مسرحيّة، تشبه إلى حدّ ما ضربة السيف، التي يصدر عنها تردّد أكوستيكي قويّ في الفضاء، يكون بمثابة مؤشّر رسميّ عن تعميد الولادة، وإيذانا بملء الأقداح، ورفعها عاليا دفعة واحدة، كي يشرب الجميع نخب المولود الجديد، مباشرة بعد إعلان المحتفى بمنشوره عن الأمنية، التي يأمل فيها أن يحالف الحظُّ إصداره، في مسار رحلته إلى ملاقاة الجمهور. ففي اليونان مثلا، يصاحبُ صدور أيّ تأليف جديد، تعهّدُ صاحبه بنذر يتمنّى فيه «أن يتحمّل الكتاب مشاقّ الإبحار، بشكل جيّد»، لأنّ خروج الإصدار من المطبعة، وركوبه وسائل النّقل اللّوجيستيكيّة للوصول الى أرض القرّاء، التي تتوزّع على جغرافية من الأهواء المتنوّعة، وعلى تضاريس مختلفة مأهولة بمناخات فكريّة ونفسيّة مُشكّلَة، هو بمثابة رحلة ملحميّة تشبه في الواقع الأوديسا، التي لقي فيها أوليس من المغامرات والخطوب الشّيء الكثير. فقد لا تكون رحلة الإصدار مأمونة، ولا مخفورة أبدا بضمانات السّلامة التي يفترض أن تكلّل جهد صاحبها بتيجان الظّفر، وإنّما من الممكن جدّا أن تنفتح مساراتها «البحريّة» على دروب من التيه المباغت، فتواجهها المفاجآت الغير السّعيدة، وتتصدّى لها متاعب وعراقيل معاكسة، فيضلّ الكتاب عن تحقيق الأهداف المعقودة عليه1، كما قد يلحق الفشلُ الذريع بالمجلّة، لينتكس مسار ارتحالها ويرتكس، ثم سرعان ما يلفه موج السّهو، ويطويه رمل النّسيان في الأغوار الكاتمة، كي يتلاشى الكلّ في قرار غير رحيم.
لكن، إذا كان هذا هو قدر بعض الإصدارات، فإنّ طالع بعضها الآخر ما يلبث أن يظفر بالحظوة، فيغدو سعد السّعود من نصيبه، لأنّ صدوره يكون متزامنا مع حاجة ما لدى فئة من الناس، أو شاغل من شواغل دائرة مهمّة من شرائح المجتمع، فيأتي بذلك استجابة فعليّة لانتظارات القرّاء، الذين يحتضنونه بمؤازرة ودعم، ويتجاوبون معه بما يعضّد رهاناته، ويدفع بها إلى التحقّق والتأثير، سواء في الدّاخل أو الخارج. وفي هذا الأمر تحديدا، يختلف حال الكتاب ومآله عن واقع المجلة ومصيرها، لأنّ الإكراه الذي يضغط على مُنْقلب المجلة، يكون أكبر بكثير من ذلك الذي يحدّد مآب الكتاب، ما دام أنّ المجلاّت لا تعبّر بالضّرورة عن آراء الأشخاص الذين ينشرون فيها، ولا عن مواقفهم الفرديّة البحتة2 في معزل عن توجّه هيئة التحرير، مثلما يحصل في تأليف الكُتب، وإنّما هي تعبّر في الغالب عن تصوّرات تتجاوز الأفراد، لتشمل إطارا واسعا، أو هيئة برمّتها تحمل على كاهلها تحقيق مشروع ما، أو ربّما جماعة، أو حتى شريحة اجتماعية. ومن ثمّة، كلّما توفّرت لأسرة3 تحرير المجلة الظّروف الصحّية الكفيلة بحقيق تفاعل متناغم يتلاءم والأهداف المتوخاة من وراء صدورها، كلّما لقيت تلك المجلة حظّها من النجاح والانتشار والاستمرارية، وهي ثلاثة عناصر متواشجة في أهداف كلّ مجلة، ما دام أنّ النّجاح لا يقاس إلا بقدر الانتشار الذي تحقّقه هذه ضمن مجال المقروئيّة، والاستمرارية التي تحرزها على مدار الأعوام والعقود.
ولعل حال «نزوى» لأكبر قرينة كفيلة بأن تشهد على صحّة هذا الأمر، ذلك أنّ قدرة هذه المجلة الرائدة على الانفتاح بشكل جبّار على أكثر من مجال فكري، انفتاحا يتخذ صيغة الثبات في تحوّله، وصيغة الانتقال من وضع وحال الى وضع وحال آخرين في بُعدهما المستقرّ على الدوام، الى جانب حرص أسرة تحريرها ــ من منطلق نبلها الأخلاقي وكرمها المعرفي ــ على استقطاب، واستكتاب العديد من الأسماء العابرة للأقطار والأجيال، سواء منها المكرّسة، أو المخضرمة، أو حتى الشّباب الذين ما زالوا يتلمّسون خطاهم، إضافة الى حرص أسرة التحرير أيضا على جعل المجلة منصّة حضاريّة الأبعاد، لا تكفّ عن مقاربة أسئلة الحداثة وما بعدها بمختلف تجلياتها الأدبيّة والفنّية والفكريّة، مقاربة تراعي تنوّع جغرافية القراءة، وتأخذ بعين الاعتبار اختلاف مستويات مناخها العربي؛ كلّ هذه السّمات الإيجابيّة والمزايا الخاصّة شكّلت ضمانة نجاح حقيقيّة لـ»نزوى»، لأنّها كفلت لـها وضع البقاء والتوطّد إلى الآن، كمجلة فصليّة متميّزة في العالم العربي، وجعلتها تفوز بقصب السّبق في مضمار البحث عن إمكانية التمكّن والإجادة الرّاسخين، على امتداد خمس وعشرين سنة. فقد استطاعت «نزوى» بذكاء هيئة تحريرها الفائق، وحكمتهم في حسن قراءة الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، أن تجعل من نفسها سليلة مجلات طليعية كبرى في الوطن العربي4، ووارثة مجد أدبي راسخ، ظلّت تعمّق جذوره الأثيلة في تربة تمتد من الخليج إلى المحيط، بما تساهم بالإضافة الى رصيده إضافات نوعية، جعلها منصّة متجدّدة تدرك أنّ مجرّة غونتبيرغ مهدّدة في وجودها ضمن عصر الشّاشات والفضاء الأزرق، وأنّ الورق يمكنه أن يصمد في وجه الوسائط الافتراضية، شريطة امتلاك إرادة حقيقيّة لممانعة ثقافة اللاّيت Light، التي تشجّع عليها وسائط السّوشْيال ميديا، في نزوعها المتواصل الى تفريخ مظاهر الابتذال والتفاهة، التي تستفيد ممّا تعمّمه الميدوقراطية5.
إنّ خطّ «نزوى» المميّز في التحرير، الذي أراد للمجلّة أن تكون سفيرة عمّان الثقافية من جهة، ولسان حال الثقافة العربيّة هنا والآن من جهة أخرى، منح المجلّة فرصة للفوز مرّتين: ربحُ فرصةِ تأهيل الدّاخل وتأطيره، بحكم أنّ هذا إذا تأهّل بالكيفية المأمولة، سيشكّل من غير أدنى شك دعامة لا يستهان بها في ترسيخ الخطّ الثقافي لتواصل الذات مع الغير، ثمّ الفوز برهان الانفتاح على الخارج الذي هو رديف الدّاخل ورافده في نفس الآن، لكون كلّ عملية انفتاح إنّما هي أداة إخصاب للذّوات، وآلية للخروج من شرنقة التقوقع المميتة، ما دام الانفتاح هو الوسيلة المثلى لربط أسئلة الذات بآخرها، ومن ثمّ وصل الجزء بالكلّ ولحم مصير الأنا بالغير. وبهذا، استطاعت «نزوى» أن تكون منارة تشعّ بضوئها على الدّاخل، كما على الخارج أيضا. وبذلك، جعلت أسئلة الأدب والفكر والفنّ في عمان هي تقريبا، أسئلة أدبِ وفكر وفنِّ أمّةٍ بكاملها، وأنّ الحداثة ــ هذا الأفق المأمول ــ لا تقتصر على مكان دون آخر، ولا على زمان دون غيره، وإنّما هي مشروع شمولي منفتح على التجدّد والصّيرورة، لا يلبث أن يطرح علينا الأسئلة، سواء أكنّا هنا أو هناك أو هنالك، ويستنهض هممنا للبحث عن أفق معرفي كفيل بمجد ماضينا العربي المشترك، في ألقه المشرق في الذاكرة وعراقته المشهود لها على الأرض.
ومن ثمّ، فإنّ مشروع «نزوى» المعرفي والفنّي والحضاري يطالبنا اليوم، ونحن نحتفل بالعدد المائة الذي هو عدد مشبع برمزية دينية وسحرية كبرى، أن نقف وقفة إجلال وإكبار تقديرا منّا للجهد البروميثيوسي الجبّار، الذي ما لبث كافّة أعضاء أسرة تحريرها المقتدرة يقدّمونه، رغم انشغالاتهم الادارية والأدبيّة الخاصّة، حتى تخرج المجلّة في أحسن حلّة وحال، وأن تصل الى جميع الأقطار العربيّة؛ دون تلكؤ ولا توان أو تقصير منذ 1994، السنة التي صدر فيها العدد الأول من المجلة. هذه الأسرة النبيلة والصّبورة التي يتشكّل جميع أفرادها من قامات أدبيّة وازنة، سواء في عمّان أو الوطن العربي قاطبة، تستلزم منّا أن نرفع لكافّة أفرادها القبعات، تحيّة منّا وتقديرا واحتراما لها، لكونها استطاعت أن تجعل من الحلم أمرا واقعا، ومن الأمل طاقة تجدّد العزائم والهمم، ومن المرتجى أفقا يستحث على مواصلة الإبحار. وإذا كان من غير الممكن للحبّ أن يقاس بمدى العمر الذي حقّقه، لأنّه عاطفة لا تكفّ عن التولّد باستمرار، مثلما قال الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، فإنّ حبّنا لنزوى ولأسرتها الكريمة لا ينبغي أن يحتسب بمقدار ما أنجز لحدّ الآن، وإنما بمقدار الحلم الجماعي الذي يؤلّف بين قلوب جميع كُتّابها وقرّائها، الذين يحملون لـها في بؤبؤ وجدانهم جذوة حبّ ما تزال حيّة ومشتعلة، من المحيط الى الخليج.

الهوامش
1 ـ ثمّة العديد من الكتب التي يمكن وسمها ـ تجاوزا ـ بالفاشلة Ratés، وهي تغري حقا بأن تخصّص لها دراسات مستفيضة، ضمن نطاق سوسيولوجيا الأدب مثلما أنشأه روبير إسكاربيت Robert Escarpit في فرنسا، من أجل الكشف عن البواعث والأسباب التي جعلت مصيرها يؤول بالفشل، ضمن سياقات ثقافية معينة.
2 ـ من المعتاد أن نقرأ في الصّفحة الأولى لكثير من المجلات هذه العبارة: «الموادّ المنشورة لا تعبّر عن رأي المجلّة، وإنّما عن رأي أصحابها»، أو هذه: «المقالات تعبّر عن وجهات نظر كتّابها، والمجلّة ليست بالضرورة مسؤولة عمّا يرد بها من آراء». لكنّ هذه الاحترازات وغيرها التي تعلنها أسر التحرير، ليست سوى محاولات «ماكرة» للتهرّب من المسؤولية القانونيّة، بينما المتابعة الثقافية ثابتة في حقّ أفراد هذه الأسر، لأنّ مجرّد اختيار مادة معينة من بين مواد كثيرة، يعني ضمنيا استجابة تلك المادّة لمعايير معرفية وفكرية وأدبية، التي يحملها أعضاء هيئة التحرير. ومن ثم، لا يبقى لمثل هذه الاحتراسات من معنى، اللهم ما يمكن أن نتصوره ضمن نطاق القانوني المحض، في علاقة المجلات بالجهات الكفيلة بمتابعتها قضائيا، وحسب.
3 ـ لمفهوم «الأسرة» دلالة مركزية مهمّة في تركيب المجلة، بحكم أنّها تنعكس بقوة ـ سلبا وإيجابا ـ على طبيعة العلاقة المفترضة بين أعضاء التحرير، وتؤثر على نجاح واستمراريّة صدور المجلة؛ وهو ما يعني أن هؤلاء الأعضاء المكوّنين لهيئة التحرير، لا ينضبطون فيما بينهم لمجرد علاقات إدارية ترانبيّة، وإنّما لعرى فكرية ووجدانية وثيقة، تساهم في تقارب بعضهم لبعض، وتؤثر إيجابيا على مشروع المجلة.
4 ـ ليس من باب المحاباة ولا التملّق أبدا الإقرار بأنّ «نزوى» هي وريثة لرفعة ثقافية، وشرف معرفي تأسّسا من قِبَل مجلات رائدة من قبيل: مجلة الآداب، وشعر، والقصة، والكاتب، والعربي،،، الخ. إنّ شرف «نزوى» يقوم على كونها استطاعت أن تستفيد من كلّ هذا الزخم المجلاتي الكبير، وأن تفيد أيضا بنصيب لا يستهان به، وهو ما يعني أن استطاعت أن تضيف إلى المشهد الثقافي العربي الممتدّ من المحيط الى الخليج، لمسات ثقافية أخرى مرصّعة بنكهة الدّاخل العماني، والخارج العربي، والامتداد الكوكبي.
5 ـ يراجع كتاب المفكّر الكندي ألان دونو Alain Deneault الموسوم بعنوان: الميديوقراطية La médiocratie، الذي يكشف فيه عن سلطة التفاهة التي تؤسّسها وتشيعها وسائط الإعلام، بتحالف كبير مع عمالقة الاقتصاد وأباطرة السّياسة الرّاهنة. وبذلك، تتأسّس امبراطورية الرّداءة والسّخافة التي تشجّع على أنماط الثقافة السّطحيّة والمسطّحة، التي تعتمد على قيم الاستهلاك المبتذل بشتى أشكاله التبسيطيّة. صدر الكتاب عن منشورات لوكس LUX الكيبيك Québec 2015.

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …