أخبار عاجلة

من الفراغ إلى اللامتناهي.. تنويعات على الأعمال الكاملة

عبد الهادي السعيد*

عزيزي عبد اللطيف،
كلنا يعلم أن الأوراق الكبيرة ترهبك، فتشطرها نصفين، لتكتب أنصاف قصائد. ها هي ناشرتك تشطر أعمالك الشعرية نصفين، لتصدرها في مجلّدين تليق جودتهما وأناقتهما بتاريخك الشعري الحافل. مجلدان متينان، متقنا الصنع، لا يمتان بصلة إلى ما حدّثْتَنا عنه في شجون الدار البيضاء: تلك الكتب التي تحمل اسمك ولكنك لا تجرأ على لمسها بيديك، خشية أن تستحيل بينهما إلى غبار.
ثمة قسمة أخرى، أكثر خطورة، تشغل بال الشاعر. إنها قسمة اللامتناهي: «شجرةُ جسدٍ هو، ضليعُ لذّة، يتسامق نحو القمم، والمهاوي، ويشطر اللامتناهي نصفين».
كثيرا ما أجدني أتأمل شعرك بعين عاشق الرياضيات. كيف لا أتذكر هنا جورج كانتور، مكتشف اللانهاية، أو مخترعها، بصيغة الجمع والمفرد. لقد ظل طوال حياته، تماما كما الشاعر، يروض اللانهاية، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، إلى أن وقع فريسة لعبته الخطرة، فبلغ بها منتهى العقل، الذي هو الجنون. لقد أهدى إلى وعينا تراتبية اللانهايات. بفضله أمكننا، ضدا على الحدس، أن نتخيل لا نهاية أكبر من أختها، أشد منها عظمة وأعز عددا. إن الفعل الذي اخترعته أنت، s’infinir، كان بلا شك سيقع محط إعجاب كانتور وحيرته معا. كان بلا شك سيعينه كأداة لغوية لاكتشاف تخوم جديدة للانهاية، أو للجنون.
حين تنبهتنا إلى أن اللانهاية موجودة في دواخلنا، بل أكثر من ذلك، إلى أننا نحن مصدرها، فأن تشطر إذن اللانهاية نصفين، فأنت إنما تضيف إلى كتابك كل التمزقات تمزقا إضافيا، لم يكن أبدا في الحسبان، كونه أتى من بعد ومن فوق الاكتمال.
ما دمنا بين المجانين، فلنمكث بينهم لبرهة إضافية.
سجنٌ أيضا رفقة المجانين، هذا ما صرح به شعرك، عن سابق دراية وعميق تجربة.
السجن ليس مقدراه عشر سنين، ولا ثماني ونصف.
قد نغادر أسوار المعتقل وتظل طبيعة السجين الثانية لصيقةَ حركاتِنا اليومية. طلقاء، لكننا نذرع غرفة منزلنا أو رواقه دون توقف.
وقد يتخلى عنا كل جلادينا وسجانينا، ونظل حبيسي القرون المظلمة.
سجن هو المعتقل، سجن هو العقل. اعتقدت أني بقوى العقل سوف أتحرر من سجوني، لكن العقل نفسه سجن. وكم حاولت دفع جدرانه، وها أنذا أحاول لا أزال.
وإذ قلنا هذا الشيء فلن يفوتنا أن نشير إلى الشيء النقيض تماما، فقد لا يفطن قارئ اللعبي العجول أن الشاعر قد توفق في الهرب خارج قلعة المنفى. في هذه الساحة الموصدة، حيث حكم علي أن أدوس الأرض بقدمي لمدة عشر سنوات، شرعت في الحفر، حفرت أنفاقا بكاملها، داخل عروقي. هكذا بفضل قوة القصيدة، بفضل قدرتها الخاصة على تحويل الألم والمهانة إلى نقيضيها الخالصين، يغدو الشاعر أكثر حرية من سجانيه.
وكما أتأمل شعرك بعين عاشق الرياضيات، فإنني أجد نفسي أستكشف وشائج خفية بين حرقة أسئلتك الشعرية ورهانات أسئلة العصر العلمية الكبرى.
بدءا بالفراغ. إن الفراغ هو صنو اللانهاية، وهذه حقيقة يعلمها الرياضي والفيزيائي وكذلك الشاعر، سواء تراءت الهاوية له في نهاية خطوه، أو استشعرها في قرارة نفسه.
علمتنا الفيزياء الكوانتية في القرن العشرين بأن الفراغ غير فارغ. للفراغ كما للغياب، طاقة كامنة، مستترة. وبحسب مفعول كازيمير، فللفراغ حُمّاه الخفية، هيجانه المبطن، والشعراء على دراية كما هم الفيزيائيون بخصائصه وفضائله الإبداعية الخلاقة. ثمة ما أحب أن أسميه مفعول اللعبي، بموجبه يتعين على الشاعر التقاط تلك الموسيقى الخفية التي تسبق الكلام، كما تلتقط جزيئة كوانتية بدئية طاقة الفراغ كي تُولّد المادة وتخرجها إلى الوجود المعلن.
تأثيرات مفعول اللعبي تأتي أحيانا مخفورة بالمفارقة، وآنذاك لا يحتاج الشعر لكي يكون حتى أن ينقال. أجمل القصائد تلك التي لم تعبر عن ذاتها بالكلمات. لهذا السبب يرى الشاعر أن قصيدته التي لم تضاهها أبدا أي قصيدة أخرى هي بالتحديد تلك التي استولت في يوم من الأيام على شعوره وهو في قلب زنزانته لدرجة توارت معها إلى الأبد أي حاجة إلى كتابتها.
الآلهة مفارقة، هذا ما كتبته في مكان ما من أعمالك. كأنه أحيانا يفعل كل شيء من أجل أن نستغني عنه. هكذا هو الشعر، يصير حضوره بيننا جليا لدرجة تنتفي معها الحاجة إلى قوله بالكلمة وبالعبارة.

طُقوس تَعْميد ثعلبية
الشاعر وكبيرة الكاهنات
(مقتطفات)
عبد اللطيف اللعبي، 1985
ترجمة عبد الهادي السعيد

كوكبكم آخذٌ في التّنائي
إنه يبتعد
وإني لأراه
كرةً من لهب
يحملها التيار الفلكيّ
نحو الثقب الأسود الكبير
للنسيان
وأنتم ونحن
وقد نجونا مُصادفَةً
ها نحن نبحر
على سفينة مستقبل ليس بالزاهر قطّ
معاً
سوف نعيد
قراءة تاريخ التشويهات
نعيد القراءةَ
ليس بالرأس
ليس بالعين
ولا بأي باعثٍ مأجور
لجراحة الفكر
بل
طارحِينَ على المائدة أعضاءنا
الأعصابَ العارية، الغضاريف
المزيدَ من الأحشاء
الدم الشرهَ ونسغ المحرّمات الحارق
استثناءً هذه المرة
لن نفكر
بل
سنحس، نسمع
نَجُسّ البراعم الملساء
لاجتثاث الروح
نتوضأ
بالماء الفحل والأنثوي
المتدفق
في اهتياج الحواس العجيب
نولد من جديدٍ في البعيد
في العين الثالثة
للذاكرة اللامتناهية
* * *
حلم السماء الإنسانية فينا
جمرةُ المقدس
إذْ نحميها وسط كفينا
مركبٌ شراعي يُقلع
وقد تخلص من ثِقل حِباله
هاهو المُحيط ينتفخ
إلى أن يلامس لحية النجوم اليانعة
أيا حلمَ حلمِ الجنةِ على الأرض كما في السماء
قرباناً من الإنسان إلى الإنسان
هذا جسدي. مرآة شفافة لهيروغليفيات لاحمة. فلتفكّوا رموز نذالتكم. ولتقرؤوا في جروحي ملحمة الدم الرهيبة. آه! آي! أوه، كيف السبيل إلى العشق، في هذه العتمة الملقاة على القلوب.
* * *
أن تعشق عشقا خالصا
كما في لحظة ولادة الشمس
داخل أصغر قطرة ندى
يستلذ بها فِينِيك الصحاري
حين ينتصب النهدان
مُستسلِمَيْن لنَهَم السيل الجارف
حِينَ مِن فَرط الرّضا
ينأى الجسد كلّية عن مركزه
منهوكَ القوى
ذائبا في زبد التفاح البحري
* * *
إني أراك، يا كوكبيَ الضائع، مهما تواريتَ خلف الحُجُبِ السرمدية. لستُ أدري ما إذا كنتَ مدفوعا بحركة ما. إن كنتَ لا تبتعد فأنت أيضا لا تقترب. تمخر دون أن تراوح مكانك، مرتجّا من شدة الاختناق. لم يعد يُسمع لك صوت، فلكم تبدو متنافرةً نغماتُ العالم.
من سيلتقط الآن موسيقاكَ الداخلية، تلك الجذبةَ الطافحةَ مواساةً لبني البشر؟
إني أراك، وكأني أرى خطوط راحتي.
أحس بمخاض الكلام، هاتوني بمعطف النبوءات، دَثِّروني، دثروني جيّدا.
* * *
من أنتِ لتجرئي على التحدث بلسان الآخرين؟
قد شربتُ من النبع.
هل نسيتِ الرأفة؟
أفعلُ ما بوسعي لمحاربة اللامبالاة.
إلى أي مدى ستقودكِ خطاك؟
ليست الأرض حَادِثَ مسير.
ما أنتِ إلا بغي، رسولة دجّالة، مثالية متطرفة، كاهنة زور، امرأة ولاّدة ساقطة، متعطشة للقضيب.
* * *
نَمْ، نم قرير العين أيا جلادي الصغير
أمك ها هنا
هي التي لم تذق حلاوة الحب
منذ عشرين عاما
نم، نم مليا
أيا وحشي الصغير الأَدْرَد
والدك سوف يعود
محملا بهديتك
أي بغزالتين كعادته
خَنَقهُما بيديه
ناموا، ناموا ملء جفونكم
أنتم جميعكم
أيا أيتامي الصغار
أيا رهائني التافهين
ناموا
* * *
كان الليل البدائي
ثم الليل الثانوي
فالليل الثالثي
فالرباعي
لم تكن الشمس قط جزءا من هذا العالم
آه، يا لوهم الرائين
حين تمَثلوا
تعاقب النهار والليل
الربيع والشتاء
حين أرسلوا إلى السماء
كوكبة اليوتوبيات اللامتناهية
* * *
تلك كانت رقصة الآلهة
أتت الأساطير متعاقبة متشابهة
ولا طوفانَ أمكَنَهُ أن يُفنيَ الكوكبَ
التَهَمَ الليل الكون
آه لفكيه حين لا تأخذهما الرحمة
بصراخ ابن المرأة
ولبطنه الحبلى بكل كائنات البراري
تلك المنذورة للمحرقة
ليل بدائي
كان به من الرعب
ما جعله يفقد الصواب
وهو يلد لوثة الكلام
* * *
عندئذ فقدتُ البصر
كي أفتح عينيَّ
على دواخلي
مذّاك لم أعرف الخوف
صار الموت فَهداً مُروَّضاً
مُمدّداً عند قدمي
بَقَرْتُ شرنقة الليل
وفي كفي
أحسست بزمردة الأبدية وهي تحترق
ثم ارتفع صوت فخاطبني
خذ الزمردة، قال
ضعها تحت لسانك
ثم فُهْ!
امتثلتُ له
فأخذتِ العاصفة
تهدر في أحشاء المحيطات المُحْدَثَة
والموسيقى، كما تُسمّى
انبعثتْ من قيثارة الأدغال
فردّت عليها
زقزقة لأطفال-عصافير-ظباء-حوريات
شعرتُ ببريق ساخن من المُرِّ والكَهْرَمان
يشرق على وجهي المنطفئ
استحال الرجاء إلى ضوء داخلي
ومن أصابعي انبجست
خمس سَوَاق من المياه الحية

وإذا بي أصيح
في صحراء القلوب
إنّما لا صدى يرجع
من نعش القلوب الموصد
اللعنة! اللعنة!
لقد قلت كلمتي
أيا إخواني المتشككين
ليكن الطوفان حليفكم!
فلنواصل!
* * *
يا حب
يا قاطف محاصيل الشمس النشوانة
يا شبق النهر إذ يحن لاختلاجةِ أعالي البحار
وبها عطش الأرحام السرمدي
لعله طوفان الافتداء
ومعصية الكلمة في كل أسفار التكوين المُدَوَّنَة
بكِ نحيا أيتها الرغبة
بك نحيا
تسكننا الحياة الغارقة في البُعد ونسكنها
نحن الوجه الآدمي
الآلهة الهش
الممرغ في وحل العقائد
اصعدي يا رغبة الرغبات
خُذي حريتك المباركة
ولا يوقِفَنَّ عندَكِ رحلةَ التيه
أيٌّ غناء جذاب لعرائس البحر

إني أتكلم. أتكلم.
أخيرا غادر صوتي شرنقته. كم هو ساطع. انتصرتُ على موتي الداخلي. أحسها بين ضلوعي تلك الفراشة التي تزعق بشريعة الحياة.
* * *
إني أرى. لقد استعدتُ بصري. لسنا وحيدين، هنا أو بمقياس الكون. أعْيُنٌ لا تحصى تَرى من خلال عينَيَّ وتجعلني أرى.
الأسوار العتيقة تركض
الحيوية تدب في كل شيء
وكل شيء يغني
باليد وبالبسمات
فيكم جميعا أرحل
أنا عاشق
* * *
روائح الأدغال
بعد أن حُجبت طويلا عن الذاكرة
ها أنا أستعيدها
وأيّا كان اسم هذا الافتتان
ها هو يجعلني أذوب
في عصارة التناغم السرية
* * *
ها إني بدوري أسمع
هل يصلكم ضجيج برج بابل
نشيد التعدد
وهو يقرع ناقوس نهاية المنافي
آه، آه، أنا أيضا أتكلم، أرى
أحس وأجس هذه الموسيقى الموقَّعَة
على حبل سري يستحيل لبلابا
من أجل مرحنا المتوثب
نحن سكان الأرض
مجانين الغرام

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …