أخبار عاجلة

من الجيل إلى الحساسية: في راهن الشّعر المغربي وجماليّاته الجديدة

تلوح لنا الجماليّات الجديدة التي يبدعها الشعر المغربي، منذ ما بعد الثمانينيات وإلى الآن، جديرة بالتأمُّل، لأنها قطعت مع ما سبقها، وكرّست وعياً جديداً بالمسألة الشعرية برُمّتها، بعد أن رفعت عنها السياسي والإيديولوجي، ويمّمت بوجهها شطر المغامرة، حتّى أنّ ما كان مُتخفِّياً ومأمولاً يصبح أكثر حضوراً في تجربة الراهن. لكنّ النقد لم يخض فيها بعد. فإذا كانت تجارب شعرنا السابقة قد أُثيرت حولها نقاشات، واحْتُفي بها من قبل الدارسين بنسبٍ معقولة، مثلما كانت أصواتها مكرَّسة وذات رمزيّة بحكم ارتباطها بمشاريع ومؤسسات كانت تعتبر الموضوع الشعري، الرِّسالي تحديداً، امتداداً لخطابها، فإنّ تجربتنا الشعرية الراهنة تتكلَّم اليُتْم، وتُواجه العماء، مثلما أن كثيراً من أصواتها لم تُسمع، أو لا تُسمع إلا بالكاد. من هنا، يُجهل لحدّ الآن ممّا فيه اعتبار داخل الراهن الشعري.
 ليس هناك من مسوِّغ، البتّة، أن يظلّ نقد الشعر المغربي كما هو، وأن يثبت خطابه على ميدان هيمنة السلط والكليشيهات، فلا يبرح مكانه. يجترّ النصوص نفسها، والأسماء نفسها، والمصطلحات نفسها، وهواء الحياة نفسه. وإذا لم يعد هناك ما يقوله، فإنّ عليه أن يتغيَّر، لأن الخطاب حول الشعر يتغيَّر لما يتغيَّر الشعر نفسه. لكنّه لا يتغيَّر، انتقائيّ وشكلاني وحاجب. لا ينظر إلى الأراضي الجديدة التي يحترثها الشعر المغربي، بقدرما ينظر إلى نفسه وانسجامه الخاص. ولهذا يظلّ هذا الشعر مجهولاً في كلّ مكان. الكلّ يكتب، ولكن لا سجال نقديّاً يضيء ويوجّه ويسمّي الأشياء بأسمائها، بلا ادّعاء ولا محاباة. وهو ما يستحقُّ تنويهاً إلى أنّ هذا الواقع خلق ما يُشْبه إجماعاً على واقع «الرعب في الآداب».
باتت هناك حاجةٌ ملحّة ومستعجلة لنقد حقيقيٍّ وصارم له هاجس الانتماء إلى هذا الراهن الشعري، يدرس خصوصيّاته، ويُقايس إضافاته النوعية ضمن تيار الحداثة الشعرية، ويكشف ما يتحكّم به من قوانين وأسئلة متنوّعة ومركّبة. 
إنّ راهن الشعر المغربي ينتظر من كافة المعنيّين، شعراء ونقادا وقراء، صياغة أجوبة لأسئلة من بينها مثلاً: أيهما أولى، الكتابي أم الإنشادي في مجتمع ذي أغلبية أمية؟ أيّ زخم يمكن أن تضفيه المعرفة الفلسفية على الممارستين الشعرية والنقدية بالمغرب؟ وأي موقع محتمل، في خارطتنا الشعرية، لشعراء قادمين إلى الشعر من معارف ومصادر وحساسيات وهوامش نصّية لافتة؟ أيّ متخيَّل يمكن أن يرخيه مصطلح الكتابة الشعرية النسائية؟ بل أيّ متخيل شعري وطني يجب أن نهندسه بصدد شعراء مغاربة يكتبون بلهجاتهم المحلّية [الأمازيغية، الحسانية والعامية]، أو بلُغات الدول التي تُضيّفهم في المهاجر بأوروبا وكندا وسواهما؟ هذه الأسئلة هي إشكالية واستراتيجيّة في آن؛ لهذا، يجب أن تكون في صلب الانشغال التنظيري والنقدي بصدد مجالنا الثقافي والأدبي، والشعري تحديداً. 
  بالنسبة لنا، ننشغل، هنا، بمثل هذه الأسئلة، ونستأنف التفكير في أهمّ القضايا التي يقترحها الشعر المغربي في راهننا، معرفيّاً وأنطلوجيّاً وجماليّاً. وبعد هذا، ليس بمقدور لا النقد الإيديولوجي بمسبقاته المتصلبة، ولا النقد النصي بعمائه التقنوقراطي، العبور إلى جوهر القصيدة والإصغاء إلى حيويّتها الدائمة. الحيويّة فقط، من ذاتٍ إلى ذات.
1. في الراهن الشعر وأجروميّاته: 
1.1. الناقص واستئناف الوعد بالآتي:
  نأخذ لفظة (الراهن) بمعناه الزمني، إذ هو الزمن الرهين لوقته ولحظته. الآن، الحاضر والمتعيّن حالاً ومآلا. وحين ننعت الراهن بـ(الشعري)، أو نقصر الشعر على راهنه، فإنّ الزمن سرعان ما يصير زئبقيّاً وأكثر هلاميّةً وتدفُّقاُ لا يحصر في قياس أو يتوقّف عند حدٍّ، أو على رهان.
    إنّا إذاً، نأخذ بـ (الراهن) إذا كان يسعفنا في الإلمام، ما أمكن، بخارطة الشعر المغربي اليوم، في اللّحظة التي يُصنع فيها مجهول معناه مأهولاً بدم الذوات ومداد الخطابات اللّذيْن يُهرقان  ـ ساعتئِذٍ ـ مستأنِفيْن الوعد بلغة الشعر وحداثته، عبر شتّى ترحيلاته ومكابداته بين الحضور والغياب، الذّاكرة والنسيان، النظام والفوضى. لهذا من البطلان القول باستقراء الراهن استقراءً تامّـاً، طالما أنّ مجهوله أكثر من معلومه، والمتحقّق أكثر من ممكنه. الراهن هو ما انتهى إليه زمن الكتابة في الشعر، في سيروراتٍ متشعّبة ترفد أكثر من معنى، أكثر من تاريخ؛ وهو، بهذا المعنى، ما يفتأ يتغيّر ويتحوّل، بحيث يستمرُّ في التشييد وإعادة البناء الذي لا يكلّ، شبيهاً بذلك التوتُّر الدائم الذي لا يهدأ بين الحاضر وما هو ضد الحاضر لأجل أن يظلّ الحاضر مغايراً. هذا ما يجعل من الراهن مفهوماً أساسياً يرجح، بنسبةٍ كبيرةٍ، العمل به واختباره.
   يسوقنا هذا الاعتبار إلى القول إنّ الراهن لم يعد يعني جيلاً بعينه، وإنّما تخلقه وتتفاعل داخله تجارب ورؤى وحساسيّات مختلفة، متمايزة وغير متجانسة في تصوُّرها للفعل الكتابي وتدبُّر طرائق إنجازه، بحكم تنوُّع مصادر العمل الشعري لدى الشعراء، واختراقاتهم المعرفية والجمالية لآفاق أخرى من الكتابة.  لقد صار كلّ جيلٍ شعريّ من أجيال القصيدة المغربية الحديثة، الممتدّة لخمسة عقود، يطبع قطاعاً نوعيّاً من جسدها الفتيّ بهويّته وأسلوبه ولغته وإيقاعات ذاته، أي بخصوصيّته حالاً ومآلا. لا يُفترض في الخصوصية أن تكون تحوّلاً أو ضرباً من القيمة المضافة، بل وجود كتابة أو حساسيّة أو رؤية من نوع ما، خاصّ ونوعيٍّ، تكرِّس قيمة من قيم التحديث المختلفة، وتعمل خارج السائد والمجمع الذي يشدُّ راهن الشعر إلى صيغ وأنماط وأشكال مطروقة، فيخذل زمنه.
 2.1. بوصفه سيرورة: من الواحديّة إلى التعدُّد
   في راهن الشعر المغربي نُصغي إلى هذه الحداثة، المتحوّلة باستمرار. تتبلور متخيّلاتٍ جديدة، وترتجف شُرَف الأيدي بالقول الذي يُمضي سؤاله الخاصّ في هذه اللحظة بالذّات، من أيْـدٍ ترعى ملكوت الأشواق إلى أيْـدٍ تتوهّج في العبور، وهي جميعها لشعراء من أراضٍ وأوفاقٍ وحساسيّات مغايرةٍ ترتاد أفقاً شعريّاً، وتفتح في ردهاته وعياً جديداً بالمسألة الشعرية برُمّتها. من أواخر الثمانينيّات إلى اليوم، أمكن لنا أن نتبيّن الملامح النوعيّة والجديدة التي تتفاعل في الراهن الشعري، وقد تأثّرت بعوامل سياسية وسوسيوـ ثقافية متسارعة وضاغطة، محلّياً وعربيّاً وعالميّاً: (أحداث 84 و90 التي فجّرها واقع القمع والظلم بالمغرب، سقوط جدار برلين، حرب الخليج، انهيار الإيديولوجيات الجماعية، صعود التكنولوجيات الجديدة، إلخ). 
  لقد شهدنا، خلال هذه المرحلة، حركة نشر ملحّة ومطّردة للشعر المغربي بكلّ أشكاله وتعبيراته، فتضاعف الإنتاج الشعري بشكلٍ لافت، إذ بلغ عدد العناوين الشعرية الصادرة في الثمانينيات (141) عنواناً شعرياً، و(351) في التسعينيات، وما يقارب من ألف عنوان حتّى الآن من سنوات الألفية الثالثة، بما في ذلك نحو مائة عنوان طُبع بالمشرق، بين بيروت والقاهرة ودمشق وعمّان تحديداً. كما ارتبط الارتفاع الكمي للإنتاج الشعري المغربي بديمومة توسًّع بنية منتجي الأعمال الشعرية، حيث انتقل عددهم من أقلّ من المائة شاعر إلى المئات، بما في ذلك حضورٌ لافتٌ للصوت الشعري النسائي الذي رفد خطاب الشعر المغربي بمتخيّل جديد ووشمه بتلويناتٍ وصيغ وتعبيرات كان في حاجةٍ إليها، بحيث إنّ عدد المجاميع الشعرية بصيغة نون النسوة لم يعد يُعدّ على رؤوس الأصابع، ولا رؤوس الأشهاد حتّى. ونعوز هذا الارتفاع إلى ازدياد دور النشر، وتعايش مختلف الأجيال الشعرية جنباً إلى جنب، وظهور قصيدة النثر التي بدت وسيلة تعبير الجميع حتّى لمن هم خارج تصنيف الشعراء. إلى ذلك، فقد امتدّت جغرافيا الشعر المغربي لتشمل هوامش وأطرافاً جديدة، ومنافي بأوروبا والولايات المتحدة وكندا. ولم يعد لسان الكتابة الأدبية، شعرها ونثرها، محصوراً في لغات كالعربية والأمازيغية والفرنسية، بل تعدّاها إلى لغاتٍ أخرى، أوربية تحديداً. ذلك ما فجّر المركز وعرّض وظائفه وتسمياته لتهوية غير مسبوقة، مما ترتّب عنه مراجعاتٍ فكرية وجمالية لا يزال النقد معطَّلاً عن إظهارها وتقويمها. ومنذ بدايات التسعينيّات من القرن العشرين، كان انتظم عدد من الشعراء في حركات وجماعات شعرية طرحت قضايا معرفية مغايرة في كراريسها وخراطيشها الرمزية (إسراف، أصوات معاصرة، الغارة الشعرية، البحور الألف، مكائد، دبُّـوس، المركب الشعري، كراريس تيزي للتداول الشعري)، وظهر إلى الشطح هيئات أدبية وثقافية جديدة تعنى بالشأن الشعري، مكمِّلة لاتحاد كتاّب المغرب لسان حال الأدباء الوحيد إلى ذلك الوقت، أو خارجةً عنه بما يُشبه الاحتجاج وعدم الرضى لواقع الأزمات التي كانت تضرب الاتحاد بين الفينة والأخرى، ولعلّ نذكر من جملتها: (بيت الشعر، رابطة أدباء المغرب، منتدى الديوان، جمعية الشعر المغربي المعاصر، صالون الأدب المغربي، إلخ)؛ فضلاً عن المهرجانات الشعرية التي تُقام باطّراد في المركز والهوامش، وتأسيس جمعيات الشباب الباحثين والمحترفات ومراكز البحث برحاب الجامعة المغربية التي بادرت إلى دورات ومحاور دراسية لمساءلة أوضاع الشعر بالمغرب، ومشاركة نخبة موسعة من الشعراء المغاربة في مهرجانات شعرية دولية، وبروز ترجمات للشعر المغربي الحديث والمعاصر إلى أهمّ لغات المعمور. لكلّ هذه الاعتبارات، نقول إنّها بصدد سيرورة تحديث، أو مرحلة انعطافٍ نوعيٍّ وكمّي بارز في مسارات الشعر المغربي الحديث ووجه ثقافتنا المعاصرة. 
 3.1. شعر أفراد لا شعر أجيال !  
  يتقاسم أفقَ الرّاهن، بدرجةٍ وأخرى، نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، فيما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة. وبدا يثبت، باستمرار، أنّ قصيدة النثر باتت لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها، بغير علم أو عن حسن نيّة إذا جاز القول. من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كان كثيرٌ من نماذج هذه القصيدة لا يرتقي، كتابيّاً، إلى مستوى الشعرية.
 وإذا كنّا نجد شعراء من أجيال متعاقبة، بما في ذلك جيل الستينيّات الريادي، ينتمون، فكريّاً وجماليّاً، إلى هذا الراهن، فإنّا وجدنا أفراداً من الجيل نفسه لا يكتبون بسويّةٍ واحدة، ولا يجمع بينهم فهْمٌ محدّد للعمل الشعري، ووجدنا أفراد الجيل والجيلين يشتركون في هذه الخصيصة أو تلك، ويتنازعون هذا البعد وذاك. ولا شك أنّ ذلك ممّا يُغني الشعر المغربي ويصنع حيويّته، بالقدر الذي يعكس من خلاله صراعاً ضمنيّاً بين حساسيّاتٍ وجماليّاتٍ متعارضة. هكذا، ينحدر شعراء الراهن من جغرافيّات وتُراثات ومرجعيّات متمايزة في كتابتهم للقصيدة، فلا يجمع بالتالي بينهم تصوُّر محدّد لتدبُّر آليات عملها. في الراهن الشعري، لم يعد شاعرٌ محسوباً على جيلٍ بعينه، بل صار منتمياً إلى مغامرة الراهن، وحساسيّته، ومعركته كذلك. فالشاعر محمد السرغيني لم يعد ستينيّاً، ولا محمد بنطلحة سبعينيّاً، ولا وفاء العمراني ثمانينية؛ بل إنّهم أبناء راهنٍ يتمّ هنا والآن، شرعيّون وذوو حظوة وشأو. وإليه ينتسب شعراء الحساسية الجديدة، والمهجريُّون أنفسهم.
إنّ ما يحكم مغامرة الراهن الشعري بالمغرب هو الاختلاف والتعدُّد، بسبب ما يحفل به المشهد الشعري من تعدُّد مثمر وحياة خصيبة وواعدة، ومن ثراء المتن الشعري المغربي المعاصر كمّاً ونوعاً، وتجاذب منتجيه من كلّ أعمار الكتابة وجمالياتها ورؤاها للذّات والطبيعة والعالم.
2. أفق بابل وما لا يقاس: 
تجارب، رؤى وحساسيّات جديدة
حتى نقترب من تلكم الجماليّات الجديدة التي تطبع راهن الشعر المغربي وتسمه بميسم الحداثة، نقترح سبعة مداخل قرائية ترسم أيقونات/ علامات الراهن الكبرى، فيما هي تنشدّ، بالدرجة الأولى، إلى إبستيمولوجيا الدالّ عبر شعرنته وتجسيمه وتصعيد مكبوته الداخلي، وذلك من خلال ما سنعرض إليها، تمثيلاً لا حكراً، في بعض الأعمال الشعرية الأساسية، بغضّ النظر عن الجيل الذي ينتمي إليه صاحب هذا العمل أو ذاك، إلّا ما ورد استطراداً وعفواً.  
1.2. شعريّة الأساتذة: الشعر بوصفه رؤيا 
  هم ثلاثة شعراء رادةٌ لا يزال عطاؤهم الشعري متواصلاً وعابراً للأجيال منذ عقد الستينيّات، بقدرما تُمثّل تجاربهم، بعكس مجايليهم، حقل إلهام مدهش باستمرار؛ إذ تختصر تجربة كلّ واحد منهم ما في معنى الشعر وكتابته من مكابدة وصبر وشغف دائم بالجديد، ومن تعقيد وثراء وتشعب أخاذ: محمد السرغيني، عبد الكريم الطبال ومحمد الميموني. هؤلاء الأساتذة يلتقون في كونهم أبناء جيل واحد، وفي أن الشعر رؤيا، صوفية أو إشراقية،  بسبب ما خبروه من فكر وساحوا في شعابه وأخاديده، وفي التأثُّر بالجوّ الحضاري الجارف الذي صادف في نفسهم ميلاً إلى التأمُّل برويّة والتفكير في الجوهريّ مُطلقاً. لكنّ سبل القصيدة تفرّقت بهم في حوار أيٍّ منهم مع نفسه وتأمله للطبيعة والعالم من حوله.
يتعقّب عبد الكريم الطبال، ابتداءً من ديوانه «البستان» فصاعداً، سوانح الرؤيا عبر قصيدة ذات نفس شعري، فيلتقط مخايلها وأسرارها في تفاصيل الحياة الصغيرة ومفردات الطبيعية المنسية، بكثافة شديدة وشفافية عالية وذائقة فنّية قادرة على أن تختزل الموقف في لقطة عابرة أ وفي تفصيل عابر يجعل من وعي الأنا بما حواليها بؤرته الحادّة. وهو، بهذه المعاني، الشاعر النسّاج الذي لا يغزل فحسب، بل يتابع ببصره وبصيرته ما يقع منه ويضعه في نسيج اللغة، ببساطة مدهشة. بينما ينحو مجايله الشاعر محمد الميموني، ابتداءً من ديوانه الثاني «الحلم في زمن الوهم» فصاعداً، منحى خاصّاً به في الذهاب إلى الرؤيا، وهو يتّخذ من الحُلْم ذريعةً بما يسمح له بأن يُفكِّك مسلمات لغة الإيديولوجيا التي كانت تحتمي بها أنا الشاعر، فيعيد بناءها وفق منطق الرمز والتمثيل الكنائي الذي يتسلّى مع النظام بقدرما يُفجِّره من الداخل. حفز الذّات على الحلم يُشكّل، بالنسبة لتجربة محمد الميموني الشعرية، مشروع تخطٍّ أو تجاوُزٍ لزمن الذي تتعالى فيه الأدخنة والحُجُب، كما يُقْدرها على استعادة البعيد والمحلوم به والهاجع في لا وعي الطفل الذي كانه، استعادةً تتمُّ عموديّاً ومن الصميم. من منطلق الحلم بوصفه كشفاً وانكشافاً للغة والجسد، ثُمّ تجاوزاً لوعي الأنا بالحاضر، نعثر، إذن، على تصوُّر الشاعرـ الحالم للقصيدة ـ الرؤيا التي لا تنتهي، إذ هي تنطلق في «رحلة كشف» مُبْحرةً في «مسلّة الكلمات»، وباعثةً لأشواق الأنا وإشرقاتها وانخطافاتها. 
   في مقابل لغة شعرية سلسة وبسيطة وشفّافة ذات وهجٍ صوفيٍّ وإشراقيٍّ كما لدى الطبال والميموني، نعثر عند الشاعر محمد السرغيني على لغة مفارقة تماماً، تنحو في أحايين كثيرة إلى سمات التشعب والوعورة والإعضال الدلالي. لقد انحاز هذا الشاعر مُبكّراً، بتأثير من خلفيّته الفلسفية والصوفية، إلى الاشتغال على اللغة، لغة الرؤيا بما هي فيض وحدوسات وتأتِّيات مباغتة، خارقاً نسقها الدلالي المعتاد عبر آليّات التوليد والانزياج والتجريد المشعرن. مثل هذه اللغة التي خبرها ولم يأْلُ جهداً في المعاناة معها/ معاناتها، لم يعد يهمُّه فيها الإفهام، ولا تطويع صيغ الشكل المطروقة لأجل التعبير، ولا أن يتصوُّرها كركام من الإسقاطات والتكرار كما حصل. ابتداءً من عمله الشعري «جبل قاف» ووصولاً إلى «احتياطي العاج» و«فوق الأنقاض تحت الأنفاض»، وجدنا الشاعر ما فتئ يبحث لمعجمه الخاص عن رافد جديد بعد أن يستنفد ما سبقه أغراضه. فبعد الرافد اللغوي التراثي والصوفي، ثُمّ بعد أن تعامل مع اللغة تعاملاً دلاليّاً (سيمانتيكيّاً) عبر الرمز وواقع الممارسة اللغوية اليومية، يُجرِّب الشاعر كتابة الشعر بلغة بدائية لا تهتمّ أكثر بالعلاقات التركيبية والمورفولوجية (حروف العطف وأدوات التوكيد، إلخ)، حتّى لا يكسب لغة الخطاب في الشعر طابعاً منطقيّاً، ويعيق دفق الشعر وأتيّه؛ لأنّه كلما بطلت جدوى الروابط اللغوية أُتيح للصورة الشعرية أن تبتعث قصيدة معبرة، لا أن تكون مركّبة أو متداخلة. 
 حَذِراً من الانحدار في هوة التفكير باللغة، ومن استهلاك اللغة على أنها نماذج استهلاكاً فجّاً، لا يتعامل محمد السرغيني مع التصوف كمعجم، بل كحضور يتوالد لحظة الكتابة، ويترعرع بعدها، ممّا يسمح باستبطان الأشياء بعفويّة، ويجعل البديهة متوقّد تهب اللغة جذوة الحياة، لا أسيرة بهرج وقيد أنماط مكرورة. عبر الرؤيا في تجلّياتها الصوفية والميتافيزيقية يتجاوز الشاعر مستوى الظاهرة البرّاني لينفسح أمامه المجال لخلق عالم مفارق يستند إلى جوهرنيّته هو نفسه، وفيه لا حوله. إنّنا بصدد تجربة وجودية بالمعنى الأنطلوجي للكلمة، وفيها يتحوّل العمل الشعري لديه إلى مزيج مدهش من المعارف، أو «الصنائع» بتعبيره.
2.2.المغامرة العروضية: 
داخل الإيقاع وعبره
   كانت تجارب هؤلاء الرادة، في انصرافهم إلى شعر الرؤيا حالاً ومآلاً، تتحرّك في لغة الإشراق بقدرما كانت تتمُّ داخل سجلّات الإيقاع العروضي ـ التفعيلي، إذ كانت كلّ تجربة تنتسج بعدها التلفُّظي من عبورها للإيقاع محسوساً، مرئيّاً، متقطعاً وغير مدرك. من ذات إلى ذات. ومع ذلك، فإنّ ما نُسمّيه بـ (المغامرة العروضية) كان يحدث عند شعراء آخرين من جيل السبعينيّات.
يحتفي الشاعر دريس الملياني، في معظم شعره، بالإيقاع أيّما احتفاء، حتى إنّنا نسمي الشعر الذي يكتبه «شعراً إيقاعيّاً»، أو شعراً «بملء الصوت» حسب تعبيره. لا ينفصل بعد الإيقاع لديه عن الدالّ العروضي وزناً وتقفيةً وتشطيراً، لكن لا يتقيّد به خالصاً، بل يُفجّره ويتسلّى معه تصويتاً وترقيصاً وتسجيعاً. وتنقسم الجملة الإيقاعية في شعر الملياني إلى نوعين رئيسيين: جملة إيقاعية قصيرة تتحرّك سطريّاً وتنتظم فيما بينها عبر قوافٍ متوالية ومتناوبة؛ وجملة إيقاعية متوسّطة مدوَّرة تدويراً جزئيّاً يستغرق مقطعاً بكامله داخل القصيدة، تتخلّلها قوافٍ داخلية ومتوازية قبل أن ترسو على قرار قافية تتجاوب مع قافية المقطع الموالي في الرويّ نفسه. وتتحرّك هذه الجمل، عروضيّاً، داخل أوزان البحور البسيطة، وهي: الكامل، الرجز، المتدارك، المتقارب والرمل. كما تنشدُّ في تكوينها الإيقاعي إلى حركة المعنى وسجلّاته الأسلوبية، فيتلوّن الإيقاع، صعوداً وهبوطاً، بحسب أفعال الكلام المتنوّعة ( نداء، أمر، استفهام، هزل، حماسة، تهكّم، إلخ)، بمقدار ما تكشف فيه عن ثراءٍ لغويٍّ واهتمامٍ عالٍ بآليّات التقفية والتوازي والتكرار والترجيع. إلى ذلك، يشغف الشاعر باستخدام صوتيّات رمزية ذات بعد ترتيليٍّ أو طقوسيٍّ أو باروديٍّ يمتحها من السجلّ المغربي (المحلّي- الأمازيغي)، في مثل عبارات: يووويويويويوووه/ آاااامي…ن/ دووونااااااا ايْ…. نِّي/ يترقرقرقرقرقرق، إلخ).
إنّ مثل هذه الإيقاعيّة ما يوحي بأنّنا بصدد غنائيّة صرف في شعر الشاعر، لكن هذا الأخير يعرف كيف يُكسّر أو يحدّ من بعدها الغنائي عبر توظيفه لآليّات موازية مثل السرد والحوار والمونتاج والتناصّ والانفتاح على أمكنة التاريخ والأسطورة، وهو ما يسم قصيدته في كثيرٍ من نماذجها بسمتٍ غنائيٍّ ـ دراميٍّ وملحميّ، مثلما في دواوينه «مغارة الريح»، و«تناريت: ألواح أمازيغية»، و«بملء الصوت» و«نشيد السمندل».
  في مقابل ذلك، نكون بصدد غنائيّة شفّافة طافحة بالحبّ والأمل المزمن، يضطلع فيها دال الإيقاع ببناء الذات وتنظيم معناها في عبورها اللغة والمكان والإيديولوجيا والتاريخ، كما لدى الشاعر أحمد بنميمون. لا ينفصل عمله الشعري بإجمال، عن إدماج الدال العروضي في تشييد الإيقاع؛ وبالتالي، في بناء قصيدته. لا يخطئ القارئ مدى ما تتكوّن به جمل هذه القصيدة من غنى إيقاعيّ في بعديه الصوتي والخطّي معاً. فإلى جانب الجملة الإيقاعية القصيرة والمتوسطة، يطوّر الشاعر عمل الإيقاع إلى جمل طويلة مدوَّرة تدويراً كليّاً أو شبه كلّي كما في ديوانه الأخير «تأتي بقبض الجمر»، حيث انتقل البناء الإيقاعي من السطر والمقطع إلى الكتلة، إذ صارت الجملة الشعرية تأخذ شكل هيئة استرسالية تستغرق جسد القصيدة، فتتداخل وقفاتها الثلاث (العروضية، التركيبية والدلالية) وتلتبس حدودها النصية بعضها ببعض. 
شعراء آخرون مجايلون لهذين الشاعرين، عملوا على الإيقاع، فارتفعوا به كدالّ رئيس في بنية القصيدة، وجدّدوا فيه بنسبٍ متباينة. لعلّ أهم هؤلاء من الأحياء، نذكر: علال الحجام، مالكة العاصمي، أحمد بلحاج آية وارهام، محمد عنيبة الحمري، محمد الشيخي، مصطفى الشليح ومحمد علي الرباوي.
وإذا كانت هذه التجارب الشعرية أولت اهتماماً بالصوت سماعاً وإنشاداً، فإنّ هناك تجارب، مجايلة أو تالية لها، قد ربطت دالّ الإيقاع بالرؤية أو العين، فاهتمّت بالخطّ وتدبير فضاء الصفحة أو بياضها في سياق ما اصطلح عليه بالقصيدة الكاليغرافية (الكونكريتية) أوّلاً، أو بالكتابة وإعادة الكتابة تالياً؛ وذلك ما دفع بالمغامرة إلى ضفافٍ أخرى. من إيقاع إلى إيقاع.
3.2. فضاء الكتابة: 
من الأيقونة إلى الصمت
 ظلّ الشاعر أحمد بلبداوي، ضمن آخرين ماتوا أو سكتوا، وفيّاً لنزوع القصيدة البصري أو الكاليغرافي. منذ ديوانه «سبحانك يا بلدي»، مروراً بـ«حدّثنا مسلوخ الفقروردي» و«هبوب الشمعدان» و«تفاعيل كانت تسهر تحت الخنصر»، وانتهاءً بـ«حتّى يورق ظلّ أظافره»، نكتشف شغف بلبداوي بالخطّ الذي يُشكّله بيده هو: مغربي، راعش بحركة جسده، مائل، سميك، متتمرّد على استبدادية اليمين، ناتئ، أجوف، مترنّح، غامق، ذائع، إلخ. إنّ لليد وحركاتها، هنا، ما يحقّق للصفحة الشعرية جماليّتها الكاليغرافية، وتدبير الصفحة العلامي-البصري المائز، ودلاليّتها الخاصة، ويحقّق توقيع الشاعر الشخصي نفسه. إنّ مقصديّة الكتابة لدى الشاعر في إغواء العين واستمالتها لَممّا يعطل الدالّ الصوتي تقفيةً وتكراراً وترجيعاً؛ وهو إذ يؤثر من الأوزان الشعرية بحر الخبب إنّما بسبب رخصه العروضية الكثيرة (فَعْلُنْ، فَعِلُنْ، فاعِلُ، فَعْلانْ، إلخ)، وما يترتّب عليه من تنوُّع إيقاعي صعوداً وهبوطاً، لا يتقيّد بتركيبٍ وتد- سببيٍّ محدود الإمكانات كما في باقي البحور. ذلك ما يتيح للشاعر أن يُناور كتابيّاً، فهو لا يهمّه من الكتابة بعدها العلامي- الأيقوني، بل يتعدّاه، أو بالأحرى يستغلّه، لتحقيق بعد بلاغيّ أكثر خطورة، يتجلّى في استثمار متواليات النفس السردي- الحكائي وخطاب الباروديا الذي يسخر من الأشياء بقدرما ينزع عنها قدسيّتها. إنّ ما يحقّقه بلبداوي في فضاء كتابته ليس تعطيل البعد الصوتي فحسب، بل تقويض ميتافيزيقا المعنى وثنائيّته.
  شاعر آخر بدأ كاليغرافيّاً شأنه شأن بلبداوي، إلّا أنه سرعان ما نحا بكتابته إلى أفق آخر. لا يمكن اليوم أن نفصل ما يكتبه محمد بنيس عن وعيه النظري للشعر في «بيان الكتابة» الذي أصدره في بداية الثمانينيات، ثُمّ عن «كتابة المحو» تالياً. ترتدُّ مجمل أعمال هذا الشاعر، ابتداءً من ديوانه «ورقة الهباء»، إلى وعيٍ كتابي- تشكيليٍّ كان ينظر إلى الكتابة كممارسةٍ تشْكُل في علاقتها بـ(المكان) و(الجسد)؛ وهو ما بلبل، من داخل اختياراتها العروضية- الإيقاعية، حدود البيت الشعري وتناظراته، إذ بدا البيت يأخذ أوضاعاً متبدلّة منتظمة حيناً، ومشظّاة حيناً آخر، أي الصّفحةُ كاحتفالٍ: استرسال. تدوير. تفضئة. أسلبة. التباس الوزني بالنثري. 
داخل الكتابة كما يقترحها محمد بنيس، هناك أكثر من نصّ يتحرّك أفقيّاً وعموديّاً، ومن الأعلى إلى الأسفل، غير منقطع ٍ عن بنيته الوزنية (الخبب، الكامل والوافر)؛ فيما يكفّ البياض عن يكون محايداً ليصير عنصراً دالّاً ذا اعتبار في مسار إنتاج المعنى، ودلاليّة الخطاب. إنّنا أمام مقترحٍ كتابيٍّ يُدخل (البيت الشعري) في أزمة مفهومٍ وتلقٍّ، بحيث تخلو تشكٌّلاته عبر الخطاب من عناصر القافية والوقف والترقيم، فلا يشتغل إلّا المكان (الحيّز، السند) متدفّقاً يتسلّى مع أبعاد الصفحة الشعرية ويخيّب إحداثياتها. بهذا التصوُّر، يقترح الشاعر علينا كتابة متحرّكة تختطُّ إيقاعها في علاقته بالجسد وحواسّه، وهو ما يتأكّد في دواوينه الأخيرة، إذ يستدعي ذرائع جديدة للعبور بتجربة الكتابة إلى ضفاف زرقاء: الدُّوار، الانتشاء، التلاشي، إلخ. 
 أمّا الشاعر المهدي أخريف فإنّه يختبر تصوُّره للكتابة داخل القصيدة الطويلة التي تسرح يها الدوالّ في كل اتجاه: القصيدة باعتبارها شِعْباً كثيفاً من الرموز، والأبعاد، والشذرات، والتبئيرات، والاسترسالات الغنائية المتقطِّعة أو تهويمات الأنا المُفضّأة في علاقتها بالآخر/الأنت. لنقل، بتعبيره الخاصّ، إنّها (فقاعات حبريّة)، وإنّ مجموع ما يجري فيها ويتمتدّ ويتناسل منها إنّما يحدث بـ (محض صدفة). 
في مثل هذا التصوُّر، يتكشّف وعي الشاعر بمادّة الكتابة وماديّتها. الكتابة التي تُواجه حُبْستها، وتشعّ في عبور البياض الذي يتعيّش، بدوره، على فائض المعنى ويكفّ عن يكون بياضاً فقط، داخل بناء لولبيٍّ يعبره الإيقاع، الصوتي والخطّي، محسوساً، متقطّعاً، لامرئيّاً وغير مدرك، على نحوٍ يكشف عن قلق الذات الكاتبة ونواياها في مسعى ما تنصرف إليه. لا نسقَ قبليّاً، ولا خارج: يمزج بين الوزني والنثري، ينتهك نسق العروض ويرخّص لنفسه من أعاريض البحر الواحد ما لا يجوز. لكن أخطر ما في هذا التصوُّر أنّه يُفكّر في الكتابة من داخل الكتابة نفسها: الشعر والميتا شعر. فحدوسات الشاعر وانطباعاته ومفهوماته يسوقها عبر كتابته، كما أنّ الكتابة نفسها تدلُّ على ما تُفكّر فيه وتشير إليه من الدوالّ والتيمات، فينعشها كفعل ومتاه: الغياب، الصمت، الحلم، الخيال، النسيان، الموت، الإيقاع، الزمان، الحبر، إلخ. كما أن اختياره لعناوين مجامعيه الشعريّة ليس أقلّ دلالة وتبئيراً، بما في ذلك «الثلث الخالي من البياض».
 من داخل فضاء قصيدة النثر، ووعيه الكتابيّ للشعر، يقترح الشاعر صلاح بوسريف مفهومه الخاص للكتابة، متجاوباً مع تجاربها الموازية الأخرى ومنفصلاً عنها في آن، بديلاً عن القصيدة كـ«اختيار تامّ ونهائي» يحمل شفاهيّته، كما في نظره. ينبغي أن تقرأ الكتابة كعلاقات حادّة تتمّ في اللغة وعبرها، كما لم تُقرأ من قبل. من الكتابة إلى إعادة الكتابة، إذ ليس ما يُكتب هو ما يهمّ داخل فضاء الصفحة، بل ما يُشكَّل ويُعاد توزيعه خطّياً ومقطعيّاً، متوتّراً في البياض والفراغات والخطوط، كما في علامات الترقيم التي تستعيض عن القاع الصوتي لنص الكتابة بقدرما تختطّ دلاليّته، وتتلألأ. إنّ أنا الكتابة، هنا، لها حساسيّة في ما تراه وتنزع إلى رؤيته بشكلٍ مُفارقٍ، ولامرئيّ: يقول: «يدي/ كانتْ تُزاول النسيان/ ولساني/ كان أوْشَك أن ينام في خرسه» (شرفة يتيمة، ص27). 
 ذلك ما نكتشفه على الأقلّ، في «شرفة يتيمة» و«مشارف اليتم»؛. وهو ما يجعله يقوّي في مُقام كتابته حضور الدالّ الشعري بأضلاعه البلّورية الكثيفة التي تتراقص على أجناب الصفحة، وبالتالي يجعل الكتابة، باعتبارها نَصّاً دينامياً مفتوحاً يتجاوز حدود النوع، قابلة للاشتغال ومتجاوبة مع شرطها الكتابي باستمرار.
لقد بدا أنّ هذا النوع من الكتابة يطرح جماليّات مغايرة في فهم العلامة الشعرية وتأويلها من منطقٍ يُشتِّت الفضاء، ويُحطّم علاقات الزمان والمكان، ويُفجِّر وحدة العلامة وانسجامها العقلاني، فيما هو ينتهك احتمالات الدلالة ويعطي أسبقيّةً لمحسوسيّة الدالّ وامتداده مرئيّاً ولا مرئيّاً. .
4.2. كتابة الشظايا، أو علم 
جمال اليوميّ شَذْراً وسُخْراً
   ابتداءً من هذه التجارب المتزامنة والممتدّة، وفي سياق قصيدة النثر والتأثُّر بنماذجها الكبرى، كان الوعي لدى الشعراء بِشَرط كتاباتهم الكتابيّ يتقوّى ويبرز بشكل مُطّرد، حتّى وجدنا لديهم، نتيجة ذلك، ضروباً من الكتابة التي لا تخضع لقواعد، أو على الأقلّ تفرض قواعد خاصة بها تُفجّرها من داخلها، وقد مالت أكثر إلى القصر والاقتصاد في اللغة والتكثيف، وإلى تشظية وعي الأنا بنفسها وبالعالم، مثلما عملت على تشذير البناء النصي وأولت الدالّ الأسبقية في تشييد متخيَّلها وتفجيره في آن. ففي مقابل تجانس الانسجام الذي تشدّ أجزاءه رقاب بعضها ببعض، تصنع الشذرات «نصّاً» متشظّياً، كثيفاً، مفارقاً، شفّافاً، متعدّداً ومفتوحاً. وهو ما دشّن، في حقيقة الأمر، أسلوباً جديداً في الكتابة وحياتها.
 وبموازاة مع هذا القلب الكتابي، وترتيباً عليه، لم يكن مثل هذه الكتابة مجرد شكل أو أسلوب، وإنما كانت تحمل محتوىً يعكس فلسفة ما، وفهماً خاصّاً للذات والكتابة واللغة والعالم، إذ يطبعه روح المفارقة، ويقف ساخراً أو لذوعيّاً أو غير مُبالٍ من حياتنا المعاصرة في شكل ومضات وتشذُّرات تفكّك وهم الواقعي وترصد «منطق الخلل» الذي يهيمن على تلك الحياة ويطبعها؛ فظهرت الكتابة الشذرية نافرةُ من ذهنيّة النسق وأقل رزانة وأقرب الى التأمل الداخلي والمرح الديونيزوسي. 
لقد أصغى الشعراء «الشاذرون» إلى اليوميّ ونثروا جماليّات دمامته شذراً، وجعلوا ممّا يكتبونه نوعاً من «سيميولوجيا للحياة اليومية» التي يزخر بالصور والقيم والعلامات، إذ لا أخطر من تستمدّ الشذرات فعاليّة معناها من بلاغة الشعر الذي يُفارق ويُواجه ما هو معطى فيما هو لا يتحدّث عن الأشياء التي توجد في الخارج إلّا لتسميتها أو إعادة خلقها من جديد، بحسب بنيته المفتوحة التي تقوم على استراتيجيات الانزياح والاستبدال  واللعب باللغة ونظمها الاستعارية، وذلك ما  يجعل الغياب في اللغة هو الأصل، وليس الحضور. النسيان، وليس الذاكرة.
ولعلَّ أهمّ من نعثر لديهم هذا الوعي الجديد في تمثُّل الكتابة الشذرية أو المقطعية بأضربها التي تطول وتقصر، فيما تعبرها صيغٌ من فنون الومضة والهايكو والأمثولة والنبذة وحكمة الخسارات، نذكر: محمد بنطلحة في «قليلاً أكثر»، ومحمد الأشعري «كتاب الشظايا»، ومبارك وساط في «فراشة من هيدروجين»، وحسن نجمي في «على انفراد»، وسعد سرحان في «نكاية بحطّاب ما»، ومحمد الصالحي في «أتعثّر بالذهب»، وعبد السلام الموساوي في «هذا جناه الشعر عليّ»، وعزيز أزغاي في «الذين لا تُحبّهم»، وجمال بدومة في «نظّارات بيكيت»، تمثيلاً لا حصراً.
5.2. تأنيث الكتابة: من الاسم
 الجريح إلى الجرح نفسه
علاوةً على الغياب الطويل الذي تُكرّسه كتب الأدب والتاريخ عنها لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت بآليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها، فإنّ المرأة كشاعرة في المغرب لم يثبت حضورها إلا منذ عهدٍ قريب، بعد أن صودر صوتها في ميدان الشعر ولم تكن بالنسبة له إلّا موضوعاً أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية التي ازدهرت خلال العصرين الموحدي والسعدي. وإذا كان العلامة عبد الهادي التازي قد ذكر في كتابه (المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي) ثلاثة وستّين منهنّ بمن فيهنّ أم النساء بنت عبد المومن، وحمدة العوفية الملقّبة بخنساء المغرب، وحفصة بنت الحاج الركونية، إلّا أننا لا نجد لهنّ إلا شذرات غائمات لا تفصح عن شخصية إحداهنّ على الأقل.
   هكذا، لم تظهر أول مجموعة شعرية نسائية إلا في العام 1975م، موسومة بـ «أصداء من الألم» لصاحبتها فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي. أضمومة شعر متواضعة فنّياً، لكنّها كسّرت صمتاً مُريباً وكثيفاً خيّم على وجود المرأة وكينونتها لسنين عددا.
 وكسّرت طوق الخوف عمّن كانت تحتفظ بما تكتبه لأرشيف أوجاعها، وإذا نشرته وَقّعته بأسماء مستعارة. وابتداءً من التسعينيّات، سوف نشهد إقبالاً من لدنهنّ على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظمت في بدايات الألفية الجديدة التي أطلقت زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني، حتّى طاولت المئين مجموعةً شعريّةً اِستبدّ بأكثرها اللسان العربي فصيحاً ودارجاً، بالقياس إلى الأمازيغي الناشئ والفرنسي المدعوم، وقد بزّ فيها الشعر غيره من أجناس القول، كأنّه الأثير لديهنّ لِيقُلْنَ صمتَ النساء.
وفي خضمّ ذلك، أُثيرت مصطلحات من قبيل «الكتابة النسائية» و«أدب المرأة» و«كتابة الأنوثة» داخل حقل الشعر، متجاوباً مع بعض الداراسات الثقافية، وقد صار في تأويله بما يُشبه تقسيماً جنسانياً لمفهوم الأدب لم يخل من أحكام قيمة. لكن من الحقّ أن نقول إنّ ذلك لن يمنعنا من أن نستشفّ من تلك الكتابة ما نميّز فيه أنا الأنثى وهُويّتها ومُتخيَّلها، وما حقّقته بِجُمّاع ذلك من إضافات نوعيّة، راهناً وترهيناً.
إنّ أمامنا اليوم متناَ شعريّاً بارزاً، متأتّياً من مجموع ما تكتبه شواعر المغرب، يسمح لنا أن نُقرّ بوجود كتابة شعريّة تتكلّم صيغة المؤنّث وفتنته، ومفعمة بالنّفَس الأنثوي الذي سرى في جسد اللغة وفتّت آليّاتها، وأعاد تسمية كثيرٍ من مفرداتها المادّية والرمزية، بفضل التهوية التي أتاحتها أناها الكاتبة وهي تضع إصبعها في الجرح، وتسمّيه بنفسها، متمرّدةً ومتأمّلةً وونابضةً بالعاطفة والشهوة وبوجدانها الخصب الذي يتكلّم عهوداً من التاريخ الشخصي الموجع والتجربة الوجدانية المشعّة. وبهذا المعنى، رفضت أن تكتب نصّاً تحت أطر القولبة أو تطمئنّ إلى التنميط الذي يستغرق غنائيّتها أو شفافيتها الخاصّة، فبدا قاموسها الشعري هامساً وعفويّاً، وتماوج إيقاع خطابها بأنفاس غوايتها وشروخ جسدها، وتراقصت على أطراف كتابتها مخايل من هشاشتها وحياتها الصغيرة.
هذا الإقرار الذي نسوقه ليس مُجرّد أحكام قيمة مسبقة عن المنجز في نصوص المتن وأجرومياته، بل هو استنتاجٌ تدمغه ملفوظات بنية الجملة الشعرية، من جهة؛ ويومئ إليه المتخيّل الشعرية الذي يشتغل في غفلة عن الذوات ويُوجّه مساراته في كلّ ديوانٍ على حدة، من جهة أخرى.
عندما نُصغي إلى أهمّ تجارب الشعر النسائي المغربي أمكن لنا أن نرصد آليّات تشكُّل الأنا الشعرية وما يترتّب على مُتخيَّلها من فهم خاص للذات والأشياء والعالم، يختلف من ذات إلى ذات. فإذا كانت شاعرة مثل مالكة العاصمي أثبتت، ابتداءً من ديوانها «كتابات خارج أسوار العالم»، ارتباط تجربتها بمشاغل فكرها السياسي والنضالي الذي أملى على أناها المتمرّدة والمُحرِّضة أن تُجابه السلطة وتصرخ في وجه الواقع وتكلُّسه وخذلانه، بدون أن تضيع بوصلة الأمل واستشرافه كما في ديوانيها التاليين «شيءٌ له أسماء» و«كتاب العصف»؛ إلّا أن شواعر أخريات انصرفن إلى كتابات تضوع بروائح الأنثى، وذلك ما:
بين سعيها إلى المطلق الذي يحرّرها أناها من سلطة المعنى ويستبدل به معنى أن تقول شفوفها الرؤياوي- الجوهراني بلغة إشراقيّة وغنائية تتلألأ بمجازات الكشف والرؤيا، وهو ما يتيح للأنا أن تتجوهر في الصميم من هويّتها الكيانية المهدورة، وأن تبصر بضوء المحبة أعماق الحياة رغم ما فيها من زيف وخداع، كما لدى أمينة المريني ولطيفة المسكيني وأمل الأخضر ورجاء الطالبي وفتيحة النوحو؛
(البقية بموقع المجلة على الانترنت) 
 
 
وبين توهّجها في عبور الطبيعة الحيّة بأسطقساتها الأربع (الماء، الهواء، النار والتراب)، حيث تُطْلق الأنا أجنحتها المنقوعة بماء الحبّ الذي تنثره ببساطة في كلّ ركْنٍ منها كريم، حتّى وإن كانت شواهد الفقدان والموت تلتمع من كُواها، كما لدى عائشة البصري ونجاة الزباير وإيمان الخطابي وصباح الدبي وحليمة الإسماعيلي ونسيمة الراوي؛
وبين عكوفها على الجسد الذي تُحرّر معناه إذ تُسمّي حواسَّه وتقضُّ مغاليقه وعلاماته وخباياه الهاجعة، وهو ما يستدعي احتفاءً بالحياة التي تقدح النزعة الديونيزوسية الولوع بأفراح الروح ومباهج الأنا بما فيها من رغبةٍ وبوحٍ وحميمية، بدون أن تسفَّ أو تنحدر إلى ابتذال، كما لدى وفاء العمراني وثريا ماجدولين ووداد بنموسى وإكرام عبدي وفاتحة مرشيد وفاطمة الزهراء بنيس وعلية الإدريسي البوزيدي؛
وبين احتمائها بالذاكرة حيال عالم متيبّس طاعن في اليأس واليباب، إذ تنثرها في شكل شذراتٍ مكثّفة وموجعة لا تتكلّم إلا الغياب بلغة سوريالية أو قريبة منها، بدون أن يقعد بالأنا الشعرية عن طلب الخلاص، كما لدى لبنى المانوزي وفاطمة موادي ووفاء الحمري ونعيمة فنو.
عدا الأسماء التي ذكرت، هناك عشرات الشواعر بين شاعرة ملتزمة ربطت شعرها بتحرير معنى هويتّها كأنا جمعية، أو موهوبة تشقّ طريقها بصمت، أو متلفّعة بلباس فضفاض لم تعثر بعد على أسلوبها الخاص، أو متردّدة بين جنسي السرد والشعر إذ لا موطئ لقلمها في أحدهما بقوّة.
    من أنا الكتابة ضدّ السلطة إلى كتابة الذاكرة، مروراً بالكتابة الإشراقية وكتابة الجسد والأسطقسات الأربع، لم تذّخر شواعر المغرب جهداً لتوطين متخيّلاتٍ كتابيّة مشبعة أنوثةً في رؤيتها إلى العالم، عابرة لأكثر من بناء نصّي، غنائي ودرامي؛ ووعيٍ شعريٍّ، صوفي وجسداني وسوريالي. من الآن فصاعداً، لن تكون هشاشة الأنثى، بما هي قدرها الأنطولوجي، إلّا قوّة استبصارية تُطْلق الذوات والتوضُّعات والمصائر من عقالها، في الكتابة وعبرها.
6.3. بروز ظاهرة المهجريّة
   بعد أن هجر عشرات الشعراء من الشباب بلدهم إلى دول وفضاءات جديدة، في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، فضلاً عن آخرين من أقرانهم رأوا النور فيها وسط جالية مغربية كبيرة، وما ترتّب عليه من تأثّرهم بالثقافة والمحيط الاجتماعي الجديدين، ممّا وسم كتاباتهم الشعرية في مجملها بسماتٍ خاصّة، أمكن لنا أن نتحدّث عن واقع المهجريّة وأثرها في شعرنا الراهن. وإذا كان هذا الرعيل الأول من كتّاب المهجر المغاربة كان يعاني من تلك العلاقة المتوترة مع لغة الآخر المُسْتعمِر، الفرنسي، مُتحوِّطاً من أن تستدرجه إلى مواقعه الفكرية والسياسية، فإنّ هناك جيلاً جديداً هاجر أو ولد ونشأ بالمهجر، بدا مختلفاً وهو يكتب مُتحرّراً من عقدة الأجنبي، وأصبحت اللغة التي يكتب بها أداةً تعبيريّةَ للبوح وارتياد الحرّية وآفاق الكتابة، سواء لدى من يكتبون بلغة الدول التي تُضيِّفهم، أو باللغة العربية لدى أكثرهم ممّن هاجر وقد اشتدّ عوده وطال حنينه نحو وطنه. 
  وانطلاقاً من التحوُّل الجذري اللّافت الذي طال مسألة الهجرة والوعي بها، وعلاقتها المتوتّرة بالكتابة، بالقياس إلى ما كان متداولاً قبل عقدين أو ثلاثة، يبرز لنا كيف تعقّدت وضعيّة شعرنا اليوم، وهو يعكس الانتماء الصعب والمركَّب إلى عالمين متناقضين، وثقافتين بينهما عناصر توتُّر. وإذا كان ذلك يشكّل مصدر ثراء واختلاف بالنسبة للأدباء الشباب من الجيلين الثاني والثالث، إلّا أنّها بالنتيجة تسم كتاباتهم بروح التساؤل والحيرة واللّايقين والقلق بإزاء موضوعات اللغة والذات والمكان، إلى حدٍّ يقوّي لدى عدد غير يسير منهم الشعور الحادّ بالمنفى وانشطار الهويّة. مع ذلك، وترتيباً عليه، يُشكّل نتاجهم الشعري قيمة مضافة لأدبهم الوطني الأصلي، وهم يُدْخلون «رَعْشاتٍ» جديدة في أنساغه واساليب رؤيته وتعاطيه مع أسئلة العالم، منخرطين، بالتالي، في إعادة صوغ الهويّة الفردية والجماعية للمغاربة المتجدّدة في تعدُّدها وانفتاحها وتطوافها. وفي هذا السياق، يجب أن ندرك أنّ جزءاً مهمّاً من أدبنا يتشكّل في المهاجر بلغاته العربية والفرنسية والإسبانية والهولندية والألمانية والإنجليزية والإيطالية، بل حتى باللغات الإسكندنافية. 
 ومن جملة الإشكالات التي عليها أن تتصدّى لها، هذا الإشكال: عن أيِّ مُتخيَّل شعري وطني يجب أن نهندسه بصدد شعراء مغاربة يكتبون في المهجر، مُوزّعين بين ثقافتين وضفّتين؟ وهل بإمكاننا اليوم أن نتحدّث عن جيل المهجريّين في الشعر المغربي، ولاسيّما بلغته الوطنية، حيث تجدهم أمام نداء لذوات مشروخة ومحفوزة في مرايا التاريخ والمطلق، ومن ثمّة تكون الجغرافيا المقياس في التنظير والتحليل بدلاً من التاريخ، والمهجر المكاني بدلاً من التحقيب الزّمني؟ 
  وإذا كان المهجريّون قد جمع بينهم قدر الهجرة والاغتراب، إلّا أنّ سبل الكتابة والحياة، مُنْصتين لنوع التمايزات في شكل الكتابة وانبناء الذّات واللغة والمتخيّل والتيمات، ولنوع الموقف الذي يتّخذه كلُّ شاعرٍ من ذاته ومن الآخر، وكذلك من الشعر نفسه، لم يكن إلّا ليفرِّق بينهم. فقصيدة النثر، قدر كتابتهم الأنطولوجي، لا يكتبونها بسويّةٍ واحدةٍ، وذلك استناداً إلى مصادرهم في الكتابة والمرجعيّات الفكرية والجمالية التي يمتحون منها. لدى عبدالإله الصالحي  في ديوانه «كلّما لمستُ شيئاً كسرته»  قدرةً على التقاط تفاصيل الحياة بتفاهاتها حتّى، والتعبير عنها بطريقةٍ تمزج بين اللذوعيّة والكلبيّة، مثلما نجد احتفاءً بالذاتية بالغ الفجاجة. وفي (أكرهُ الحبّ) ، نجد لدى طه عدنان مُقاومة رمزيّة ومعكوسة لا تًهادِن واقعاً تحياه وتتعيَّش على تناقضاته في حياة العولمة وصورها المنثورة في كلِّ مكان. وفي «زغب المياه الراكدة»، نجد لدى محمد مسعاد وعياً حادّاً بمسألة الدالّ الشعري تخييليّاً وجماليّاً، بحيث تشفّ عن عملٍ بالغ القيمة لشعرية الجسد في تأويلها الإيروتيكي للغة. وفي «بالصدفة، نثر الفصول» و«أسمدة تليها حالات»، نجد لدى احساين بنزبير شعريّةً للسلب تعمل على نقض العقل الدلالي للصورة، وإحلال اللّعب الصدفوي محلّه. وهكذا، فإذا كان عبدالإله الصالحي وطه عدنان يهتمّان بالمدلول الشعري وأخلاقيّات كتابته، فإنّ محمد مسعاد واحساين بنزبير انصرفا إلى الدالّ الشعري وجماليّاته، إيجاباً وسلباً. وهي تجارب تقيم، جميعها، في المسكن التُّخومي وتخرج عنه إلى آفاقٍ أرحب خارج التخوم 
 إلى جانت هذه التجارب التي تمثِّل إضافات لحداثة الشعر المغربي، هناك تجارب أخرى لا تقلّ اعتباراً وإصغاءَ لزمنها من مثل تجارب جمال بدومة، وأحمد لوغليمي، وعبدالله كرمون، ومحمد ميلود غرافي، عبد الإله صحافي، وأسماء غريب، وغباري الهواري، وريم نجمي، ويونس بن ماجن وغيرهم. ومن اللافت أنّ أكثرهم قد نذر شعره لفضح الحضارة المادية المعاصرة، إذ لا تكفّ الأنا عن نقدها والسخرية من داخل مفردات هذه الحضارة نفسها، ولا سيّما التقنيّة التي أغرقت الجوهري والإنساني في عصر الأتمتة العولمي الذي سلّع كلَّ شيء من الرغائب والملكات والقيم والأخلاق، وجعله عرضة لهواء فاسد من الكبت والاختناق؛ وبالنتيجة، حوّل الكائن إلى مخلوق لاهث يُقسِّط عيشه بحسب الوتيرة السريعة للزمن.
  كما من الطريف أن نستشفّ لدى بعضهم وعياً يستضيء بمثل عبارة جيل دولوز: «الهجرة حقٌّ مقدّس»؛ ففي هذه الحالة، لا يكون التوجّهُ إلى الآخَر تغرُّباً، بل ـ خلافاً لذلك ـ يكون تجدُّداً، إذ ليس للشاعر سوى وطن القصيدة لكي يحقِّقَ ذاتَه، وقضيتَهُ حيالَ منافيه الكثيرة هي: كيف يُحْسِنُ اختيارَ كتابته في حياةٍ تُعاش خارج النظام المعتاد. حياة مُترحّلة. طباقيّة. بلا مركز. ما أن يألفها ويعتاد عليها حتى تنفجر قواه المزعزعة، وتضيء سبل إلهامه من جديد .
 
7.3. صعود حساسيّة جديدة 
   مع كوكبةٍ من الشعراء الشباب توزّعت بين ألفيّتين، يستعصي أن نجمع أفرادها داخل جيلٍ أو نحجرهم على تصنيف عقدي كما كان جارياً من قبل، تفجّرت ما بات يُصطلح عليه بـ(التجربة الشعرية الجديدة)، وذلك بسبب ما خلقته من جماليّاتٍ كتابيّة مغايرة عكست فهماً جديداً لآليّات تدبُّر الكيان الشعري، ممّا يمكن للمهتم أن يتتبّعه في دواوين شعرائها، التي شرعت في الظهور منذ أواخر التسعينيّات. وهذه التجربة لم تكن لتجبُّ ما سبقها، بل هي تراكم لتجارب متتالية في سياق القصيدة المغربية الحديثة وتطوُّر إواليات بنائها المعماري، بقدرما هي تجاوزٌ لها. وتظهر لنا حبلى بالانعطافات التي تحفز شعراءها على التحرّك الدائم في جسد التجربة وأخاديدها، لا يرهنون ذواتهم لإيديولوجيا أو ينضوون تحت يافطة بارزة، وهو ما يعني صعود حساسيّة، حساسيّة جديدة. إنّها تكشف عن كونها كنايةً عن اختلاف في تشكُّلات الرؤية الإبداعية، أو في تصوُّرها لأفق الكتابة الشعرية، في سياق ما خلقته اقتراحات الشعراء الجدد النصية والجمالية، وما صارت إليه رؤاهم المختلفة إلى الذوات والأشياء، إذ انزاح النفر الكبير منهم إلى الرؤيا التي تُعنى باكتشاف العالم ومواجهته، عوضاً عن الموقف المباشر من السياسة والأخلاق والقيم. إنّها ممتدّة بصمت، وأوسع من أن تتأطّر داخل مفهوم مغلق ونهائي مثل مفهوم الجيل، وما فتئت تكشف عن أثر التغيُّر الذي يحدث باستمرار. وهي فوق أن تحجبها المعاصرة. لذلك، يجب أن نلتقطها ونسائلها بصيغة الجمع لا المفرد، وبالتالي نعيد اكتشاف الشعر المغربي في زمننا الراهن. 
  لقد أبان عدد غير يسير من شعراء التجربة الموهوبين، من خلال اجتهاداتهم واقتراحاتهم النصية، عن وعيهم باشتراطات الحساسية الجديدة، فانحازوا إلى شعريّتها المختلفة التي تقوم على تنوّع الرؤى وتمايزها، بنسب محدّدة، عمّا سبقها، وتكشف عن تحوُّل في الحسّ الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة خاصة، وللكتابة عامّة. وهكذا، فإنّ الارتباط بعامل الزمن لا يعني لنا من قيمة إلّا بمدى قيمة الأشخاص المتحرّكين داخله، ودرجة حضورهم فيه. ولعلّ من أهم هؤلاء الشعراء الممثّلين للتجربة الجديدة، نذكر: محمد أحمد بنيس، محمود عبد الغني، جمال الموساوي، عبد الجواد الخنيفي، حسن الوزاني، نبيل منصر، سعيد الباز، يونس الحيول، عبدالغني فوزي. عبد الرحيم الخصار، محمد بشكار، سعيد ياسف، مزوار الإدريسي، الطيب هلو، أحمد العمراوي، عبدالدين حمروش، عبد الهادي روضي، كمال أخلاقي، سعيد السوقايلي، نجيب مبارك، منير الإدريسي، ابراهيم قهوايجي، عبد السلام دخان، عبدالحق بن رحمون، ياسين عدنان، محمد بلمو، عبدالحق ميفراني، الكنتاوي لبكم، الزبير خياط، رشيد خديري، نفيس مسناوي، هشام فهمي، رشيد منسوم وعبد الهادي السعيد، تمثيلاً لا حصراً. ومن الشواعر ما ألمحنا إليه آنفاً.
  ومن نافل القول إذا ألمحنا إلى أنّ هذه التجربة التى لم يتجاوز عمرها العقدين، لا تزال ملامح حساسيّتها الفنية غير مكتملة؛ فهي تتدفّق باستمرار، وتقف على ميدان إثبات ذاتها في مواجهة هيمنة السلط والكليشيهات التي تراوح في ميدانها وتنسجم مع ماضيها الخاص. إنّ ثمة عسفاً يقع على كاهل التجربة لأسباب غاية في التعقيد؛ فقياساً إلى حركة الشعر الحديث التي بدأت بعد استقلال المغرب، وما رافقها من اهتمام وسجال مُطّردين، لم يتوفر للتجربة الجديدة حركة نقدية موازية وقادرة على تفهُّم طبيعة التجربة ومغامراتها، بما لها وما عليها في آن.
  ومن المهمّ أن نشير، هنا، إلى أنّ الحساسية الجديدة ليست حكراً على الشعراء الجدد، بل يساهم فيها أيضاً شعراء من أجيال سابقة: محمد السرغيني، محمد بنطلحة، مبارك وساط، تمثيلاً لا حصراً. بل يمكن القول إنّ نتاج هؤلاء الرادة الذين يقدمون إلينا من أجيال وتجارب سابقة، يُمثّل حافزاً إضافيّاً لشعراء تلك الحساسية على الاستمرار في رهانهم الجمالي على تحديث الشعر المغربي، بلا ادّعاء القطيعة أو وهم «قتل الأب»؛ فهم في تلقيهم للتراث الشعري، القريب والبعيد، إنّما يلجؤون إلى دمجه في ذواتهم ورؤاهم، فلا يحوّلونه إلى علاقة ستاتيكية تؤدي إلى بتر الحساسية وإلى جمود اللغة وميكانيكيّتها، وهو ما قد يعيد بناء وجهة نظر جديدة لتاريخنا الثقافي والأدبي في سيرورته وتجدُّد حضوره بيننا.
  إذا نحن طالعنا نصوص التجربة الشعرية التي انخرط في كتابتها الشعراء ابتداءً من أواسط التسعينيّات وعبر بدايات الألفية الجديدة، جاز لنا أن نستقرئ السمات الشعرية الأساسية التي ترتدّ إليها، ومن ثمّة وقفنا على حجم المغامرة التي ارتادوها بما تنطوي عليه من رهانٍ على الاختلاف والتعدُّد، وأهمّها:
أ‌. الانهمام بالذات في صوتها الخافت والحميم، وهي تواجه بهشاشتها وتصدُّعها الأشياء والعالم واختلاطات الحياة اليومية، بدلاً من معضلات المجتمع وهواجسه الحرّى. وقد ترتّب على ذلك تذويت الملفوظ الشعري وشخصنة الموضوعات والصور والمواقف من الذات والكتابة والوجود.
ب. بروز رؤى شعرية جديدة تعكس في مجملها إمّا وضع الاغتراب واليأس والحزن التي تتملّك الذات، أو استقالة  الذات من الواقع ونفض اليد عن إلزاماته وحاجياته، أو الرغبة الطافحة بالحب والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود، أو التوق لتحقيق التوحُّد مع المطلق: (رؤية غنائية، نهلستية، سوريالية، إشراقية).
جـ . إعادة النظر في مستويات تشكُّل دوالّ الكتابة الشعرية الجديدة بأضلاعها البلّورية، وذلك في سياق الإقبال على قصيدة النثر والانتساب لها؛ وهو ما تجلّى في:
ـ النزوع المستمرّ إلى بساطة القول الشعري.
ـ الانفتاح على السرد وجماليّاته البانية.
ـ الاعتناء بكتابة الشظايا وأسلوبها فقراتها الشذري .
ـ إدخال اللغة الشعرية في شبكة علائق معجمية ونظمية وتخييلية غير مألوفة راحت تقلب نظم بناء الدلالة وطرائق شعرنتها.
ـ المزج بين الوزني والنثري في بناء المعمار الإيقاعي للنص، بقدر التفكير في الصفحة الشعرية داخل مكوناتها عبر الاشتغال على الدالّ واللعب به أو التسلّي معه، أيقونيّاً وعلاماتيّاً.
ـ الاهتمام بهوامش الجسد الأنثوي وفضّ مسمياته المختلفة من خلال رؤيات متنوّعة ودالّة، وداخل صيغ أسلوبية تراوح بين الرومانسي والإشراقي والسوريالي.
ولقد صار بعض هذه الخصوصيات أكثر بروزاً، بعد أن كان متوارياً خلف أساليب الرمز والتجريد، وبعضها الآخر مثّل إضافات نوعية لما تمّ تدشينه سابقاً، ولاسيما مع شعراء الثمانينيات؛ فيما هناك خصوصيّات لا تزال رهن مُتخيَّلٍ محفوز يهزّ تربة الدالّ الشعري ويوسع وضعيّاته بذراً وتقليباً. 
إنّ ما سُقْناه أعلاه يشير، بالفعل، إلى أهمّ ما تحفل به حساسية التجربة الجديدة من تعدُّد مثمر وحياة خصيبة وواعدة، وتكشف عن غنى المتن الشعري المغربي المعاصر كمّاً ونوعاً، وعن تعدّد منتجيه من كلّ أعمار الكتابة وتياراتها (الذّاتي، الميتافيزيقي، العقائدي، النسوي) ورؤاها الحسية والميتافيزيقية. ولعلّ أهمّ ما يحسب لشعراء الحساسية الجديدة أنّهم كتلة غير منسجمة، لا عليه. إنّهم يعبرون نداءات الشعر المشذورة في مفترق طرق حياة ليست أقلّ منهم تنوّعاً وغرابة وإيلاماً. إلا أنّنا وقفنا على ما تعانيه نصوص بعضهم من فقر معجمي وأسلوبي، وعماء رؤيوي ورؤياوي معاً، وانحسار في موسيقى الشعر، ثمّ من ضعف الصلة بالتراث الشعري الذي نادوا بالقطع معه من غير أن يستوعبوه ويتحاوروا معه، فيتجاوزونه عن معرفة ونفاذ رؤية. ووقع البعض الآخر منهم أسير وَهْم المغايرة بالشكل، إذ اعتقد باستسهال قصيدة النثر لخلوِّها من الوزن، فتهافت على اقترافها قلباً وقالباً.
  **
  هكذا، يحقُّ لنا، وسط هذه الغابة وارفة الظلال التي يضوع عبقها في كلّ الأنحاء، أن نتكلّم عن راهنٍ شعريٍّ خصيب يعبر الأفكار ومشاريع الرؤى ومتخيّلات الكتابة وذواتها مع ما للزمن من استحقاقاتٍ؛ كما يحقّ لنا أن نعجب بتعايش الشعراء من كلّ الأجيال والرؤى والحساسيات داخلها، منخرطين بسمت العارفين في تحديث الشعر والرقيّ بجمالياته المتنوّعة، بلا هوادة. ولا يزال الراهن راهناً، ولا تزال أنا الكتابة لا تكلّ من رجّ أشجار النسب المغربي للشعر والشعريّة، هنا والآن !
 
المراجع:
ــ خالد بلقاسم، الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر، منشورات وزارة الثقافة، 2007م.
ــ صلاح بوسريف، حداثة الكتابة في الشِّعر العربي المعاصر، دار أفريقيا الشرق، الدارالبيضاء، 2012.
ــ عبد الرحمان طنكول، في الشعر المغربي المعاصر، مؤلف جماعي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2003.
ــ عبدالسلام بنعبد العالي، الكتابة بيدين، دار توبقال، 2009.
ــ محمد بنيس، كتابة المحو، دار توبقال، 1994.
ــ محمد بودويك، خيط أريان: عتبات وقراءات في الشعر، آنفو برانت، فاس، 2009.
ــ Derrida (J), De la grammatologie, Ed. De minuit, 1967. 
ــ MESCHONNIC (H), Modernité modernité. Paris, ?d. de Verdier, 1988.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
          
 

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …