أخبار عاجلة

ميلان كونديرا يكتب عن فرانز كافكا في وراء ما – هناك

(1) يروي صديقي جوزيف سكوفيرسكي في أحد كتبه، هذه القصة الحقيقة:

دعي مهندس من براغ الى ندوة مهنية في لندن. فذهب وشارك في محاضر جلسات الندوة ثم عاد الى براغ. بعد ساعات من عودته تناول أول صحيفة "رود – برافو – وهي صحيفة الحزب اليومية الرسمية – وقرأ: مهندس تشيكي، حضر ندوة في لندن، أطلق تصريحا هجوميا للصحافة الغربية عن وطنه الاشتراكي وقررا لبقاء في الغرب.

إن الهجرة غير المشروعة التي يرافقها تصريح كهذا أمر غير بسيط. إنها تساوي عشرين عاما في السجن. لم يصدق مهندسنا عينيه، لكن لا مجال  للشك، المادة تشير اليه. صدمت سكرتيرته عندما دخلت مكتبه : يا الهي، لقد عدت لا أفهم شيئا! هل رأيت ما كتبوا عنك ؟

رأي المهندس الخوف في عيني سكرترته. ماذا بوسعه أن يفعل ؟ ذهب الى مكتب "رود برافو". وجد المحرر المسؤول عن الخبر. اعتذر المحرر : نعم. انه موضوع مرعب فعلا. لكن المحرر ´لا علاقة له بالموضوع، لقد تلقي نص المادة مباشرة من ودارة الداخلية.

هكذا ذهب المهندس الى وزارة الداخلية. وهناك قالوا: نعم، بالطبع، هناك خطأ، لكنهم، أثن الوزارة لا علاقة لهم بالأمر، لقد تلقوا التقرير عن المهندس من المخابرات في السفارة بلندن. طالبا المهندس بتكذيب. رفضوا لأن التكذيب غير ممكن، لكن لن يحدث له شيء. عليه ألا يقلق.

لكن المهندس أصابه القلق، أدرك فجأة أنه مراقب، وأن مكالماته مسجلة : وانه ملاحق في الشوارع لم  يعد بوسعه النوم، طاردته  الكوابيس حتى لم يعد يحتمل الضغط. قام بالكثير من المخاطرات الحقيقية ليترك البلاد بطريقة غير مشروعة. وأخيرا أصبح مهاجرا.

(2) القصة التي رويتها ممكن أن نقول عنها فورا "كافكاوية ". هذا التعبير، مستمد من عمل فنان، حدده خيال روائي فقط، تبدو وكأنها القاسم المشترك الوحيد لأوضاع (أدبية وحقيقية ) ولا تسمح لنا أي كلمة أخرى بإدراكها والتي لا تعطينا لا النظريات السياسية والاجتماعية أو النفسية أي مفتاح لفهمها. لكن ما هي الكافكاوية ؟

لنحاول وصف بعض مظاهرها.

أولا:

واجه المهندس سلطة لها صفة "متاهة بلا حدود". لا يستطيع أبدا أن يبلغ نهاية دهاليزها اللامتناهية ولن ينجح في العثور على من أصدر الحكم المشؤوم. أنه إذن يواجه نفس الوضع الذي واجها جوزيف ك. أمام المحكمة. أو المساح ك. في مواجهة القلعة. ثلاثتهم في عالم ما هو إلا مؤسسة متاهية هائلة واحدة لا يستطيعون الفكاك منها. عرى الروائيون قبل كافكا المؤسسات باعتبارها ميادين الصراعات بين المصالح الشخصية والعامة، أما عند كافكا فالمؤسسة هي آلية تخضم لقوانينها الخاصة، لا أحد يعرف من الذي سن هذه القوانين أوحتي لا علاقة لها بالهموم الانسانية وبالتالي فهي غامضة.

ثانيا :

في الفصل الخامس من القلعة يشرح عمدة القرية بالتفصيل لـ "ك " تاريخ ملفه الطويل. باختصار : قبل عدة سنوات، عقت القرية أمرا من القلعة باستخدام مساح. رد العمدة بجواب سلبي (لا حاجة لأي مساح). لكن الرد ضل طريقه الى مكتب الوظيفة القديم الى ك، في اللحظة التي كانت فيه المكاتب المعنية بالأمر تعمل على الفاء الطلب القديم المهمل. هكذا، بعد رحلة طويلة وصل ك. ال القرية بالخطأ. وأكثر من ذلك، لأنه أعطي ذلك فليس له عالم ممكن عدا القلعة وقريتها، وجوده كلا غلطة.

في العالم الكافكوي، أخذ الملف دور الفكرة الافلاطونية، انه يمثل الواقع الحقيقي. في حين أن الوجود المادي للانسان ليس إلا ظلا معروضا على شاشة الوهم. حقيقة أن المساح ك، ومهندس براغ ليسا إلا ظلي بطاقات طيفيهما وحتى هما أقل كثيرا من ذلك. انهما ظلا خطأ في الملف، ظلال بدون الحق حتى في الوجود كظلين.

لكن إذا كانت حياة الانسان ليست إلا ظلا والواقع الحقيقي في مكان آخر. متعذر بلوغه، في اللاانساني أو فوق الانساني، فإننا ندخل فجأة في عالم اللاهوت. والحقيقة أن أوائل المعلقين على كافكا فسروا رواياته كحكايات دينية رمزية. يبدو لي مثل هذا التفسير خاطئا (أنه يرو الرمز حيث قبض كافكا على الأوضاع الملموسة للحياة الانسانية ) لكنه كاشف حيثما تتحدى السلطة نفسها، فإنها تنتب اتوماتيكيا لاهوتها الخاص. حيثما تتصرف بمشيئتها، فإنها توقظ المشاعر الدينية نحوها. عالم كهذا يمكن أن يوصف بتعبيرات لاهوتية.

لم يكتب كافكا رموزا دينية. لكن الكافكاوية في الحقيقة والأدب لا تنفصل عن بعدها اللاهوتي أو الأحري (اللاهوتي المزيف ).

ثالثا :

لا يستطيع راسكولينكوف حمل أعباء ذنبه. ومن أجل الراحة يقبل بعتابه بكامل حريته. انه وضع معروف حيث (الجريمة تبحث عن عقاب ). المنطق عند كافكا معكوس. الشخص المعاقب لا يعرف سبب عقابه. وتكون عبثية العقاب غير محتملة، ومن أجل أن يرتاح يحتاج المتهم أن يجد تبريرا لقصاصه. العقاب يبحث عن جريمة لقد عوقب المهندس من براغ برقابة بوليسية مكثفة. يطالب هذا العقاب بجريمة لم ترتكب، وينتهي الأمر بالمهندس المتهم بالهجرة الى أن يهاجر بالفعل. لقد عثر العقاب أخيرا على الجريمة.

يقررك. في الفصل السابع من "المحاكمة " أن يفحص حياته كلها، باعتباره لا يعرف التهمة الموجهة اليه في ماضيه كلا "حتى أصغر التفاصيل " لقد بدأت آلة (لـوم الذات ) بالعمل.والمتهم يبحث عن جريمة.

تتلقي اماليا في يوم ما رسالة فاحشة من موظف في القلعة. تمزقها وهي شديدة الغضب. القصر ليس بحاجة لادانة تصرف اماليا المتهور. لقد فعل الخوف فعله (ذات الخوف الذي راد مهندسنا في عيني سكرتيرته ). وهكذا بدون أوامر، باوز إشارة واضحة من القلعة يتفاد تن الناس عائلة اماليا وكأنها وباء.

حاول والد اماليا الدفاع عن أسرته. لكن واجهته مشكلة : إذ ليس من المستحيل العثور على أصل الحكم، لكن الحكم نفسا غير موجود. فمن أجل أن تستأنف أو تعلب عفوا، يجب أن تكون محكوما أولا: يتوسل الوالد الى القلعة أن تعلن عن ذنبه. اذن لا يكفي القول أن العتاب يبحث عن جريمة. ففي هذا العالم اللاهوتي المزيف يتوسل المعاقبون التعرف على جريمتهم.

يحدث كثيرا هذا الأيام في براء الا يعثر المغضوب عليه حتى على أكثر الأعمال حقارة. يبحث دون جدوى عن شهادة تبين الذنب الذي آقترفه وانه ممنوع من العمل. لكن الحكم غير موجود، ولما كان العمل في براغ واجبا ينص عليه القانون، ينتهي به الأمر أن يتهم بالطفيلية، وهذا يعني أنه مذنب بتجنبه العمل. لقد وجد العقاب جريمته.

رابعا :

تبدو حكاية المهندس من براغ قصة مضحكة، مزحة انها تثير الضحك.

رجلان عاديان تماما (ليسا "مفتشين " كما في الترجمة الفرنسية ) يفاجئان جوزيف ك. في السرير ذات صباح ويخبرانه أنه موقوف، ويأكلان طعام افطاره. كان ك. مواطنا مدنيا منضبطا. فبدلا من أن يطرد الرجلين من شقته، يقف في ملابس نومه ويداخه عن نفسا مطولا، عندما قرأ كافكا الفصل الاول من المحاكمة لأصدقائه ضحك الجميع، بمن فيهم المؤلف.

تخيل فيليب روث نسخة سينمائية عن القلعة : يلعب غروشوماركس دور المساح ك. مع شيكو وهاربو بدور المساعدين.

نعم، روث على حق  تماما : فالكوميديا لا تنفصل عن جوهر الكافكاوية.

لكن هناك راحة قليلة للمهندس في معرفته أنها كوميدية. انه في فذ مزحة حياته مثل سمكة في إناء. انه لا يجد ذلك مضحكا. من الطبيعي أن المزحة هي مزحة فقط اذا كنت خارج الاناء، بالمقابل تأخذنا الكافكاوية الى الداخل، الى أعماق المزحة، الى رعب الكوميديا. في العالم الكافكاوي الكوميدي ليس مضادا للتراجيدي (التراجيكوميدي) كما في شكسبير، انه ليس هناك لجعل التراجيدي أكثر احتمالا بتخفيف اللهجة، انه لا يرافق التراجيدي، ابدا، انا يحطمه في مهدد وبذلك يحرم الضحية من العزاء الوحيد الذي يأمله: العزاء في أن يجد نفسه في عظمة التراجيديا (مفترضة أو حقيقية ). فقد المهندس وطنه، وضحك الجميع.

هناك مراحل في التاريخ الحديث تشبا فيها الحياة روايات كافكا.

(3)عندما هنت ما أزال أعيش في براغ، كنت أسمع الناس باستمرار يسمون مقر قيادة الحزب (وهي بناية حديثة بشعة ) باسم "القلعة ". وبالاستمرار نفسه كنت أسمع السكرتير الثاني للحزب "الرفيق هند ريش " يدعى كلام (إذ كان أكثر جمالا من كلمة Klam    التي تعني بالتشيكية "سراب " أو "خداع ").

سجن الشاعر أ.، وهو شيوعي كبه ر، بعد محاكمة ستالينية في الخمسينات، كتب في سجنه مجموعة من القصائد أطن فيها اخلاصه رغم كل الرعب الذي واجها. لم يكر مصدر ذلك الجبن. لقد رأى الشاعر إخلاصه لجلاديه كعلامة لفضيلته واستقامته.

أولئك الذي أطلعوا على هذه المجموعة من أهالي براغ، أطلقوا عليها، بشيء من السخرية عنوان "عرفان جوزيف ك. بالجميل ".

لقد كانت الصور والأوضاع وحتى الجمل المميزة في روايات كافكا جزءا من حياة براغ. هذا القول يمكن يدفعنا الى الاستنساخ. اذا كانت صور كافكا حية في براغ فلأنها تتنبأ بالمجتمع الشمولي.

هذا الادعاء يحتاج الى تصحيح : إن الكافكاوية ليست مسطحا سوسيولوجيا أو سياسيا. قامت محاولات لتفسير روايات كافكا بوصفها نقدا للمجتمع الصناعي، للاستقلال، للاستلاب وللأخلاق البرجوازية وباختصار للرأسمالية، لكن لا يوجد شيء من العناصر الرأسمالية في عالم كافكا: لا المال أو سلطته، ولا التجارة ولا الملكية والملاك أو الصراع الطبقي.

ولا تنطبق الكافكاوية أيضا مع تعريف الشمولية، فلا يوجد في روايات كافكا لا الحزب ولا الايديولوجية ومفرداتها ولا السياسة. و لا الشرطة أو الجيش.

لهذ يجب علينا القول أن الكافكاوية تمثل امكانية كامنة في الانسان وعالمه. امكانية غير محددة تاريخيا ترافق الى نسان على نحو أو آخر الى الابد.

لكن هذا التصحيح لا يلغي السؤال كيف يملا أن تندمج روايات كافكا بالحياة الحقيقية في براء، بينما قرئت الروايات نفسها في باريس بوصفها تعبيرا غامضا عن عالم المؤلف الذاتي الكلي : هل يعني ذلك أن امكانيات الانسان وعالمه المعروفة بالكافكارية تصبح أقدارا شخصية واقعية في براغ أكثر منها في باريس؟

منك نزعات في التاريخ الحديث تنتب الكافكاوية في البعد الاجتماعي الواسع: القوة المتصاعدة للسلطة التي تنزع الى تأليه نفسها. وبيروقراطية النشاط الاجتماعي التي حولت كل المؤسسات الى متاهات بلا حدود، مما يؤدي الى استلاب شخصية الفرد. لقد أظهرت الدول الشمولية بوصفها تصاعدا كبيرا لهذه  التنزعات العلاقة الوثيقة بين روايات كافكا والحياة الحقيقية.

لكن ليس بامكان الناس في الغرب رؤية هذه  العلاقة، ليس لأن المجتمع الذي ندعوه بالديمقراطي أقل لحافكاوية من مجتمع براغ في اليوم فقط، بل الانه، حسب ما يبدو لي فقد هنا على نحو قاطع الاحساس بالواقع.

حقيقة أن المجتمه الذي ندعوه ديمقراطيا ليس غريبا على عملية استلاب الفرد والبيروقراطية. لقد أصبح الكون كله مسرحا لهذه العملية. لكن لماذا كان كافكا أول روائي أدرك هذا النزعات التي ظهرت بعد وفاته على مسرح التاريخ بوضوح وقسوة تامين؟

 اذا تركنا الخرافات والاساطير جانبا، فلا يوجد أثر هام لاهتمامات فران كافكا السياسية وبهذا المعنى، فإنه يختلف عن كل أصدقائه البراغيين، من ماكس برود. فران فيه وفيل، ديفون أروين كيشر، ومن كل الطليعيين الذين بإدعائهم معرفة اتجاه التاريخ، ينغمسون في استحضار وجه المستقبل.

كيف إذن أن الأعمال التي تميزت كنبوءة اجتماعية سياسية ليست أعمالهم، بارأسال رفيقهم المتوحد المنطوي الذي انغمس في حياته الخاصة وفي فنه، والتي هي لهذا السبب ممنوعة في جزء كبير من العالم.

تأملت هذا الغموض أدت يوم بعد ان رأيت مشهدا صغيرا في منزل صديقة قديمة لي  لقد اعتقلت  سنة 1951 خلال المحاكمات الستالينية في بزاغ، وادينت بجرائم لم ترتكبها. لقد وجد المئات من الشيوعيين. انفسهم في الوضع نفسه في ذلك الوقت. لقد تماهوا طور حياتهم مع حزبهم. عندما اصبح فجأة جلادهم. وافقوا تماما مثل جوزيف ك. على "فحص حياتهم، ماضيها : حيث ادق التفاصيل " لكي يعثروا على الجريمة المخبوءة وفي النهاية. الاعتراف بجرائم متخيلة.

لقد أنقذت صديقتي حياتها، لأنها رفضت  بشجاعة نادرة الخضوع _ كما فعل رفاقها. وكما فعل الشاعر" أ " – "البحث عن جريمتها ". رافضة مساعدة جلاديها، اصبحت غير صالحة للاستعمال في المشهد الأخير للمحاكمة، وهكذا بدلا من أن تعدم حكم عليها بالسجن المؤبد. وبعد أربعة عشر عاما، رد إليها الاعتبار وأفرج عنها.

 عندما اعتقلت هذا المرأة كان عمر ,طفلها سنة واحدة، عندما خرجت مر السجن انضمت الى ابنها البالغ خمسة عشر عاما وتمتعت بمشاركته العيش في عزلة متواضعة منذئذ. لقد  كان ارتباطها العاطفي بالصبي مفهوما تماما. ذهبت لرويتها ذات يوم – كان عمر ابنها خمسة وعشروين عاما. كانت الأم تبكي غضبا والما لسبب تافه تماما: لقد نام الصبي اكثر مدر اللازم أو شيئا كهذا. سالت الام "لم تنزعجين  من سبب سخيف كهذا؟ هل يستحق البكاء بسببه ؟ الست تبالغين ؟ "

أجابني الشاب بدلا عن أمه " لا "  ان أمي لا تبالغ أمي امرأة رائعة، شجاعة. لقد قاومت عندما انهار الجميع. انها تريد أن تجعل مني رجلا حقيقيا. حقيقة انني نمت كثيرا، لكن أمي وبختني على شي أكثر. انه موقفي. موقفي الأناني، اريد أن اصبح كما تريد مني أمي ان اكون واشهدك بوعدي أنني سأصبح ".

إن الذي فشل الحزب في تحقيقه مع الأم، نجحت الأم في تحقيقه مع الابن. لقد ارغمته على ان يمتثل لهذه التهمة السخيفة. على "البحث عن جريمة "، على الأعتراف علنا نظرت، مذهولا، الى هذه المحاكمة الستالينية المصغرة. وفهمت على الفور أن لميكانزم النفسي الذي يوظف الاحداث التاريخية الكبيرة (الخارقة. اللاانسانية ) هو نفسه الذي ينظم الأوضاع

الخاصة (العادية جدا والانسانية ).

ترضح الرسالة الشهيرة التي كتبها كافكا ولم يرسلها الى والده أنه من العائلة، من العلاقة بين الطفل وتحدي سلطة الابوين، استخلص  معرفته بتقنية الاحساس بالذنب. التي أصبحت أكبر ثيمة في أدبه. في "الحكم " وهي قصة قصيرة شديدة الارتباط بتجربة المؤلف العائلية، يتهم الأب ابنه ويأمره أن يفرق نفسه.

يتقبل الابن ذنبه المفترض ويرمي نفسه بالنهر طواعية، كما في عمله اللاحق، يذنب خلفا جودا يف ك. الذي أدانته منظمة مجهولة للذبح.

ان التشابة بين التهمتين، "الشعورين " بالذنب، وتنفيذ الحكمين، يكشف الرابط في عمل كافكا، بين "الشمواية " العائلية الخاصة وبين الشمولية في رؤاه الاجتماعية العظيمة.

ينزع المجتمع الشمولي في : صيغته الأكثر تطرفا. الى مسه الحدود بين العام والخاص، وتطالب السلطة )امتي تصير أكثر دكنة أن تكور حياة المواطنين شفافة تماما. ان المثل الأعلى "للحياة بدون أسرار" يتطابق  مع العائلة النموذجية. على المواطن ألا يخفي شيئا أبدا عن الحزب أو الدولة، تماما مثل الطفل الذي يجب الا يحتفظ بسر عن أمه أو أبيه. تظهر المجتمعات الشمولية ابتسامة مثالية انها تريد أن تبدو مثل "عائلة واحدة كبيرة ".

غالبا ما يقال أن روايات كافكا تعبر عز رغبة جامحة للايمان بالجماعة والاتصال الانساني، أن للكائن غير المتجذر الذي هو ك. هدفا واحدا. تجاوز لعنة العزلة، ان ذلك ليس مجرد مقولة، أو تفسير مختزل فقط، انه تفسير مضاد، لم يكر المساح ك. باحثا عن الناس وحما ستهم، انه لا يحاول أن يصبح " رجلا بين الرجال " مثل "أوريست " سارتر، انه يريد القبول به ليس من جماعة بل من مؤسسة. لكي يصبح كذلك عليا أن يدفع الثمن غاليا: يجب أن يتخل عن عزلته. وهذا هو جحيمه انه ليس وحيدا أبدا، فالمساعدان اللذان أرسلا من القلعة يلاحقانه دوما. عندما مارس الحب للمرة الأولى مع فريدا، كان الرجلان هناك يجلسان على طاولة المقهى يعللان على العاشقين، ومنذ تلك اللحظة لم يغيبا عن سريرهما.

ليست لعنة العزلة بل "انتهاك العزلة " هو هاجس كافكا، أرعه. الجميه "كارل روسمان " باستمرار : انهم يبيعون ملابسه يأخذون صورة أبويه

الوحيدة، في مخدعه، قرب سريره، يتلاكمان ويسقطان فوقه بين الحين والأخر أجبره رجلان جلفان ؛ روبنسون، وديلا مارش ان ينتقل معهما والسمينة برويندا التي يخترق أنينها أذنيه أثناء نومه.

تبدأ قصة جوزيف ك. أيضا بانتهاك خصوصية : يأتي رجلان مجهولان لاعتقاله في سريره. ومنذ ذلك اليوم، لم يشعر بوحدته : المحكمة تتبعه تراقبه. تحادثه حياته الخاصة تختفي بشيئا فشيئا، تبتلعها المنظمة الغامضة التي تلاحقا.

ان الارواح الشاعرية التي تحب التبشير بالغاء الأسرار وشفافية الحياة الخاصة لا تدرك طبيعة العملية التي تطلقها. تشبه نقطة بداية الشمولية بداية "المحاكمة " ستعتقل وأنت غافل في سريرك.سيأتون اليك كما اعتاد أبوك وأمك أن يفعلا. يتساءل الناس غالبا ان كانت روايات كافكا اسقاطا لأكثر صراعات المؤلف الشخصية والخاصة، أم وصفا موضوعيا "للالة الاجتماعية ".

لا تقتصر اكافكاوية على الملكية الخاصة أو العامة انها تحتويها معا، العام هو مرآة الخاص والخاص يعكس العام.

(6) في حديثي عن الممارسات الاجتماعية الصغرى التي انتجت الكافكاوية لا أعني العائلة فقط بل المنظمة التي قضى فيها كافكا كل حياته المكتب.

غالبا ما ينظر الى ابطال كافكا على أنهم اسقاط مجازي للمثقف، لكن لا يوجد مثقف في غر يغور سامسا. عندما يستيقظ وقد تحول الى صر صار، كان له هم واحد، في هذا الحالة الجديدة، كيف يصل الى بالمكتب في الوقت المناسب. لم يكن في رأسه سوى الطاعة والنظام الذي تعود عليه في مهنته انه مستخدم، موظف. ككل شخصيات كافكا، موظف ليس بمعنى النموذج السوسيولوجي (كما في زرلا) بل كامكانية انسانية، طريقة ابتدائية للوجود.

في عالم الوظيفة البه روقراطي لا يوجد أولا، مبادرة، ولا ابتكار ولا حرية في الفعل هناك فقط أوامر وقواعد. انه عالم الطاعة. ثانية يقوم الموظف بجرء صغير  من النشاط الأداري الكبير ولا يعرف شيئا عن هدفه أو آفاقه : انه العالم الذي أصبحت فيه الافعال آلية ولا يعرف الناس معنى ما يفعلونه.

ثالثا : يتعامل الموظف فقط مع أشخاص مجهولين وملفات انه عالم التجريد.

ان وضع الرواية ن عالم الطاعة، والآلية. والتجريد، حيث المغامرة الانسانية الوحيدة هي الانتقال من مكتب الى آخر، يبدو على تضاد مع جوهر الشر الملحمي. من هنا السؤال كيف باستطاع كافكا تحويل هذه المادة الرمادية غير الشعرية الى روايات مذهلة ؟

نجد الجواب في رسالة كتبها الى ميلينا "المكتب ليس مؤسسة غبية، انه أقرب الى عالم الغرابة أكثر منه الى الغباء " تنطوي هذا الجملة على واحد من أكبر أسرار كافكا. لقد رأى ما لم يره غيره. فقط الأهمية الكبرى للظاهرة البيروقراطية بالنسبة للانسان ولشرطه، ولمستقبله،لكن أيضا (والأكثر ادهاشا) الشعرية الكامنة التي تنطوي عليها الطبيعة الشبحية للمكاتب.

لكن ما الذي يعنيه قول : المكتب أقرب الى عالم الغرابة ؟

يمكن لمهندسنا من براغ في أن يفهمه : قذف به خطأ في ملفه الى لندن، هكذا تجول في برا في كشبه حقيقي، بحثا عن جسده الضائع، في حين بدت له المكاتب التي زارها متاهة بلا حدود من ميثولوجيا مجهولة.

سمحت طبيعة الغرابة التي أدركها كافكا في العالم البيروقراطي بأن يفعل ما بدا سب التخيل من قبل : لقد حول مادة مضادة للشعر بعمق في مجتمع بيروقراطي الى شعر عظيم في الرواية، حول قصة عادية جدا لرجل لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة (التي هي ؤ الحقيقة قصة  "القلعة ") الى أسطورة، الى ملحمة، الى نوع من الجمال لم نر له مثيلا من قبل.

بتوسيع المكان البيروقراطي الى كون هائل الأبعاد، نجر كافكا بدون تعمد في فلق صورة أذهلتنا بشبهها بمجتمع لم يعرفه أبدا، والذي هو مجتمع براغ اليوم.

ان الدولة الشمولية في الواقع هي إدارة واحدة ضخمة. طالما أن كل العمل هو للدولة، فإن كل فرد من كل المهن أصبه مستخدما. العامل ليسر عاملا، القافي ليس قاضيا، والبائع ليس بائعا والكاهن ليسر كاهنا، انهم جميعا موظفو الدولة. "انني انتمي الى المحكمة " قال الكاهن لجوزيف ك. في الكاتدرائية عند كافكا، يخدم المحامون المحكمة لن يثير دهشة أي مواطن في براغ، إذ أنه لن يجد دفاعا شرعيا عنه أفضل مما وجد ك. فالمحامون لا يعملون لخدمة المتهمين بل في خدمة المحكمة.

(7) في مجموعة مكونة من 100 رباعية تبوح ببساطة شبه طفولية عن أخطر وأعقد الأعماق، كتب الشاعر التشيكي العظيم :

الشعراء لا يخترعون القصائد

القصيدة موجود في وراء ما

انها هناك.. منا زمن بعيد.. بعيد

لم يفعل الشاعر سوى أن اكتشفها.

تعني الكتابة بالنسبة للشاعر اذن تحطيم جدار يختفي وراءه في الظلام شيء ثابت (القصيدة ). لهذا (وبسبب هذا الكشف المفاجيء والمدهش ) فإن "القصيدة " تنفذ الينا بوصفها انبهارا. قرأت رواية " القلعة " للمرة الأولى عندما كنت في الرابعة عشرة ولن يسحرني الكتاب بهذا العمق هرة ثانية أبدا رغم الادراك الواسع الذي يحتويه (كل المضمون الكافكاوي) كان مبهما بالنسبة الى آنئذ : لقد كنت مبهورا.

فيما بعد تكيف نظري مع نور " القصيدة ". وبدأت برؤية تجربتي الشخصية المعاشة مع ما بهرني، ومه ذلك كان النوم باقيا هناك.

يقول جان سكاكل : انتظرتنا "القصيدة " غير قابلة للتغير "منذ زمن بعيد.. بعيد". لكن أليس عدم التغير في عالم متغير باستمرار هو محض وهم ؟ ( كل وضع هو من صنع الانسان ويحتوي على ما يحتوي عليه الانسان، مع ذلك ين أن نتخيل أن الرضع موجود (هو وجميع مضامينه الميتافيزيقية ) "منذ زمن بعيد.." بوصفه امكانية انسانية.

لكن في هذا الحالة ما الذي يمثله التاريخ (المتغير) بالنسبة للشاعر؟

قد يبدو غريبا، ان التاريخ في نظر الشاعر هو في موقف يشبا موقفه هو.

التاريخ لا يبتكر، انه يكتشف، يكشف التاريذ من خلال أوضاع جديدة، ماهية الانسان، ما هو فيه " منذ زمن بعيد.. بعيد" وما هي امكانياته.

إذا كانت "القصيدة " موجودة أصلا هناك، فمن غير المنطقي أن نضفي على الشاعر موهبة التنبؤ، ´لا، انه " يكتشف فقط " امكانية انسانية " القصيدة " موجودة هانك منذ زمن بعيد..بعيد) سيكتشف التاريخ عنها بدوره، ذات يوم.

لم يتنبأ كافكا. لقد راق فقط ما هو موجود "هناك ". لم يكن يعرف أن رؤيته كانت تنبؤا. لم يكن يفوق تعرية نظام اجتماعي ما. لقد سلط الضوء على ميكانزمات  عرفها من تجربة انسانية خاصة واجتماعية، دون أن يشك أن التطور اللاحق  سيضع هذه الميكانزمات في مجال الفعل على مسر التاريخ الكبير.

نظرة السلطة المنومة، البحث اليائس عن الجريمة، النفي والرعب من النفي، الا دانة بالامتثال، الطبيعة الشبحية للواقع والواقع  السحري للملف، الاغتصاب المستمر للحياة الخاصة. الذ كل هذا التجارب التي اجراها التاريخ على الأنسان في أنابيب اختباراته الخاصة، كان قد أجراها كافكا "قبل بذلك بسنوات " في رواياته.

سيبقى تقارب العالم الحقيقي للدول الشمولية مع " قصيدة " كافكا شيئا غريبا. وسيشهد دوما ان فعل الشاعر، في جوهره، لا يمكن التنبؤ به، تناقضي فالمضون  الاجتماعي والسياسي. " التنبؤي " الهائل لروايات كافكا يكمن على رجة الدقة في "عدم التزامها "، أعني بذلك في استقلاليتها الكاملة عن كل البرامج السياسية، والمفاهيم الايديولوجية والتكهنات المستقبلية.

في الواقع إذا " نذر "، الشاعر نفسه لخدمة الحقيقة المعروفة منذ البدء (والتي تقدم نفسها بنفسها وهي "أمامنا هناك " بدلا من البحث عن "القصيدة المختفية " في مكان ما، هناك،فإنه قد تخلى عن رسالة الشعر. ولا يهم أن تسمى الحقيقة المتصورة مقدما ثورة أو انشقاقا ايمانا أو الحادا، ان كانت أكثر عدالة أو أقل، ان الشاعر الذي يخدم أق حقيقة أخور غير التي يجب اكتشافها (والتي هي انبهار) هو شاعر مزيف.

إذا كنت أتمسك بتراث  كافكا بهذا الحماسة، وان كنت أدافع عنه كانه تراثي الشخصي، فليس لأني أعتقد بفائدة تقليد مالا يقلد (واعادة اكتشاف الكافكاوية )، لكن لأنه مثال رائع، "للاستقلالية الراديكالية " للرواية (للشعر الذي هو الرواية ). سمحت هذه الاستقلالية لفرانز كافكا أن يتحدث عد شرطنا الأنساني (كما ظهر في قرننا) بطريقة لا تستطيع أن فكرة اجتماعية أو سياسية أن تحدثنا بمثلها.

 
 
ترجمة: أمل منصور (مترجمة من الأردن)

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …