أخبار عاجلة

من الطاولات والطناجر إلى «أوبرات» العالم

منذ الحب والحرب والموسيقى.. منذ أمّه وأبيه ومُعلميه، مرورا بقصص الفقد، وليس انتهاء بالأبناء والأحفاد الذين يُعيدون تأثيث الحياة من جديد.. من صوت أمّه إلى نشيد قديم يُذكره بـ«عمشيت» في جبل لبنان، من نشيد المدرسة، إلى موسيقى الكون في الطبيعة الآسرة.. من مرحلة ما قبل المعرفة بالقوة الكامنة فيه، إلى الاصطدام الجارف بالوعي والحياة.. من العزف الفطري على الطاولات والطناجر إلى «أوبرات العالم» الفسيحة.. من أول أسطوانة في مشواره الفني عام 1976م، إلى حضور جماهيري كثيف يخطفُ التذاكر ويملأ القاعات.
لقد «ردم مارسيل خليفة الهوّة التي وسعها الشعراء بين القصيدة والأغنية، وأعاد إلى العاطفة المُغيبّة حضورها المُنقذ للمصالحة بين الشعر الذي مجّد ابتعاده عن الناس وانصرفوا عنه»، هذا ما قاله محمود درويش عنه ذات يوم.
فعلى مدار الزمن لم يكن مارسيل بالنسبة لجيل السبعينيات وللشاعر سيف الرحبي على وجه الخصوص، لم يكن الموسيقار المشهور، أو المغني صاحب «الالتزام الثوري الهادف» وفق مفردات تلك المرحلة، بل كان رفيق مرحلة امتدت بأحلامها وانكساراتها بأملها الحماسي العاطفي السيال، ويأسها المُطبق.
لقد رافقت الجرأة وحس المغامرة مارسيل خليفة منذ كانَ مراهقًا نحيلاً، حليقَ الذّقنِ، طريَّ العودِ، ولكن تلك الجرأة وكما يصفها جورج مهنا: «كانت هادئة، رصينة، نبيلة، تستلهمُ حدسًا من النّادرِ أن يُخطئ».
وقد رأى عبدالإله بلقزيز أنّ مارسيل لا يلعب على وتر الحنين إلى أول الطفولة والمكان والموطن والذاكرة، لا يشعل النوستالجي في النفوس ويُلهب ملحه، وإنّما تأتي موسيقاه الشرقيّة – وقد زفّت في لغة باذخة – كي تزوّد الجمهور بالشعور بالنديّة…».
ويجد الكاتب العماني عبدالله خميس أنّه طوال الأربعين سنة الماضية من عمر الغناء العربي، لم يرتبط فنان في أذهان الجمهور بالثورة والتمرد وحب الوطن كما ارتبط صوت مارسيل خليفة.

معه صار الشارع يغني

محمود درويش
لعلّ أغنية مارسيل خليفة هي إحدى الإشارات القليلة إلى قدرة الروح فينا الآن على النهوض. فعندما كنّا نستثني التعبير الثقافي من شموليّة ما تعرّض له الوقت العربي من انهيار عام، كنّا ندافع عن أمل شخصي في حماية منطقة من الروح يصعب اجتياحها بالدبّابة او بالعزلة.
لقد أغلق القلب حتّى صرنا ندهش من تحمّل عصفور سماء. وسط هذا الخراب كانت أغنية مارسيل خليفة تنتشل القلب والأجنحة من الركام. كانت قوتّها الهشّة هي قوّة الحياة في حصار السؤال والجواب، فيها وجدنا قدرة المأخوذين إلى الموت على الغناء، وعلى إبداع مستوى للواقع نمتلك فيه حريّة افتقدناها فيما سبق من كلام وإيقاع. البسيط ينفجر منّا لتفكيك المعقّد في الوعي والعاطفة. والواقع، حين يغني أحد مستوياته بهذه البساطة يفتح نافذة للرجاء. في أغنية مارسيل خليفة خبز للكلام وشيء واضح من جدوى ومن جمال ينفع.
كنت – على سبيل المثال – أعلن لأمي الحب من زنزانة. ولكن لم تدرك هي ولا أنا ادركت فاعليّة هذا الاعتراف إلى أن فضحته أغنية مارسيل وفتحته على ما هو أوسع من علاقة شخصيّة ومن لحظة سجن. وهكذا ردم مرسيل خليفة الهوّة التي وسعها الشعراء بين القصيدة والأغنية، وأعاد الى العاطفة المغيبّة حضورها المنقذ للمصالحة بين الشعر الذي مجّد ابتعاده عن الناس وانصرفوا عنه. وهكذا طوّر الشعر أغنية مارسيل خليفة كما طورت أغنية مارسيل علاقة الشعر بالناس، ومعه صار الشارع يغنّي ولم يعد الكلام في حاجة الى منبر، كما لا يحتاج الخبز الى مكبّر صوت.

أمكنة المتلقي..  أزمنة النص

عبد الإله بلقزيز

ذات عام ولدت مغامرة مارسيل خليفة الفنية والموسيقية، وكان ذلك قبل ثلث قرن، في مكان متعيّن هو لبنان، وفي ضيعة منه كانت شرفة أطلّ منها على ما وراء الأزرق البعيد، ثم كبر المكان وفاض عن حدود لبنان. اتسعت جغرافيته باتساع فضاء اللسان: لسان العرب، حتى أن لبنان نفسه فاض عن حدوده المكانية الصغيرة فضاقت به رقعة الـ10452كلم مربع ليتخذ مساحته الحقيقية. مساحة رسمتها أوتار عود، وصوت دافئ ودود، وقصيدة مسكونة بالبطولة، وأغنية مهربّة عبر الحدود.
خرج النص من مكانه الصغير كي يتخلّل المكان الأكبر. مرّ من العواصم والجامعات واستوطن. دخل أحياء القصدير في الهوامش البعيدة. تسلّل الى البيوت المُحاطة بالأسوار والأسرار. داهم خلوة العشّاق في خبائهم. حوّل الزنازين إلى باحات قصور، طاف في الأرجاء كما الفراشة فوق الأخضر الرحب. حين تمنعه الجمارك، تفرج عنه صدور الناس، حين يطارده البوليس، تفتكّه القلوب من الحراس. ذلك المكان العربي الممتد مكانه هو هناك يشغل الحيّزات جميعاً ويتجدّد.
ولأنّه نص كثيف التعبير الإنساني، ضاقت به ديار العرب بما رحبت فسافر في نفسه الى حدود الانسان في المكان. في البدء ذهب النص الى أهله خارج الديار. أخذ معه إليهم كل شيء: وطناً غادروه بحثاً عن الخبز والكرامة والتألق، ذاكرة تتوّج الأمس سيداً على اليوم وتشعل الملح في دم الانتماء، وقضية عادلة تقول لهم: كونوا لي لساناً حيث كُنتُم وأقمتم. نسج النص حواراً بين الغربة والديار. اطمأن على الوشيجة وسافر إلى الآخر. نقر على باب قلعته الحصينة. راود اصغاءه عن نفسه. أنزل كبرياء التفوّق عنده من العلياء الى الأرض. عَلَّمَه كيف يصغي إلى آخره الآتي من بعيد. بدّد لديه صورة الشرق الغارق في سديم الماضي، ثم أخلده إلى الشعور بأن الكونية شراكة بين ندّين، وبأن العالميّة لا مركز لها ولا هوامش.

هكذا أعاد مارسيل صناعة المكان: مكانه، فاشتجر المشتجرون في نسبه. يقول الأول: هو فنّان لبناني. ويقول الثاني: هو فنّان عربي. ويقول الثالث: هو فنّان إنساني. وما اختلفوا في ما اشتجروا فيه وإن اختلفوا، وإنّما شبّه لهم أنهم اختلفوا، فالمختلف عليه وتحدد ومكانه متعدّد، فمن ذَا الذي يحتكر هذا النسب؟ من ذَا الذي يختزل العديد في عدَد؟
والزمان ؟
لنص مرسيل خليفة زمانه: زمان البدء والتكوين. وزمانه زمن موسيقي، وهو زمن الموسيقى العربية والشرقيّة. لكنّه في زمنيته الشرقية أزمنة في زمن واحد تركّب وتجدّل (من الجدل) بعد تاريخ من الصّهر والتآلف.
إن فككناه الى وحداته التكوينية تبدّدت صورته الفسيفسائية الغنيّة بالروافد: روحانية الشرق القديم، ميراث بيزنطية بدفقه الكنائسي، لمسات موسيقى فارس السحريّة، حزن العراق القديم المودع في المقام، إيقاع الصحراء العربيّة، طرب، البشارة والسماعيات واللونغات التركيَّة، فحولة الغناء الجبلي، زخرف الأداء الحلبي، نسمة الفردوس الأندلسي الضائع. لوحة تعرض نفسها في تركيب، تدعوك الى حفلة شرق لا ينضب من المعاني ولا تعصى عليه المباني.
في نص مارسيل حوار لم ينقطع مع الزمن الموسيقي الشرقي. يصغي كثيراً إلى أصوات هذا الزمن، يندس في تفاصيلها ويدخل في الدهاليز السريّة باحثاً عن مكنون غميس، وحين يتكلّم موسيقى، يرد للشرق جميله ويضيف إليه ما يرفعه الى أعلى، ما يجعله أبهى، ما يطلق الاغراء في صوت هذا الشرق فيصدح في العالم: هيت لك.
ذلك زمن البدء والتكوين، زمن موسيقى شرق بتاريخه ثخين، ثمّ تعدّد الزمن، صار أزمنة موسيقية بعدد أمكنة الأصوات والتراثيات. وفي الطريق الى امتلاك ناصية هذه الأزمنة: ما وفد منها من خارج الشرق، ما شدّ الرجل رحاله الى مكانها الرحيب، كان مارسيل يقطع مسافته نحو العالمية والكونية. لم يحل ضيفاً غريباً على موسيقى الآخرين، على موروثهم ومعهودهم وما فيه يسبحون، وإنما أتاها مشاركاً في اخراجها من نرجسيتها، من ادعائها بأنها وحدها التعبير الإنساني، ووحدها الكونية، كان يؤمن بأن الموسيقى لا وطن لها تماماً مثلما آمن بأن العمل لا وطن له، وكان حادّ الإدراك بأنها وحدها اللغة المشتركة بين بني البشر الخليقة بأن تعوّض عن نقص التواصل بين ألسن يقهر بعضها بعضاً. كان يعي بأن الموسيقى في النهاية، غير قابلة لقسمة مانوية الى شرقية وغريبة لأنه لغة واحدة تنطق بلكنات مختلفة. الأحرى عنده أن يقال: شرق الموسيقى وغرب الموسيقى، فهي المكان وهي الزمان وهي منهما المركز والقلب.
وما سقط هذا النص في اغراء مفهوم دارج ورث للعالمية بحسبانها تماهياً مع لغة الآخر وترديداً نمطياً لها باسم أوحديّة النموذج الكوني وامتناع الكونية على التعدّد. اطرح هذا المفهوم المبتذل جانباً، بل أقام دليلاً من تجربته على ضدّه. ذهب الى العالميّة بوصفها شراكة إنسانيّة بين مختلف اللغات ( الموسيقية ) والتراثات والموارد الإبداعية، بوصفها لقاحاً بين أصوات ومرجعيات في المباني والأدوات، بما هي لحظة التقاطع والانصهار بين الثقافات، اللحظة التي تولد فيها تلك الكيمياء الجمالية العابرة لحدود المجتمعات والتواريخ الخاصة، إذن، اللحظة التي تصنع المشترك الإنساني وتفرض على العقل والذائقة الجمالية شريعته.
هكذا أتى النص الموسيقي عنده ينضح بهذا المعنى التجريديّ، السيمفوني، التثاقفي، للعالميّة. أما أسلحته، فقد شحذت تماماً وهيأت المغامرة الجميلة – والتأسيسية في بابها – للانتصار على ما يعصى على التطويع. إن ثقافة مارسيل خليفة الموسيقية العالية، ونهمه الشديد في قراءة تاريخ الإنتاج الموسيقي العالمي، ودربته الطويلة على التأليف الموسيقي ذي النفس السيمفوني والأوبرالي، وحساسيته الجمالية الرفيعة تجاه الأصوات، وشغفه الذي لا يُحد بتوليد المتآلفات بينها في نظام هارموني، وبحثه الدائب عن الطاقات الجمالية الدفينة في الآلات -حديثها والقديم- والفرضيات الضمنية في التأليف الموسيقي عنده والتي تقيم النص على مقتضى البناء الاوركسترالي وتسلك نهجاً في الكتابة الموسيقية النظيفة للآلات… جميعها أدوات في حوزة نص خاض مغامرة تأسيس وبناء. لكنها ما تنزلت من النص والمغامرة منزلة صناعة وحياكة وصوغ إلا وقد جندت مواردها في الاشتغال على مادة محليّة، على موروث صانع مارسيل من التلف والابتذال واستخرج الدفين من كنوزه التعبيرية، وأعمل فيه أدوات الصناعة الموسيقية العصرية. هكذا نجح نصّه في أن يزج بالشرق ومفاتنه في الموسيقى العالمية وأن يعبّر عن ذلك الشرق، تلك الأمل التاريخية والثقافية، بلغة موسيقية إنسانية أعادت للمعبّر عنه مكانة شاغرة في العالم وأهلته ليخاطب ذلك العالم والذائقة الجماليّة الرفيعة فيه.
ليس من العرب – إلاّ أصمّ معذور- من لا تهزّه «غنائية أحمد العربي» جمالياً وموسيقياً حتى بمعزل عن نصّها الشعري الجميل والملحمي الذي كتبه الراحل الكبير محمود درويش. لكن هذا النص نصّ عالميّ يمتلك طاقة الدخول من دون استئذان الى مهاجع الناس جميعاً والى قلوبهم جميعاً في أمكنة الأرض جميعاً. وحين يستمع أي إنسان في العالم تشدّه الى الموسيقى علاقة إلفة ومعرفة الى مجموعة النصوص الموسيقية التي يضمّها عنوان «حلم ليلة صيف» مثلاً، سوف لن يقول عنه سوى انه نصّ موسيقي متوسطيّ من دون ان يدرك على وجه الدقّة من اي شرفة من المتوسّط يطلَّع هذا النص لعسر التمييز بين متداخلات النص وتقاطعات المناخات والاصوات واللغات الموسيقية فيه. وقد يخال مستمع عروف بالموسيقى ان «كونشرتو الاندلس» عمل من توقيع مؤلف موسيقي غربيّ يستوحي تراث غرناطة وبلاد الشام وسائر الشرق. أنا أمام عمل موسيقي أوبرالي مثل «شرق» فقد تأخذه الحيرة بعيداً فلا يدري كيف يمكن لهذا الشرق أن يتجلّى في الموسيقى بهاء الى هذا الحدّ.
الكونشرتو العربي للآلات الموسيقية العربية: العود البزق القانون الناي والرق
كونشرتو الربابة
كونشرتو القانون
كونشرتو العود الثاني
سيمفونية العائد
هذا زمنه الموسيقي، كمكانه متعدّد، خصب، ممتنع عن التنميط أو عن التعيين النهائي. إنه حوار لا ينقطع بين الأمل والأنا، وبين الأمل والآخر. وقد يحصل – وكثيراً ما حصل – أن تجري فصول من ذلك الحوار على أرض الآخر وبحضور شهود من أهل الشرق في بلاد الآخر. وتلك قصة يحلو الحديث فيها ويطول. لكن المقام، هنا والآن، لا يسمح بغير الإلماع والإلمام.
خرج العرب من خريطتهم ودخلوا في خريطة الدنيا. اليوم تمتد خريطتهم من أمريكا الى أوروبا الى استراليا وافريقيا. شطر ما يمّمت وجهك فثمة عربي خارج أرضه يحمل لقباً: مغترب، حتى ان مساحة الاغتراب باتت مساحة اعتراب. وإذا كان للحاجة أو لضيق الحال او لانعدام الفرص او للقمع من «حسنات» إن كان لهذه «حسنات» – وليس لها قطعاً حسنات – ففي أنها أتاحت للعربي أن يخرج الى الدنيا من القفص المقفل: أن يتعلّم، ويعمل، ويطلق طاقاته الدفينة، وأن يشرِّف نفسه وأهله والوطن. لكن العربيّ المهاجر يصرّ على تسمية المغترب، وفي ذلك فائض الأدلّة على أنه متمسّك بجذوره، على أن وطناً جديداً ما عوّض في الوجدان وطناً مقيماً في النفس. غير أنه في المغترب لا يتشرنق على ذاته أو يغرق في أتاه او يمتنع عن الاندماج في محيطه. لا، هو يقبل ولا يدبر، ينفتح ولا ينفلق، يتعايش ولا يتطايش يضيف إلى كينونته بعداً من الانتماء آخر. في مثل هذه الحال، يطيب للعربيّ أن يتذكّر، أن يحفظ جذوره من الاقتلاع، أن يتعهّدها بالصيانة، أن يشمّ رائحة الوطن، أن يروي ظمأه من هناك الذي يقبع في داخله هنا، يخالجه يساوره يسارره يمسح عنه آثار التعب وحرْقة الوحشة. وقد يأتيه الوطن فجأة محمولاً على صوت فيروز ومرسيل خليفة، وحينها ما ألذّه من وطن يأتي وما احرّه من لقاء يشتعل.

في المغترب، يلتقي العربي والآخر في جوار ينظمان فيه قواعد التعايش والحوار وتبادل القيم والرموز. في هذا اللقاء، لا يترك الضيف ذاته خارجاً كي يتقمص شخصية المضيف، كي يدفع الثاني الى الرِّضا عنه، فيغنم منه الاعتراف به مآخر تحلّل من ميراثه العربي، أو من لا شعوره الشرقي، واندمج في أنا ثقافيّة واجتماعيّة جديدة، بل بالعكس، يتمسّك اكثر فاكثر بما يدّل عليه، بما تركه هناك: في المكان والموطن الذي منه أتى. يشدّ عليه أكثر كي يرتفع فيه منسوب الشعور بهويته، حتى أن ذلك يحصل أحياناً بقدر من الإصرار يقارب حد اصطناع المغايرة. في داخل هذه التجربة من التمسّك بالذات، تكمن لعبة لا شعوريّة مضمرة: تحفظ الاعتراف بك أكثر كلمّا بدّدت صورة نمطيّة عنك لدى المضيف، كلما صححت في وعيه معنى الشرقي والعربي وأقمت له على النديّة الثقافيّة والحضاريّة دليلاً.
هناك إذن، حيث اللقاء بين ثقافتين، يحلو اختيار قدرة نص مارسيل خليفة على بناء مساحة للمشترك الإنساني والثقافي والجمالي، وعلى تأكيد نديّة الشرقي وعالميته. وهناك يكتشف الجمهور المغترب أكثر فأكثر أنه ليس ضيفاً ثقيلاً على العالميّة، وأن لثقافته فيها سهماً وحصّة ونصيباً.
مع الجمهور المقيم في مهجره، لا يلعب مارسيل على وتر الحنين الى أول الطفولة والمكان والموطن والذاكرة، لا يشعل النوستالجي في النفوس ويلهب ملحه. تأتي موسيقاه الشرقيّة – وقد زفّت في لغة باذخة – كي تزوّد الجمهور بالشعور بالنديّة تجاه آخر يتقاسم معه الجوار في دياره. يرتفع معدّل التزويد حين يطلّ النص الموسيقي مسربلاً بعتاد البناء الهارمونيّة والاوركسترالي الحديث. أي شعور ذلك الذي يداخل المغترب حين يستمع إلى الكونشرتو العربي او سيمفونية العائد وقبلهما الى كونشرتو الربابة وكونشرتو القانون؟ من يقوى حينها على أن يمنعه من أن يمشي بخُيلاء، أن يدعو صديقه الآخر إلى لحظة استماع مشتركة يعيدان فيها تعريف معنى الشرق.
ما أغنانا عن ذكر «ريتا» و«أحن إلى خبز أمي» و«جواز السفر» و«بالبال أغنية» و«تصبحون على وطن» و«يا بحريي» و«صرخة ثائر» وما تفعله – وغيرها من دافئ الأغنيات _ في الحشود الآلافيّة من الناس، في هذه القارة أو تلك من الارض. لكني أحسب أن مارسيل موسيقيّ في المقام الأول، وأن غناءه – على جماله وروعته وأناقته – معطوف على الموسيقى، إذ هي الأول وهو المحلّ الثاني على قول أبي الطيب المتنبي في بيانه وجوه التراتب بين الحكمة والشجاعة، ولولا أن الموسيقى معدنه النفيس، ما أتت أغنياته تفصح عن ذلك القدر الكثيف من الجماليّة والجاذبيّة فيها. ولقد تشاطروني الرأي في أن الجمهور المغترب أكثر من يعي هذه الحقيقة بسبب يسر اتصاله بمصادر الموسيقى العالميّة وتكوَّن ذائقة مرسيقيّة عنده. وأحسب أن شدّة الإقبال على حفلات موسيقية لمرسيل قدمّت فيها «جدل» و «تقاسيم» دليل إضافي على ما تزعمه أو ما أذهب إلى زعمه.
قلت «جدل» و «تقاسيم»، إذن نحن نتحدّث عن آلة العود: سلاح مارسيل الموسيقي الأحب إلى نفسه. والعود عنده آلة لا تحاور نفسها في عزف منفرد أو في مطلع اغنية فحسب، ولا تحاور عوداً يبادلها جدلاً بشهادة رق وكونترباس، ولا تتقاسم ارتجالاً منظماً مع كونترباس يحاول أن يجاريها في لغتها الشرقيّة كما في «تقاسيم»، وإنما هي فوق هذا وذاك تحاور الاوركسترا السيمفونية، تقول لها: ولدت في الشرق، ومنّي خرج إلى الدنيا بعض آلاتك، لا أريد معركة، أريد حراراً وتآلفاً، ثمّ تبدأ المغامرة: آلة تلقي أسئلتها الموسيقية، وأوركسترا حديثة تجيب. أي شعور ذاك الذي يسري في نفوس العرب جميعاً، وفي نفوس المغتربين خاصة، حين يجبر مارسيل خليفة الاوركسترا السيمفونية، في عمله الموسيقيّ الرائع «متتالية أندلسية»، على أن تقف بين يديّ آلة العود كما تقف الوصيفات أمام الملكة يتوجنّها على الجمال وهي تختال؟ في حضرة العود، وقفت الآلات: كلّ منها بما كسبت من حظ المصاحبة والرفقة أو الترداد. كان ينفث فيها روح الشرق، يطوعّها على لغته، يخرجها من لكنتها كي تحسن نطق مفردات الشرق الموسيقيّة، بيداغوجيا موسيقية فريدة تستطيع مثل ذلك الضرب من الترويض، الترويض الذي يدخل الترومبيت والكلارنيت والفلور في نظام الناي، ويغري الكونترباس أو التشيلى بمحاكاة العود، ويجعل الأخير ىسلطاناً على الجميع.
من غيره رفع العود الى هذا المقام ؟
من غيره استولى على البداية والختام ؟

مارسيل خليفة
للمرّة الألف يشاءُ الظرفُ أن أكتُبَ عن مارسيل خليفة

جورج مهنا

عن التزامِهِ كتبت، عن أغنيتِهِ كتبت، عن تآليفه، عن عزفِهِ، عن أدائِهِ، عن مشروعِهِ الثّقافي الشّامل كتبت. في الصُّحف، في الأبحاث الجامعية، في الندوات، في حفلات التّكريم… وبصراحةٍ، سئمتُ! سئمتُ النّقدَ، سئمتُ البحثَ، سئمتُ برودةَ الأكاديمي وموضوعيّتَهُ، ولم يبقَ لديّ، بعد كلّ هذه السّنوات، سوى رغبةِ الصّديق في التّمشّي على ضفاف الذّاكرة – ذاكرتنا المشتركة- أركضُ على حناياها حيثُ أشاء، أقفُ في أفيائها حينَ يطيبُ لي، وأنحني كيفما يحلو لي فوق مرايا بحيراتٍ سرنا على مائها كالأنبياء، فحفظت صورًا لنا وبعضًا من ملامح وجوهِنا.
ليسَ الزّمانُ نهرًا كما يدّعي هِرقليط وبرغسون أو أبولينير. إنّما بُرَكٌ متناثرةٌ في السّهلِ كشظايا مرآة.كلُّ شظيّةٍ تحتفظُ بإحدى ملامحنا، تومضُ إلينا بها، أحيانًا، وبصوتٍ خافتٍ، وبرموزٍ مشفّرةٍ. وإن أعادتها لنا، فللحظةٍ، وعلى سبيلِ الإعارةِ، وما تلبثُ أن تستعيدَها كما لو كانت مُلكًا لها.
سأجمعُ اليومَ، ولو أدمَت يدي، بعضًا من تلك الشظايا، علّني بجمعِها أرمّم، كطفلٍ أمام رقعةِ lego، مرآة وجهِ صديقي المتناثرة صورًا وظلالاً في الذاكرة، في الأدراج، بين صفحات الكتب أو صفحات وسائل التواصل الإجتماعي. لا شظيّة تُشبهُ أختَها. لكنّ قاسمًا مشتركًا يجمعُ بين الملامح المبعثرة: الجرأة ! الجرأة التي لم أجد لها مثيلاً في أيّ من الوجوه التي تتقاذفُها أمواجُ البحيرة. جرأةُ أصدقائنا – أصدقاء البدايات – كانت إمّا وقحة مُحرِجة، أو «دون كيشوتيّة» هشّة، أو عاتية عمياء…
أمّا جرأة مرسيل، حتّى عندما كانَ مراهقًا نحيلاً، حليقَ الذّقنِ، طريَّ العودِ، فكانت هادئة، رصينة، نبيلة، تستلهمُ حدسًا من النّادرِ أن يُخطئ.
ها هي الكَسرةُ الأولى من المرآة تعكِسُ صورةَ ولدٍ صمّمَ أن يقتلِعَ أوّلَ حجرِ في الجدار. جدارٌ بناهُ مجتمعٌ محافظٌ وسيّجَهُ بالشّوك والفزّاعات إقطاعيّو الدّين والسّياسة. جدارٌ أرادهُ المحيطُ القريبُ سورًا منيعًا يحمي الأولادَ من خطرِ اللا مألوف.
بالحقيقة، ما كان يدورُ في خاطرِ الوالد الصافي النيّة (حبيبي أبا مارسيل، حيثُ أنت!!!)
وما كان أقصى طموحاتِه: أن يُواظِبَ ابنه البكرُ على الدراسة، أي أن يقرأ ويكتبَ ويحسب…لرُبّما أصبحَ موظّفًا في مصرِفٍ صغير أو مؤسسة محترمةٍ أو – إذا ما توهّج الحلم – معلّمًا في مدرسةٍ قريبةٍ من البيت، يذهبُ إليها ويعودُ سيرًا على الأقدام…و«بلا وجع راسْ»!… يتجرّأ الولد ويقتلعُ أوّلَ لُبنةٍ في الجدارِ ويقول»لا» !
يختارُ العبورَ الى ما وراء الجدار. الى آخر الدّنيا آنذاك. بيروت، ومعهدها الوطني للموسيقى. لم تكن المواصلات سهلةً. ولا الإمكانات الماديّة متوافرة. ما همّ ! سقى الله ترابَ والدةٍ كانت لها رؤيا (يبدو صحيحًا أنّ وراء كلّ عظيم امرأة!). ولم يطُلِ الوقتُ حتّى أصبحت الكوّة فجوةً، فجواتٍ… الى أن انهار الجدار. جُرأةٌ عارفةٌ بأنّ بيروت لن تظلّ آخرَ الدّنيا…سوف تُصبح الدّنيا كلّها قريةً صغيرةً يطوفُ صديقي في مدُنها كما كان يطوفُ في أحياء بلدةِ «عمشيت»! الفرق أنّه كان يجولُ في «عمشيت» وتحتَ إبطِهِ مجلّةٌ يساريّةٌ، والآن يدورُ في الدّنيا حاملاً مشروعًا ثقافيًا رائدًا لا تُشكّلُ الموسيقى والأغنية سوى جانبًا منه
في الشظيّة التالية للمرآة، أرى الشاب العشريني بالبذلة وربطة العنق!!! لن يطولَ الوقت قبل أن يطلّقها بالثلاثة الى الأبد، كسائر ربطات اليدين واللسان والقلب والعقل. عُذرًا إن توقّفتُ قليلاً عن الكتابة، إذ هي الفترة التي توطّدت فيها صداقتنا وبتنا لا نفترق. يجمعُنا الشعر والوتر والبحرُ والليل وسحرُ الكلام. وثورتنا وكؤوسنا وحبيباتنا.
وذاك الحلم بتغيير الدنيا غدًا. وأوّلُ ليراتٍ في جيوبنا.. وأوّلُ سيارة!!! بيضاء جميلة كانت. كانت هي تعرفُ عن مُحرّكاتنا أكثر ممّا كنّا نعرفُ عن محرّكها!!! ما همّ ! الحياة جميلة ولا سبب ألاّ تظلّ كذلك – كنّا نخال!- لولا تلك الجرأةُ المشؤومة لدى صاحبي. لقد تخرّج منذ قليل وبامتياز من المعهد العالي للموسيقى. وها هو يُدرّس فيه. قانون المعهد واضحٌ. هو يمنع الأساتذة من السّفر إلا بإذن من مدير المعهد…ومن كان ليتجرّأ !!! ساحرُ العودِ يُدعى للعزفِ في القارّة الأمريكية. المديرُ العملاق يقولُ بمزاجيّة : «لا»! من وراء مكتبه. بجرأةٍ صديقي يُصرُّ. تهديد. يتحدّى. تهديد. يسافر…ويُطرد!!!
لو تعقّل وأطاعَ، ربّما كان الآن نصفَ متقاعدٍ مثلي، يسقي الأزهار، يُنزّهُ الكلب، يلعبُ النرد في أحد مقاهي «عمشيت»… ثمّ يعودُ الى المنزل «سيرًا على الأقدام»، فيحضر مسلسلاً تركيًا مُدبلجًا على شاشة التلفاز قبلَ أن يخلُدَ الى سريره الدافئ. تبًّا للجرأة ! كم هي تُغيّرُ مجرى الأمور أحيانًا !
لننتقل الى كسرة مرآةٍ أخرى ! أودّ أن أرمي بها لكنّها تتشبّثُ بيدي. أرى فيها نارًا ترقصُ على وجوهٍ لطالما قضّت مضجعي. العام 1975. الحرب الأهليّة اللبنانيّة تدقُّ طبولها والغباءُ مستشرٍ. من يصمتْ يسلمْ. من يرضَ بالأمر الواقع تُكتب له النّجاة. الفنّانون اللبنانيّون رفوفٌ تهاجرُ لتُغرّدَ بعيدًا في مصر ولندن وباريس، أو قطعانٌ تثغو طربًا مغثيًا في الشّام.(عنادلُ الشّام تردُّ اليوم التحية لبيروت بأحسن منها!) كانت الأفواهُ في لبنان تُكَمُ، والوتر يُقطع، والشّعر يُنحر، والفكرُ يُداسُ.. في بعضِ مرآتي وجهُ شابٍ جريء له لحية وشاربا صديقي إنّما بدون مشيب.
بجرأةٍ يبصقُ في وجه العسَس. أمسياتٌ موسيقيّة في أكثر الأماكن تزمّتًا بالرّغم من التّهديد. رافقتُهُ في اثنين منها ولم أتجرّأ أكثر من ذلك. «جُندُ الله» على ما أذكرُ أو «فتيان علي»… البركة في الإثنين !
حياتُهُ في خطر. طواحين الهواء قضية خاسرة، وهو ليس «دون كيشوت». لقد اختلط الحابل بالنابل…الجدارُ انتقل من حولنا الى داخلنا. كلّ شيء صار عبثيًّا. الرحيل. يودّعني صديقي بنظرةٍ ويرحلُ الى باريس. «سأكتبُ لك من هناك».
مئات الصفحاتِ كتبَ. على ورق طاولات المقاهي كتبَ. قالَ الهمَّ، قالَ الخوفَ، قالَ القهرَ، قالَ الحنينَ، قالَ الحُبَّ، قالَ الغضب. وقالَ «وعودًا» سوفَ تفي بها «العاصفة» بعد بضعة شهور.
«هوذا صوتي من الأرضِ السّمراء آتٍ
من جبلِ الأطيابِ آتٍ
من شمسي، من حقلي،
من آلام شعبي آتٍ…»
كلماتٌ أرسلتُها إليه في تلك الفترة، فغنّاها وجعلَها على كلّ لسان.قطعةُ مرآةٍ أخرى أقرأ فيها: « وعود من العاصفة»، أسطوانة فينيل 33 دورة، شعر محمود درويش…موسيقى وغناء مارسيل خليفه… باريس أن ينبريَ شابٌ في الخامسة والعشرين لشعر محمود درويش – شعرٌ لا يُشبهُه شعر، بأوزانٍ مُستحدثة وإيقاعاتٍ مُركّبة وغياب كامل لميلودرما شعر الأغنيات المألوف. يا للجرأة ! لن أقولَ أكثر ! وسأنتقل الى كسرةٍ أخرى: إلى تلك التي كلّما رآها بعضُ رفاقٍ لنا، استفزّتهم ولو أخفَوا انزعاجهم وراء ابتسامة صفراء. يتراءى فيها مرسيل الملتزم أكثر جرأةً من أيّ وقتٍ مضى. ها هو يرفضُ أن يُعطي وكالةً عامّةً عمياء لمن التزمَ ما أسمَوهُ قضيّتهم. جرأتُهُ أنّه يسيرُ بحرّيّةٍ تاركًا نافذةً للشمس وللعصافير. ورودُهُ حمراء كشقائق نعمانهم، إنّما أكثر أناقة وأطول عُمرًا وأعمق تجذّرًا. لقد ركب القطار، نعم، لكنّه بقي محتفظًا بخارطةِ الدّربِ وبحقّهِ في انتقاء المحطّات التي ينزلُ فيها. لقد حملَ نُبلَ القضايا في قلبِهِ وعلى لسانِهِ…هو في خدمتها هي، وليس في خدمةِ قائدٍ أو زعيمٍ نصّبَ نفسَهُ وليًّا عليها أو وكيلاً حصريًا لها.
أمّا هذه الكسرة من المرآة، فهي ليست للتداول. أنظر إليها فيطيرُ الحمام من صدري ويعتري الدنيا قوسُ غمام. فتاتُ مرآة تعكسُ ليلةً مشينا فيها كما المسيح على الماء…لم نكن وحدَنا…جرأةٌ توّجت جُرأة عودتِه مغنّيًا في المكان نفسه الذي هُدّد فيه قبل 15 سنة بالموت إذا لم يرحل. سأحتفظُ بالذكرى لنفسي.
ها هي البحيرةُ تستعجلني. هي تريدُ استعادةَ فتاتِ مراياها. لا تحتملُ الغوصَ طويلاً في لُجّتِها ولا تحريك قعرِ مياهها الهادئ. أستمهلها قليلاً للنظر الى صورٍ ثلاثٍ جريئة تطوف للحظة على صفحتها. في الأولى، مارسيل يُجادلُ كاهنًا غبيًّا لا يعتبرُ نشيدَ الأناشيد أحلى ما في الكتاب المقدّس. وفي الثانية، مرسيل يُغيظُ عمائم ذات وقار زائفٍ إذ يتجرّأ ويُنشدُ يوسف وقد «رأى أحد عشر كوكبًا لهُ سُجّدا». وفي الثالثة (لا أريدُ أن تغورَ في البحيرة قبل أن أتأمّلها مليًا). يتجرّأ صاحبي، وفي البحرين تحديدًا، على كتابة موسيقى تجعلُ الأجسادَ ترقصُ بحرّيّة لا خبثَ فيها ولا رياء. ليلى تُحبُّ قيسًا، ليس كما تعلّمنا في كتب الأدب العربي. ليلى ترقص كما يحقّ للمرأة العاشقة أن تبوح بعشقها رقصًا. امرأة خلعت الكفنَ وخرجت إلى الضوء. امرأةٌ لها شعرٌ وعنقٌ ونهدانِ وردفانِ وخصر. تقولُ بجسدِها: «… وأنا في حضنِك، تُداعبُ يدُك خصلةً من شعري تموّجت فوقَ كتفكَ:… أيّهم عرقُك، وأيُّهم عرقي، هذا الذي يلمعُ فوقَ جسدَينا؟ لكن…هل سبقَ لك أن أغمضتَ عينيكَ و تنشّقتَ عُشبًا فوّاحًا ؟ إنحنِ وقبّلني وأنتَ مُبتلٌّ بالحبِّ والخمر… حبيبي، اغرسْهُ فوقَ بكارةِ أشيائي…»
تبًّا للبحيرةِ. كالرقابةِ العمياء تقطعُ ما تبقّى من النّص. بحيرة تخاف من بحرين…طبيعيّ!…الآن،وبعد سنوات، أصفّقُ لجرأةِ صديقي على ما طلب من ليلى أن تقولَهُ برقصِها على موسيقاه… وإن أقامت الأرض ولم تُقعدها، وقضّت مضاجعَ عُربِ وأدٍ يأبونَ الفنَّ إلاَ سلفيًا ملجومًا مخصيًّا مختونًا مخفودا… أو طالعًا من غبارِ طللٍ أيقظَهُ خَببُ خيل.
الليل ينزلُ على البحيرةِ وهي تستعجلُني. تلمُّ جُزئيّات المرايا لتُعيدها لآلئ في أعماقِها. هي لا تعلَمُ أنّ جرأة صديقي مُعديةٌ وأنّي تجرّأتُ أنا أيضًا وسرقتُ لؤلؤةً سوف أتقاسمها مع من رافقني في هذه الجولة حتّى هذه السّطور : لؤلؤة جرأة لن أعيدها إلى الأعماق لربّما اصطادَها النّسيان. تعودُ بي الى الحرب الأهليّة. كان يومها عيدُ مولدي. أنا في «الشرقيّة» من بيروت، ومرسيل في «الغربيّة» وبين البيروتين قصفٌ ودمارٌ وحواجز وتصفيات جسديّة على الهويّة. اسم مرسيل وصورته على حواجز الميليشيات في منطقتي. مطلوب حيًّا أو ميتًا. يعبُرُ الحواجز مُتخفّيًا بُعيدَ منتصف الليل. لم أصدّق عينيّ. سهرنا، شربنا،غنّينا… وأصررتُ أن أعيدَهُ الى الجهةِ المقابلة بسيّارة صديقٍ يعرفُ المعابر. الحاجزُ اللعين. «من في السيّارة؟» يسألُ المُسلّح. مارسيل من على المقعد الخلفي: «مارسيل خليفه». الميليشياوي الأشوس المُحشّشُ ينفجرُ ضاحكًا، وقد حسبها نكتةً : هاهاهاهاها!!!! الله معكم!»
ركبتاي ترقصانِ حتّى كتابة هذه السّطور.

وعود من عاصفة  مارسيل خليفة

عبدالله خميس

في الأربعين سنة الماضية من عمر الغناء العربي، لم يرتبط فنان في أذهان الجمهور بالثورة والتمرد وحب الوطن كما ارتبط صوت مارسيل خليفة.
بلا شك أن صوت مارسيل خليفة دافئ. لكن لعله ليس الصوت الدافئ الوحيد ضمن أصوات الفنانين الذين يُطلق عليهم عادة لقب (الفنان الملتزم). إلا أن مارسيل هو صاحب القاعدة الجماهيرية الأعرض، وهو أيضا صاحب التقدير العالمي العالي لمؤلفاته الموسيقية. تقديرُ أهْلِ الفن ودور الأوبرا وقاعات الموسيقى الكلاسيكية الأكثر عراقة في العالم. مارسيل خليفة، فوق هذا، فنان يحمل مسمى (سفير العالم للسلام) من قبل منظمة اليونسكو. ما سر مارسيل خليفة الذي جعله الأميز والأقرب للناس؟ وجعل أغنيته وموسيقاه الخالصة تحظيان بكل هذه الحفاوة؟ هذه الورقة هي رحلة لسبر جزء من أغوار إجابة هذا السؤال، عبر تسليط الضوء على المضامين التي تغنى بها مارسيل وغنى لها، والثيمات التي احتفت بها أغانيه، والشعراء الذين ارتبط بهم. إنها رحلة تبدأ من طفولة مارسيل، مرورا بتأسيس فرقة الميادين وتتالي ألبوماته الغنائية والموسيقية. نتعرف في هذه الرحلة على موضوعات أغانيه، ونقف على نحو أخص عند علاقته الفنية بالشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، في محاولة لنلم بالعالم الفني لأغنية مارسيل خليفة، وأهميتها في سياقها التاريخي.
v v v
مارسيل خليفة فنان لبناني معروف بأغانيه المهمومة بقضايا الوطن، إذ ارتبطت أغانيه بقيم الثورة والأرض والحرية، واحتفت تحديدا بتضحيات الشهداء. اقترنت أغانيه بتقدير الأم والأرض، وارتقى بغنائه للحبيبة لتكون الأنثى والوطن في آن معا. وعلى صعيد كلمات أغانيه، ارتبط اسم مارسيل بمجموعة من الشعراء العرب الكبار على رأسهم الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. ومارسيل خليفة –من الناحية الموسيقية- مرتبطة بآلة العود، وهما معا كأنهما أوركسترا لا تحتاج شريكا ثالثا، إلا أن احترام مارسيل للعود هو ما جعله في حقيقة الأمر يؤلف أعمالا موسيقية قدمتها له أوركسترات كاملة وذلك ليقدم كل صوت يمكن له أن يستخرجه من أوتار العود. هذه السيمفونيات التي يشكل العود محورا رئيسيا فيها هي ما لفتت الأنظار الغربية إلى قدراته في حوار اللحن الشرقي بالأوركسترا الغربية.
ولد مارسيل خليفة في بلدة عمشيت بلبنان عام 1950، دَرَسَ العود في المعهد الوطني العالي للموسيقى ببيروت (الكونسرفتوار) منذ أن كان عمره 16 عاما، وتخرج منه عام 1971. ومنذ بداية مسيرته في الغناء عام 1972 قدم ما يزيد عن عشرين ألبوما، بالإضافة لتأليفه موسيقى أفلام وموسيقى راقصة وُصفت بأنها تمزج الروح الشعبية والحداثة الشرقية.
يستعيد مارسيل خليفة طفولته في قرية عمشيت، إذ يقول كما يرد في سيرته المختصرة التي كتبها وليد نظمي آلا كمقدمة لكتيب (مارسيل خليفة وفرقة الميادين): نشأ مارسيل خليفة لعائلة فقيرة. لكن جده الذي كان صيادا ماهرا كان عازفا بارعا للناي ينشد العتابا والميجانا، وكان مارسيل قد بلغ 10 أعوام عند وفاة جده. اشترى مارسيل خليفة أول عود له عام 1965، أي عندما كان عمره 15 عاما فقط. ولقد درس العود على يدي أحد أهالي بلدته يدعى حنا كرم، ثم على يد أستاذ عود من جبيل يدعى حليم اللقيس.
يقول مارسيل أنه أدرك في نفسه نزعة التمرد بداية من المدرسة الابتدائية التي كان فيها، إذ كان التدريس فيها بالفرنسية، ويمنع على الطلاب الحديث بالعربية. لكنه كان يتحدثها مع أقرانه مع علمه أن هذا سيقود إلى توبيخه. لكن مدرسته هذه كانت تهتم بالمسرح والموسيقى. على أية حال فقد انتقل لاحقا إلى مدرسة أخرى تدرس اللغة العربية.
في عام 1966 التحق مارسيل بالمعهد الوطني العالي للموسيقى ببيروت، وكان يذهب من قريته إلى بيروت 3 مرات أسبوعيا، وهو ما يعني وجود مصاريف ضاغطة على أسرته، لكن والدته كانت خير داعم له للدراسة. في تلك الفترة أنشأ مارسيل مع رفاق قريته فرقة فنية في بلدة عمشيت، وكانوا يطوفون المناطق اللبنانية ويقدمون بعض العروض للأهالي. في عام 1971 توفيت والدة مارسيل، وهي السنة التي تخرج فيها من معهد الموسيقى بتقدير امتياز، وكان أول خريج في القسم الشرقي للمعهد. ولذا، تم تعيينه مباشرة مدرسا في نفس المعهد الذي تخرج فيه للتو. هنا بدأت النزعة النضالية لدى مارسيل، وأسس مع رفاقه رابطة اهتمت بالتوعية الوطنية، مما أدى إلى طرده من المعهد طردا تعسفيا بعد أربع سنوات من تعيينه فيه.
عندما اندلعت الحرب اللبنانية عام 1975، نزحت أسرة مارسيل من عمشيت إلى بيروت، وقد كان ذلك صعبا. كان الاقتلاع الأول للفتى المتمرد مارسيل الذي تشكل له الأرض قيمة أساسية في وجوده. لكن الجيد في تلك الفترة أنه تم إحياء تجربة فرقة عمشيت ولكن بشكل أكثر تنظيما، فولدت فرقة الميادين. وفي ظروف الحرب، كانت العزلة داخل البيت مفروضة على الناس لأن الشوارع ليست آمنة. يقول مارسيل: «لم أجد في عزلتي سوى أشعار محمود درويش». هنا بدأت دندنات مارسيل الأولى مع قصائد درويش وغيره من شعراء الجيل الذين تنحو أعمالهم منحى الثورة على الطغيان والاستبداد والقهر واغتصاب الأراضي.
ولما أصبحت الظروف أصعب في لبنان اقتلع مارسيل خليفة مرة اخرى، من لبنان كاملا إلى فرنسا، وهناك سجل أغنيته الدرويشية الأولى «وعود من العاصفة». ثم عاد لبيروت واستقر بها، وتتالت بعدها ألبوماته واحدا تلو الآخر.
بين تأسيس فرقة الميادين وانطلاق أول ألبومات مارسيل خليفة، وبين لحظتنا هذه في 2015، صار مارسيل خليفة اسما عالميا، وحالة استثنائية في الموسيقى العربية. ففي عام 2005 سمي مارسيل خليفة فنان اليونسكو للسلام من قبل المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلم «اليونسكو». وقد نال عددا كبيرا من الجوائز التقديرية العربية والعالمية لإبداعه الفني وإخلاصه للقضايا الإنسانية. كما تم منحه الدكتوراة الفخرية من الجامعة الأمريكية في بيروت تقديرا لمجموع إبداعاته. ومن أنشطته في السنوات الأخيرة أنه لعب دورا مفصليا في تأسيس وتطوير أوركسترا قطر الفلهارمونية منذ عام 2008 كمستشار فني ومؤلف وعضو مجلس إدارة. عزف الكونشيرتو العربي الذي ألفه خصيصا لحفل الأوركسترا الافتتاحي في جولات الأوركسترا العالمية في جميع أنحاء العالم. ألف مارسيل خليفة من حينها العديد من الأعمال للأوركسترا وقد قاد موسيقاه قادة أوركسترا عالميين ذائعي الصيت مثل لورين مازل وجيمس غافيغن، وعزفت مؤلفاته الموسيقية بواسطة العديد من الأوركسترات العالمية أمثال أوركسترا كييف السمفونية، أوركسترا أكاديمية بولونيا بيانكور، وأوركسترا سان فرانسيسكو لموسيقى الحجرة، أوركسترا ليفربول الفلهارمونية الملكية، والأوركسترا الفلهارمونية الإيطالية، والأوركسترا السيمفونية الإيطالية، وفي قاعات عريقة حول العالم كقصر الفنون (مونتريال)، رويال ألبرت هول (لندن)، الكونست هاوس (فيينا)، سيمفوني سبيس وميركن كونسرت (نيويورك)، مسرح بيركلي (بوسطن)، كندي سنتر (واشنطن)، قصر الأونيسكو في بيروت، دار الأوبرا المصرية، دار الأوبرا السورية، قاعة بليييل ومسرح الشانزيليزيه (ياريس)، مسرح لا سكالا (ميلانو)، قاعة باركو ديلا موزيكا (روما)، قاعة الكونسيرتهاوس (برلين)، دار أوبرا سيدني والعديد غيرها.

فرقة الميادين
في عام 1976 أسس مارسيل خليفة فرقة الميادين. اسم الفرقة بذاته يستحق التأمل. فالميادين جمع ميدان. والميدان يحيلنا مباشرة إلى عدة أشياء. فهو ميدان القرية أو البلدة. نقطة اللقاء فيها. بهذا المعنى فـ «الميادين» هي استعادة لطفولة مارسيل في بلدة عمشيت. لكن الميدان أيضا هو ميدان النضال. وهو ميدان الحرب. ونضال مارسيل وفرقته كان بالموسيقى، حيث الفنون هي ساحة النضال الحقيقية للرقي بالإنسان والحضارة.
نفس سنة تأسيس فرقة الميادين هي سنة صدور أول ألبومات مارسيل خليفة، ألا وهو ألبوم «وعود من العاصفة».
كلمات الأغنية الرئيسية التي حمل الألبوم عنوانها –وهي لمحمود درويش- تقول:
«و ليكن..
لا بدّ لي أن أرفض الموتَ
و أن أحرق دمع الأغنيات الراعفة
و أعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة.
فإذا كنت أغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
فلأنّ العاصفة
وعدتني بنبيذ.. و بأنخاب جديدة
و بأقواس قزح
و لأن العاصفة
كنّست صوت العصافير البليدة
و الغصون المستعارة
عن جذوع الشجرات الواقفة.

و ليكن..
لا بدّ لي أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة
أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة
يعبس الشارع في وجهي
فتحميني من الظل و نظرات الضغينة
سأغني للفرح
خلف أجفان العيون الخائفة
منذ هبت، في بلادي، العاصفة
وعدتني بنبيذ، وبأنخاب جديدة
وبأقواس قزح».
شخصيا، لا أعرف هل سبق أحدٌ مارسيل خليفة في غناء قصائد محمود درويش، لكني أثق أنه طوال هذه السنوات الثماني والثلاثين منذ ألبوم «وعود من العاصفة» فإنه لم يقدم أحد شعر درويش بالغزارة والأداء النوعي كما فعلها مارسيل خليفة. ليست قصائد درويش ضيقة على الشأن الفلسطيني والشأن الفلسطيني بالأساس هم إنساني عام، لكنها قصائد تخص الإنسان المناضل، لذا عندما كان مارسيل يغنيها فإنه كان يغني أيضا للبنان الذي مزقته حرب العشرين عاما، وكان يغني للإنسان العربي الساعي للحرية والرافض أشكال الاستعباد المختلفة. بل إن هم مارسيل خليفة الكوني جعله يغني لبلد مثل كوبا –أم الثورات- في أغنية كوبا التي يقول فيها:
«يا رفاقي في كوبا الأبية/ عندي لكم من بلدي تحية».
وبمثل ما وصل لكوبا غنى مارسيل لليمن أغنية «أرض بلادي» الي يقول فيها:
«جينا عالدار جيناكي/ يا يمن الأحرار جيناكي
يالله يا رجال تنوحّد أرض بلادي..
وجنوب شمال أرض الشهدا بتنادي»
بعد ألبوم «وعود من العاصفة» عام 1976 صدرت لمارسيل الألبومات التالية: أغاني المطر (1977)، من أين ندخل في الوطن؟ (1978)، أعراس (1979)، عالحدود (1979)، عالأرض يا حكم (1980)، فرحة (1981)، الجسر (1983)، يا محلى نورها (1984)، أحمد العربي (1984)، سلامٌ عليك (1989)، تصبحون على وطن (1990)، ركوة عرب (1995)، جدل (1996)، بساط الريح (1998)، كونشيرتو الأندلس (2002)، مداعبة (2004)، تقاسيم (2007)، شرق ( 2007)، سقوط القمر (2012).
غنى مارسيل خليفة بالعربية الفصحى كما غنى بالدارجة اللبنانية، لكن الثيمات كانت متجانسة في حقل حب الأرض والاحتفاء بالفرح وتكريم الشهيد وأم الشهيد الصابرة. بعض أغانيه لم تكن تشاركه فيها جوقة، وفي أغان أخرى لفرقة الميادين لم يكن هو مشاركا معهم (مثل أغنية «يا وطن الشهداء تكامل»). وأحيانا كانت الأغنية بموسيقى، وأحيانا أخرى تكون نشيدا ملحّنا لكن يؤدّى بدون بموسيقى، وأبرز هذه التجارب أناشيد أميمة الخليل مع فرقة الميادين مثل «تكبّر تكبّر» و «نامي يا صغيرة» و «عصفور طل من الشباك».
للشهداء غنى مارسيل خليفة كثيرا، منها أغان عن الشهادة بصفة عامة وعن تضحيات الشهيد، مثل أغنية «بالأخضر كفناه»، و «يا وطن الشهداء تكامل»، وأغنية «تصبحون على وطن» والتي يقول مطلعها:
«عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو
لأحرس أحلامهم من هواة الرثاء
وأقول لهم: تصبحون على وطن»
غير أنّ كثيرا من أغاني مارسيل في موضوع تضحيات الشهيد كانت مهداة لشهداء محددين بالاسم، مثلا اغنية «يا علي» المهداة للشهيد علي شعيب، وأغنية «الذكريات» للشهيد كمال جنبلاط، وأغنية «عريس الجنوب» للشهيد بلال فحص، وأغنية «الحدّي» المهداة للشهيد يوسف العظمة بطل معركة ميسلون، والتي يقول مطلعها:
«يا بيارق الثورة اطلعوا
عَ كل تلّي اتوزعوا
صرخة حِدّي صوت البطل
من ميسلون اتجمعوا»
غنى كذلك للأم.. بداية من «أحن إلى خبز أمي» وليس انتهاء بأغنية «حورية» التي هي نفسها أم محمود درويش. وقد غنى أيضا لأم الشهيد، ففي أغنيته «أجمل الأمهات» يقول:
«أجمل الأمهات التي انتظرتْ ابنها
أجمل الأمهات التي انتظرته
وعاد مستشهدا
فبكت دمعتين ووردة
ولم تنزوٍ في ثياب الحداد».
أما الوطن.. فهو المحور الأول لأغاني مارسيل. كانت هناك أغان موجهة خصيصا لمدينة بيروت، منها لحنه لأغنية «يا بيروت» التي غنتها أميمة الخليل ومطلعها يقول: (يا يا يا شوارع.. بيروت الحرب اليومية). ولبيروت غني كذلك «من أين ندخل في الوطن؟» والتي يقول مقطعها:
ودخلتُ في بيروت.. من بوابة النار الوحيدة
شاهرا حبي.. ففر الحاجزُ الرملي
وانقشعت تضاريسُ الوطن»
وفي هموم الوطن غنى أيضا «أنا يا رفاقي من الجنوب». ومن أشهر أغانيه في الوطن «إني اخترتك يا وطني» التي يقول مطلعها:
إني اخترتك يا وطني/ حبا وطواعية
إني اخترتك يا وطني/ سرا وعلانية
إني اخترتك يا وطني
فليتنكر لي زمني
ما دمت ستذكرني
يا وطني الرئع/ يا وطني»
إن المهم في أغاني مارسيل خليفة الوطنية أنها اعتلت بالوطن ليكون مأوى لجميع الأخيار. علينا أن نتذكر أن هذه الأغاني جاءت في فترة صراع طائفي عنيف، وقد نأى مارسيل خليفة بنفسه عن أية اصطفافات طائفية. ولم يكن هذا بالطبع سهلا. لكن هذا الأمر بالذات هو ما يجعل أغنية مارسيل عن الوطن نشيدا للثوار في كل البلاد العربية.
لقد تطورت أغنية مارسيل عن الوطن خلال نحو أربعة عقود من الزمن، فطبيعي أن الأغاني التي تغنى للوطن في زمن الحرب ستختلف عن تلك التي تأتي في زمن السلم، ولكن القاسم المشترك الذي ظل في أغاني مارسيل الوطنية –من حيث المضمون- هو أنها أغاني عن حق المواطن في الكرامة في وطنه، وتجسد هذا المعنى بوضوح تام أغنيته الشهيرة «منتصب القامة أمشي».
وإلى جوار الأغاني والتأليف الموسيقي الخالص، ألف مارسيل الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام والاستعراضات المسرحية. فقد ألف موسيقى عروض عدد من أعمال فرقة كركلا مثل (حلم ليلة صيف). وفي الفيلم الوثائقي ألف موسيقى فيلم (كمال جمبلاط) لمارون بغدادي عام 1976، وفيلم (معروف سعد) لأسامة محمد عام 1979. كما ألف موسيقى أفلام روائية منها (حادثة النصف متر) عام 1981 وفيلم (صندوق العالم) عام 2003 لأسامة محمد.
وعن مارسيل خليفة صُنِع فيلمان وثائقيان، أبرزهما الفيلم الطويل «رحالة» والذي يحوي 33 مقطع فيديو من أعمال متفرقة لمارسيل خليفة.
علاقته بمحمود درويش
غنى مارسيل خليفة لمحمود درويش قبل أن يلتقيه على أرض الواقع. كانت البداية مع ألبومه الأول «وعود من العاصفة» الذي تضمن 4 قصائد لمحمود درويش من بين خمس أغانٍ هي ما احتواه الألبوم. غنى مارسيل لدرويش لأن ديوان درويش كان هو المتاح بين يدي مارسيل عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان مارسيل لا يغادر منزله لظروف أمنية. وهنا وجد في كلمات درويش المعبر عما يعتمل في روجه.
وبقدر ما كانت قصيدة درويش غنائية الطابع، من حيث احتفالها بالموسيقى الداخلية للشعر، وانسيابيتها، وتنويعاتها النغمية، حملت ألحان مارسيل خليفة نفس الصفات. لم يتعامل مارسيل مع قصيدة محمود درويش كنشيد ثوري خطابي، لكنه رآها –على الأرجح- كموسيقى تُعلي من شأن الروح وتأخذها إلى ينابيع الأمل. لذا، كانت ألحان مارسيل غير خطابية رغم أن المضمون العام لبعض القصائد كان استنهاضيا. التحفيز الذي أراده مارسيل هو تحفيز الروح على التمسك بالأمل، واكتشاف مكامن السلام الداخلي في عالم يموج بالحروب والبارود. لذا، كانت المقدمات الموسيقية لأغانيه طويلة نسبيا، لأن الهدف لم يكن غناء الكلمات وحدها وتحويلها إلى نشيد للثورة بالمعنى الحزبي والحماسي الضيق للمفردة. المقدمات الموسيقية الطويلة خلقت مساحة للتأمل لدى المتلقي. مساحة لترتاح فيها الروح من ثرثرة زعماء الحروب. الغناء نفسه لم يكن حماسيا مندفعا، لكنه كان هادئ الإيقاع، تأملي الطابع كمشهد يكثر فيه الصمتُ في أحد أفلام إنجمار بيرجمان الكبرى. هذا التداعي الموسيقي في أغاني خليفة هو أحد أبرز وجوه اختلافه عن بقية الفنانين الملتزمين العرب. لقد تنامى عشق تأليف الموسيقى التأملية لدى مارسيل خليفة في الأغاني ذات المضامين الوطنية والسياسية إلى أن أصبحت المقاطع الموسيقية أطول فأطول. لم يؤلف مارسيل موسيقى مركّبة ومصنوعة عمدا لتناسب كلماتٍ ما، لكنه خلق من روح الكلمات موسيقى. في هذا الشأن يقول مارسيل خليفة في إحدى مقابلاته ما معناه أنه لا معنى لموسيقى لا تصمد لوحدها عند انتزاع الكلمات منها. هكذا، ومنذ فترة باكرة ألف مارسيل موسيقى قصيدة (أحمد العربي)، وهي قصيدة فيها أزيز الرصاص، ومع ذلك، فموسيقاها كانت أقرب للسيمفونية الخالصة. أسماها مارسيل (غنائية أحمد العربي)، وأنا أثق أن البحث عن اسم لها كان مضنيا. لم تكن أغنية عادية، كما لم تكن سيمفونية خالصة بالمعنى الغربي للتأليف السيمفوني. إنها نشيد موسيقي طويل يتخلله غناء لابد منه. غناء أصيل في العمل لا يمكن استبعاده. هذا النزوع لمجافاة التقليدي، بل ولتجنب تشابه مارسيل خليفة مع مارسيل خليفة، هو ما قاد فناننا الثائر وذا الحس الموسيقي الأصيل ليعتني أكثر فأكثر بسؤال الجوهر الموسيقي. ليس لدي تعريف محدد لمصطلح الجوهر الموسيقي، ولكني أقصد به سؤال (ما هي الموسيقى؟ ما هي إمكاناتها التعبيرية؟ كيف يمكن للعود –هذه الآلة المشرقية الحميمة والعريقة- أن تحمل أسئلة الفنان وتعبر عن كل هواجسه). أخال أن أسئلة من هذا النوع وأعمق منها بكثير كانت تشغل مارسيل خليفة، وهي ما قادته لاحقا لتأليف أعمال تعتبر سيمفونيات حقيقية، بل ويمكن وصفها بالتجريبية. فـ (جدل) مثلا كان اشتغالا على إمكانات العود تضمن حوارا أو جدلا بين عودين. و (كونشيرتو الأندلس) كانت عودة للجذور.
في تأليفاته الموسيقية الخالصة لم ينس مارسيل خليفة محمود درويش، بل تذكره بطريقة خاصة جدا لن يفعلها سوى مارسيل خليفة. فمن وحي قصائد درويش ألف مارسيل عملا موسيقيا خالصا أسماه (تقاسيم). هي سيمفونية موسيقية، ورغم أنه لا يوجد بها كلمات مغناه، إلا أن روحها تفيض بخلاصة محمود درويش، وهو أمر لا يزعمه مارسيل خليفه لنفسه، ولكن متذوقي أشعار محمود والعارفين بموسيقى مارسيل يستطيعون الإحساس به ويصل إلى أعماقهم. لرحمة القدر فإن هذا العمل قد ظهر قبل رحيل درويش بنحو عام واحد.
يقول محمود درويش عن مارسيل خليفة: «لعل أغنية مارسيل خليفة هي إحدى الإشارات القليلة إلى قدرة الروح فينا الآن على النهوض. فعندما كنا نستثني التعبير الثقافي من شمولية ما تعرض له الموقف العربي من انهيار عام كنا ندافع عن أمل شخصي في حماية منطقة من الروح يصعب اجتياحها بالدبابة أو بالعزلة. وسط هذا الخراب كانت أغنية مارسيل خليفة تنتشل القلب والأجنحة من الركام، كانت قوتها الهشة هي قوة الحياة في حصار السؤال والجواب. فيها وجدنا قوة المأخوذين إلى الموت على الغناء وعلى إبداع مستوى للواقع نمتلك فيه حرية افتقدناها فيما سبق من كلام وإيقاع.
البسيط ينفجر فينا لتفكيك المعقد في الوعي والعاطفة والواقع حين يغني أحد مستوياته بهذه البساطة ويفتح نافذة للرجاء. في أغنية مارسيل خليفة خبز للكلام وشيء واضح من جدوى وجمال يندفع. كنت على سبيل المثال أعلن لأمي الحب من زنزانة ولكن لم تدرك هي ولا أنا أدركت فعالية هذا الإعتراف إلى أن فضحته أغنية مارسيل خليفة».
خاتمة
عاصفة مارسيل خليفة التي أطلت بوعودها منذ عام 1976، لم تكن مزعجة أو تدعو لإغلاق النوافذ، إلا ربما لدى حراس الموسيقى الرديئة والمروجين لها. لقد كانت عاصفة من الحب واحترام الفن. كانت وعودها هي الأمل. ولقد صدقت هذه الوعود، فما إن انطلق الربيع العربي في تونس حتى كان صوت مارسيل خليفة هو صوت الأرواح المكتظة بالأمل. وبغض النظر عما تسير إليه أمور الإنسان العربي على أرض الواقع، فما زالت عاصفة مارسيل تعدنا بالنبيذ والأنخاب الجديدة، وبأقواس قزح. وهو الوعد الذي سيجعلنا دوما نحن إلى مارسيل خليفة ونعود إليه في اللحظات التي نكاد نفقد فيها الأمل.
الذين يحبون مارسيل خليفة يحبونه –على الغالب- لأنهم يجدون فيه ذلك الجزء المتواري الأكثر جمالا في ذواتهم: الطفل الذي لا يعرف الكذب. الطفل الذي يحب الاكتشاف والتجريب. الطفل ذو الكركرة العذبة. الطفل المتجدد الذي لا يمل المرء من اللعب معه—لأنه باللعب معه نستمتع، ونعيش طفولتنا، ونؤمن أنّ في المستقبل ما يستحق التضحية لأجله.

مارسيل خليفة
علــــى بحــــــر عُمـــان

سيف الرحبي 

لم يكن مارسيل خليفة، على مدار الزمن الماضي والمديد، بالنسبة لجيلنا، وربما لأجيال أخرى، موسيقاراً أو مغنياً يحظى بشهرة وشعبيّة واسعتين في المحيط العربي، الذي يغني بلغته الجامعة رغم التشظيات والحروب، موسيقاراً، ومغنياً صاحب «التزام ثوري وهادف» وفق مفردات تلك المرحلة التي ترفع تلك العبارة وتُحملها ما لا تحتمل، في الفرز الصارم والعشوائي بين الحقيقي والزائف، والابداع ونقيضه… لم يكن كذلك فحسب، بل رفيق رحلة امتدت بأحلامها وانكساراتها، بأملها الحماسي العاطفيّ السيّال، ويأسها المطْبق، ان صحّت هذه الثنائيات، رفيق رحلة امتدت منذ مطلع السبعينيات حتى اللحظة الراهنة التي ما زال فيها مارسيل خليفة يعطي ويثري ساحة الغناء والموسيقى العربيتين على رغم التغيرات والانقلابات القيامية في مسار التاريخ العربي وعلى الرغم من الانهيار الشامل، لمعظم تلك الأحلام التي تشارف الطوبى أحياناً، وتَحّولها الى النقيض الذي لا يراود حتى خيال أكثر الأعداء بشاعةً وعدوانيّة…
ذلك المشهد (السوري خاصة) المفتوح على مدارات الجحيم وبما يفوق أوصافها الأسطورية في الديانات التوحيدية والوثنية.
على الرغم من انفراط تلك المرحلة المحمولة على الأمل المستقبلي المشرق، بمفاهيمها ورموزها وطقوسها، والدخول العنْفي في الظلام الأكثر غلظة ووحشيّة من ظلام ما عُرف بالقرون الوسطى، ظلّ مارسيل خليفة والكثير من رموز تلك النخبة الحالمة في لبنان والعالم العربي، يواصلون الحياة والابداع كإشارة احتجاج، على ظلام القبح الذي يسود السياسة، الفن والثقافة..
ظل مارسيل بالموسيقى والغناء كواحد من رموز تلك المرحلة، فاعلاً ومؤثراً، ليس عبر مداعبة ذاكرة ذلك الجيل المنكوب في أحلامه ورؤاه، مداعبة نوستالجية، وانما فاعليته تتجاوز ذلك، الى شِغاف بشر لم يعيشوا معطيات ذلك الزمن. بل نشأوا في مرحلة «الميديا» ووسائل التواصل الجماهيرية، الأكثر هيمنة وتسويقاً للرداءة وقيم الانحطاط..
وليس أدل على ذلك إلا الحفلات التي يقيمها في أكثر من بلد عربي وأوروبي، وذلك الإقبال الكاسح كما حصل في حفلته الأخيرة بعُمان في الأوبرا السلطانيّة، حيث التذاكر نفدت باكراً والزحام على أشدّه وكذلك في الأوبرا المصريّة..
لقد قسم جسمه في جسوم كثيرة وفق عبارة للشيخ ابن عربي الذي يرقد على سفح جبل (قاسيون) وهو لا يبعد عن (عمشيت) بلبنان أكثر من ثلاث ساعات بالسيارة، البلدة البحرية التي ولد فيها مارسيل، والمتاخمة (لجبيل) التي انطلقت منها أشرعة الفينيقيين لغزو العالم.
دائما ألتقي مارسيل خليفة في أكثر من بلد، على مفترق طرق ومدن، إما هو الراحل غداً، أو أنا المسافر بعد ساعات، عدا مرات في باريس، بغداء لا ينقصه البهاءُ والموسيقى والمشهد الفريد، في (التروكاديرو) غالباً، أو في منزله في ضاحية (سان كلو) حين أوغل الليلُ الباريسي «المحمول على الاكتاف» من فرط جماله، وفق عبارة لرونيه شار، ويكفّ المترو والباصات، عن الحركة، حتى يضطر الى توصلنا بسيارته مع هدى بركات التي تسكن قريباً من مقبرة (بيرلاشيز) المزهرة بموتاها وأشجارها الباسقة، أين منها مقابرنا الجرداء القاحلة.. ربّ قائل سيقول، لكن الموت واحد والغروب النهائي لأعمار البشرية واحد…. ربما، ربما، لكن مارسيل يقطع كل تلك المسافة بحميميّة تلغي التعب والمسافة، لا تقل عنها، تلك الحميميّة بروح الصداقة والموسيقى، في اليوم الذي أمضيناه في ربوع مسقط، بين مقر مجلة (نزوى)، حيث تجمع حوله صبايا مؤسسة عُمان الصحفية صوراً وأحاديث، من غير حدود أو لياقات مُصطنعة، وبين شاطئ البستان على بحر عُمان، والطقس قد بدأ في الحنوّ والرحمة بعد صيف حارق طويل..
مارسيل خليفة، رفيق رحلة لمن عرفه على الصعيد الشخصي، أو عبر الموسيقى والثقافة.. مرحبا به على ضفاف بحر عُمان، أحد مداخل المحيط الهندي الحنون، والوحشي الماكر كما وصفه (بول نيزان) بجحيم البحارة..
مرحباً برفيق رحلة أجيالٍ، كادت الظلمة التي تكفن الأرض العربية من أقصاها إلى أقصاها، أن تسحقها.. ربما نور الموسيقى والمعرفة الحقيقي يأخذ بيدها الى مواطن الجمال والحريّة..

مارسيل خليفة..
أنا مع القصيدة والموسيقى كفعل مشاغبة..
عصياناً وجودياً ونزعة للإفلات من القطيع

حوار: هدى حمد

من كان يظن يوما أنّ الطاولات والكراسي والطناجر وعلب الحليب الفارغة وقصب الغزّار اليابس، التي يقرعها ذلك الولد الصغير، مُحوّلا إياها بخياله الخصب إلى آلاتٍ موسيقية، من كان يظن أنّها ستغير حياته، من كان يظن أنّ الولد الذي يُلحّن القصائد المدرسية كي يحفظها ويتلوها غيباً في ساعة الاستظهار.. من كان يظن أنّها ستأخذه إلى «أوبرات» العالم الشهيرة؟
حدث ذات يوم أن عاد وفي حقيبته رسالة القبول في المعهد الموسيقي، فرحت أمّه أكثر منه بالخبر، وكانت هنا الانعطافة الأولى في حياته.
وعندما كان لا يتوفّر ورق النوتة المُسطّر، كانت أمّه تُسطّر له الورق تسطيراً دقيقاً ليكتب عليها النوتات بقلم الرصاص. لكن أمّه ذهبت قبل الأغنية وقبل الحب، ولم تسمع له نوتة موسيقية واحدة.
ففتش عن أمّه في صوت فيروز، وبعد سنين فتش عن حبيبته في صوتها، كما فتش عن وطنه.
حرمته الميليشيات المسيطرة على المنطقة الشرقية بلبنان من إلقاء نظرة أخيرة على وجه أبيه، حرمته من أن يحتفظ على الأقل بأسرار الروح. لقد مضى وحيداً ولم يستطع أن يمشي في جنازته.
لم يُعلمه أحد كيف يكتب للعود، وكان يشكُ بكل ما يثق به الأساتذة، وهم يضعون الدرس تلو الدرس.. تعلّم فقط من اساتذته الذين خلعوا النظريات الثابتة، لتحقيق أكبر قدر من البهجة، باكتشاف المخيلة في حياة محرومة وفقيرة من الحب والحريّة.
كان يبحث عن درويش في القصيدة وفي الموسيقى لتطرية الأيام الصعبة. لَعَلَّه شيء من ماض جميل وشكّ ضائع في بلاد تنمو خفية بالحروب الصغيرة والكبيرة.
كان دائما مع القصيدة ومع الموسيقى التي تشكّل فعل مشاغبة.. عصياناً وجودياً، نزعة الى الافلات من القطيع، ويدعو مستمعيه لارتكاب الشغب نفسه، فالشعر لا يكبر، يظلّ شاباً، خارجاً على القانون، متمرداً، صوفيّ التأمل والروح والحلم والتوحّد، وكل «أنا» شعرية تضيء هي انتصار على الموت والحرب والوحشيّة والابادة الروحية والنفسية والجسدية.
هذا الكائن الذي يسكنُ في الطائرة، ويُقلب المُدن صفحة صفحة، ويبدأ كل يوم من جديد كما لو أنّه لا يعرف شيئاً. يأتي في كل مرّة قبل ساعتين أو ثلاث من موعد الحفلة، يجلس لوحده على كرسي في وسط الصالة، ليصبح قطعة من المكان، يشمُّ رائحة الكراسي وعبق الناس الذين سيملأون القاعة.
هذا الكائن الجسور المغامر الذي يُيمم قلبه شطر الحب والنشوة من دون مقايضة النتيجة بحساب الربح أو الخسارة.
هكذا يتداعى مارسيل خليفة في هذا الحوار الخاص كما أنّه المطر، أو كأنّه ذاكرة مفتوحة من أول الحرب إلى السجن القسري في بيت أهله بضيعته «عمشيت»، السجن الذي جعله يغني، عندما كان بيته الصغير يتسع لذلك. إلى أن أصبح أباً لولديه رامي وبشار، شريكيه في التجريب والقفز في الظلام، كما أنّه الآن مأخوذ بثلاثة أحفاد وحفيدة مُدهشين، يكبرون هناك في البعيد.
هكذا تنسكب حكاياته، وتأملاته شديدة الحساسية تجاه الأشياء، فهو غير خبير بشيء أكثر من الموسيقى التي تنمو فيه، والشعر الذي يلمسه، والأغنية التي تضيء ما يخفى..
v v v
طاعة النغم
كانت المدرسة الأولى ملعباً للخيال، كنتُ أحس بالنهر يجري في الكتاب، والسماء تحلّق في الدفتر، أشمُّ رائحة الوردة على الصفحة الأولى وأتذوق طعم الندى وفي حصة الرسم، تولد نجمة وقمر كامل التكوين، هيأتني الحياة لأحلم وفق خيالها، كنتُ أكبر على مهل وببطء وكنتُ أود أن أقفز بسرعة إلى الغد. كان القمر يحبو مع الطفولة في الليالي العارية وكان الهواء ساكن لا يحرّك ريشة وبدأ التدريب على طاعة النغم. أدرّب حنجرتي على الغناء مع جوقة الكنيسة وفي غنائها حفيف السنابل الذهبية والشمس تملأ القلب بضوء البرتقال وزهور السفوح كشَعر فتاتي الفوضويّة.
فيض من الكلام في صدري وعلى شفتي فيض من الابتسام، ففي هذه السنوات كانت العلاقة بين الناس والأيام والأماكن، أقفُ على أبواب المدن المزنرة بالبؤس والشقاء وأشواك أخرى، اصفرار بطعم الغبار يملأ السماء، مسن ينكتُ أرض الشارع بعصاه، يُذكرني بأسد روحانا أصفر الشجر وعلى تراب الطريق يمحي العمر ونعل الحذاء، عقارب الساعة تلسع وينقضي الوقت، الصخب والضجيج والهتافات المدويّة في الطريق، انشدت العيون الى القادمين هناك حيث تهدر الأصوات واليافطات مرحبة في تمام الايقاع المحاذي للفرح، المغني يتلاشى مع الاغنية وكان الشعر بحاجة الى ناقل، لابد من إذن، لا بد من جرس، علاقة مباشرة بين الصوت والقلب لنصاب بالفرح والشجن في آن، تطلع من الصوت رائحة الحب، إيقاعات زهر
لقد فتحت لي الاغنية باب خوفي الاول من القمر «عندما كنتُ في حضن أمي» والذي كان يكبّر الأشباح.
المغني يتسلّل على حبل الظل وفي أغنيته الهشّة يتلوى يصلي يزني يعود على حافة الوتر الذي يجرح الهواء ويصفقون على ما تبقّى فيهم من قدرة على الافتتان.
غنّ أكثر أيها الكائن لنصدق أن على هذه الأرض المجبولة بالوحشيّة شيئاً ما يستحق الحياة.
v v v
جدتي مريم
كنتُ أسأل جدتي مريم وهي تُمارس صلاتها المسائية: أين كان ربنا قبل أن يخلقنا ؟ فتتعثّر جدتي في الإجابة وتدعوني لمشاركتها الصلاة فتحلّ بذلك اللغز ثم أضع نفسي على ركبتيها وأنام وأحلم بقوّة تشتعل فيّ وتدفعني الى شهوة الخلاص هي الهُيام بالموسيقى وتحررت حينها من اليقين وذهبت في الشكّ الى آخره.
لقد أحببت في طفولتي ابن الانسان ذلك المسيح «الحبّوب» وكل حركات طفولتي تموجات في بحره وحتى إلحادي به هو جزء من شمول المسيح لي بحنوّه اللانهائي، يتركني حرّاً في الكفر حتى أكون حرّاً أيضاً في الإيمان..
كان الزمان والمكان معداً للاحتفال بليلة الميلاد، صغار ورياحين وهدايا تعلي سطوح الطفولة، ثم بعد حين يأتي ميعاد موته وأحزن واختزن حزن العالم واعود واسأل جدتي: هل الموتى لا يكبرون وهم لا يشعرون بموتنا أبداً ولا بحياتهم ؟ فتحار جدتي من أسئلتي وتأخذني مشياً على الأقدام حتى مغيب الغروب المدمّى على أصابع أرجلنا الى الكنيسة البعيدة واستمع الى التراتيل وكل نبض في إيقاعها يوجعني وصدى الأشياء تنطق بالصوت وبي فأغرق بالطرب وأنسى هول الكينونة في وهج المساء حيث يكتمل القمر على خلوة نشيد الأناشيد واحسّ بأننا نُفينا الى هذا الكوكب مع مسيح طفولتنا برفقة التراتيل والماء والهواء والتراب والنار وهنا ربما كان أفضل مكان للوحدة.
v v v
محمود درويش
الأمر مع محمود درويش كما لو أنه جردة حياة، شاعر، قصيدة، أغنية، موسيقى، تاريخ، أمكنة، هي حاجة ملحّة الى أن أقول كل شيء لأتخلّص من ثقل أشياء عدّة ترمي بثقلها على الذاكرة كما على الجسد والروح، كأن سنين الحياة تهرب ونحاول أن نلتقطها، أن تستوقفنا، نستدعي كل شيء مجدداً. كل تلك السنوات التي عشتها مع شعر درويش. أرغب في نقل الأحداث والتواريخ والانطباعات ورواية تلك الأيام على نحو مفتوح. أبحث كل يوم عن جديد في شعر درويش.
سأحاول أن أرتّب ذكرياتي مع درويش وكما ستتدفق هنا ذكريات ضائعة يبقى عطرها حتى بعد ذبولها. وكانت موسيقاي لشعر درويش تنحو باتجاه الشكل الدرامي والتأليف الغنائي الحرّ غير المسجون في ضوابط محددّة سلفاً وهكذا لم تقطع مع الطرب إنما وازنة بينه وبين الاهتمام بمخاطبة وعي المتلقّي مدشنّة بذلك علاقة مبتكرة مع الناس وهادفة الى إعادة تشكيل الذوق السائد مع عالم صوتي جديد معبّر عن معطيات جديدة وهو بناء مقتصد وحرص على عدم الوقوع في الوسائل التزينية والزخرفية القائمة على إغراءات السهولة. أي لحظة انتقال بالأغنية العربيّة من عالم الانفعال السلبي الى مجال العقل الإيجابي. لقد بحثت مع درويش عن أغنية تقودنا الى المستحيل، ترشدنا الى الدروب المجهولة لنبلغ سرّ الفرح.
لا أستطيع أن أشرح بالكلمات ما كتبت من موسيقى لقصائد ولكن أستطيع أن أقول أن شعر درويش تشرِّد في أعماق قلبي الذي دقّ بإيقاعية صادحة ولا أعرف كيف أهدئه.
أبحث وأحاول القبض على القصيدة – الأغنية كي لا تفلت، إنها لعبة عبثية، صراع من أجل المستحيل، ظلّ وراء الاندهاش، بحث في الظلام، ويوماً بعد يوم أنسج القصيدة بألحان جديدة مثل تنهيدة، مثل همسة من وعود من العاصفة مروراً بأحمد العربي وصولاً الى سقوط القمر. أجمل قصيدة درويش في شفاه قلبي، أسدل بلذّة وشاح الصباح الندّي.
أدخل في الأغنية إلى ما لا ينتهي لأدافع عن الغامض السحري في القصيدة وكان لا بدّ من الرغبة والحسرة والقسوة والثورة والنداء والشعر والصمت والتذكّر والنسيان والحب.
أصابعي علقتها على مشارف الوتر وروضتها على الشهيّة وكتبت لمحمود جهراً بيان الأغنيات لأجمل حب.
بعد غيابه أبحث عنه أكثر في القصيدة وفي الموسيقى لتطريّة الأيام الصعبة. لَعَلَّه شيء من ماض جميل وشكّ ضائع في بلاد تنمو خفية بالحروب الصغيرة والكبيرة وما نحتاجه هو كوفية عربية نمسح بها دمعاً حارقاً كالصديد.
لقد تقرحت قلوبنا من عفن القتل والدمار والوحشية الصارخة ومن تعب أسئلة قاحلة
انني اشتاق الى محمود درويش وقصيدته المبللة بالندى، لعلّ المكان ينتبه لأغاني الحب التي ترددت في البلاد القريبة والبعيدة، أغانٍ شردها الغياب وغسلها سحاب ليل ينام بين الامواج تقطفه الحناجر وتطويه زغرودة الانتظار.
لم تولد الاغنيات من نزوة طائشة خرجت على منوال إيقاع الحب من نار لا يقودها حطب البراري، من نقر على وتر القلب، من غفلة صوت مبحوح، من شرشف تضرّج بالدم القاني، من دمعة شاهدة على الولادة.
نعبث لئلا يضيع منا الجميل وينكسر، نعبث لينطلق المستحيل على ألواح الحياة تطيب لنا الاغنية كما يطيب النبيذ، وحده الحب في هذا العالم كان يفهمنا، يقيم فينا، ينادينا، يبني عشّه تحت حواجبنا، يحمينا من فضول المساء ومن بخار البن في الفنجان. إنه جوع الى ليل الشهوة والنشوة والجمرة والحسرة ولسعة الريح في المساءات الشتويّة.
كنا نرى أوراق التوت تتساقط عن جسد العالم ولم نكن نشك في قمر الحب الذي سقط وغمر ليلنا الدامس بالفضّة الصريحة. ذهب محمود الى المستقبل الذي اراده وحلم به على الرغم من محاولات تعطيل خطواته وتفويت ذهابه الفاتن. كان شفيف كالضوء، يعبر الروح ويتركها على دهشتها في أسئلة جديدة تحاور عميقاً الاسئلة التي تشغلنا. شعره يزهّر وينتج كالأشجار أوكسجين الحياة.
آلة العود
في مساء بعيد دخلت آلة العود الى بيتنا الصغير بعد أن كانت آلاتي الموسيقية محصورة بالطاولات والكراسي والطناجر وعلب الحليب الفارغة وقصب الغزّار اليابس. كنتُ أرى العود في الصُوَرْ وأحياناً قليلة في التلفزيون أسمع صوته في الراديو ولكن أن يكون معي في البيت ! كان عيداً حقيقياً يوم وصول هذه الآلة الموسيقية الساحرة وفي اليوم التالي ذهبت مع أمي الى منزل «حنّا كرم» ذلك الدركي المتقاعد والذي يعرف القليل من النوتة الموسيقية وما حفظه من موسيقى الدرك. تابعت ترددي الى منزل الاستاذ مرتين في الأسبوع، حيث تلقفت خلال ثلاثة أشهر دروسه الموسيقية الابتدائيّة.
بعدها نصح أهلي بأن أتابع تحصيلي الموسيقي في الكونسرفاتوار الوطني في بيروت والبعيدة جداً في مقياس طرقات ذلك الزمن عن ضيعتي في جبل لبنان، ودخلت صف الاستاذ الكبير «فريد غصن» العائد من هجرته المصريّة ليدرّس في المعهد المذكور.
كنت في السادسة عشرة من عمري آتياً من قريتي الى المدينة مرتين في الأسبوع لأدرس الموسيقى إلى جانب الدروس العادية وكنت في طريقي الى بيروت أرى على مداخل المدينة وفي ضواحيها المخيمات الفلسطينيّة وبيوت الصفيح وحتى في ذلك الحين وفي ذلك العمر الفتي لم أكن اعرف شيئاً عن فلسطين ولا سيّما أهل الجبل اللبنانيّ بعد حرب الـ67 بدأتُ أعي هذه القضيّة وأوليها اهتمامي.
وتداخلت وقتها القضايا السياسية المحليّة، العمليات في الجنوب، إطلاق الرصاص على مظاهرة عمَّال التبغ واستشهاد المزارع حسن الحايك وغنيتُ بعدها من شعر شوقي بزيع «يا حادي العيس» والمهداة للشهيد حسن الحايك.
فلسطين، الجنوب، هموم الناس، مظاهرات الطلاب، الإضراب الكبير لعمّال معمل غندور، إذ تطورت الأمور وحدث صدام مع الدرك واستشهد العامل «يوسف العطّار» قوات صهيونيّة تدخل العاصمة اللبنانية وتهاجم منازل القادة الفلسطينيين وتغتال أبا يوسف، كمال عدوان وكمال ناصر. عمليّة «بنك أوف أميركا» اذ اقتحمت السلطة اللبنانية البنك واستشهد علي شعيب وجهاد الأسعد ورفاقهما وغنيت لاحقاً قصيدة عباس بيضون «يا عليّ»، ثم مظاهرة صيادي السمك في مدينة صيدا واستشهاد معروف سعد الذي كان يمشي على رأس التظاهرة وغنيت لاحقاً «يا بحريي هيلا هيلا»، كل هذا اضافة الى العمل مع الناس في الأحياء من خلال الموسيقى والمسرح.
أمسيات فنية أقمتها عبرتُ فيها عن حبي للقضية للشعب والوطن والخبز والورد وكان « نشيّد الموتى « للشاعر السوداني محمد الفيتوري الذي لحنته وتردد على ألسنة الناس في كل هذه الاماسي.
مهرجان مدينة جبيل «بيبلوس» أيضاً كانت تجربة رائدة حيث قدمت أوبيريت «مرق الصيف» سنة 1971 كما شاركت في مسابقة المجمع العربي للموسيقى بموسيقى «سماعي بياتي» تونس 1973.
كنتُ من المتخرجين الأوائل في الكونسرفاتوار وهذا لم يمنع من أن تفوز مقطوعتي «سماعي بياتي» إلى جانب مقطوعتين لأساتذتي عبد الغني شعبان ونجيب كلاب.
تخفيف البؤس
أعود بذاكرتي وأتذكر يوم السبت 12 ابريل 1975 حين خرجت من مسرح الأونيسكو في بيروت فرحاً من عمل فرقة عبد الحليم كركلا للباليه الشرقي «عجائب الغرائب»، وكنتُ قد كتبت الموسيقى لهذا الاستعراض الراقص للكوريغراف عبد الحليم كركلا. ولكن الفرح لم يكتمل في اليوم الثاني 13 ابريل وبعد الحفلة خرجنا من القاعة وكانت بيروت قد دخلت في الظلام وأصيبت العروس في الاستعراض «أميرة ماجد» الراقصة الأولى برصاصة قنّاص اخترقت ظهرها واقعدتها مدى الحياة بعدما أضاءت في الليلتين عوالم الفرح في قصر الأونيسكو ببيروت.
عدتُ ليلتها الى قريتي الشتائية منكسراً وحزيناً وكل شيء كان قد تعطل في البلد وابتدأت الجولات الحربية – العسكرية الجديدة علينا ثم بدأت مظاهر الحرب تكسو قريتي الهادئة.
مسلحون يروحون ويجيئون انقطعت الطرقات وانقطعت عني اخبار بيروت وانحجزت في منزلي قسرياً ولم يكن معي في خلوتي هذه سوى العود وبعض دواوين محمود درويش، رحتُ خلالها ألحّن القصائد الأولى لمحمود درويش ثمّ بعد فترة حزمت أمتعتي وأمري وذهبت الى باريس هارباً من عمشيت «قريتي» مع كوكبة من الأصدقاء اذ لم تتحمّل المنطقة آنذاك ميولنا اليساريّة والتقيتُ في باريس بالأصدقاء الجدد الذين غصّت بهم المقاهي وبحلقات من الشبان الوافدين حديثاً او المقيمين بداعي الدراسة أو بداعي العمل ومجموع هذه اللقاءات كوّن مناخاً اجتماعياً وفنيّاً وسياسياً حاراً تذكي طراوته الأحداث المتسارعة التي كانت تجرب في لبنان والتي كانت تأخذ طابعها الدراماتيكي المعروف.
رحتُ بخجل وتردّد أعرض بعضاً من تجاربي الموسيقية الغنائية الأولى. شاب متحمس أخرق يريد أن يجعل الموسيقى سبيلاً لتغيير العالم، أن يخفف البؤس والحروب، أن يشعل ثورة مدعوماً بوتر العود والقصيدة ليستدل على الحلم ويصل إلى تحقيقه.
كان الأصدقاء الجدد يسمعونني ويهزّون برؤوسهم ربما لم يدركوا يومها تماما ما هو مشروعي أو على الأقل جديّة ما أحاول الخوض فيه وكان داخلي مشحوناً بالتمرّد وكان الزمن يمشي بطيئاً وكنت استعجله لأكبر.
العصيان الوجودي
وفي صباح باكر من اغسطس سنة 76 دخلت أحد استديوهات باريس الصغيرة وسجلت «وعود من العاصفة» أولى أعمالي لدرويش وقبل أن أتعرّف عليه شخصياً وبعد أخذ ورد مع مسؤولي شركة الأسطوانات الفرنسية «الغناء في العالم» «chant du monde» ظهرت الأسطوانة الأولى في احتفالات جريدة «الانسانية» «l›humanite» وكانت أول تظاهرة لهذا العمل على خشبة الجناح اللبناني في ضاحية باريس الشمالية بقرب من بسطة للحمص والفول والفلافل ولقد تضمنت هذه الأسطوانة أربع قصائد لدرويش: أمي، ريتا، جواز السفر ووعود من العاصفة وقصيدة « جفرا» للشاعر عز الدين المناصرة.
ولقد وقّعت على أكثر من 500 اسطوانة خلال يوميّ التظاهرة ثم سبقتني الأسطوانة والأغنيات الى بيروت والعواصم العربية ومن ثم الى كل المطارح ولم يخطر ببالي أبداً ان هذا اللعب سيُصبِح جديّاً الى هذا الحد.
وعلى مسار تاريخ طويل من القصائد والأغنيات والموسيقى كان التلاحم الدافئ بين القصيدة والموسيقى. في كل عمل كنت اتعلَّم كيف احمي الموسيقى من الفضيحة والقصيدة من الابتذال. في كل عمل جديد كنت ابدأ من الصفر كما لو انني لا اعرف شيئاً وكل محاولة كانت قفزة في الظلام ولقد ارتكبت اخطائي الفاتنة وكنت دائما مع القصيدة ومع الموسيقى التي تشكّل فعل مشاغبة عصياناً وجودياً نزعة الى الافلات من القطيع ودعوة الى المستمعين لارتكاب الشغب نفسه.
قوة الحياة
الرفيق أسد روحانا علمني كثيراً عن الوطن الحرّ والشعب السعيد. كان يعرف كثائر عن ظلم وفساد الحكم وهو يتفجّر غيظاً وألماً أما جبروت المصالح الساحقة لطبقة الحكم الفاسدة، لم يكن مخدوعاً كان يصوّب كل يوم هذا النضال أمام القوى الرجعية والأمنية والانحطاط والتجارة والخيانة والترهّل والاستسلام التي تتألب على المطالَب المحقة لتخنق آخر نَفَسْ للتمرّد والثورة والرفض. كان يقول: «لنا الأبد أمام هذه القوى ولهم اللحظة الآنية الزائلة، فنحن لا نقيم وزناً الاّ للشعب الحر والوطن السعيد، لن يستطيع أحد اقتلاع روحنا من اعماق صدورنا». كان ثائراً حقيقياً يتألم ويصرخ.. ولا يخيب، لكنه لا يستسلم لا يترهّل، لا يخون نفسه ولا الآخرين. كان شعاع الأمل يرافقه دائماً.
أراه الآن متدلياً أمامي، هل اتمسّك به يا رفيقي الكبير أم أتركه وأسير وحيداً في عتمة الليل، لقد شوهّوا الخيال، عمرّوا معابد الرعب ومعسكرات العبوديّة، وكما كنت تقول لي في الطفولة البعيدة إنّ هذا الوضع سيتغيّر، سيتغيّر لأنّه بلغ حدّه ولن يجد طريقاً يكمل عليه سيتغيّر من كل بد. سنستعيد الحريّة وسنكتشف السعادة، نعم السعادة. أنا مع السعادة وضد حفّاري القبور، أنا مع الماء في النهر وضد الدم، أنا مع الحريّة وضد آلهة البؤس والقمع، نحن بشر نحب أن نحب ونشتهي ونسعد ونحلم بالسلام، عرفتُ البراءة وعرفت قسوة الحفاظ عليها أيها المناضل العتيق وكنت تصمت احتراماً لا تسليماً وتزهد عن قوّة وتغضب والقاعدة هي الرحمة، تشتاق تتوتّر تتعذّب وتصفو وخلفت وراءك أصداء عميقة وظلالاً حية، وقفت في الزمان والمكان كالجرح واوصلك الألم الى الصفاء الآسر. كنت عذباً طرياً كالحنان.
لم تطوه الخيبة على الحقد، كان كبيراً. تعلمتُ على يده في ظلّ ضوء شمعة خافتة وراء نافذة صغيرة في ضياء الحب وفي قوة الحياة كمصباح يدوّي مرصّع بذهب الأمل في لحظة عابرة في مستقبل يولد من ماضيك. هل تعبت من طول الحلم؟ تركتنا ورحلت. شكراً لشعاعك الذي جعل العري شيئاً صافياً نقياً. اتذكر كيف كنّا نلتقي على ضفاف الشاطئ نشيّد حبّاً ونعبث بالماء ونضع قوارب من ورق ونرسلها عبر الامتداد غير المتناهي للبحر. لا أندم على ايام انضجتني بتعاليمك، لا أندم لأَنِّي كنتُ أحلم، كنتُ اتسلّى بعدّ النجوم على أصابع يديّ العشر. ظلّي لم يتبعني تسمّر هناك حيث حطّ العصفور على يديّ وحملتني الفراشات الى مدارج الضوء.
أمي تُسطر الورق
على بياض السماء آخرين، صورة لطفل لم يجد مكاناً على الارض ليركض، ولهذا طفولة الأغنية الدائمة ستتواصل بأعمال جديدة للأطفال لتصعد الى رأس الجبل إلى حقول الهواء، لأدافع عن جمال لا تدمره الحرب عن جمال يحمينا، جمال يشير الى براءة إنسانية، أغنية للكبار والصغار، أمسك بما في الانسان من مطلق، مطلق لا يلغيه الصراع ولا السياسة ولا الانهيارات، وطن الاغنية ليس دائماً هو الوطن.
هل استطاع النشيد أن يفرح ؟
إن مهمة الطريق هي أن نواصل طريقنا دون مُقايضة النتيجة بخوف الحساب، القمر ليس قريباً الى هذا الحد وليس بعيداً الى حد الكآبة، الشمس تملأ قلبي وأدرّب أصابعي يومياً على ما يشبه العزف، أترك الاغنية تعالج أوجاعها بكثير من الحب، لا أجيد السباحة وغنيت لجدي البحّار «يا بحريي هيلا هيلا «، وأنا لا اعرف في البحر مع أنني ولدتُ على الشاطئ، كنتُ أذهبُ كل يوم لأرى الموجة تلاحقها بالشجن وأراها وهي تتعب قبل بلوغ الشاطىء.
موجة تناور حول الصخرة العالية تقترب تتراخى وتستسلم، امشي كل يوم الى البحر، تهبط الطيور من السماء، لتأكل السمك في مساء ضاحك، اسلك الدرب وحدي امشي حتى مغيب الغروب وكلما حركت وتراً في العود مسنّي جنّ عروس البحر، كل نبض يوجعني انا الغريب صدى الأشياء تنطق بالوتر والريشة وبي فأغرق.
أنا والفجر الجديد غريبان «هنا «، فليكن الحب ابديتنا الخصوصيّة، كثير من المدن والبيوت تغيّرت، كثير من الفنادق نمت على أسرتها، كثير من الصور أخذت لي مع ناس أعرفهم ولا أعرفهم، وكثير من صور عشاق، وكثير من الأسفار والمطارات والمحطات، أوجعني السفر والشعر والحب، ولعبت موسيقتي في كثير من دور الاوبرا في العالم، وشيء مثل السحر حين ينزل الستار على مشهد الموسيقى وفي كل مكان تعزف النايات وتصدر الكمانات وتضرب الايقاعات ألحانها، وتتزيّن الأمكنة بكل الحب من المسرح وصولاً الى القاعة الى البلكونات في الطراوة وصمت مغمور بأغاني الطيور، يتردد صداها في المصابيح المتعددة الألوان، أرى آلاف الوجوه، آلاف القصص تأتي وتذهب في ظلال الليل. الذي أعرفه لا يمثل شيئاً إذا ما قورن برحابة السرّ الذي لم يسمع ولم يُرى. آتي في كل مرّة قبل ساعتين أو ثلاث من موعد الحفلة اجلس لوحدي على كرسي في وسط الصالة لأصبح قطعة من المكان اشمّ رائحة الكراسي وعبق الناس الذين سيملأون القاعة.
اتعلَّم من القلب بكل ما يقع تحت نظري لأعبر المسافة بين الصالة والركح وأنسى أن الموسيقى هي الاخرى مجرد لعبة. ألعب وألهو مع المساء الذهبي مع القمر الفضيّ وأبسط يديّ نحو السماء وأصعد إلى الغيوم وأمي التي لم تسمع لي نوتة موسيقية واحدة لأنها ذهبت قبل الاغنية وقبل الحب احسّها تنتظر في القاعة، كيف يمكنني أن أوصل إليها أنغامي.
احاول أن أتخيّل أن أكون الغيوم وتكون أمي القمر أعطيها بكل يديّ وسقفنا يكون السماء. ألعب حتى ساعة متأخرة بعينين مغمضتين. أحسستُ بأنني الأمواج وأمي الشاطئ القريب وأجمع نفسي في اندفاعة طويلة وانكسر قطعاً فوق صدرها بكل صخب الاوركسترا، وبالماء المبلّل المنسرح فوق الوجه يرشدني مصباح مضيء وقفز وراء الكواليس.
أتذكّر عندما قلتُ لأمي: أني أريد أن أكف عن الدراسة، لقد درست كثيراً وصار عمري 16 سنة، وقالت لي: ماذا تريد أن تفعل، قلتُ: أريد أن اتفرّغ لدراسة الموسيقى، وبدأتُ أنقل بقلمي أكداسا من النوتات لأنّه لم يكن يتوفّر الكتب والمخطوطات المطبوعة وإذا توفرت يكون ثمنها غالياً. وكانت أمي تجلس أمامي هادئة ساكتة والمطر ينفذ من شق النافذة، فيبلّل الأرض دون أن نكترث لذلك. وعندما أتى ساعي البريد ذات صباح وفي حقيبته رسالة قبولي في المعهد الموسيقي فرحت أمي أكثر مني واشترت لي ورقاً مُسطراً وأقلاما وبدأت أؤلف الموسيقى، وعندما كان لا يتوفّر ورق النوتة المُسطّر كانت أمي تسطّر لي الورق تسطيراً دقيقاً واكتب النوتات بقلم الرصاص. لا أدري ما كان يُمكنني أن افعل في هذه الدنيا لو لم يكن لي أم تحرسني. أليس من حسن الحظ « أن الطفل كان مع أمه».
الشوك أطول مني
أتذكر أيامنا الحافلة عندما كنت طفلاً وكان الصفاء يغمر الأرض والماء والسماء
أنحني والتقط حبّات الماء، أعثر على الماء الذي يُشبه قلب الحب وكنت أحوّله بأصابعي الملتهبة الى ألحان، كنتُ أجمع أولاد الحي وأعطيهم البدء بإشارة الغناء وكل يغني على ليلاه، أواصل طريق الماء بحثاً عن الطفل الذي كنته فلم اجد سوى ضحكات وشيطنات فاتنة.
يحزنني هذا العالم في سيرته المكتوبة بالحروب، مصلوب هذا العالم، لم يبق في هذا العالم جناح أو سنبلة، هشّ هذا العالم، هفّ وشفيف ورقيق هذا العالم، يُحزنني هذا العالم، هل سيبقى الرب وحيداً في هذا العالم؟ المسافة تجري بنا لمع البرق، قطعنا مسافات بعيدة وجئنا لهذي الارض كي نولد فيها، من بيتنا في الشمس كنّا نرى الأرض مرسومة كنهد الحبيبة. تطفئ الارض القمر لننام.
كان الولد البريّ ابن الوعر والجبال وقد وصلها بالسماء في الضباب وما يترك الغيم من ماء تنقط مثل دموع، وكان الولد يؤمن بأن الغد أجمل هكذا علمه الرفيق، لكن التاريخ يُفاجئنا يوماً بخيبة أمل جديدة ورغم ذلك الولد يُدمن النظر إلى أبعد.. إلى أعلى. لم يعد البكاء لائقاً بمن هم في مثل سني، ولكنني أواجه الطفل الذي كنته والذي تركته هنا، صار الشوك أطول مني ومنه فضعنا معاً، جرحتني شوكة حادة.
وطن بلا بطل ولا ضحيّة
لبنان، أنثر ورد الحب على بلدي «الراحل» لبنان، في غيابه أقل موتاً منّا وأكثر منّا حياة، يا وطني الذي أعرف الطريق إليك ولا أعرفك،هل الوطن في الأغنية هو الوطن في الوطن ؟، نعم الوطن هو الوطن في الوطن في الاغنية وفي القصيدة وعلى حافة اللحن، أنا ابن هذه الأرض لولا الاقتلاع المدجّج بالسلاح، كان هذا اللبنان كبيراً علينا حين كنّا صغاراً، أخذتنا الحياة إلى أسئلتنا الاولى إلى أغنياتنا الاولى، أتذكر حكايتي أيام كان الطريق أوضح، أيام لم تكن الكهرباء قد وصلت الى البلد، أيام لم نجد كتباً كافية للتعليم، أيام كان يوم الاستقلال نغني «كلنا للوطن «، أيام كنّا صغار السن، أيام لم نعرف من هو المسيحي فينا ومن هو المسلم.
في تلك الأيام في أول الوعي وعلى أول الطريق وعلى أول الخطوات وعلى حرياتنا الصغرى وعلى طموحاتنا الأولى، كان انتماؤنا لوطن حر وشعب سعيد.
هنا دم على الأرض ودم على الشجر ودم على مرايا الضمير وهكذا تتجرّد حقوقنا الوطنية في وطنهم من أي معنى.
فمن ينقذ لبنان ؟
ليس لنا من اختيار آخر وسيحل لبنان العدل والتحرُّر المسجّى على هذا الصليب الآن وأكثر مما أحببناه من قبل لأنه ابن حريتنا القادمة سنأخذه معنا الى حياتنا العاديّة وسيأخذنا معه الى حياتنا العاديّة وسيأخذنا معه الى اسمه الحقيقي البسيط لنحلم معاً بوطن جديد لا بطل فيه ولا ضحيّة.
عن فيروز
لولا فيروز لكنت يتيم الأمّ، كنتُ أحمل سنين قليلة وأمشي ولداً على الطريق الطويل في اتجاه الأغنية أبحث عن أمي.
« وحدنا يا ورد راح نبكي»، هذا هو طعم أغنية فيروز الأول فتشتُ فيها عن أمي وبعد سنين، فتشتُ عن حبيبتي، وفتشت فيها عن وطني وليس المكان الذي ولدت فيه هو وطني، كان صوت فيروز وأعمال الأخوين رحباني وطني، شموع كثيرة تُضاء كل يوم لفيروز، لكنّا أقل من الشموع التي أضاءتها طيلة هذه السنوات مع الأخوين رحباني للعشّاق للحب للحرية وللوطن.
فيروز غنّي كثيراً لأن البشاعة تملأ الوطن
دهشة الفولكلور
كم يبدو الهم الفني تافهاً حين تصبح الحياة بمعناها الغريزي البسيط هي الهم وكم يبدو الكلام عن الموسيقى والرقص والتجديد والتقليد شأناً صغيراً سخيفاً حين نعيش في بلد لا نعرف فيه غير الدمار والقتل ونعيش الخوف والموت ولكن لا بد أن نحلم بعالم أفضل وبقليل من الاوكسيجين طالما أن الشمس تسقط في البحر والبحر يحملها والقمر معلّق فوق الجبال ويكبر على أغصان الشجر.
أيتها العاصفة هل العصافير ركن تحت الأشجار ؟
سنة 2000 أتاني الكوريغراف عبد الحليم كركلا بنص عاميّ لا يقول شيئاً وقال لي أريد منك موسيقى لدبكة فولكلورية «غير شكل «، وأنا بعيد عن « الدبكة « بعد السماء عن الارض واكتب لفرقة كركلا منذ تأسيسها في العام 74 موسيقى لرقصات تعبيريّة حالمة دافئة ممتلئة أنوثة وعري كامل، كيف تريدني يا استاذ أن أدخل عالم لا أعرفه ولا ميل عندي له ولكن عبد الحليم كركلا اصرّ، قلتُ له: لا أريد أن يزعل مني الاستاذ زكي ناصيف أبو الفولكلور، وكان هو المسؤول عن الجانب الفولكلوري والدبكات في اعمال فرقة كركلا. قال لي: لا بالعكس زكي ناصيف هو الذي قال لي «خلّ مارسيل يلحنها «. أخذت الملام على مضض وذهبت الى خلوتي اتعذّب وأفكر كيف عليّ ان أؤنث الدبكة المليئة بالفحولة التي لا «أطيقها» وأتيت بعد حين الى الاستوديو بموسيقى مختلفة، ولدبكة مختلفة حازت على إعجاب الفرقة واندهاش سيد الفولكلور صديقنا الجميل زكي ناصيف وقال لي: «يا ابني هذه الدبكة تحمل شفافية وإغراء في آن»، وأخذني بين ذراعيه بضمّة حنونة. وقياساً بسماكة جدران الفولكلور كان زكي يبدو رقيقاً والحق ان هذه الرقّة تميزه رقة فطرية طبيعية ظاهرة في كل أعماله مع كركلا، وهكذا كان حيث لمحتُ ابتسامة زكي المليئة حناناً ومداعبة.
شيء ما كالحب انتشر تلك الليلة في مهرجان بعلبك عندما ختمت الفرقة عملها بدبكة العديات» التي كتبتها. شيء من روح لبنان وروح من سبقونا وعلمونا شيء يظل تائهاً عاصياً على الامحاء و غير قابل للاحتواء، شيء كالحب كالمساحة الروحيّة اللا محدودة التي يقوم ويبنى عليها لبنان الجديد.
الشعر
أحببت الشعر مع حبي للموسيقى وكنت ألحّن القصائد المدرسيّة كي أحفظها وأتلوها غيباً في ساعة الاستظهار. وعندما كبرتُ قليلاً وقرأت الشعر العربي القديم أحببتُ أن ارتكب هذه الخطيئة الفاتنة وبدأت أغازل خطاياي في المراهقة بشعر طاهر ثم أدخل من أحببتها الى جحيم أو نعيم الخطيئة مُكابراً، مغوياً كالعاشقين، كان الجنون على أشدّه وما زال حتى اليوم، كنتُ أصرخ بصوت مجروح وأواصل تلاوتي حتى يفيض الشعر، وكلما كبر العمر كان يعجز عن إحداث وهن في القصيدة، وكان الشعر من كل حدب وصوب لا يموت ما دام العمر لا يشيخ مهما كبر !، أحببتُ الشعر لأنّه لا يكبر يظلّ شاباً، خارجاً على القانون، متمرداً، صوفيّ التأمل والروح والحلم والتوحّد.
وجمعت في الشعر ماضيا مشبعا بالسحر ومستقبلا مزدانا بالتفتحات الرائعة، وكان الشعر يُوصلني إلى تلك النقطة التي يلتقي فيها الماضي بالمستقبل والحلم باليقظة والجنون بالوعي والخارق باليومي. بواسطة الشعر تحررتُ من قيود الرب والعقل وخاصة عندما يَنزلُ تمزيقاً بالمحرّم ويحرّض ويشيع العصيان، الشعر عمل على تحرير اللغة من كل ما يخضعها من المنطق والعقل والقيود وحررّها ممّا يقمعها في مهد العفوية، وصف الأحلام كما هي واستخدم مختلف أنواع الهذيان والهلوسة الساحرة.
التقط الشعر الصرخة والسطوع والانبهار واللون الضائع والنشوة والإيقاع الهارب
اقتحمني الشعر اقتحام الحريق ضدّ كل شيء وجُنّ جنوني ببساطة الالحان والأولاد والانبياء
وما نحن بلا شعر؟
الشاعر يستأثر بالعالم، لقد تسلحت بالشعر وبالحنين إلى الينابيع الأولى إلى النقاء في الشعر والحياة، ومع ذلك رامبو أهم شاعر بالعالم فشل. فشل بالنسبة إلى المطلق ولماذا لا يكون المطلق فاشلاً؟ ولكن الشاعر الحقيقي يتألم ويصرخ و… يخيب
لكنّه لا يستسلم لا يترهّل لا يخون نفسه والآخرين، وعندما أتكلم عن الشاعر ليس فقط الذي يكتب الشعر إنما الانسان الشاعر الذي يعبث به هواء الخوف وتتدحرج إلى جوانبه أوراق الغيظ والتعب والحزن ورغبة مهشّمة مصلوبة في الحياة وبالشعر الرجاء للإنسان.الشعر يرقص عارياً في الشمس بلا حياء وحتى الإغماء، لا احتمال للحياة خارج الشعر ولا جمال للحياة خارج الشعر ولا حياة خارج هذا الشيء القليل أو الكثير أو التام من الجنون الذي هو الشعر دائماً باق بجهة الشعر.
يقولون أن الوطن العربي هو وطن الشعر وكلما قلبت حبّة رمل من رماله أو حجراً من حجارته وجدت شاعراً ولكن أين هم هؤلاء الشعراء وماذا فعلوا بهم؟ وماذا يعرفون عنهم؟ لماذا يكون الشعراء في بلادنا تحت الرمال أو تحت الحجارة ولا يكونون فوقها، اذا انقرض الشعر فأين يكون أمل البلاد ؟!
سيكون بمزيد من الشعر في العودة التي لا تنتهي منه فهو دائماً يعود، دائماً يبدأ
لم نسمع مرّة أن الشعر توقف ! ولكن الشعر ككل خلاص يحلو له أحياناً أن يماطل فيزيد الشوق إلى وصوله والشعر دائماً يصل ويسبق ويتخطّى.
وما نحن بلا شعر ؟
حتى في الوجوه يجب أن نجد أثراً للشعر، حتى عيون الناس، ويوم كان يضيع الشعر من الارض كانوا يعثرون عليه لاجئاً فيها ؟! هل من مكان اليوم بعد للشعر؟ وماذا يهمنا بعد عشرات ألوف القتلى والجرحى والمهجرين ماذا يهمنا من الشعر، هل من مكان اليوم بعد لشاعر يقول «الأنا»
نعم !
كل المكان لأنا الشعر وفي هذا الزمن الاجرامي السافل خصوصاً إن كل «أنا» شعرية تضيء الآن هي شمس كبيرة. شمس تعيد إلينا الحب والكرامة والحريّة، شمس تذكرنا أن الشعر هو العالم، شمس تعيدنا إلى الحياة، تنقذنا، كل «أنا» شعرية تضيء هي انتصار على الموت والحرب والوحشيّة والابادة الروحيّة والنفسيّة والجسدية. ووسط هذا المشهد المرعب المؤلف من الجثث والأشباح والأنقاض والركام والضباع الكاسرة والغربان والعقبان. اذن من يستطيع أن يحب ويغني ويستشعر وهو يعيش في الموت؟ !
ذلك بالضبط هو الجنون ذلك بالضبط هو الرجاء ذلك بالضبط هو الخلاص، الخلاص من حقارة الواقع والخلاص من فكرة الموت.
الكتابة لآلة العود
لقد نقلت بواسطة آلة العود لغة موسيقية خاصة من سحر الشرق القديم ورومانسية حنونة وإيقاعية صاخبة. اعترف بأنني ما زلت أنحني واصلي للعلاقة الوطيدة القائمة بين الجمهور وبين أعمالي واعترف أيضا أن الهم الموسيقي ما زال يوقظني للسهر على المرأة الطالعة في البال وعلى الشهداء عندما يذهبون الى النوم اصحو لأبوح موسيقى.
لقد كتبتُ «جدل» ثنائي العود ومتتالية أندلسية للعود مع الاوركسترا وكتبت رباعي العود «لم يصدر بعد. كتاب «السماع» الذي صدر في الثمانينات تضمّن مؤلفات كتبتها خصيصاً لآلة العود، ولقد جمعت كل كتاباتي للعود في اجزاء ستصدر لاحقاً. وأنهيتُ حديثاً كتابة كونشرتو جديد للعود. لقد عدتُ في هذه الكتابات إلى أول الطنين فليس في وسع الموسيقي إلاّ أن يكون موسيقياً يرغب في التعبير عن فرح غامض، ولقد عثرت في كتاباتي لآلة العود على جدوى الطرب. لقد سافرتُ في الحنين تعلقاً بالوتر المشدود على زند العود يأخذني إلى ذلك الصدى القادم من بلاغة وبساطة وجرأة الأمكنة والمطارح والنَاس والأشياء والحياة بشكل عام. أردتُ لآلة العود عند كتابتي لها أن تشك فيما هو قائم لتنفتح على نفسها. ولقد أحببتُ أن اعترف للعود بقيمته وأحب أن اثير حساسية المستمع وانقش خياله. ليس في الفنون ما هو ارفع من الموسيقى. الموسيقى هي الفن الخالص الوحيد الذي يثير في استمراره وإيقاعه وتموّجاته أسمى متعة مجردّة يعرفها العقل البشري.
أذهب الى العود لاستخرج الموسيقى، لم يعلمني أحد كيف اكتب للعود وكنتُ أشك في ما كان يثق به الأساتذة وهم يضعون الدرس تلو الدرس لكي اخضع لمثال ليس لي ولست له.
أحببتُ حنّا كرم ذلك الدركي المتقاعد في ضيعتي الذي أعطاني ألف باء العود ومن ثم فريد غصن المميّز والكبير في آن. ابراهيم حبيقة عازف عود قدير على السمع، تعلمتُ منه الكثير وحليم اللقيس في مدينة جبيل. تعلمتُ من هؤلاء لأنهم خلعوا النظريات الثابتة لتحقيق أكبر قدر من البهجة باكتشاف المخيلة في حياة محرومة وفقيرة من الحب والحريّة. وبالعودة إلى تجربة كتاباتي لآلة العود بحثتُ عن أفكار موسيقية حرة إلى أقصى مداها. إيقاع منفتح على أرض غير مألوفة انطلاقاً من المألوف. نوع من التخصيب عبر البحث عن قانون للجمال المتجدّد وليس الاكتفاء بجمال منجز، وفي هذه الكتابات لآلة العود كان الغوث حاداً لاكتشاف مشروع مستقبلي يمكن فيه المصالحة مع المجتمع والدفاع عنه بعدم تهميشه أو إجباره على العودة في آلية دفاعية سلبية إلى بناه التقليدية والأخلاقية.
أشعر بالحرية الكاملة في اثناء الكتابة،لا يقتضي أن نلغي أنفسنا كأفراد لنا أهواؤنا وتوازننا ووساوسنا وحاجاتنا الملحة الى قول الأمل بدون خجل. والمشروع الفني لا يمكن أن يتحقق إلا اذا تفتحت هذه الأنا ومارست حريتها وقالت نفسها دون حياء.
لقد حاولت أن انقل بواسطة العود لغة موسيقية خاصة في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، تبقى النشوة الكبرى في أن نجد القدرة على أن نقول – لا – في وجه هذا المد الطافح بالقذارة والبؤس وأن نحمي الموسيقى والعود من الفضيحة وخارج ذلك قد يتسع الوقت للمزاح والحب والعشق والفرح وللحريّة وللحياة.
مع رامي وبشار خليفة
أرابط اليوم مع رامي وبشار خليفة لندافع عن حريّة الأجنحة، ولقد حقّق هذا اللقاء في الثلاثي الذي أسسناه المصالحة بين الوجدان الشعبي العام وبين الموسيقى لننتقل الى سدّة التجريب الذي يستثير حاسة التأمل. حوار بين الموسيقى وبين صور الحياة في تأليف متنوّع، ينتج بساطة وعذوبة. بدأنا من صفر كما لو أننا لا نعرف شيئاً وكل محاولة هي قفزة في الظلام. موسيقى تَخَلَّق الشم وتدعو الى مراجعة الذات، تعرية الذات، موسيقى تشكّل فعل مشاغبة عصياناً وجودياً نزعة حادة للإفلات من القطيع، دعوة الآخرين لارتكاب الشغب نفسه. صرخة جريئة من أجل الحريّة لنشتبك مع هذا الدوران المدهش الذي يحدث للعالم وإن لم نكن منخرطين فعلياً في الشغب الذي لا بدّ منه، لن نتمكن من المساهمة في الإجابة عن الاسئلة المطروحة وإلى التعبير وخلق الحوافز في لغة جديدة لوعي حركة المجتمع والناس. ليس ارتباط الموسيقى ببيئتها وبالظروف الاجتماعيّة الجديدة وبازدياد الوعي يطورها بل قدرتها على الاغتناء من مجمل الفكر والتكنولوجيا الذي تخلقه تقاليد أخرى تكون أحياناً مختلفة جداً. هذه العملية تأخذ طابع التبادل المشترك.
رامي وبشار منذ صغرهما كسرا معايير آلاتهم الموسيقية. بقلقهم خلف آلاتهم الموسيقية في ذروة الاندماج الساحر وطقس الموسيقى صعب المراس اذا لم يأته عازف ومؤلف خبر تقلباته. ميل وجموح للتوحّد مع الآلة بعد أن ضجّت الذات بمخزون صنوف الموسيقى. بدون شك ليس الأمر سهلاً أن تنعقد الموسيقى على هذا القدر من الخلق والتمكّن لو لم يجيء أصحابها من التمرين والمرجعية الوافرة. وبهذا المعنى لا غرابة أن نقدِّم سوياً عملاً مشتركاً من تأليفنا، نذهب إلى مجهول غامض نحبّه غامضاً دائماً في المستقبل، لنطوّر لغتنا ونحميها من التكرار والإرهاق بثقة متبادلة بعلاقة متجددة مع تجدّد الذائقة والعصر والزمن والحداثة والمعاصرة وعلى قابلية حضور العمل في زمن غير الزمن الذي ولد فيه. إن الإنسان الحر هو الذي يستطيع أن يفارق ذاته الضيقّة إلى المطلق كمسافر جوّال والحياة تكتسب معناها من تحقّق هذا السفر المستمر. ليست لدينا مُعجزات لدينا مخيلة وأحلام وحريّة الأجنحة وليس أمامنا سوى الذهاب الى الأفق البعيد مع الطيور العاصية لأن الإبداع توغّل في غموض ما لا يعرف. فالمعروف هو ما تمّ اكتشافه وصار ناجزاً ومستقراً. نخرج عن الطوق والطريقة معاً ونصدر عن الحياة الأكثر تأججاً واتصالاً بالمستقبل. جمعتنا الموسيقى بشغفها والابتكار والتحدي، الوعي المحفوف بالمخاطر. عوالم موسيقية وانسانية يحدّها التجاذب والتصارع حيناً، التجاذب والتضاد أحياناً اخرى. حرية الاختيار والتجريب حمل الذاكرة والسفر إلى أماكن جديدة تعبق بألوان الحياة والإنسان.
رامي وبشار يخوضون رحلة جديدة مع مشروعهم الشخصي وكان التواصل بدأ منذ عام 2000 وذلك عند انضمامهم إلى الفرقة. كانت رحلة غنيّة حيث تشرّب الاثنان من مخزون موسيقي وانطلقا في وضع بصماتهما على أعمال جديدة صدرت لرامي ولبشار.
عمل الثلاثي هو عمل إبداعي جديد فيما يحمله من مؤلفات لنا جميعاً في صياغتها وتنفيذها وأدائها غناء وعزفا وتعبيرا فنيا. يتحاور العود والبيانو والإيقاع في نغمة أو عبث في ضوضاء أو حب. صراخ وهمس ولع وفخر حتى آخر نوتة.
من السجن القسري إلى التمرد الحر
في هذا الملف الذي اقترحته مجلة نزوى بواسطة صديقي الشاعر الجميل سيف الرحبي في قلب عُمان علني قد وجدت في هذا الحوار كلمة للحنين على صدر هذه الصفحات وعلى وقع اقلام أصدقاء أحببتهم وليتني أقدر أن أجعل الحلم قنديلاً يؤرجح ظلالكم. حاولتُ أن أكتب لكم عن فرح غامض عن سعادة ما وسط هذا الظلام الدامس. أكثر ما يعنيني في هذا الملّف هو إنسانية الفن وقدرته على إعادة الدهشة من جديد وذلك عبر الرحيل مع كلماتكم الحرّة لإشعال شمعة ولعن الظلام في آن. شكرًا لكم سأظل أحبكم وهذا حق مشاع كما اعتقد وليس لأحد مصادرته ذلك الحب الجميل الذي ولد من صخرة الجبل متميزاً برهافة عصفور.
لقد عدتُ بالذاكرة إلى أول الحرب إلى السجن القسري في بيت أهلي بضيعتي، وهذا السجن جعلني أغني لأن العزلة كانت كبيرة وكان بيتنا الصغير يتسع ويحتضن الموسيقى والغناء في قصائد أولى لمحمود درويش وكانت الشمس تطل من ثقوب الشبابيك تملا قلبي بالألحان الجديدة تشرق من صوب الجبل وتغطّ في آخر البحر وتبعثر في المياه الدافئة في جواز السفر المسلوب في قهوة الأم ولمستها في عيون ريتا ووعود من العاصفة. لم أحص الأيام التي قضيتها معزولا داخل جدران البيت والحرب تنتقل من منطقة الى أخرى ولم تضع أوزارها حتى الساعة. لم يصغ إليَّ أحد في عزلتي آنذاك وكان عندي رغبة ملحّة للخروج من هذا السجن الى الضوء وقبل الدخول في تيه الطوائف خرجتُ وتركتُ ورائي أهلي وبيتي وضيعتي ووطني ذاهباً الى بلاد بعيدة. لم أكن أريد أن انكسر أمام البواريد هاجرت في مهب الريح.
تركت كل شيء وذهبتُ إلى مجهول غامض أعزف وأغني لأكسر هذا الصمت المدوي على أطفال ينامون في العراء يصرخون من الهلع والوجع ولأبرأ من خطيئة الأيدي التي كانت تجر بالحبال رجالاً كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
كنتُ أنام في هجرتي الأولى لاعتقادي بان النائم لا يكبر في النوم. لا أريد أن أكبر في الغربة أريد أن أعود إلى ضيعتي الشتائية ولكي أتذكر ما نسيتُ من الغامض في الصحو أنام لأحلم. برد قارس يحتضنني، أمشي تحت المطر بلا مظلّة يوجعني الغياب عن الوطن. بعد سنة أعود من بوابة النار الوحيدة والعائد ينجو من بشاعة الميليشيات التي طوقت طريق البيت. بالطبع لا شيء ينهزم أمام إرادة العائد في لقاء خاطف مع الأهل ولم أقع في قبضتهم. وتطول الأيام والشهور والسنون تثقب القلب بالتعب والقلق والبحث وكانت الموسيقى واحدة من اجمل الوسائل لتفادي فقد الذات.
لست خبيراً في أي شيء غير أنني موسيقي غائص في الموسيقى منذ الطفولة وحاولتُ على مدى هذه السنوات أن أنقل من خلال الأغنية والقصيدة والموسيقى بعضاً من طرق رؤيتي. أسكن في الطائرة وأقلب المدن صفحة صفحة، أبدأ كل يوم من جديد كما لو انني لا أعرف شيئاً، قفزة في الظلام من على الصخرة العالية.
يمر الزمن والعمر والسنوات. ربما لا أشعر بتلاشي السنة من الروزنامة. كنتُ فيما مضى أباً لولدين ثم أصبحت اليوم مأخوذاً بثلاثة أحفاد وحفيدة مُدهشين يكبرون في البعيد أذهب إليهم كلما سنحت لي الظروف أرقبهم من بعيد تماماً مثلما فعلت مع ابنائي. أنا اكثر حريّة اليوم مما كنتُ عليه في مراحل النضال الأولى عندما كانت السلطات تهندس مبادراتي كفعالية فنية. كل هذا التعب وهذا التمرّد وهذا الحب كل ذلك يشعرني بإنسانيتي ويدفعني الى مزيد من الموسيقى والغناء والحياة.
دون وداع ذهب أبي
الصوت يغني كي لا يبكي في المنفى البعيد هرباً من ميليشيات تقصف كل شيء. إنسان وحيد في مدينة غريبة تمطر كثيراً، فغنيت كي لا تمطر عيوني. وكان الليل بارداً والأنين حارقاً يكويني كلما احتّك بمسام جلدي. كانت الحرب وجرح المنفى يتحققان في الاغنية في جواز السفر. كنتُ اتزوّد بالموسيقى بما يؤرق الحدس ويُطلق الحلم الى حريته القصوى وكنت وما زلت اقنع نفسي بجدوى هذا العبث الجميل لأن الأغنية تحولّت الى نشيد وطني من المحيط إلى الخليج. دارت بي حياتي بعدها إلى زقاق فاصل بين الشرقية والغربية لمدينة بيروت الحرب اليومية، ولم استطع الدخول إلى الجهة الأخرى لأبني جبين والدي لمرّة أخيرة. مات أبي لوحده. ليس كلاماً ما أحاول كتابته إنّه حبر الروح، إنه بكاء القلب، إنه همس الغياب لوالدي الذي أحببته بعمق. وكما ذكرت لقد حرمتني الميليشيات المسيطرة على المنطقة الشرقية بلبنان من إلقاء نظرة أخيرة على وجه والدي لأحتفظ بأسرار الروح. لقد مضى والدي وحيداً ولم استطع أن امشي في جنازته الى تراب الورد.
لديّ من الشجن ما لا يوصف، ولو كان لشَجَنْ الروح صوت لتحتّم سماعه. لم يبق إلاّ صورة تتوهّج الذاكرة كلما شعّ فيها طيف والدي الذي رحل الى سرير الارض. حتى هذا الموت القاسي لا يقدر على مصادرة حق الحب، مثلما يفترق العشّاق ليبقى الحب.
بقي والدي يحرس البيت، كان كالحلم المتمرّس بالوردة في غابة فولاذ، قوته هشّة، ولكنّها لا تخذله مثل غصن يميل مع الريح ولا ينكسر. اتذكر مليّاً مسار القطار الطويل الذي حملني ليلاً من ضيعتي الهادئة إلى تلك المدن البعيدة، الصاخبة. تركتُ ضيعتي قسراً أو الأصح تهجّرت وتركتُ فيها والدي وعيناه معروفتان بالدمع ورحلتُ صوب الشرق وظلّ يتبعني بعينيه انحدرت مع الوادي ثمّ صعدتُ تلك الهضبة وانحدرت ثانية إلى أرض مشاع بدون أن ألتفت الى الوراء. وبعد فترة طويلة سهرنا سويّة ليلة رأس السنة وذلك قبل غيابه بشهر واحد في بيروت وقد أتاني عابراً كل الحواجز، سهرنا حتى الصباح ولم نصدق أننا سنلتقي. تطلعتُ إلى وجهه ألحاني وإلى الخطوط التي انحفرت عميقاً فيه ولكن عينيه كانتا تبرقان من فرح اللقاء وتقولان كلاماً كثيراً. دمع دون خجل لنقرة العود وكما كنّا نحتفل في «قبو» جدي يوسف من زمان وعزفت له تقاسيم من مقام النهوند وآه… ما أسرع ما تبدّد الزمن الآمن.
أين ولّت تلك الأيام؟
أين؟
ورنّ في أذني من جديد تطيبات والدي المعهودة عندما يسمع نقرات العود: «الله.. الله». كانت ساعات حميمة قضيتها مع والدي وفي اليوم التالي حزم متاعه ولملم حوائجه القليلة واستعدّ للعودة إلى الضيعة. حمل معه أيامه وذكرياته واللحظات الحلوة وعاد سيراً على الأقدام حتى بوابة المتحف ومن هناك استقلّ سيارة إلى «عمشيت». وبعد مضيّ شهر سار الموكب بطيئاً، بطيئاً في عمشيت على إيقاع الجرس الحزين. لقد رحل والدي «ميشال خليفة» كما رحلت «ماتيلدا» أمي.
لقد عزفت للعالم كلّه الاّ لوداع أبي الذي اشتهى كل شيء في حياته ولم يحصل على شيء. كان ينتظر رجوعي كل يوم عند مفرق البيت حتّى رحل محزوزاً بقفصه لم تسعفه الظروف على الخروج من هذا القفص والموت سلخه إلى قفص آخر. هل حُكم على والدي أن يحيا في قفص ويموت في قفص؟
كتب لي مرة في احدى رسائله :
« لقد أقفر البيت لأول مرّة من وجه من أحببت. لقد تبدّل كل شيء. شجرة «الكينا» أمام الدار نزفت ورقها الأخضر حتى الموت. يبيت «اللوزة» في «الجلّ» الفوقاني. تجعدت الحيطان من حولنا ونسيَ اللوز في الربيع أن يزهّر وزلزلت الأرض تحت الأقدام ورحت انتظر رسالة خبراً كلمة من وراء البحر».
وكتبتُ له أطمئنه من بعيد: «فترة صغيرة يا أبو مارسيل وتمضي وكل شيء يعود كما كان»، وكان يُصدق كلامي، ومرة كتب لي في شتاء قاس: «مرق الصيف وخلفه صيف آخر. برد الطقس. سرَّبت العصافير وقصفت الريح غصون شجرة الكينا. شهر كانون قاس بلا نار بلا أحباب، إن تصح يلسعك الغياب وإن تنم تسرّب الوجوه غزلان صحراء لتشرب تحت الجفن من ماء العين». عسل صبره ضجر كفر انزوى صمت وعيونه على البحر. لا قلوه أبيض في الأفق وملح عينيه يزيد الأزرق ملحاً
مرة على الهاتف قلت له :
«شو صارلك يا زلمي؟ شدّ حالك، كن قويّاً. لا تجعل من انتظارك الطويل سفراً الى واحة من سراب. إنه الليل وسيرحل قريباً». كان يسمع نبرة صوت من ينتظر، هبّ من فراشه، طرد الطبيب، حطّم زجاجات الدواء، خرج إلى الشمس، جمع كل الورق اليابس تحت «صاج» الفرح ليخبر حياة جديدة. بقي والدي شهوراً وسنين على عتبة الدار أمام البيت يصحو باكراً ينام متأخراً لئلاّ آتي وأجده نائماً.
لأيام كان يصرّ: لا بدّ غداً
لأشهر تمنّى: هذا الشهر
وأخيراً صار يسأل: هل يأتي السنة؟
حفّت عروقه وتراً وتراً وتخّت عظامه قصبة قصبة وترامى جلده خريطة يأس وقهر وانكسار. على الدروب سعف نخيل وغصون زيتون.أرى أولاداً وشموعا، أسمع هزيجاً ورجع أجراس. الصبايا خرجن وفي أيديهنّ أرّزاً وزهراً، الموكب يقترب والنشيد طالع من الأرض وأنا ذئب شوق الى يدي والدي الى جبينه إلى وجنتيه. لكن أبي سئم الانتظار الطويل وأطبق جفنيه وشفتيه على اسم من أحب. الصبايا لبسن السواد، سعف النخيل أكاليل والموكب بطيء بطيء على ايقاع الجرس الحزين وأنا أحمل وجعه في صدري وحسرته تأكل قلبي، وعيناي على حاجز الميليشيات الذي حرمني من إلقاء نظرة اخيرة على من أحببت. علمنّي حبّك الصدق.
إلى أعالي النشوة
أنا والخريف نحبّك، أمشي إلى موعدي في الطريق المبلّل برذاذ المطر، يا امرأتي يا حبيبتي، لا أريد أن يتعب الحب، أذوب على نمش الضوء ما بين نهديك تحت ألحفتنا في ليلنا الخاص، أريد لأغنيتي أن تكون سريرك لتكمل هذا الزفاف الأبدي، أمسّد نومك من الحلم، التحفي بي، لتنامي على أرضي. يُخيّم شعرك فوق جسدي. نامي عليّ وفيّ. يُغلفك النوم بي. نامي وأوقظي جسداً يشتهيك خيطاً خيطاً، لأغزل صوتك، لألبسه ويطلع نهار ويهبط ليل واسكن فيك في لغزنا المشترك ونفيض عن الليل. روحي تطلّ على جسدك من أصابعي حتى أقاصي الهديل. خذيني برفق إلى الغد. أرفّ عليك ولن أخشى ضعف الهواء. نهداك يمتلئان بشهوة أمسي. حليب يجري في رغبتي، لا حاجة بي إلى الاعتراف بحبي للمرأة، فلا سرّ لي، سيكتمل القمر على خلوتي في هذا المساء وأنا اكتب عن المرأة، عن ذلك الصفاء الآسر، عن تلك الطراوة كالحنان، يا حبيبتي، غلبتني الرقّة، في قطرة الندى المتألقة، في سنبلة القمح المكتنزة، في صمت الليل الصاخب، في عيون مبللة بالدموع، في وسع السماء المنتشر في الآفاق، في نار اللوعة، في نجمة الصباح، في خفقة جناحي فراشة على سياج جسر خشبي بين عشبتين، في خرير مياه الساقية التي لم تجف، في خطوات صامتة. أتأمل «آدم» العاشق الأول عندما أصيب بالحب لم يعد يفكّر بالوصايا، حملته الفراشة إلى مدارج الضوء واحترق الحب كالموسيقى صعب تعوذه الموهبة والمكابدة والصوغ الماهر. لا يكفي أن تحب بل عليك أن تعرف كيف تحب. ولقد اجتاحني الحب كعاصفة ولقد تعرفت على المرأة- الحب منذ تعرفت على صواب قلبي الأول، منذ يممتُ شطر الصعود الى أعالي النشوة وكنت أواصل طريقي دون مقايضة النتيجة بحساب الربح أو الخسارة.
كنت أترك أغنيتي تعالج أوجاع الحب. أفرحني الحب وأوجعني أيضاً. كان يكفي للمرأة أن أضع أقدامها في هذه الحياة لتعطي طعماً للحياة. المرأة سيدة حياتي. المرأة معجزة لا حدّ لها وأحسّ دائماً بأنني محظوظ لأن عندي أم وأخت وحبيبة وحفيدة. تلك معجزة لا حدّ لها.. يا الهي، أني أحب.
كنت أفضل أن لا يصبح حبّي مُشاعاً على هذه الصفحة، ولكنني نسيت حذري وكأن قوّة خفيّة أملت لبصمات أصابعي هذه الكلمات
من هي؟
هي من يتردّد صداها في أغنياتي، أشعر بوجود امرأة فيّ، وأحلم أن أعود ابناً لأم تكون في الوقت نفسه كل وجوه المرأة. لنا الحب. نحن في الحب. بللنا الحب فامتلأنا برائحة العنقود.

أعدت الملف والحوار: هدى حمد

شاهد أيضاً

قريب من الروح

منى المعولي* نساجون أنتم وغرباء يا من لا تفارق ألسنتكم كلمة «جميل». راؤون أنتم يا …