أخبار عاجلة

ميشال أونفراي:لا أشعر بكل صراحة أني أتحرك فوق أرضية نقدية.. منذ زمن وأنا أكتب أمورا لا أحد يقرأها أو يراها

ترجمة : حســــــن أوزال  – كاتب وباحث من المغرب.
يَعْتَبر ميشال أونفراي كتابه «ضد تاريخ الفلسفة» (Grasset) بحثا جديدا في مستنقع الامتثالية. وفي هذا الكتاب بالضبط يعرض، لفكر ثلة من الفلاسفة غير المعروفين، والمنسيين أو المهملين؛ فلاسفة نحن اليوم أحوج ما نكون إلى التعلم منهم. ولا يفتأ يطارد الرجل فكرة واحدة هي: أن يكتب تاريخ السعادة على مر العصور، لكنه وفي نفس الوقت، تراه ينشر بحثا قصيرا وصاعقا حول نيتشه، بعنوان الحكمة التراجيدية(كتاب الجيب). ودونما أدنى تساهل، يقدم لنا في هذا الحوار رؤيته للكون كما يوضح لنا كل ما هو بصدده من أعمال.

الحــــــوار:

*  ميشال، كيف غدوت الفيلسوف الأكثر مقروئية في فرنسا؟

– لا جواب لدي على هذا السؤال. لقد وضعتُ صوب عيني وجهة ما وها أندا فيها. أقول وجهة، لا مخطط احترافي! وأعتقد، فحسب، بأني مصاب بوسواس الكتابة، أقصد وسواس التقعيد لفكر يشترط نوعا من الوضوح الذاتي . وأنتصر، لنوع من الفلسفة الوجودية كما لضرب من ضروب الحكمة العملية أكثر منه لحكمة مفاهيمية أو لنهج مفاهيمي يُعْتَمَد في التفكير الفلسفي. إني أحيد كليا عن التصور الدولوزي الذي يعتبر أن الفيلسوف هو من يبدع المفاهيم، وأجدني مشمولا بالمنظور القديم الذي يرى أن الفيلسوف هو من يتشبث بنهج حياة فلسفية. بناء عليه فغايتي إنما هي، أن أحيا حياة فلسفية لا أن أغدو الفيلسوف الأكثر مقروئية في فرنسا.

*  لكن، كيف تفسرون النجاح الذي لَقِيَتْه أفكاركم؟

– لنوضح أولا، أن كونك الفيلسوف الأكثر مبيعا لا يعني بتاتا أنك الأكثر مقروئية ولا حتى أنك المقروء على نحو جيد!فمنذ زمن بعيد وأنا أكتب أمورا لا أحد يقرأها أو بالأحرى لا أحد يراها. أعتقد أنه إذا ما تجاوز الحد، عددا معينا من القراء، سيضحى النجاح مجرد سوء فهم ليس إلا. لنفكر في أولئك الفلاسفة الكبار أمثال دولوز وديريدا. كم كان عدد مبيعات نسخهم ؟صحيح أن  كتابا من الكتب قد يلقى، نجاحا باهرا، لكن ذلك فقط ليس إلا لأنه يتصادف وروح العصر. والحال أن جزءا من روح عصرنا موسوم بعدم الايمان. وهو الجزء الذي كَلَّ من استهلاك الديانات التوحيدية وتعب بطبيعة الحال من البوذية وكل أطباق اللاعقلانية. لقد كتبتُ مؤلفي «بحث في علم الإلحاد»على نحو عادي، ولم يكن النجاح هو ما يهمني. كان رهاني شيء آخر.

*  ما هو؟

– أبي. أنا سعيد بالأحرى بمعرفة أن أبي على بَيِّنة مِن كون حياتي هي حياة نزيهة. وأجد أن هذا أهم بكثير من بيع أزيد من مائتي ألف نسخة من أي كتاب من كتبي. وبتعبير آخر، أقول لكم بأني أنشد الطهارة.

*  ماذا ؟ هل تنشدون الطهارة!

– أقصد الاستقامة الأخلاقية، أي نوع من أنواع الاستقامة التي هي أشبه ما تكون باستقامة الفلاح. لقد اشتغلتُ كأستاذ طيلة عشرين سنة في ثانوية تقنية، وكنت دوما أرفض الولوج إلى الجامعة، ثم غادرت بعدها وزارة التربية الوطنية من أجل خلق جامعة شعبية لم أكن أعرف ما إذا كانت ستلقى إقبالا أم لا. . . ومع ذلك أفلحتُ، إلى حد أن ثمة ست أو سبع جامعات أخرى تشتغل منذئذ وفق نفس النهج. كل ذلك ساهم في إحرازي على نوع من الشهرة، إلا أن الشهرة هي دوما حصيلة ما يتراكم من سوء فهم على حساب أو باسم شخص ما.

*  كيف جاء كتابكم Traité d’athéologie على هذا النحو؟

– لقد تلقيت دعوة لحضور برنامج «فرانز أوليفي جيسبير، بعنوان الثقافة والتبعية»والذي يُبَثُّ على القناة الفرنسية الثالثة، للحديث عن كتابي»أسرار علم التشريح» حيث أتكلم عن مرض سرطان الثدي الذي أصاب خليلتي، وحيث أوضح من بين ما أوضحه من تصورات، أن الوقت قد حان لنزع الطابع المسيحي عن الجسد déchristianiser le corps . وكان خطابي هذا مثار سخط حقيقي إلى حد المناداة: «كفانا من إلحاد أونفراي». وبعد نهاية البرنامج، تلقيت رسائل سب، وهو أمر مألوف، لكني تلقيت أيضا تهديدات بالقتل وهو ما بدا لي غير عادي. وكان ذلك بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، إذ كيف يُعْقَل، أن أتلقى تهديدات بالقتل لا لشيء إلا لأني أدافع عن الحق فيما أؤمن به؛ إنه أمر يطرح بنظري مشكلا ما أليس كذلك؟لنقل أن الأمر لم يُسْتَحْسَن. هكذا إذن قررت توضيح الأمور والتنقيب في مسألة الإلحاد: حاولت أن أبين على أن الإلحاد موقف فلسفي وبأنه أيضا أساس قيام المتعوية. لكن هذا الكتاب، ليس في نظري غاية في حد ذاته بل مجرد جملة اعتراضية .

*  نحس كما لو كنتم غاضبين في هذا الكتاب؛هل تفرض عليكم هذه النبرة النقدية نفسها في هذا الكتاب، أكثر منه في كتبكم السابقة؟

– لا أشعر بكل صراحة أني أتحرك فوق أرضية نقدية، لكني كثيرا ما وُوجِهْتُ بمثل هذا الكلام ؛أكيد أن ثمة غضب ما، أعترف بذلك، لكن أين كنت منتقدا؟أقول أشياء عنيفة، أكيد، لكن ليس بعنف على ما يبدو. وعندما أكتب مثلا بأن هتلر لم يكن ملحدا وبأنه يمجد عددا من الجُمَل الواردة في الأناجيل وبأن النازية نسَّقَتْ مع المسيحية، أرى أن ذلك كله، ينطوي على عنف لا يطاق؛ لكني لا أعبر عنه بعنف. تكمن المشكلة بالأحرى، في كون الإفصاح عن الأمور بوضوح، أمر يستحيل في أيامنا هذه: وما علينا إلا أن نكون في خضم الصحيح سياسيا، أي أن ننساق مع الضبابية والتفاهة وأن نتحاشى بعض الألفاظ. . . لكن ذلك هو ما لا يمكننا القبول به. وأرى بأن المسيحية ظلت تُهَيْمِن منذ عشرين قرنا ولم تخجل يوما ما، مما صدر منها من عنف قاس مارسَتْه في حق الفلاسفة والعقل والمنطق. إن بوسعنا اليوم أن نفكر بطريقة راديكالية بالرغم من كون هذه الطريقة لا تمثل موضة العصر. ثِقُوا بي إذا قُلْتُ لكم أني لا أسعى لا إلى صَعْق الآخرين ولا إلى نيل إعجابهم. إني أطرح أفكارا وأتمنى أن تكون محط نقاش؛ أتمنى أن يُعْتَرَضَ علي بالقول: «لا، هذه المسألة ليست صحيحة». إني أتطلع إلى مقارعة الأفكار لكني أجد أننا غالبا ما نكون مأخوذين في سيلان جارف من الحقد والشتيمة.

*  كانت مؤاخذتك للكنيسة المسيحية لاتطاق: لكن بالرغم من ذلك اعتذرت هذه الأخيرة. . .

– نعم لقد انتهى الأمر أخيرا بالكنيسة إلى اتهام  النازية . لكن هذه الأخيرة لم تُتَّهَم جراء الدور الذي لعبَتْه إبان الحرب. واكتفى يوحنا بولس الثاني بالقول بأن الأمور كان بوسعها أن تجري على نحو أفضل، نقطة إلى السطر. أما الأرشيفات التي ستُسْعِفُنا اليوم على كتابة هذا الجزء من التاريخ، فلم تُفْتَح بعد. والحال أننا على علم بالدور الذي لعبه البابا Pie XII في هذه القضية كما نعرف أيضا بأن الكنيسة نظمت رحلات مكنت كبار النازيين من مغادرة أوروبا. إن هذه الكنيسة التي لم تعترف بالإبادة الجماعية النازية إلا بعد مرور خمسين عاما هي نفسها التي كانت وراء الإبادة الجماعية برواندا.

*  إن التأكيد على هذا الأمر يعني أن ذلك كان مقصودا من لدن الالكيروس . . .

– نعم، أذهب بالتأويل حتى هذا الحد. لا أقول بأن البابا كان نازيا، بل فقط بأنه كان وراء وقوع الإبادة الجماعية برواندا. ألا ترى معي أن الكنيسة كونية، بالفعل؟ لقد كان برواندا العديد من الإكليروس موكول إليهم الإخبار بكل ما كان يحدث. كان البابا إذن على علم بما يجري، إلا أنه لم يتكلم إلا بعد ما حَلَّت الكارثة، إنقاذا للقتلة ودونما قوله أي شيء فيما يخص الضحايا. لكن مسألة التوكيد على اعتذار الكنيسة لم تكن هي الغاية من كتابي: إني لم أؤاخَذ على كوني لَمْ أقُل أشياء معينة بل فقط على كوني قلت أشياء خاطئة. لذلك، أرفع شعار التحدي في وجه كل من يستطيع أن يعثر في هذا الكتاب على أمور غير صحيحة بالفعل، وأكرر مرة أخرى أنه ليس بكتاب نقدي للمسيحية بل هو بحث، الغاية منه إنما هي إبراز مساوئ تلك القصائد. وإذا ما رغب أحد في كتابة كتاب آخر إبرازا للجوانب الإيجابية في الديانات التوحيدية (وهنالك العديد من البراهين التي يمكن اعتمادها)فليكن، لكنه أمر، لا يعنيني . ولا يمكنكم بالتالي مؤاخذتي على كتاب لم أكتبه.

*  هل تنظرون إلى الفلسفة باعتبارها صراعا؟

-أجل، وبكل تأكيد. إلا أني لم أصل إلى هذا التحديد إلا مؤخرا؛ وبانكبابي على  العمل، وإعلاني عن ميلاد الجامعة الشعبية، راودتني رغبة كتابة هذا المؤلف بعنوان: ضد تاريخ الفلسفة الذي خلص في نهاية المطاف في ستة أجزاء. وطرحت على نفسي عددا من الأسئلة المرتبطة بـعلم تدوين التاريخ l’historiographie، من قبيل: كيف ولماذا تم  تهميش فلسفة ديمقريطس، من لدن علم التاريخ السائد؟ هكذا استطعتُ أن أدرك إلى أي حد كانت الفلسفة طيلة خمسة وعشرين قرنا صراعا. إنه صراع سياسي، لا علاقة له بالصراعات البيزنطية  الدائرة رحاها مابين أشخاص تقنيين . بديهي إذن، أن يطفو لنا على السطح، حالما أقدمنا على كتابة التاريخ المضاد للفلسفة، كل أولئك الفلاسفة الذين كان لهم مشكل مع الدولة. هكذا كان ديوجين الكلبي(من سينوبة بتركيا حاليا)، يعارض أفلاطون مثلما كان متحررو القرن 17 يعارضون الديكارتيين، ومثلما عارض المتطرفون فولتير وعارض سارتر آرون.

*  لكن ما مصدر هذا الغضب؟

– أرى بأن أحوال فرنسا بدأت تسوء منذ 1983، أي منذ اللحظة التي اغتال فيها «ميتران» اليسار، وبشكل آخر الأمل. وكل الناس اليوم، انْتَهَوا إلى هذا الحد أو ذاك، إلى اعتناق الليبرالية. وما يدهشني أكثر، إنما هو كَونُكَ لن تعثر على فيلسوف واحد، يرى أنه من غير الطبيعي أن يغدو المال والسوق بمثابة القانون في كل الأنحاء. وأستنتج أن ثمة في فرنسا نوعان من المثقفين: أولئك الذين يسايرون منطق السلطة وأولئك الذين يشكلون بؤرة توتر ومقاومة لهذه السلطة. وقد أصبحت بالتالي أكثر نزوعا للنقد، وأكثر ميلا للقصف. لكن كل ذلك، ليس يعود، ببساطة، إلا إلى تصريحي الواضح بموقفي كما بالجهة التي إليها أنتمي. فالوضوح موقف كثيرا ما يخلق لك عداءات: وعندما نقرر أن نكون واضحين، يحسبوننا أكثر عنفا وتطرفا.

*  ما هي اختياراتك بالضبط ؟ وما هي الجهة التي تنتمي إليها؟

– من حسن الحظ، أن عصرنا تغيَّر، ولم يعد بإمكاننا الاقتصار على منطق ثنائي، من قبيل مثلا ذلك المنطق الذي كان يقابل اختيار آرون (أمريكا) باختيار سارتر (الإتحاد السوفياتي). إني لا أؤمن أبدا بالمساء الأعظم ولا بأن الثورة هي الحل للمشاكل . لقد غدا القرن دولوزيا، حتى أن الناس في اعتقادي، صاروا يدركون بأنه لم يعد بالإمكان إلا ما أسماه دولوزبـ «الثورات الجزيئية»: لا يمكننا القيام بالثورة، لكنه بإمكاننا القيام بثورات. وهي ثورات صغيرة لكنها ناجعة. أعطيك مثال الجامعة الشعبية: فالأمر ليس يتعلق بثورة كبيرة، ومع ذلك فإني قُمْتُ بما هو في استطاعتي. وأناضل من أجل قضية أتبناها كلما استطعت ذلك على طول حياتي اليومية .

*  بأي شكل من الأشكال هي الجامعة الشعبية فِعل للمقاومة؟

– بكل بساطة، يمكنني القول أن الجامعة الشعبية لا تَنْصَبُّ على إنتاج معرفة يُؤَدَّى عنها اجتماعيا: إننا لا نطلب من الأشخاص الانخراط مقابل إحرازهم على دبلوم يُشَرْعِنُ لعملية التسجيل . ليس لدينا هنا لا مراقبة للمعارف ولا دبلومات، بله ولا موقف سلطوي يفترض وجود أستاذ يصحح لكم أوراق امتحانكم، ويمنحكم نقطة، ويُجيز مروركم أو لا للقسم الموالي، ويسمح لكم بالانتساب للجامعة مادمتم قد حصلتم على دبلوم(وكل دبلوم لا يسمح لكم في كل الأحوال إلا بإعادة إنتاج نموذج اجتماعي: فالمبرز في الفلسفة يصبح أستاذا للفلسفة لا غير). إن الجامعة الشعبية لا ترمي إلى إنتاج دواليب صالحة للآلة الاجتماعية، بل ترمي إلى تمكين الأفراد من وسائل الرفاه في وجودهم وتكوين ذواتهم وبنائها. لذلك يأتي إليها من يشاء ويغادرها من يشاء، ولا وجود فيها لرقابة ولا لواجبات التسجيل. أما الأساتذة فكلهم متطوعون. وفضلا عن ذلك فهي فضاء حيث تُدَرَّس معارف بديلة بطريقة بديلة. أقصد من وراء هذا الكلام، أن المسألة تستدعي تدريس مالا يُدَرَّس بالجامعة: أي فلسفة «المهزومين» التي تتضمنها هذه الأجزاء من كتاب «ضد تاريخ الفلسفة»، لكن هناك أيضا التحليل النفسي والفن المعاصر وموسيقى الجاز والسينما. . . وعلى هذا النحو تُشَكِّل الجامعة الشعبية، نواة للمقاومة une microrésistance . وفضلا عن ذلك، يمكننا اعتبار أن السعي لعيش الفلسفة التي نتعلمها ليس بالتأكيد، ثورة عظمى بل هو ثورة صغيرة بالرغم من كل شيء… وإذا كان كل واحد منا يقوم بما يستطيعه (وبتعبير آخر: يقوم بما عليه أن يقوم به) فحينئذ فحسب، نحصل على شبكة ثورية أكثر نجاعة.  إني أؤمن باتحادات المستهلكين! أي بطريقة ما في العيش.  وإذا كنت في غالب الأحيان، محط مؤاخذات، بدعوى أني لا أقدم حلولا وأكتفي فحسب بالتفكيك، فذلك لا أساس له من الصحة، على اعتبار أن كتبي كلها تنتهي باقتراحات. اقتراحات قد أُوجِزُها فيما يلي: أن نعمل على صنع أنوية للمقاومة، أي شبكات للمقاومة تخص كل واحد منا. شبكات بديلة. وهي ما علينا الاشتغال على صنعه سواء في وسطنا العائلي، أو كأزواج أو في ارتباطنا اليومي بالآخر وكذا في العمل. . . علينا أن نكشف إلى أي حد نحن متحررين لا ليبراليين.

*  ألا تخشون أن يُنظر إليكم كما لو كنتم شيخا روحيا، عندما تتكلمون على هذا النحو؟

– لا، لأن هذا الخطاب ليس أبدا بمثابة حل جاهز تحت تصرفنا. وهذا هو بالأحرى ما يؤاخذني عليه أولئك الذين هم بالضبط قيد البحث عن شيخ روحي، كما تفضلتم، وهو ما لست إياه ولا نية لذي لأن أصيره ! وفضلا عن ذلك، إني أستغرب من هذا البعد الفانتازمي عند الشيخ الروحي والموجِّه الذي سيقول لكل واحد : » قُمْ بكذا، وافعل كذا».  أجد ذلك في غاية الخطورة، ويكتسح المجتمع الحالي بقوة. وفيما يخصني شخصيا، أؤكد أني لا أتبنى مثل هذا الخطاب، وأكتفي بالتوجه للناس قائلا : «أن تصنعوا أنوية للمقاومة، تلكم طريقة للعمل، لكن يبقى عليكم تطبيقها. »

*  لكن كيف بوسعنا أن نكون أحرارا دائما؟

– كيف نكون اشتراكيين أحرارا؟ هذا موضوع سأعمل على تفصيله في كتاب قادم. فبانتهائي من كتابة مؤلف «ضد تاريخ الفلسفة»، خَطَرَ  ببالي ضرورة البحث عن موضوع جديد متميز. فوجدتُنِي متعطشا أيما تعطش لكتابة تاريخ الاشتراكية التحررية. وفي هذا السياق، فكلما جرى الحديث عن الفوضوية، إلا وتم تذكيرنا بأسماء كل من «باكونين» و«كروبوتكين» و«برودون» لا غير؛ ولا أحد أبدا يذكر «سيباستيان فور» و«إميل أرمون» وباقي الفلاسفة الذين سيُسْعِفُوننا، إِنْ طَفَوا للسطح، على التفكير في اشتراكية تحررية اليوم. إن الفوضوية كما أفهمها لا صلة لها كثيرا بالتداول التقليدي للَّفظة. يتعلق الأمر بأن نغدو ضد ليبراليين لا ضد رأسماليين.

*  فوضوي يدافع عن الدولة. . . ما القصد من هذا الكلام؟

– يعني ذلك، أولا أنه ينبغي علينا أن نفكر بأسلحة القرن 21 لا بأسلحة القرن 19 : كل أولئك الذين اعتقدوا أن ماركس كان يملك كل الحلول لمعضلات القرن 20 باؤوا بفشل ذريع وجعلونا نؤدي الثمن باهظا. فَأَن تكون فوضويا اليوم يعني من بين أول ما يعنيه أن تعيد التفكير في القضايا الفوضوية على نحو جديد. قديما كان الفوضويون ضد الدولة، صحيح، لكنهم كانوا أفلاطونيين حتى النخاع: يظنون أن الدولة هي الاستغلال. لكن الدولة، أداة، وكل أداة يمكننا توظيفها لغايات عديدة: قد يكون الاستغلال بطبيعة الحال إحداها، لكن ثمة أيضا غايات اجتماعية موازية. هكذا، نلاحظ بأن الدولة مثلا هي التي ساهمت في إخراج الأطفال من المناجم . بوسعنا إذن أن نكون فوضويين، بتأكيدنا على أن الرأسمالية ليست هي الليبرالية: إن الرأسمالية طريقة لإنتاج الخيرات un mode de production وكذا تقنية une mécanique ومِلْكية خاصة لوسائل الإنتاج؛ أما الليبرالية فهي طريقة في التدبير un mode de gestion من بين طرق أخرى، للخيرات المُنْتَجَة . أنا رأسمالي لا لشيء إلا لأني لا أرى أن ثمة نظاما أنجع من الرأسمالية يُمَكننا من إنتاج الثروات والخيرات، لكني أرى أن هنالك وسائل بديلة لليبرالية، أي لتوزيع الثروات المتراكمة عبر الرأسمال. والمتحرر اليوم، هو من لا يرى إذن أن عليه القضاء على الرأسمالية أكثر مما عليه مقاومة الطريقة الليبرالية المُنْتَهَجة في تدبير الرأسمال. هذا فيما يخص الجانب النظري، أما فيما يخص الجانب العملي، فالأمر يستدعي منا أن نفهم بأن الأهم، كيفما كنا (أساتذة، تجار، ربات بيوت، أرباب شركات. . . ) إنما هو أن نتخذ موقفا مضادا للسلطة une position anti-autoritaire. فالمتحرر هو بالضرورة مناهض للسلطة: ليس ثمة أساسا مِنْ حُجَج منطقية تُخَوِّلُك أن تعتبر نفسك رب عمل أو أب عائلة باسم قانون مقدس. وبخلاف ذلك، أؤمن بالتعاقد. وهو ما ينبغي اعتماده تأصيلا للفكر التحرري المعاصر، ويخص ذلك حتى الأرضية التي عليها تقوم علاقات الحب.

*  على ماذا يقوم هذا التعاقد؟

– إنه التعاقد المتعوي. كل ما في الأمر إنما هو أن نقبل بأننا لسنا مشمولين بمنطق متعال، يسوده نوع من القانون المقدس، يشترط علينا أن نخضع للنظام والسلطة والتراتبية. ليس علينا أن نقرأ العالم على نحو عمودي بل على نحو أفقي. وفكرة التعاقد هاته هي فكرة أبيقورية بالأساس. لكن كلما كنا بصدد الحديث عن التعاقد يحظر بخلدنا على التو «التعاقد الاجتماعي» لصاحبه روسو، مع أن روسو اقتبس الفكرة من هوبز، الذي أخذها بدوره من أبيقور. يوضح أبيقور هذه المسألة كالتالي: كيما نستطيع أن نعيش على نحو مشترك، يجب علينا أن نتعاقد، يجب علينا أن نلتزم مُصَرِّحين للآخر بكل وضوح بما سنفعله وبما لن نفعله، بما نقبله وبما نرفضه. لنأخذ على سبيل الذكر مثال الحب. إن الرغبة بطبيعة الحال لا تكون أبدا تحت الطلب : فإما أن تكون وإما أن لا تكون. لكنها ليست كل شيء: فبوسعنا أن نصنع شيئا ما من رغبتنا أو لا شيء. بوسعنا أن نطلق لها العنان أو أن نقيدها ونحصرها أو أن نحررها ونفسح المجال رحبا أمامها. . . إن بوسعنا أن ننحث استعمالاتنا للرغبة. يتعلق الأمر أوَّلا بالتصريح بها (وهو ما نرفض دوما القيام به). ثم القول بأن الرغبة ليست هي ما كُنَّا نعتقده إلى حدود اليوم، أي أنها نقص (وهذا منظور أفلاطوني ولاكاني). لذلك، لا يمكنكم أن تكتفوا بهذا التصور للرغبة، إذا ما رغبتم في إنشاء علاقة زوجية. بحيث أن المسألة تستدعي، إجراء تعديلات: إذ لا أحد يتمتع بالكمال إطلاقا، وسرعان ما تغدو أفضل امرأة (أو أفضل رجل) لدينا، لا تطاق حالما ينضاف اسمها إلى قائمة طرائدنا المصطادة . إن علينا إذن أن نعمل على بناء طرفنا الآخر تحقيقا، لِمَا يمكننا أن نطلق عليه بفضل «لوقراتوس»، اسم الزوج الأتراكسي. وهذا الزوج الأتراكسي هو الذي يرفض أن يكون حزينا، وأن يحيا متألما وأن يتزوج لينتهي بالطلاق متحملا أعباء تكلفة غذائية لا تنتهي. . . إنه زوج يحبذ الفرح لا الحزن. ومن أجل ذلك ينبغي له أن يُجْري تعاقدات: أن يبقى دائما في حوار مع طرفه الآخر، وأن لا يتجاهل الواقع، وبعد أخذ ورد يصل إلى الاتفاق حول مسألة الوفاء مثلا. ثم عليه أن يبقى وفيا للتعاقد الذي تم برضى الطرفين معا. لكن إذا لم يتم أي تعاقد على نحو واضح، فإننا لا نكون والحالة هاته لا أوفياء ولا غير أوفياء. ماذا لو عملنا على استعادة تعريف الحب والعلاقة الزوجية في سياق التقليد القائم منذ أفلاطون حتى لاكان : فهل الحب يُفْرِحُنا ويجعلنا سعداء؟لا، ليس بالتأكيد. هذه إذن فرصة مواتية لإعادة التفكير من جديد في مسألة العلاقة الزوجية . وبدلا من المضي، قُدُما للإطلالة عما يقوله الفلاسفة التقليديين في هذا الصدد، الأحرى بكم الوقوف عند أبيقور الذي يرى أن التعاقد تنسيق تحرري؛ أما مبدأ التعاقد المتعوي فهو ما يقوم إذن على البيشخصية l’intersubjecti* ité وعلى التواصل عبر الحوار كما على الوضوح. يتعلق الأمر هنا بالتمكن من بناء علاقة زوجية تماما مثلما نبني ذواتنا.

*  ما الذي، يفيده بالضبط «ضد- تاريخ» الفلسفة؟

-في «الكتاب المضاد للفلسفة» كان كل الفلاسفة الكبار الكلاسيكيين، المدرجين في برنامج الثانوي، حاضرين، لكني كنت أحرص كل الحرص، على الاحتفاظ بنصوص غير معروفة؛ نصوص بديلة، تبدو لي في غاية الأهمية من أجل فهم عصرنا. كان كانط موضوع دراسة لكن ليس اعتمادا على المقدمة الثانية لكتابه نقد العقل المحض، بل اعتمادا على نص يتكلم فيه عن الخمر ومفعول السكر على العقل… كل الناس تعرف التاريخ الرسمي للفلسفة: أفلاطون، ديكارت، كانط… لكن ثمة دوما، بالمقابل لهؤلاء الفلاسفة، أفكارا أخرى. إني لم أكن أرغب في كتابة تاريخ للفلسفة للمرة الألف: فثمة سلفا كتب تاريخ مهمة ولا شيء لَدَيَّ أضيفه في هذا الباب. لكن التاريخ المضاد، أي التاريخ التآلفي، فهو باعتباري ما يهم. وبغض النظر عما سلف، أعتقد بأن المتعوية، هي في الآن نفسه، قديمة قدم العالم وقد تسعفنا كقاعدة أخلاقية. وبَرْهَنَة على ذلك، مَضَيْتُ أبحث في تاريخ الفلسفة عن المفكرين المناصرين للمتعة، لأُدْرِكَ، أنهم كانوا دوما محط إغفال، بله منسيين، وبأنهم ذوي قيمة أكثر مما كنت أظن. واكتشفت أيضا، أنهم كانوا يقترحون منظورا بديلا، لذلك المنظور المهيمن في الفلسفة: إن تاريخ الفلسفة تاريخ مثالي، أفلاطوني ومسيحي واثنيني؛ بينما يقترح «ضد- تاريخ الفلسفة» تاريخا للفلسفة مادي وشهواني وتجريبي وقورينائي وكلبي وديمقريطسي وغنوصي ونفعي… والحال أن هذه القارات لم تُسْتَثْمَر أبدا. أما السِّيَّر الذاتية الخاصة بهؤلاء الفلاسفة فمن الصعب بمكان العثور عليها: وهي في الغالب إنْ وُجِدَت، تكون في طبعات قليلة وغالية الثمن. وقد كانت كتب «أريستيبوس القورينائي» وكذا «لورونزو فالا» منعدمة في فرنسا حتى السنوات الأخيرة، وهو أمر على ما يتضح غير معقول. يقتضي التاريخ المضاد للفلسفة التصريح بمايلي: أتفهم أنه بوسعكم النظر إلى الفلسفة كما لو كانت بمثابة ما لا يُطاق مثلما قد تجدونها مضنية وتافهة، لا لشيء إلا لأنها انحصرت بالنسبة لكم في الفلاسفة والتقنيين واقتضت منكم أن تتحمسوا لحوار من حوارات أفلاطون كـ«بارمنيدس» أو لـ«ميتافيزيقا أرسطو» أو لـ«تاسوعات أفلوطين». إلا أن ثمة فلسفة تسعفكم على الحياة، وأقصد بطبيعة الحال، «قارة» كل من النفعيين والفرنسيين مثلا كما أستحضر الفلاسفة القورينائيين والكلبيين والمسيحية المتعوية.

*  لماذا لم تكن هذه الفلسفات تُدَرَّس ولم تكن مشهورة ولا واسعة الانتشار؟

– لأن ثمة فلسفة مؤسساتية شغلها الشاغل إنما هو التقليص ما أمكن من قوة الفلسفة. ففي فرنسا، نتعاطى مع الفلسفة لكن ليس على النحو الأفضل؛ ويكفيكم ملاحظة المصير المقدر لمونتانيي بالرغم من كونه أحد كبار فلاسفتنا. وبخلافه، نجد أن كانط مثلا لا يزعج أحدا، مادام يعمل جاهدا على بلورة فكر ديني (بل مسيحي حتى):  أن تقول بأنك قارئ لـ«الدين في حدود العقل وحده» أفضل بكثير من قولك أنك قارئ لـ«بُنْوَا 16»! ومع ذلك فالأمر سيان. . .

*  لكن من ذا الذي يستطيع قول الحقيقة الفلسفية؟

– هناك طريقتان للرد عن هذا السؤال. الأولى تقتضي القول بأن الحقيقة الفلسفية تهبط علينا من السماء، أي ألا أحد يقولها وهكذا نتمكن من التستر على المشكلة. مما يستدعي منا الإبقاء على نوع من الضبابية والإصرار على عدم المبالاة بعلم التاريخ باعتبار أن الأمور هي على هذا المنوال منذ الأزل: فالفلسفة وُلِدَتْ في اليونان في ق. 7 ق. م. مع الماقبل السقراطيين وهكذا جرت الأمور لاغير. أما الطريقة الثانية للرد عن سؤالكم، فتقتضي أن نوضح أن هذه الحقيقة غير قابلة للإدراك، وبأن الفلسفة اليونانية كانت مسبوقة بأفكار أخرى وبأنه ليس ثمة أية «معجزة يونانية». إني أدافع عن نهج ذاتي للتعاطي مع الفلسفة: اقرؤوا، وكَوِّنوا لكم تصورا بعدما تقرأون، لكن لا تحسبوا أبدا كل ما يقال لكم كما لو كان مسلما به.

*  هل يمكن قراءة الجزء الثاني من «ضد- تاريخ الفلسفة» ككتاب يتناول الأوجه الإيجابية للديانة المسيحية التوحيدية؟

– نعم كذلك، هي المسألة بمعنى من المعاني. إذ يستدعي منا الحال، أن نُخْرِج من غياهب النسيان، هذا الضرب من المسيحية الهامشية، التي تعرضَتْ للاضطهاد من لدن المسيحية الرسمية، وتفتح أمامنا آفاقا هامة: يُبَرْهِن هؤلاء الفلاسفة على مسألة مؤداها أنه بوسعنا أن نكون مسيحيين ومناصرين للمتعة في الآن ذاته. إلا أنهم انهزموا. هكذا عَملْتُ مثلا، على عرض فلسفة الغنوصيين الفجار، مع أني لست مناصرا لهم (أنا أنتصر بالأحرى لـ«مونتاني») كما عرضت مذهب أبيقور ولو أني لا أنحاز إليه (أنا بالأحرى منحاز للأبيقورية المتعوية التي يقودها لوقراتوس أكثر منه لأبيقورية أبيقور الضاربة في التزهد). إن هؤلاء الفلاسفة، مع ذلك، يسعفوننا على الكشف بأن العصر الوسيط، ليس مرحلة الظلامية والمسيحية التي جسدها آباء الكنيسة والسكولائيين.

*  في ذات الوقت، تنشرون كتاب «الحكمة التراجيدية. ما هي هذه الحكمة؟

– يعود هذا النص إلى سنة 1988؛خلصت إليه بعد انتهائي من قصة رائعة. إنه نص يسعف على خوض الصراع، ويدعونا إلى قراءة نتشه دونما الانزعاج بالكليشهات التي أُلْصِقَت به (أخت مناصرة للنازية؛حمق يكاد يحط من قيمة أعماله الإبداعية… إلخ). وإذا كان المتفائل هو من يرى الأفضل في كل مكان، فالمتشائم، بخلافه هو من لا يرى إلا السوء. أما التراجيدي فهو من يرى الواقع كما هو. تقتضي الحكمة التراجيدية إذن القول بأن ثمة واقع علينا التعامل معه. إنه ليس يتعلق بجزء من اللذة ومع ذلك فهو ليس سيئا ولا أفضل من أي شيء آخر.

*  لماذا تُسَلِّطون الضوء، في كل كتاب من كتبكم على عبارة من عبارات نتشه؟ إنه ليس بالرغم من ذلك متعويا.

– صحيح، لكن بوسعنا أيضا أن نكون نتشاويين متعويين. فأن تكون متعويا، يعني باعتباري، أن تكون نتشاويا تماما مثلما كان نتشه يتمنى أن نكون. إذا رغبتم يقول، أن تتبعوني، عليكم أن تتجاوزوني وأن تتخطوني.

*  فيما سيفيدنا نتشه اليوم، للتفكير في الواقع؟ وفيم يمكننا أن نوظف نتشه توظيفا متعويا؟

– أن يكون نتشه متعويا، لِمَ لا؟ إنه عندما يدافع على أنه متعوي، فهو كذلك. وعندما يدافع على أنه رومانسي فهو كذلك أيضا . إن المتعوية، إن كانت هي فن العيش على نحو سعيد وفي سلام سواء مع الذات أو مع الآخرين والعالم، فالمتعوية النتشاوية، تقتضي القول فحسب، بأن الواقع إرادة قوة (وليس إرادة الهيمنة على الغير مثلما تزعم ذلك تلك السخافات اليومية). تقتضي الحكمة التراجيدية إذن، أن نفهم أن الواقع إرادة قوة وبأنه كلما رغبنا أن نتمرد على كونه كذلك، وجب علينا أن نستعِدَّ لمكابدة المعاناة . أما إذا لم تكونوا راغبين في المعاناة، فليس عليكم إلا أن تقبلوا بالواقع كما هو. عليكم أن تُحِبُّوا القدر Amor fati، وذلكم هو الدرس النتشاوي في الفرح؛ وكم سنربح كثيرا إذا ما عملنا به في حياتنا اليومية، تفاديا للمعاناة والألم والاستياء . لكنه ليس بإمكاننا أن نرغم الناس كلهم على أن ينحازوا ضد الألم،  لأن المتعوية لا تقوم إلا على نوع من الاختيار الحر.  .
المرجع:
عن مجلة «لير» الفرنسية الصادرة شهر فبراير 2006 من ص. 38 حتى ص 43 .

 

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …