أخبار عاجلة

موريس بلاتشو والنقد ان يصغي الى كلمات لاوعيه الاخفائية

والنص كان في الأصل جزءا من فصل معنون بالنقد الثيمي في كتاب للناقد الأمريكي والاس فاولي ؟ بعنوان "النقد الفرنسي" والذي سبق له أن دخل المكتبة العربية من خلال كنابه الشهير "عصر السريالية " ترجمة خالدة سعيد، وقد سبق لي أن ترجمت الكتاب كله ؟ ولكنه لم يطبع بعد.

موريس بلانشو والنقد

إثر بداية الحرب 1943 لما ظهرت،" التجربة الباطنية " لباطاي Bataille، أشير في الصفحة 158 بألمعية الى الناقد "موريس بلا نشو"، لقد كان حتى ذلك الوقت مجهولا تماما، بينما لحان "سارتر" و"كامي" قد شرعا في استقطاب الاهتمام الأدبي. وخلال الربع التالي من القرن، قرىء بلانشو لا من قبل الجمهور العام، بل من قبل عدد متزايد من الكتاب ؟ وقد وصلت هذه العناية من النخبة أوجها في جوان 1966 في عدد تكريمي من الناقد (1) Critique ؛ مكرس لبلانشو، حيث لقي احتفالا من روني شار، جين ستاروبنسكي، أيماويل ليفيناس، ميشال فوكو، بول دومان، لم تكن هذه المقالات مجرد تكريم للناقد موريس بلانشو، بل كانت علاوة على ذلك، طرقا مختلفة في فهم فكره، وتقييم مساهمته في الأدب الفرنسي والنقد المعاصر.

وتشكل هذه المقالات مجلدا نقديا أكثر اتساقا من مجموعة عادية لموضوعات تكريمية، إنها لتكشف لنا عن درجة التأثير الذي مارسه فكر بلانشو على ناقديه ومفسريه ؟ لقد غذي وهدي كل منهم بطريقه الخاصة من قبل بلانشو. ان قراءة نصوص بلانشو كانت أكثر من مجرد تجربة في القراءة.

لقد أخذت إجابة بلانشو عن السؤال: ما الأدب ؟ تنضم أكثر بصدور كل من كتبه الكبرى في النقد: أي مع Faux pas «الخطوة الخطأ» المنشورة سنة 1947، مع قسمة النار، بعد ست سنوات أي سنة 1949، لوتريامون وساد، أيضا سنة 1949، ومع الفضاء الأدبي سنة 1955، حيث عني بإظهارنا على معتقده الرئيس ؟ وهو الايمان الذي لا يتزعزع بأن أي عمل أصيل في النقد الأدبي هو تجربة يطل بها كاتب ما على وجود لم يعرفه قبل الكتابة. فالناقد يرى الى أي عمل يدرسه كشيء فذ يتعذر اختزاله ؛ كخليقة تتأتى عن الكاتب، ومن لحظته في التاريخ ؟ ومن النوع الأدبي الذي يمثله. انه ينتقل من كتاب لكتاب، مشدوها بالتنوع اللانهائي للأدب، مستعملا مقارنات في فنه كناقد بسخاء الشاعر وهو يبتكر الاستعارات والصور الشعرية منقطعة النظير.

في مجموعته الأولى Faux pas، يحلل بلانشو عمل سلفه البرت تيبودي Albert Thibaudet. في نقاط كثيرة من هذه المقالة يحلل بلانشو منهج تيبودي، كما لو كان يحلل منهجه هو، أو على الأقل منهجه في بداية عمله كناقد. فرغم أن تيبودي كان قد أكد على فذاذة العمل الفني، إلا أنه حدده وبحتمية بلغة الفترة التاريخية التي خلق فيها، بينما يرى بلانشو الى العمل الأدبي كشيء لا صلة له بعصره: كما لو كان عالما بحد ذاته، “uninoude apart” كسر متوحد.

لكن بلانشو لم يلبث وفي Faux pas نفسها أن عد العمل الأدبي بلا مؤلف ؟ بينما يصله الناقد الاعتيادي؛ حتى في مناقشته لفرادة وأصالة العمل الفني بموقف تاريخي وسيرة مؤلفه.

لقد بدا من مقالاته المبكرة أن نقده لا يقصد الى تحليل انتقادي لعمل ما، بل كان على عمله أن يكون بشكل أو بآخر فلسفة للأدب: اذ أنه قلما كان يعنى بتحليل نص معطى، – والحق أنه كان نافد الصبر حيال مثل هذه الأمور، والتي لم يقو على تفاديها في أوقات ما، – بقدر عنايته بالمشكلة المهيمنة وهي: لماذا وجد هذا النص ؟لماذا الأدب ؟ كيف يتسنى لنا أن ننسى ظاهرة كتاب ما؟ لماذا هنالك قارىء لكتاب ؟ كيف يكون الأدب ممكنا؟.

مثل هذه الأسئلة باتت النقاط الهادية لانطلاقته في قسمة النار؟ يركز بلانشو على مشكلة كيف يستطيع ناقد أن يفسر المفارقات والالتباسات التي تسود كتابا ما مشكلة أسباب كتابته ؟ كيف يستطيع شخص ما أن يكتب هذه الجملة "أنا بائس" في حين أنه، وبكتا بتها، يتماثل للشفاء من بؤسه مؤسسا لاتصال حميم، وصداقة مع القارىء.

لطرح مثل هذه الأسئلة ومنا قشتها احتاج بلانشو الى كتب يقرأها ويتأملها. ومن نتاج الأدب المعا هو انتقى الأحسن، ويحدس خارق بالأحسن. يناقش في مقالات ««قسمة النار» الكتب الأولى لكامي Camus، وأوديبرتي، سارتر، وكوينو، بونج، ميشو، وشار، بعبارة أخرى انتقى بلانشو تلك النصوص التي ترحل الى قلب الأسئلة التي كانت تشغله، والتي تؤسس بقوة لسبب وجود الأدب، مفارقاته، والعلل الأساسية لكتابة كتاب ما.

يرفض بلانشو أن يكون للناقد أفضلية على الكتاب الذي ينقده، أي يرفض بالضبط ذلك الاعتقاد الوهمي في أن الناقد أكثر اطلاعا من الكتاب ومؤلف الكتاب. بل أن بلانشو يزعم أن الناقد الحديث قد تخلى والى الأبد عن الادعاء بأنه يفسر كيف كتب عمل ما، أو كيف يجب أن تكتب تحفة فنية ما. في لوتريامون وساد يذهب بلانشو الى حد القول بأن مهمة الناقد هي أن يقول لنا كيف كان على عمل معطى، قد كتب للتر ونشر مستحيلا أن يكتب ! عادة ما يميل النقاد الى مناقشة كتاب ما بمصطلحات الجمال؛ أو الثقافة التي يصكها أو الحقيقة التي يعكسها؟ لكن بلانشو يحاول أن يبين كيف تكمن حقيقة كتاب ما ما وراء كل هذه المعايير والتي بها نحاول أن نفهم ونقيم عملا ما. إن حكم قيمة نصدره ليس إلا بديلا فقيرا ما لم نستطع نقله الى كلمات حول نص ما أو كتاب.

إن كتابا عظيما للماضي يصلنا محورا تماما عما كان عليه في الأصل. فقد غيره النقاد ومؤرخو الأدب، وخلال مجرى التاريخ الى موضوع لا نكاد نتبينه. فكلما ازداد ولع الناس وتقديرهم لعمل ما، بفضل الاهتمام الذي حظي به، ازداد تعرضه للتهديد الذي يلقاه من قبل الاشعاع الحات لنظريات النقد.في الفضاء الأدبي خاصة يطور بلانشو نظريته التي ترى الى تاريخ الأدب كمكان للانحطاط والذي كان في الأصل انفتاحا على عالم سر ما، أو ازدهارا لتجربة باطنية، وقد ترجم الى تواصل معين. فقد لا يكون لموضوع ما في الأصل أي معنى أو قيمة أو حقيقة، لكنه، وبفضل صناعة المؤرخ الأدبي، يرغم على اتخاذ معنى وقيمة اخلاقية. وانه لمن الصعب اليوم وبسبب طبقات النقد المتراكمة أن نقرأ عملا، أن تكون لنا تجربة قراءة حيث سيبدو لنا العمل خلالها في تكوينه، في خوائه وسريته، أي عندما نقدر على قراءته كشيء يؤلف.

إن على الناقد الجديد أن يكون قارئا أول لعمل ما؟ كما أن عليه أن يكون حساسا حيال الصمت الأصيل الذي يسكن كل عمل ؟ إن التهديد، المستمر والذي قد يلحق النقد هو تلك الحاجة الملحة لدى الناقد لأن يملأ صمت عمل ما بالكلمات، كلمات يعدها بلانشو مدمرة. فحتى الناقد لا يتناول العمل الأدبي أو الفني في غالب الأحيان الا وقد شوه للتر من قبل النقد. ان عليه أن ينظر الى العمل من الزاوية التي يكون فيها أغنى وأكثر حقيقية.

Recherchez le poiht ou l’ouver est la plus grande, la plus vrai, la plus riche.

أي «أن يبحث عن النقطة التي يكون فيها العمل أعظم، أكثر حقيقية وأغنى».

في الكتاب الذي نقتبس منه هذه العبارة "لوتريامون وساد» يكتب بلانشو نقدا للنقد لكي يسوغ منهجه. لكنه لم يكن الناقد الأول في اشارته الى ضعف العادة التقليدية، في نبش مصادر عمل ما. وهناك مثال يستعمله "أناشيد ما لدورور" والذي يرجع بعض النقاد صور» الى كتاب النبوءة من (الكتاب المقدس). لكن هذه الصور تتوفر عليها كتابات بودلير أيضا. انها بالنسبة لبلانشو ليست مذكرات أدبية بقدر ما هي أمثلة على اندماج للأساطير الجمعية والهواجس الشخصية في عقل فنان أو شاعر ما.كما ينتقد بلانشو أيضا العادة التقليدية للتحليل الأدبي التي تعمل على عزل الملاحظات المبتذلة التي تؤلف جزءا من أي عمل أدبي، وتغالي في صدق العمل.

ليس على الناقد أن يعنى كثيرا بالأثر الذي يتركه عمل ما؟ بل بالحركة الاستهلالية أو الحافز الذي أدى الى خلق العمل، أي بالحركة التي تشكل حرفيا الخالق. والحق أن انتقاء بلانشو لأناشيد مالدورور لشرح هذه النظرية كان في غاية الحكمة. انها واحدة من الأعمال التي لوحظ ولع بلانشو بها؟ والتي هي خلق للنفس حيث يولد كاتب، حيث يعود الى أصوله. إن لوتريامون واحد من فئة كتأب قليلة لا يمل بلانشو من العودة اليها، كفنانين أصيلين: كتابتهم ضرب من الخلق الذاتي، وتحتوي على لحك الحركة التي لا تنبثق إلا من أنفسهم ؟ ويحتل مالا رميه مكانة عالية في هذه الفئة وهولدرلين وكافكا ورونيه شار.

في تحذيراته خمد إساءة استعمال المصادر الأدبية والتحليل الثيمي، لم يكن في بال بلانشو الا المبدأ الرئيسي والذي اعتقد أن على الناقد أن يتبعه عندما يأخذ على عاتقه أن يكتب عن عمل ما. انه «العزلة الأساسية » لعمل ما (هذه العبارة La solitude Isseutielle ترد في الفضاء الأدبي ص 16). كل خلق أدبي أصيل (وبلا نشو لا يعنى هنا الا بتلك الأعمال التي يعدها أصيلة) ينشأ عن حاجة لا تعتمد على شيء خارج ذاتها.لا يناقش بلانشو مطلقا عملا ما بلغة جمالياته ؛ اذ أن عملا أدبيا لا يتحدد بلغة ملامحه الكلاسيكية أو تقاسيمه الرومانسية. فالعمل لا يرى كشىء يلتزم بخصائص أو قواعد أية استيطيقا. فالعمل، كما يرده بلانشو، هو دائما شيء يصنع نفسه، وبالتالي يخلق مؤلفه. إن هذا الانسان الذي كتب العمل شخصيته مختلفة تماما عن ذلك الذي سبق له أن وجد قبل أن يكتب العمل. إن كتابة عمل ما تخلق بدورها كائنا بشريا آخر لا شخصيا وغير مسمى. ليس له أية صلة بأي كان ؟ ذلك أن عالم روايته أو قصيدته ليس الا عزلة، أو صحراء لا ينتمي اليها أحد، فالفن ينفي العالم بينما يخلق عالمه الخاص.

هكذا يلح بلانشو على أن لغة كتاب ما ليس لها كبير صلة بلغة الاتصال اليومي. إن عملا فنيا هو شيء لا واقعي، والواقعية الفنية ليست إلا مفهوما خلوا من أي معنى. هذه الأفكار ترد في نص مقالة بلانشو عن عروض فاليري Faux pas (ص 150) حيث يكتب أن العمل الفني لا واقعي:   L ouvre d art est un irreal وفي نهاية الفصل:

“Le realisme artistique eat une conception, privee de sens”

أي: "الواقعية الفنية مفهوم خلو من المعنى".

فمن اللغو إذن، محاكمة عمل ما بلغة علاقته بالواقع بالحياة، بالصدق، ان قصيدة لمالارميه أو لييتس لا نستطيع أن نناقشها بالطريقة نفسها التي نناقش بها حدثا يقع في الحياة. إن لديها واقعها الخاص ملتبس الدلالة والذي يند عن أي تناول عقلي، وبلا نشو هنا إنما يهاجم القانون الكلاسيكي للاحتمال "Veris imilitude". ان مجال رواية ما هو دائما شيء يقع خارج الحياة. ولطالما سخر بلانشو من مفهوم الواقعية والذي غالبا ما خلع على بلزاك ؛ زاعما أن صور ومشاهد من رواية ما لبلزاك لا علاقة لها البتة بالواقع. (انظر «فن الرواية عند بلزاك » في Faux pas ص 212- 216).

بهذا المفهوم عن العزلة الأساسية لعمل ما يقرر بلانشو اعتقاده في أن امرءا ما عندما يعمل كفنان فإنما يقع خارج العالم. بل انه لا يتخذ من العالم حتى نقطة انطلاقته. ان عملا فنيا ما انما هو غياب لأية علاقة مع العالم. إذا كان الفنان روائيا فان اللفة التي يلجأ لاستعمالها هي بالضبط غياب للعالم، غياب للأشياء والكلمات. ان بلانشو هنا لا يفعل الا ان يعزز الفرضية التي ترى الى ان لفة كاتب ما هي دائما بحث عن الصمت، فالفن لا ينفك ينفي الكلمات التي نتحدثها يوميا. ان مطلق الأدب هو الصمت. وشرط الأدب هو الصمت. وبهذا ينكر بلانشو مفهوم النقد والذي يرى أن كتابا ما هو وليد كتب أخرى.

الفن بالنسبة لبلا نشو، أوثق صلة بالموت والخواء منه بالحياة والامتلاء، والكلمات مدمرة، أي أنها تستأصل الحياة وتمحوها. عندما ينجح امرؤ في خلق أدبي، فإنما يختفي كإنسان ؟ إنه يبيد نفسه بحرفية تامة. لذلك لا يعالج بلانشو الموت كموضوع في عمل أدبي. الموت هو العمل نفسه. انه موقع العمل نفسه.

في الفضاء الأدبي خاصة يمتحن بلانشو نصوصا تتعلق بالكاتب والموت عند بعض أولئك الكتاب الذين يكن لهم اعجابا عظيما: كافكا، ويلكا، جيد، ساد، بروسة، حيث يعبر كل بطريقه عن علاقة بين الفن والموت، ان تضع شيئا في الكتابة هو صفو لوضعه تحت الحماية من الموت. ان الخلق الأدبي يمثل النوع نفسه من الحرية التي يمثلها الموت. أن تخلق فنا هو دائما جهد للوصول الى حد أقصى يتعذر اطلاقا الوصول اليه.

بهذا الاعتبار تكون أسطورة أورفيوس ذات طبيعة نبوئية بالنسبة لبلا نشو. أن تكتب قصيدة وان تموت رديفان أو يتطابقان والدافع نفسه. ان غريزة أورفيوس في أن ينزل الى العالم السفلي لكي يجد يوريدايس هو دافع الشاعر في أن يخلق وبالتالي أن يأسر الموت وأن يرده.لكن ؟ ووفقا للأسطورة لا يؤذن لأورفيوس أن ينظر الى الأعماق أو الى الليل أو الى حبيبته. فالليل لا يكشف الا عندما يكون مستترا في عمل الشاعر. انه ليستحيل على انسان أن يرى الى موضوع قصيدته مثلما يستحيل عليه الموت.

في تحليله لاسطورة أورفيوس يقترب بلانشو كما يفعل باستمرار من تحديد مفهوم للفن، أو على الأقل من تحديد للمصدر الأصيل للفن. فالعمل الملهم حقا يجب أن يكون على علاقة ما بالموت. عندما يكون الفن مجرد تقليد لمظاهر في العالم فانه يكون واقعيا وبالتالي خلوا من الالهام. الالهام (كلمة لا يستبقيها بلانشو الا للفن الأصيل) هو اتصال الفنان بالليل أو بغياب العالم. مثل هذه النظرية تفسر تعاطف بلانشو العميق مع السريالية. فمثلما استمع أورفيوس ذات مرة الى كلمات الكاهن كذلك على السريالي المعاصر.
 
 
تأليف: والاس فاولي
ترجمة: عبدالله طرشي (كاتب من الجزائر يقيم ببراغ)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …