أخبار عاجلة

مقعد في مسرح فاروق عبدالقادر

جاء متأخراً في تلك الليلة على غير عادته، دخل المقهى صامتاً، لم تلمع عيناه ويبتسم في ثقة كما كان يفعل دائماً، تقدم ببطء وحاول أن يكون هذه المرة ممثلاً، ففشل في أن يوهمنا بأنه على ما يرام، حين تساقطت الكلمات من فمه غير مرتّبة ناقصة الحروف، كان واضحاً أنه أصيب بجلطة كادت أعراضها تصرخ في وجوهنا: احملوا صاحبكم إلى أقرب طبيب، أذكر يومها أنه نهرنا جميعاً بكلمات سقطت أغلب حروفها من فمه غير مكتملة، مؤكداً أنه سليم ولا يحتاج إلى طبيب، غادر المقهى، ولا أذكر مَن حمله إلى بيته في تلك الليلة، وكانت المرة الأخيرة التي يجلس في لقائه الأسبوعي مساء كل أحد ونلتف حوله في مقهى سوق الحميدية في ميدان باب اللوق، في الصباح هاتفته فأمطرني بوابل من العتاب والشكوى من أصدقاء الأمس الذين حاولوا إقناعه بالذهاب إلى الطبيب، وكانت كلماته مرتبكة تتعثر في فمه، وتخرج بعد أن تفقد بعض الحروف، حاولت تهدئته، ونجحنا بعد ذلك في إقناعه بزيارة الطبيب، الذي أكد له أنها جلطة، يومها أفزعني تصميم فاروق عبدالقادر على إهمال المرض والسخرية منه.. 
وتدهورت حالته بسرعة شديدة، وبدأ رحلة استمرت عاماً تقريباً يعاني من المرض وهو غائب عن الوعي خارج الزمن الذي نعيشه حتى رحل في 23 يونيو 2010، حُمل فيها إلى مستشفيات مجانية وخاصة ودار مسنين، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، وعرفت بعد وفاته أنه لم يلتزم بالعلاج، بل كان مصمماً على السخرية من المرض إلى أن سقط جسده، وغاب عقله عن الوعي، ولأنني أعرفه جيداً منذ تسعينات القرن الماضي، وأعرف من هو.. كنت على يقين أنه قرر أن يغادر عالمنا، ويقيني أنه أصابه ما أصابه بقرار منه، فهو يرفض أن يعيش في هذا الزمن الذي شعر أنه غريب عنه، فاختار أن يعيش زمناً آخر، زمنه هو الذي كان وأصبح مجرد ذكرى؟
 
-1-
فاروق عبدالقادر أحد أهم نقاد جيل الستينيات، خاصة في المسرح، إذ جاء كتابه الأول عام 1979 «ازدهار وسقوط المسرح المصري» حدثاً مدوياً يشرح أسباب الازدهار ويؤكد أسباب السقوط، وللتاريخ دلالة قوية، حيث أصبحت ملامح المسرح المصري واضحة، بعد أن سقطت الأقنعة وولّت سنوات الازدهار المزعومة، إذ بدأ قطار المسرح يضل طريقه وبقوة في منتصف السبعينيات، وكأن سنوات الازدهار الماضية لم تكن سوى حلم أو قُل «وهم»، وفاروق عبدالقادر أحد شهود العيان على تلك الفترة والمخلصين لها، والتي ظن البعض أنها نهضة مسرحية ولكن سرعان ما اكتشف الجميع أن نهضة الستينات لم تكن سوى طاقة بقيت من وهج جيل الرواد، وما إن نفدت هذه الطاقة، حتى بدأ الانطفاء والذبول في حقبة السبعينيات، بعد أن أدى تدخل المؤسسة وإحكام قبضتها على المسرح إلى ضعف سلطان التقاليد المسرحية، وسادت روح البيروقراطية، وأصبحت الأولوية لسلطة الأجهزة الإدارية على حساب العملية الإبداعية، فضلاً عن مصادرة عدد كبير من العروض المسرحية قبل الافتتاح، لأنها لا تتوافق ومصالح المؤسسة السياسية في تلك الفترة، ولا تخدم أهدافها، بل تقف موقفاً مناهضاً لها، واستيقظ الجميع على الحقيقة القاسية، إذ جاءت نتائج الممارسات السابقة نهضةً مزيفةً جعلت من المسرح التجاري بكل أساليبه الرخيصة صاحب الكلمة العليا، وهنا أطلق صرخة احتجاج مدوية من خلال هذا الكتاب، جوهرها الألم الذي يعتصر قلبه حزناً على الحلم المزعوم، ليجلس ويعيد قراءة أوراقه ويراجع السنوات الماضية ويكتب هذا الكتاب دفعة واحدة كما حكي لي فيما بعد، وأذكر أنني حين قرأته للمرة الأولى شَعُرت بأنه دفقة شعورية أنتجت قصيدة مأساوية كتبها ضمير حي مستيقظ دائماً، ليبدأ بالماضي والآباء في الفصل الأول، ثم المولد والازدهار، ويختتم هذه الصرخة بالتعثر والسقوط، ثلاثة فصول هي قراءة بانورامية وتحليلية في آنٍ، ليطلق جملته الشهيرة في نهاية الكتاب «كما تكونون يكون مسرحكم/إبداعكم». 
كنت في البداية أسأل نفسي: لماذا اعتزل فاروق عبدالقادر المسرح، لماذا لا يشارك ويقول رأيه، فنحن في حاجة إليه، ودائماً كان يقول لي: إنها مهزلة ولن أشارك فيها، فبالنسبة لي قضاء ليلة في هذا النوع من المسرح الحالي خسارة بعد أن سقط في كل آفات المسرح التجاري.. وكلما حاولت أن أقنعه بالذهاب إلى المسرح، كان يؤكد لي أنه لا فائدة، فالمسرح سيستمر في تراجعه، فحتى يتغير المسرح لا بد من تغيير الواقع بكل مفرداته، السياسي والتجاري والاقتصادي والثقافي، لا بد أن تتغير كل الظروف.
وحين أصدر بعد عشرين عاماً كتابه «رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة» لم يكن سعيداً وهو يرى نبوءاته تتحقق، ولا أظنه كان يتمنى أن يكون تيريزياس العراف الإغريقي الذي قاسى كل شيء قبل أن يحدث، حين وقف عند جدران طيبة يتحسس الجثث ويشاهد الخراب ويجني ثمرة نبوءاته، ليتألم من أجلها، ويقيني أنه كان يتمنى أن تخطئ نبوءاته وتضل طريقها، ولكن ما حدث أنها تأكدت في صورة مؤلمة حين تناول ما حدث في كواليس المسرح المصري في السبعينيات والثمانينيات، وعرض صورة دقيقة لكتّاب المسرح الذي دخلوا حلبة المنافسة بعد جيل الستينات الأكثر شهرة، وضع لها عنواناً يحمل دلالة مؤلمة «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة» وقد عانى هذا الكتاب كثيراً لجرأة صاحبه في تناول واقع المسرح المصري بصدق وموضوعية بعيداً عن الحسابات والمصالح، ليغسل يديه أمام الجميع في إعلان صريح لتبرئة نفسه مما يحدث من جرائم في حق المغفور له المسرح المصري. وما بين ازدهار وسقوط المسرح المصري، ورؤى الواقع، هناك عدة كتب هي «مساحة للضوء مساحة للظلال» (1)، بالإضافة إلى «أوراق بين الرماد والجمر»، والتناقض هو القاسم المشترك في هذه العناوين وله دلالة واضحة تعبر عن موقف الكاتب وتؤكده، فالازدهار يعقبه السقوط، ومساحة للضوء تجاورها مساحات أخرى للظلال، والجمر لا يخلو من الرماد، فالكاتب حذر والعناوين تحمل في كلماتها القليلة المضمون والرؤية، وكان كتابه الأخير في المسرح «المسرح المصري تجريب وتخريب» ثم توقف عن كتابة النقد المسرحي بشكل نهائي وظل بالنسبة له مجرد ذكريات، وراحت خطاه تتباعد عن المسرح قدر تباعد المسرح عن تلك القضايا الجادة التي جذبته هو وغيره في فترة الازدهار.
اعتزل المسرح، وعلى الرغم من أنه مارس الكتابة عبر النقد الأدبي في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الثالثة، فإن المسرح كان غُصَّة مريرة يحملها أينما ذهب، فاعتزل وعاش بين الكتب يقرأها ويكتب عنها.
 
-2-
اختار مقهى في ميدان باب اللوق وطاولة يرى منها الميدان، مساء الأحد يأتي في موعده الساعة السادسة، أحياناً أصل قبله بدقائق، كنت أترك مقعده فارغاً لا أجلس عليه أنا أو غيري إذا تأخر، سنوات وهو يداوم على هذا اللقاء، ودائماً ما كان اللقاء عاصفاً نبدأه بما كتب فاروق عبدالقادر هذا الأسبوع ومعاركه التي لا تنتهى، ولا يخلو اللقاء من حديث عن حقبة الستينيات، كنت أشعر أن صلاح عبدالصبور، محمود دياب، ألفريد فرج، نجيب سرور، نعمان عاشور من الحضور الدائمين، وأحيانا يمر سعد وهبة، وعبدالرحمن الشرقاوي، وسعد يوسف وإميل حبيبي وعبدالرحمن منيف والطيب صالح وسعداللـه ونوس، فإن لم يحكِ فاروق عبدالقادر عن هؤلاء أسأل عنهم أين ذهبوا؟ نجحت مع المخرج محمود أبودومة في إقناعه بالذهاب إلى الإسكندرية لمشاهدة عرض مسرحي، واشترط أن نسافر في قطار الثامنة صباحاً وهناك قال لي: سنعيش اليوم في الستينيات.. وقادني إلى البن البرازيلي، وقال: هنا كان يأتي صلاح عبدالصبور ويحتسي قهوته ، وأيضاً لويس عوض.. أمشى إلى جواره فيشير ويتوقف قائلاً: الأستاذ نجيب كتب هنا ميرامار، وينطلق في حديث طويل عن نجيب محفوظ، وبالفعل قادني إلى كل الأماكن التي كان يرتادها أدباء الستينيات، وعدت إلى الوراء خمسين عاماً وكان هو سعيداً يحكي عن المقاهي والحانات وأصدقائه، وفي القاهرة كان يشير إلى المقاهي والحانات والشوارع بمن كان يرتادها من مثقفي الستينيات.
 
-3-
ثم جاء كتابه الثاني «مساحة للضوء مساحات للظلال – مقالات متنوعة عن المسرح المصري في القاهرة والأقاليم 1967 – 1977» ونشر عام 1986، وتلاه كتاب «أوراق من الرماد والجمر» منحه عنواناً فرعياً «متابعات مصرية وعربية» وصدر عام 1988، وكان فاروق عبدالقادر بدأ يفقد إيمانه بالمسرح الذي شغل فقط ثلث الكتاب، ليأتي بعد ذلك كتابه «رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة» الكتاب الذي تحققت فيه نبوءاته التي وضعها في كتاب «ازدهار وسقوط المسرح المصري»، حيث يتناول في هذا الكتاب كواليس المسرح المصري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ويعرض صورة بانورامية دقيقة لكتاب المسرح الذين دخلوا حلبة المنافسة بعد جيل الستينات الأكثر شهرة، في دراسة طويلة هي محور الكتاب وتأخذ عنواناً فرعياً لا يخلو من دلالة مؤلمة «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة» مع ثلاث دراسات لثلاثة من فرسان الكلمة في الستينيات هم: «نعمان عاشور، ميخائيل رومان، نجيب سرور»، مع دراستين عن الشاعر والمسرحي الفلسطيني معين بسيسو، وأخرى يتناول فيها أعمال السوري سعداللـه ونوس، ليأتي هذا الكتاب الأكثر جرأة في تناول مسرح السبعينيات والذي هرب منه أغلب النقاد وماطلوا وزيفوا آراءهم، وباعوا أقلامهم خوفاً وإرضاءً لأصحاب هذا المسرح، وهذا ما تؤكده الدراسة الرئيسية في هذا الكتاب «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة» ليمارس عادته في السخرية المريرة مما يحدث، فهاهم الفرسان يصعدون إلى خشبة منهارة فكيف يكونون فرساناً أصلاً، وكيف يرتضي الفارس لنفسه أن يصعد على الأنقاض إلا إذا كان فارساً مزيفاً؟ والعنوان لا يحتاج إلى تعليق، حيث يقسّم الكتاب هؤلاء الفرسان في حقبة السبعينيات والثمانينات إلى قسمين، وكلاهما من كُتّاب المسرح ويضع في القسم الأول «يسري الجندي، أبوالعلا السلاموني، رأفت الدويري» وفي القسم الثاني ما سمّاه بمسرح الدكاترة وهم «فوزي فهمي، سمير سرحان، محمد عناني، عبدالعزيز حمودة» حيث قرأ أعمالهم في إطار رؤى الواقع وماذا طرحت من أسئلة اللحظة الراهنة، وخاف على الفارسين اللذين بدأت بهما الدراسة وهما يسري الجندي والسلاموني من أن يستدرجهما ما أطلق عليه «المسرح الآمن» ودوامات الثقافة المتردية.. وفي ألم يقول: «صدقت النبوءات وتحققت التخوفات، فكلا الكاتبين من أشهر كتاب المسلسلات التليفزيونية وإن لم يتوقفا عن الكتابة للمسرح كلٌ بقدر» وسوف تتقلص مساحة المسرح في أعمال فاروق عبدالقادر، وفيما عدا كتاب «المسرح المصري تجريب وتخريب»، سوف تخلو كتبه من المسرح أو ستتضمن مجموعة من المقالات المتفرقة لأن خطواته بدأت تتراجع عن الذهاب إلى المسرح، بقدر تراجع المسرح عن طرح أسئلة الواقع، هكذا كان يقول دائماً.
 
-4-
سألته قبل رحيله بعام في 2009: ماذا يعني المسرح بالنسبة لك الآن وماذا تتذكر منه الآن؟ وكنا وحيدين في المقهى قبل أن يأتي رواد اللقاء، كان كلانا ينظر إلى الميدان، وأذكر أنني شعرت في تلك اللحظة أنه يجلس في مقعده متفرجاً يشاهد الميدان مسرحاً كبيراً، أسلم عينيه للمارة وسرح ببصره بعيداً وقال لي: «ما أتذكره الآن المثل القائل بأن الدودة في أصل الشجرة، والخيانة من المسرحيين أنفسهم، فلو أخلص المسرحيون لمهنتهم لما حدث ذلك، وهنا أتذكر وأعني كرم مطاوع وسعد أردش، حين انحازا للمناصب والسلطة، وأصبحت مغازلة السلطة أهم من المسرح، والأولوية للمنصب، وكانت أمام هؤلاء وغيرهم الفرصة لردم الهوة بين الجماهير والمسرح، ولكنهم ساعدوا على اتساعها، حيث كانت هناك أجنة تجارب مسرحية بدءاً من – ممغاطيس – نعمان عاشور ووصولاً لأعمال محمود دياب، ولكن خيانة المسرحيين أصحاب المناصب أجهدت هذا المشروع.
فلم يعمّر – المسرح الجاد – طويلاً.. فعلى مدى عقدين من منتصف الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، كانت هناك مشاريع قابلة للتطور ولكنها أجهضت، فسرعان ما سقط المسرح تحت ضغوط عوامل متعددة منها هزيمة 67 وتحولات الواقع وتربص الرقابة وخيانة المسرحيين، وسرعان ما رجحت كفة المسرح التجاري من ناحية، والمسرح الذي يمالئ السلطة القائمة من الناحية الأخرى، وفقد المسرح قدراته على نقد الواقع وتطلعه نحو المستقبل واهتمامه بجماهير الناس، والعمل على رفع قضاياهم إلى خشبة المسرح، وأصبح نشاطه خاضعاً لقاعدتين.. في المسرح التجاري شباك التذاكر لا يخطئ فهذا هو المعيار، وفي مسرح الدولة ضرب ما تبقى من الحرية باسم الجدية.. وصمت قليلاً وهبط ببصره من الميدان إلى الطاولة وقال لي: وهنا وجدت خطاي تتباعد عن المسرح قدر تباعده عن تلك القضايا الجادة التي جذبتنا نحوه من أول الشباب» (2).
ربما توقفت خطاه عن الذهاب إلى المسرح ولكنه لم يتوقف عن مسرحة كل تفاصيل حياته، لم يتوقف عن رسم صورة درامية للشخصيات الأدبية التي يتناول أعمالها، ففي عام 1992 صدرت الطبعة الأولى من كتاب «أوراق الرفض والقبول» والذي ضم ثلاثة أجزاء، «وجوه وأعمال، قاصون ورائيون، مسرحيون ومسرحيات» ورغم أن الكتاب يتعرض للمسرح في جزء صغير ويحتل النقد الأدبي السواد الأعظم من الكتاب، فإنني اعتبرت الكتاب ينحاز إلى المسرح من الألف إلى الياء، وعندى أسبابي لذلك، فقد استعان كاتبه بكل خبراته المسرحية في قراءة الأعمال الأدبية ليرسم «بورتريه» درامياً لكل شخصية تناولها في هذا الكتاب، ليتذكر القارئ ما فعله الإيطالي لويجي براندللو في مسرحه حين أطلق عليه «الأقنعة العارية» وكانت الأقنعة على مدى قرون طويلة تمثل الجوهر الأساسي للمسرح الرومانى، حيث كان الممثل يؤدي الشخصية من خلال قناع، فهناك قناع اللص، الفارس، الخائن.. وأسقط براندللو هذه الأقنعة وقدم شخصياته عارية، وهذا ما فعله فاروق عبدالقادر حين تناول مجموعة من الشخصيات ومنهم: المازني، طه حسين، رشاد رشدي، نجيب محفوظ ويوسف إدريس، ولنتأمل ما كتبه عن المازني على سبيل المثال، حيث قدم قراءة شاملة في أعماله الأدبية وقراءة تحليلية في سيكولوجية هذه الشخصية، وبعد أن ينتهي القارئ من دراسة المازني، يشعر أنه التقى به وعاصره في كل مراحله وأدق تفاصيل حياته، ولم يكن فاروق عبدالقادر قاسياً بقدر ما كان صريحاً ليبدأ من علاقة المازني الغريبة بالعقاد الذي كان يبدي الرأي الصريح الجارح في عمل المازني، في حين كان المازني يتناول أعماله بالإعجاب والتقدير ويعامله معاملة الأستاذ وكان يعتبره قرينه الجسور، بالإضافة إلى سرقات المازني، خاصة روايته «إبراهيم الكاتب» وأيضاًً سرقاته الشعرية حين كان عبدالرحمن شكري يأتي له بالأصول الإنجليزية لشعره، وأيضاًً سرقاته المسرحية.. ويرى أن المازني كان يتطلع إلى الخلود، ويتساءل في نهاية الدراسة: ماذا تبقى منه؟ ويجيب فاروق عبدالقادر على سؤاله قائلاً: الإجابة واضحة، ما تبقى من المازني طريقته أو أسلوبه، «حيث كانت سخريته مهرباً وملاذاً، ولكنها لم تكن سلاحاً يشهره ضد واقع يريد له أن يتغير. كانت تنفيساً عن كاتبها وامتاعاً لقارئها» وفي موضوع آخر «لسنا نجد في عالمه كله من نجا من سخريته سوى أمه، التي أبقاها داخل هالة مكتملة من التقديس، تكاد تعزلها عن العالم» (4) ولا يختلف الأمر كثيراً مع طه حسين فيرى أنه كتب «الأيام» سيرته الذاتية بعد الحملة الظالمة التي تعرض لها بعد نشر كتاب الشعر الجاهلي «لقد هزته الحملة هزاً عنيفاً، وأحيت في نفسه الحساسة كل آلام الماضي ومرارته، فراح يملي هذه الفصول، يشفي بها جراح نفسه، ويكيد لمن كادوا له، ويبدي رأيه – من خلف ستار شفيف – في طبيعة تلك القوى التي ناوأته صبياً، وتكاد الآن – في رجولته – أن تحرمه كل شيء» (5)، وهكذا في الشخصيات الأخرى يمارس دوره كرجل مسرح، حيث يضع الشخصيات الأدبية على خشبة المسرح من خلال بناء درامي محكم لا من خلال نظرية أدبية، فلا تخلو الدراسات لهذه الشخصيات من الصفات التي ترسم صورة محكمة لها، فها هو يصف لويس عوض «حليفاً للتقدم صديقاً للحرية السياسية والمساواة الاجتماعية، داعية لإشاعة الإيمان بقيم العقل وإعلاء شأنها».
-5-
«أعود – في وحدتي – أنثر الأيام وأعابث الذاكرة وأدير منولوجات لا تنتهي ويخيل إلىّ أحياناً أن أصحاب الكتب والأعمال التي تراكمت – دون قراءة – ينظرون نحوي بلوم وعتب، فأقول لهم ولنفسي: لا يكلف اللـه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» (6) هذا هو فاروق عبدالقادر يقيم حواراً درامياً مع الكتب، مع أصحابها، ينظر إليها كعروض مسرحية ترقد في مكتبه، ربما تعوضه غياب المسرح الذي هجره «بالنسبة لي قضاء ليلة في هذا النوع من المسرح الحالي خسارة بعد أن سقط في كل آفات المسرح التجاري، أحاول أن أعوض المشاهدة بالقراءة للمسرح وعن المسرح، وأعرف أنك ستقول لي إنها لا تكفي ولا شيء يعوض المشاهدة، ولكن هذا هو المتاح.. وأقول لك إنه لا فائدة، فالمسرح سيستمر في تراجعه فحتى يتغير المسرح لا بد من تغيير الواقع بكل مفرداته السياسي والتجاري والاقتصادي والثقافي، لا بد من تغيير كل الظروف» (7) ولأنه كان يعرف أن الظروف لم ولن تتغير ولأنه انتظر طويلاً قرر أن يمسرح حياته ولا يذهب إلى هذا المسرح الذي يراه مزيفاً. ولم يكتف بالمسرحة من خلال الكتابة والكتب ولكن أيضاًً من خلال حياته وتفاصيله اليومية، كان يختفي عن أوساط المثقفين بعد أن اعتزل المسرح والمسرحيين، يختفي ليكتب ثم يهبط إلى وسط المدينة فيما يعرف بـ«نوّة» فاروق عبدالقادر يطوف المقاهي والحانات ويملأ ليل القاهرة صخباً وثقافة، بهجة وصراخاً، وأحياناً يستمر هذا العرض المسرحي أياماً ويستمر فاروق عبدالقادر في هذا الفضاء المسرحي لا يعود إلى بيته، إلا بعد أن ينهي هذا الدور؟ توقفت كثيراً أمام هذه الحالة النادرة التي كان يعيشها، ربما هرباً من الواقع والبحث عن زمن آخر، زمنه المفقود، وفي تلك اللحظات التي كان يغيب فيها عن وعيه عمداً مع سبق الإصرار والترصد كنت أشعر أنه فقد زمناً؟ أحب فاروق عبدالقادر المسرح فخذله المسرح والمسرحيون، منذ أن بدأ حياته وهو يتلقى الهزائم الواحدة تلو الأخرى، فحين تخرج عام 1958، وتقدم لنيل وظيفة في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، وعلى الرغم من اجتيازه للاختبارات، تم رفضه لعلاقته بالتنظيمات الشيوعية، وأخبروه في قسم مكافحة الشيوعية: «ألا يكفيك أن تتمشى في شوارع المدينة وتشم هواءها» في إشارة لحبس الآخرين، وخرج إلى الشوارع مكتفياً باستنشاق هواء القاهرة، وفيما بعد حين عمل في مؤسسة روزاليوسف وكان على وشك أن يتم تعيينه، تولى عبدالرحمن الشرقاوي، رئاسة المؤسسة، وكان فاروق عبدالقادر قد كتب قبل مجيئه عن مسرحيته «وطني عكا»: «وطني عكا: جيش الدفاع الإسرائيلي في خدمة القضية العربية» ما أغضب الشرقاوي، وفقد صاحبنا الوظيفة، وتكرر الأمر مع خروج محمد حسنين هيكل من الأهرام، جاء يوسف السباعي ليغلق ملحق الطليعة ويتعنت مع فاروق عبدالقادر وقرر أن يعامله كمحرر جديد، فخرج من الأهرام، ومن قبل كان قد خرج من هيئة الكتاب «وقد أسأل نفسي بعد كل هذه السنوات: هل أخطأت أم أصبت حين أدرت ظهري لذلك المبنى مكيف الهواء» (8) وأجيب من غير تردد: إننى أصبت الصواب كله، فقد امتلكت حريتي كاملة غير منقوصة، لا رقيب لدىّ في الداخل، ولا رقيب علىّ من الخارج، وهل ثمة أثمن من الحرية بالنسبة لكاتب؟.. كانت المرحلة التالية أشد هولاً، لكن هذا حديث آخر» (9) نعم كانت الأيام أشد هولاً، وفي تلك الفترة قرر أن يصدر كتابه الأول «ازدهار وسقوط المسرح المصري»، ولهذا جاء قصيدة رثاء في المسرح المصري.
 
-6-
ربما لم يقرر أن يكون ناقداً مستقلاً، إلا أنه انحاز إلى هذه الفكرة حين تحالفت كل الظروف لتجعله خارج المؤسسة الثقافية، على الرغم من أن مشروعه النقدي قد تأسس متأثراً بمشروع يوليو 1952، بل والبعض رأى أنه خرج من رحم هذه الثورة، إلا أن تلك المرحلة لم تنحز له أو تنصفه، صاغ مشروعه وفق هذا الزمن، فخذله، ومع هذا ظل يحن إلى أبطاله حتى رحيله، لم يتخلَّ عن قناعته بدور الكاتب في المجتمع ويقظة ضميره، فدائماً ما كان يبحث عن علاقة الفنان بالمجتمع في كل الأعمال التي كتب عنها «بإيجاز شديد أقول إن المسرح كان يمثل اهتماماً ثقافياً جاداً ومهماً منذ منتصف الخمسينيات، مع صعود تلك الموجة الجديدة من المؤلفين والمخرجين، وبدا للكثيرين أن هذا الفن يمكن أن يقوم بدور في ردم الهوة التي عمقتها مئات السنين بين الثقافة الجادة من ناحية، والجماهير من الناحية الأخرى، وحملت تلك الموجة من المسرحيين رسالة التطلّع نحو المستقبل، وكانت على جرأة وجسارة في طرح قضايا الواقع، حتى الجدل حول الشؤون السياسية المباشرة وجد طريقه إلى الخشبة، ومن ثم فقد اجتذبت أضواؤه عدداً كبيراً من الشعراء والقاصّين والروائيين ومدرّسي الأدب في الجامعة وسواهم» (10).
 
-7-
مات فاروق عبدالقادر، وفي العزاء جلست أتأمل الحضور الضئيل وأنا غير مصدّق، ربما عشرة أشخاص من المثقفين، قاعة العزاء فارغة / كمسرح هجره الممثلون، هل هذا عزاء الناقد الذي ملأ الدنيا صخباً، بعد العزاء عدت إلى المقهى(11)وجلست على كرسيه أتأمل الميدان، كانت قطعة صغيرة من السماء تلوح في الأفق على باب المقهى، وانتظرت أن يدخل المقهى ضاحكاً واثقاً سعيداً باستقلاله عن المؤسسة الثقافية الفاسدة كما كان يصفها دائماً، راضياً عن حياته، قبل أن يصيبه السأم فجأة، مات فاروق عبدالقادر في نفس اليوم الذي أُعلن فيه عن منحه جائزة التفوق من وزارة الثقافة، وكان طبيعياً أن يموت أو قُل يحتج على من منحه جائزة من الدرجة الثالثة، في حين يمنَح غيره جائزة مبارك (12) والتقديرية، وهو دون شك أهم من كل هؤلاء، فما قدمه للحياة الثقافية أكبر من كل الجوائز، ورغم حزني لفقد صديقي وأستاذي، فإنني كنت مرتاحاً لرحيله في تلك اللحظة بالتحديد، وكأنه يأبى إلا أن يقول رأيه بحدة كما كان يفعل في حياته، وحتى في الغيبوبة التي كان يعيش فيها منذ شهور ظل كما هو فاروق عبدالقادر، ولكن هذا ليس غريباً بالنسبة له أو حتى بالنسبة لوزارة الثقافة لأنه لم يكن يوماً ضمن رجالها أو داخل حظيرتها، بل كان كاتباً حراً بكل ما تعنيه الكلمة، جلس في هذا المقعد وراح يتأمل هذه القطعة من السماء والمارة يعبرون تحتها، ثم يقول رأيه كما يمليه عليه ضميره المستيقظ دائماً وفي كل يوم يخوض المعارك ويخسر الكثير ولكنه يربح نفسه دائماً.
الهوامش
1- تم نشر هذه الكلمات في صورة رسالة من فاروق عبدالقادر إلى المسرحيين (مجلة الإذاعة والتليفزيون 16- مايو9 200)
2 – في عام 1986 صدر كتاب «مساحة للضوء، مساحات للظلال» وهو مجموعة المقالات التي كتبها ما بين أعوام 1967، 1977، وهي المادة التي اعتمد عليها في كتابه الأول «ازدهار وسقوط المسرح المصري» الذي صدر عام 1979
3 – من أوراق الرفض والقبول
4- المرجع السابق
5- المرجع السابق
6- من أوراق التسعينات
7- رسالة فاروق عبدالقادر للمسرحيين (مجلة الإذاعة والتليفزيون)
8- يقصد مبنى الأهرام
9- نفق معتم ومصابيح قليلة
10- المرجع السابق
11- مقهى سوق الحميدية سالف الذكر ، وكان فاروق عبد القادر يرتاد هذا المقهى منذ ثمانينيات القرن الماضي مع الكاتب المسرحي نعمان عاشور والناقد المسرحي فؤاد دوارة ، وكان لقاء الأحد في هذا المقهي قد أسسه الناقد المسرحي فؤاد دواره وبعد رحيله في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، أصبح لقاء الأحد ، لقاء فاروق عبد القادر بالمثقفين . 
12- جائزة مبارك كانت الأكبر في جوائز وزارة الثقافة وتم تغيير اسمها بعد الخامس2011 والعشرين من يناير إلى جائزة النيل.

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …