أخبار عاجلة

موسى عمر المُجَرِّبُ القَلِق

عبد العزيز أزغاي*
في إحدى جُمَلِه المُشْرِقة، يشير بُّولْ كْلِي إلى أن الفن لا يعيد إنتاج المرئي، وإنما يجعل الأشياءَ مرئية؛ بالمعنى الذي يُحَول الفنان إلى مُقْتَرِحٍ لزوايا نظر جديدة على المُشَاهِد لدفعه إلى اكتشاف حدود تلك المناطق الغَمِيسَةِ، التي تقع في مرمى بصره، أي في الطبيعة، دون أن يكون قد انتبه إليها من قبل، أو توقف – من تلقاء نفسه – عندها.
ربما اعتبرت هذه الصيغة، التي تقترح السعي إلى ما ينبغي أن يُرى، من أكثر القضايا الإشكالية اختزالا، التي توقف عندها الفكر الفني والجمالي اليوناني القديم، حين انخرط بعض فلاسفته في تحديد معنى موضوعة الفن ومحاولة ضبط وظيفته داخل المجتمع. وعلى خلفية هذا النقاش ظهرت مجموعة من المفاهيم المُؤَطِّرَة لطبيعة الجميل، حيث تراوحت، مثلا، بين الجمال المثالي المطلق عند أفلاطون، باعتباره جمالا لا علاقة له بالعالم الدنيوي، وإنما يتوخي من خلاله الفنان الصعود من المحسوس إلى المعقول المجرد، على أن يكون مرتبطا بالحق والخير والأخلاق. في حين ذهب أرسطو إلى اقتراح مفهوم ” المحاكاة ” باعتباره مفهوما مركزيا، وعلى أساسه يستمد الفنان، كما الشاعر، عمله الفني من الواقع ويسعى جاهدا إلى تعديله وتحسينه ليصبح أسمى أو أقل سموا من مستوى الطبيعة، وهو سعي نحو إخراج هذه الطبيعة عن طبيعتها.
على أن مفهومي ” المثال ” و” المحاكاة ” على أهميتهما، سرعان ما طورهما التفكير النقدي الإنساني، بحيث لم يعد ينظر إليهما باعتبارهما صيغة إبداعية لتمثل الواقع كمعطى جاهز ومحاولة تجاوزه أو البناء على منواله، وإنما ينبغي تجاوزهما نحو تبني معادلة مبتكرة لهدم هذا الواقع وإعادة تشييده وفق منظور جديد يستحضر، بالضرورة، اللحظة الراهنة بمختلف تداعياتها واشتراطاتها الحسية الجمالية وتجلياتها الثقافية والتاريخية والنفسية والاجتماعية، من أجل إبداع نموذج ينحت مجراه الخاص في أراضي الشك، بما هو مشروع خلاق يسعى إلى إثارة شهية التأويل. ولعل هذا الطموح هو ما أخصب، مع مطلع القرن العشرين، فكرة التجريد في الفن، كما طرح، عطفا على ذلك، سؤال المعنى في اللوحة الفنية، وصولا إلى محاولة بعض الفلاسفة المحدثين اعتبار العمل الفني ضربا من الصناعة والابتكار، اللذين لا يقومان – حسب الفيلسوف الفرنسي آلان – Alain (1868 – 1951) – إلا على العمل والجهد، إذ لا عمل ولا جهد بغير فكرة معقولة تحركه وتغيره وتبدع فيه، على اعتبار أن الفنان صانع عبقري وليس كائنا حالما.
أسوق هذه التوطئة التاريخية للتفكير في الفن وأنا أراجع نماذج من المنجز الصباغي الأخير للفنان العُماني موسى عمر، التي تقع تحت عنوان ” أغنيات للشمس “، باعتبارها تؤشر على تجربة فنية راهن صاحبها، منذ أكثر من عقدين من الزمن، على تربيتها في حديقة مرسمه بغير قليل من الهدوء والتريث والبحث الجاد والمشكك في كل مُخرجاتها، إن على المستوى الجمالي أو التقني أو المعرفي المصاحب، باعتبارها تتمثل مع ما سبق أن ذهب إليه فان غوغ حين اعتبر أن الفن هو خلاصة الإنسان مضافا إلى الطبيعة.
فمنذ معرض ” المدن الحالمة ” في تسعينيات القرن الماضي، مرورا بتجربة ” المدن الملونة في نهاية الألفية الثانية، وبعدهما ” قميص الأحلام “، بدا واضحا أن يد الفنان موسى عمر لم تعد تجد راحتها في تلك اللمسة اللونية الاحتفالية، التي ترجمت ذائقته الفنية، في بداياتها الأولى، إلى التماهي مع ما كان متاحا لعينه الفنية من تجارب صباغية كونية، حاول البناء على منوالها لتكريس اسمه في جغرافية الفن التشكيلي داخل السلطنة وفي منطقة الخليج العربي، قبل أن يفكر في مسح طاولته الفنية الخاصة وينخرط في تمرين التجريب، في محاولة للبدء من حيث ينبغي أن تكون البداية؛ أي من عمق ذلك التراث المحلي الحالم المبتوت في جنبات مسقط رأسه مدينة مطرح، إحدى أهم المدن في التاريخ العُماني، التي يعود وجودها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.
ومن خزان هذا الموقع الهام، المرتبط تاريخيا وجغرافيا بالعالم الآسيوي القديم، أي بالهند والصين وبلاد فارس من جهة، وعلى الشرق الإفريقي من جهة ثانية، انخرط موسى عمر، منذ تجربة ” قميص الأحلام “، في سلسلة من المحاولات التجريبية قادته – على مستوى الخامات الأولية – إلى فكرة تجريب سند جديد على شغله، ويتعلق الأمر بقماش الخيش المستعمل، الذي وظفه مستغلا تقنية اللصق – Collage، فيما يمكن اعتباره إعادة تدوير لمواد قديمة، هشة ومتلاشية ومنتهية الصلاحية، سعى إلى إعطائها حياة جديدة فوق سند اللوحة.
وعلى الرغم من أن فكرة توظيف قماش الخيش سندا للوحة يعتبر تجربة قديمة اشتهر بها فنانون غربيون وعرب وأفارقة كثيرون، بل منهم من اقترنت تجاربهم التشكيلية بهذا السند، أمثال الإيطالي ألبيرتو بوري – Alberto Burri ( 1915 – 1995) والفنان الغيني الشاب إبراهيم ماهاما – Ibrahim Mahama ( 1987) على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن طريقة المعالجة وخصوصية النظرة وفلسفة موضوعة العمل الفني، هي ما خلق ولا يزال يخلق الفارق، سواء لدى هذا الفنان أو ذاك، أو داخل هذه التجربة أو تلك. وعلى هذا الأساس، اعتبرت طبيعة تلك النزعة الشعورية والمعرفية والحمولة الثقافية الفردية، التي يضفيها كل مبدع على عمله، عبر طموحه إما للإضافة والتطوير أو الهدم والتجاوز وإعادة التشكيل، هي أساس كل فعل إبداعي خلاق يطمح إلى التناص مع تجارب الآخرين وتفادي وقوع حوافرهم الفنية على حوافر السابقين.
انطلاقا من هذه الخلفية التاريخية والجمالية، وبناء كذلك على الوعي الحاصل لدى الفنان موسى عمر بشرط ذائقته الفنية وطموحه المشروع في تطوير تجربته الخاصة داخل مدونة التشكيل العُماني والعربي على حد سواء، بما يلزم من معرفة جمالية معتبرة، وجهد في الممارسة، واجتهاد في الإبداع، وصبر وطول نَفَسٍ في التفكير والتأمل، يمكن اعتبار أعماله التصويرية الأخيرة تمرينا تجريبيا جادا يسعى من خلاله لإضفاء نوع من الخصوصية على لوحته، بما يجعلها مختبرا يعكس خلاصة تجربته وذاكرته الفردية مضافة إلى طبيعة ثقافة بيئته المجتمعية، التي تختزل تاريخا عريقا ممتدا في القدم.
ويبدو هذا التمرين المجتهد واضحا، من جهة، على مستوى منح حياة جديدة لقماش الخيش، عبر إخراجه من طبيعته الوظيفية الأَصْلِية لإعطائه حضورا آخر مختلفا وبماهية مغايرة بل نبيلة، هي نتيجة تَمَثُّلٍ ووعي ناضجَيْن لأصل هذه الخامة الخشنة والشفافة، التي عادة ما يتم تصنيفها في خانة المهملات. إذ لا يكتفي الفنان موسى باتخاذها منطلقا مسطحا ومحايدا لمشروع عمله الفني، وإنما يقوم بتثبيتها فوق القماشة البيضاء أو فوق سند الخشب (حسب الاختيار) وفق تصور مسبق يستحضر فكرة لوحته أو موضوعها المحتمل، قبل الانتقال إلى مرحلة التدخل اللوني والمعالجة الشكلية. ولعل هذا التفكير المسبق في هذه الوَضْعيات الأولية هو ما حول هذه الخامة، مع الوقت ومع تكرار المحاولة، إلى منجم لاقتراح الموضوعات الفنية المغايرة وتنويع البدائل، بل تحول الخيش من مجرد ذريعة لإعطاء حجم ومَلْمَسٍ للوحة، إلى خزان لأفكار مبتكرة راهن عليها الفنان في تطوير تجربته وجعلها منفتحة على آفاق واعدة. من هنا انتقل هذا السند من أرضية يتأسس عليها بناء الرموز وإضافة العلامات وصياغة الأشكال، إلى موضوعة رئيسة توجه خطى العمل الفني وتختزل فلسفته الجمالية وتبني إيقاعه المفرد.
بعد هذا المجهود التقني المدروس في الإلصاق وتأثيث خلفية اللوحة ومعالجتها ببعض الخامات والمواد الأولية المحايدة، تأتي مرحلة المعالجة اللونية، وهي خطوة تُظهر، بشكل واضح، مدى التحول الجذري الذي خضعت له لمسة الفنان موسى عمر، مقارنة بصباغته السابقة. ففي الوقت الذي كانت فيه أعماله الأولى منشغلة بتنوع معجمها اللوني ومحتفلة بكثافته وبتوليد مشتقاته، ها هو يصل اليوم إلى نوع من الإشباع المتخفف من كل الزوائد التلوينية، ويتخلص من تلك الاحتفالية التي كانت تضع مفردة اللون المختلط والكثيف في واجهة العمل، بما كان يعطي الانطباع بأنها تحتل مقدمة انشغاله الفني وعليها وحدها يتأسس أفق انتظاره الجمالي.
وعلى النقيض من ذلك تماما، تحضر مفردة اللون، خاصة في تجربة ” أغنيات للشمس ” أحادية وباردة وصافية في أغلب الأحيان، بل تكاد تكون متوارية في خلفية الفكرة أو موضوعة اللوحة. إذ تظهر دينامية التكوين بقوة واضحة؛ من خلال اختيار طريقة إلصاق خامة الخيش وما أضيف إليها من علامات وموز وأشكال هندسية – تنتمي لبيئة الفنان التاريخية الأصيلة، وتعكس مخزون مشاهداته الخلاقة، بما هي ذاكرة نَشِطَة لأسفاره ورحلاته إلى جغرافيات وثقافات كثيرة من العالم – إلى درجة تَحَوَّلتْ معها وَضْعَة هذا التكوين الخاصة داخل فضاء اللوحة إلى عنصر جَذْبٍ لعين المتلقي وإثارةٍ لفضوله الجمالي، أكثر من الحضور الرمزي للجانب اللوني بدرجة أولى.
على أن ما يثير الانتباه حقا لدى الفنان موسى عمر، كونه يعيش قلقا جماليا هادئا ومتواصلا، كما أنه يتغذى من طاقة إيجابية تستمد قوتها من الشك في اليقينيات والمواضعات الفنية المُرْعِية، مع ما يستدعيه ذلك من طرحٍ دائمٍ للأسئلة ومحاولة البحث لها عن أجوبة كافية، أو مجرد احتمالات وفرضيات لمعالجتها. ولعل هذا القلق البَنَّاء هو ما يجعل متتبع مسار هذا الفنان، المُنخرط في دينامية التجريب، يحس بأنه لا يكتفي بما وصل إليه أو حققه من وضع فني اعتباري حتى الآن، بل إنه لا يطمئن كثيرا لذائقتك الفنية والجمالية، مما يجعله على استعداد دائم للدخول في مجاهل أية مغامرة صباغية جديدة لتجاوز نفسه، ولإعادة فتح شهية البحث والتنقيب والاجتهاد، وكلها متطلبات ينبغي أن يتأسس عليها أي مشروع فني يطمح إلى المغايرة، بل يجب أن تظل حاضرة لدى كل فنان يقوده التأمل والإنصات العميق نحو مدارج الإبداع الغميسة وإلى روحه الخلاقة المبدعة.