أخبار عاجلة

مقبرة الحكمة(1)

أحمد الحجري *

كانت الظلمة الحالكة تنفث سوادا قاتما حين سلَّط محمد مصباحه ليضيء أرجاء المكان الذي وصلنا إليه من ممر ضيق محشور في عمق جبل ملتهب بصخور حمراء، كان الباب الحديدي المثبت في نهاية الممر مواربا، حين برزت سجادة بالية فوقها غطاء ووسادة مملوؤتان بالتراب والحصى الصغير على إحدى النواحي، تتبعنا مسار الضوء إلى الأعلى ليكشف عن رؤوس جبلية مدببة كأنها أسنَّة مركوزة على قفاها، فجأة صرخ خالد مدهوشا: انظروا ماذا هنالك؟ أشار بيديه إلى كومة من الكتب المبعثرة -أسفل صندوق خشبي كبير-قد أكل الدهر منها بعض أوراقها، اقتربنا قليلا وإذا نحن وسط مغارة جبلية يكاد ارتفاعها يصل إلى مترين ونصف مع فتحة ضيقة تسمح بمرور الضوء والهواء، لم نكن على علمٍ بوجود هذه المغارة في هذا الجبل النائي منذ قررنا القيام برحلة استكشافية في القرى المحيطة بنا، نحن هنا الآن إذن أمام تجويف يصل طول قطره إلى ثلاثة أمتار. أخذ خالد ومحمد يقلبان الكتب ويتفحصان الأوراق داخل الصندوق. كان الجو خانقا وشديد الجفاف حين ردَّد الصدى صوت السعال الذي انبعث مع الغبار المتطاير من الأوراق المكومة فوق الكتب، وأنا أسلط الضوء على خربشاتٍ وخطوطٍ تبرز وتختفي مع تقليب الأوراق.
3/ 13
مرَّ أسبوع وأنا في هذا المكان الموحش، طلبت منها أن تحضر لي قلما وأوراقا وسراجا، فاستجابت بسرعة لهذا الطلب، لقد قرَّرت أن أكتب لعلني أجد العزاء في الكتابة، يبدو أنني سأطيل المكوث في هذا المكان المظلم، هذا ما استطعت أن أستشفه من كلامها العابر وهي تقدم لي وجبة دسمة على الغداء، لم تقدم لي طيلة هذا الأسبوع سوى كتابٍ موسوعي ضخم.
4/26
لا أدري لم تصرّ هذه العجوز على تقديم كتاب لي كلّ بضعة أيام، لا أنتهي من قراءة كتاب إلا وتمدني بآخر، صحيح أنني جئتها منذ البداية بنفسي لهذا الغرض، لكن لم أكن على علم أنها ستحبسني هنا، لقد أغرتني بمكتبة زوجها الذي اختفى حينها فجأة، لقد سمعت أنه يمتلك مكتبة ضخمة تضمُّ شتّى أنواع الكتب من جميع المعارف الإنسانية، كنت في حاجةٍ ماسةٍ لتلك الكتب لأكمل بحثي الذي أشتغل عليه، لم أفكر مطلقا أن نهايتي ستكون في هذه المغارة النائية.
6/5
أشعر بشيءٍ من الخوف والعزلة في هذا المكان الضيّق، أتسلى بقراءة الكتب التي تمدّني بها هذه العجوز الشمطاء، في النهار تضاء المغارة بضوء الشمس المتسلل من كوةٍ في أعلاها، وفي الليل لا أسمع سوى أصوات طنين الحشرات وضُبَاح بنات آوى، تصلني وجبتين دسمتين في اليوم مع كتاب كل يومين أو ثلاثة فأنا لا أقوم بشيء هنا سوى القراءة.
7/28
عثرت اليوم على حديدةٍ ملقاةٍ تحت صندوق الكتب، لذا فكرت في البحث جديا عن منفذٍ علّي أستطيع الخروج من هذا السجن، أنا أعرف هذه المنطقة جيدا، هذه المغارة التي أنا فيها تقع على آخر جبلٍ من تلك السلسلة الممتدة من الجبال، فإذا استطعت الحفر يوميا بهذا الاتجاه، وكان حدسي صائبا، فيمكن أن أصل إلى برّ الأمان، ليس لدي شيء لأخسره، فإما الهرب مما تخطط له هذه العجوز أو البقاء هنا تحت رحمتها وتصرفاتها الغريبة.
9/18
لا شيء سوى الكتب والقراءة.
11/12
هذا نص الرسالة التي عثرت عليها مصادفة في ورقة مطوية داخل أحد الكتب التي كنت أقرأها ليلة الأمس:
شعرت بالحيرة لأول وهلة حين ذكرت كلاما غريبا عن سر دفين تحويه أدمغة الرجال الذين يقرأون كثيرا، لم تكن في سابق عهدها مهتمة بكل هذه الكتب التي اقتنيتها في أزمنة مختلفة وكونت منها مكتبتي الخاصة، على العكس من ذلك كانت تكره كل حديث يمت بصلة إلى العلم والمعرفة، كانت ترى فيها مضيعة للوقت، واستهلاكا لطاقة الحواس، كانت الكتب بالنسبة لها مثل شريكةٍ أخرى لزوجها، لكن كل ذلك تغيّر حين طال بها العمر وبدأ الشيب ينحت طرقه في خارطة جسدها.
هنا انقلب الأمر تماما، لقد تغيّر تعاملها معي، فهي توفر لي كافة سبل الراحة لأظل دائما داخل المكتبة متفرغا لقراءة الكتب، وهي تتكفل بتوفير الطعام والشراب لي، بل أكثر من ذلك إنها تقوم بكل الأعباء المنزلية بلهفةٍ ودون تذمر، كما تتكفل بالذهاب إلى السوق لتموين البيت لكيلا أجد العذر للخروج من مكتبتي.
في الفترة الأخيرة أصبحت تتحدث بكلامٍ غريب، كانت تقول إن من يمتلك دماغا مثل دماغي فلن يموت أبدا، وكنت بدوري أضحك من هذه الفكرة الغريبة وأقول لها لو كان الأمر كذلك لما هزَّني الشيب ونفض جسدي، وتردّ عليَّ دائما: دماغٌ واحدٌ لا يكفي لحياةٍ واحدةٍ، إن المرء في حاجة إلى أكثر من دماغ ليعيش أكثر من حياة.
لم أستسغ كلامها قط، ولكن تصرفاتها بدأ تخيفني فعلا، إنها تطالبني بالقراءة والبحث أكثر من أيّ وقتٍ مضى، بل إنها تنفعل حين أخرج من مكتبتي. إنها تفضل أن أكون حبيس الكتب طيلة الوقت، أشعر أنني محبوس هنا وزوجتي هي حارسة السجن؛ لأنها باتت تغلق الباب علّي خشية أن أهرب منها، إنني أخشى أن تنفّذ ما أفكر فيه أنها تخطط له، فهي امرأة مجنونة ولا أشك أنها ستنفذ فكرتها الشريرة يوما ما.
11/13
أنا: ماذا فعلتِ بزوجك المسكين أيتها المعتوهة، لا شك أنك تعلمين مكان اختفائه؟
هي: كان مصيره مقرّرا سلفا، كما سيكون مصيرك.
أنا: ماذا تريدين مني بالضبط؟
هي: أن تقرأ أكبر قدرٍ من الكتب.
أنا: ولكن لماذا؟
هي: حين يحين الوقت ستعرف بنفسك.
أنا: إذن سأتوقف عن قراءة هذه الكتب التي تحضرينها لي.
هي: تأكد تماما أنك إن توقفت عن قراءة الكتب فستكون نهايتك وشيكة!.
1/1
لم أستطع أن أتوقف عن قراءة الكتب، خشيت أن تنفذ وعيدها، فهي امرأة معتوهة كما يصفها زوجها، ولا أدري حقيقة ما تخطط له فعليا، ثم إن هذه الكتب هي تسليتي الوحيدة فإذا توقفت عن قراءتها فأنا ميّت لا محالة، في الفترة الماضية قرأت كتبا في الآداب والفنون والتاريخ والفلسفة والطب والفلك، يا له من رجل عظيم هذا الذي اقتنى هذه الكتب من كافة الثقافات والحضارات الإنسانية.
1/25
البردُ قارسٌ في هذه المغارة لكن العجوز وفرّت لي أغطية ومحارم؛ لكيلا أصاب بالحمى، إنها تنتقي لي ألذّ المأكولات، وأطيب أصناف الطعام، ولا تتوقف عن إرسال الكتب، بدأت أخاف على مصيري، لا بدَّ أن أهلي قد يئسوا من إمكانية العثور عليَّ، هل سألاقي المصير نفسه الذي لاقاه زوجها؟
3/12
اسمي مهند، وعمري ثلاثون عاما، أستكمل دراساتي العليا في الجامعة، مرّت سنة كاملة وأنا في هذا المعتقل، كنت أبحث عن مراجع لدراستي فأرشدني أحد الأصدقاء إلى مكتبة الأستاذ سعيد، الأستاذ الجامعي الذي اختفى قبل أكثر من خمس سنوات ولم يعثر عليه حتى اليوم، قال لي صديقي أن مكتبته آلت إلى زوجته التي نقلتها إلى بيتها الجديد بالقرب من أحد سفوح الجبال في قرية نائية عن بلدته السابقة. ذهبت إلى ذلك البيت الطيني الذي يشبه حصنا صغيرا قديما، طرقت الباب فإذا امرأة في أواسط الستينيات لم أشك أنها زوجة الأستاذ سعيد، أبلغتها برغبتي في البحث والاطلاع على مكتبة زوجها لأغراض علمية وبحثية، فرحبت بي ترحيبا كبيرا لكنها اعتذرت مني بأن حالتها الصحية لا تسمح لها باستقبالي اليوم وطلبت مني العودة في الغد، ثم حين كان الغد أبلغتني أنها وضعت معظم الكتب في صناديق كبيرة في مغارة قريبة من بيتها الذي لا يتسع لكل تلك الكتب التي خلّفها زوجها الراحل.
سرت معها حتى إذا ما ولجنا ممرا ضيقا -أحنينا رأسينا معه-وجدنا بابا حديدا يشبه كثيرا أبواب الزنزانات، أعطتني قنديلا وطلبت مني الدخول وتفحص الكتب، وسمحت لي باستعارة ما أشاء منها، دخلتُ وأنا في لهفةٍ شديدةٍ وفرحٍ غامرٍ للاطلاع على كنوز الأستاذ سعيد وإذا بالباب يقفل من ورائي.
6/9
في المساء أظلّ أحفر حتى يرهقني التعب وأنام، وفي الصباح أقرأ يوميا بانتظام مئات الصفحات وأقلب عشرات الكتب التي تصلني يوميا من عند هذه العجوز، في القراءة أنا أنقب عن المعرفة، وهنا أنا أنقب عن منفذ، في الحالتين أنا أنقب عن الحياة، ولذا سأظل أنقب حتى أصل إلى مرادي، ويبدو أنه صار وشيكا.
8/15
كتب وطعام وشوق إلى الانعتاق، تقيأت الحياة هنا أكثر من مرة، أتنفس الغضب، وأفكر كثيرا في الموت.
11/30
مرة أخرى فتحت معها حديثا، كثيرا ما كانت ترفضه أو تتهرب منه، ولكني أصررتُ عليها هذه الليلة:
أنا: إلى متى سأظل هنا؟
هي: إلى أن تأتي على الكتب كلها.
أنا: ثم ماذا؟
هي:………
أنا: إذن لن أقرأ هذه الكتب اللعينة التي تحضرينها لي.
هي: لن تستطيع فسيقتلك الملل.
أنا: أفضل أن أموت على أن أنفذ مخططاتك الشريرة.
هي: إذا رفضت القراءة فسيكون مصيرك مثل مصير من سبقك، هنا ستنتهي حكايتك وسأضيفها إلى رصيد حياتي.
أنا: لست سوى امرأة حقيرة تعيسة، ولن تستطيعي الحصول على مرادك مني أبدا.
هي: لننتظر وسترى ما سيكون في الغد.
***
وقفنا مدهوشين مما قرأه خالد لنا في هذه اليوميات المبعثرة هنا في هذه المغارة، صرخ محمد: لا بد أنه استطاع الهروب من المنفذ الذي حفره، بحثنا بسرعة عن المنفذ فإذا كومة من الحجارة تعوق حركتنا، أزحنا الحجارة وإذا منفذ ضيق أمامنا، زحفنا على بطوننا واحدا تلو الآخر حتى اصطدمنا بصخرة ثقيلة لم نستطع أن نزحزحها من مكانها وقد بدا سراب من ضوء يتراءى خلفها.
خاب أملنا كثيرا، نما سؤال واحد في عقولنا همسنا به جميعنا: ما الذي حدث بعد تلك الليلة؟ فتشنا المغارة شبرا شبرا علّنا نجد ما يوصلنا لخيطٍ لحلّ هذه الأحجية لكن لم نعثر على شيء، أعدنا قراءة اليوميات، فلم نخرج بأكثر مما خرجنا به في المرة الأولى، هنا قرّرنا الخروج من هذه المغارة المخيفة، كان البيت الطيني في الخارج مهدّما بشكل كبير بأمرٍ من السنين التي مرّت عليه، أكملنا طريق رحلتنا الاستكشافية التي بدأناها في الصباح ونحن في ذهولٍ تام، اقترح خالد أن نلتفَّ حول الجبل لنشهد غروب الشمس قبل أن نقفل إلى البلدة عائدين من هذه الجولة الرهيبة.
هنالك خلف الجبل كان المشهد ساحرا: شطآن الرمال تضرب بأمواجها في سفح الجبل الأخير من السلسلة الجبلية، واللون الأصفر للرمال يمتزج باللون البني الغامق لصخورٍ متناثرةٍ في أسفل السفح. لم أر منظرا ملهما كمنظر التقاء الرمال بالجبال إنها لحظة ميتافيزيقية للقاء الأرواح بالأبدان، كانت أشجار السمر المتناثرة وسط صحراء الرمال تشبه مجرات كونية سابحة في سديم الكون، وكانت روحي تطير في أثير هذه المشهد الخلاب حتى ردتها صرخة مدوية من خالد: عمر…محمد انظرا هنالك…انظرا، إنها عظام بشرية!، انتفض محمد: هيا بنا لنقترب منها، فكرتُ في أن مفتاح اللغز قد يكون في تلك العظام.
كانت الرياح قد أزاحت كثبان الرمل، وكشفت الغطاء الساتر لعظامٍ وأشلاء بشريةٍ متآكلة، هالنا منظر الجماجم المنقوبة بطريقةٍ واحدةٍ من فتحة في أعلى الرأس، دار في مخيلتي أن من فعل ذلك متعمدا كان يستهدف الأدمغة البشرية. كانت العظام شديدة البياض وتعكس لمعانا مشرئبا بصفرة حين كانت الشمس توشك أن تغيب. الضوء بدأ يهرب إلى الأعالي من هول المشهد، اقتربنا أكثر وإذا بتلك العظام قد أنبتت أوراقا، والجماجم البالية قد أثمرت كتبا متناثرة مبعثرة الأوراق، وصوت البوم والغربان يتردد في الآفاق.
هامش
1 – من مجموعة قصصية للكاتب ستصدر مطلع العام المقبل.

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …