أخبار عاجلة

نازك الملائكة ناقدة – من زاوية التوصيل والتلقي

نحاول في هذه الدراسة أن نبين موقع تلقي العمل الشعري في الفكر النقدي لنازك الملائكة. فالدراسة بهذا المعنى تنضوي تحت باب (نقد النقد) إذ ستستمد مستنداتها، وتصل الى النتائج بمراجعة التلفظات النقدية، والفاعليات التطبيقية، والحجاج النظري لنازك الملائكة، في مستويي التوصيل والتلقي.

في المصطلح : التوصيل والتلقي

1 – 1

نقصد بالتوصيل هنا الجانب الفني من العملية الشعرية. فهو يشمل عناصر تخص النظم الشعري ذاته وتتعلق بآليات الكتابة الشعرية كالتقفية والصور البلاغية واختيار المفردات والإيقاع وما يتصل بالنص الشعري من حيث الأداء وتشكيل بنيته.

أما التلقي فهو الجانب الجمالي الذي يلي التوصيل. ويكون القاريء هو المعول عليه في إبراز عناصره، وتجسيده من خلال عملية التلقي والاستجابة التي يكون النص الشعري مناسبة ظهورها واشتغالها ولكن القاريء يعيد بها بناء النص، احتكاما الى ما تسمح به علاقاته المتعددة إيقاعا وتركيبا ودلالة، واستدعاء لما تغيبه ملفوظاته وتخفيه.

1 – 2

لقد جرى التركيز في النقد العربي التقليدي كثيرا على موقف التوصيل، ولم ينظر الى القاريء وقراءته، وما يلقيه ذاتيا على المقروء، إلا بكونه جزءا من استهلاك الي رتيب (1)،ينعدم فيه نشاط القراءة الخلاق ويتضاءل تفاعل القاريء مع النص.

فالتوصيل هو عماد الأطروحات النقدية السابقة على مرحلة التنور والتفاعل مع المنهجيات النقدية الحديثة وتياراتها المعرفية والتحليلية. وفي الغالب يرد ذكر القاريء جزءا من الجمهور الذي تتضح معالمه في مستويين :

الأول : ايديولوجي : يراعي وجود هذا (الجمهور) غير المتعين ذاتيا في أي عمل أدبي، كهدف تتجه اليه الأعمال لتبليغه رسالتها الفنية بعد أن تختلط بها فئات اجتماعية وإصلاحية وتربوية..

والثاني : يجعل هذا (الجمهور) حكما على الأعمال الأدبية يقرر جدواها وفنيتها طبقا لاقترابها منه (أو ابتعادها) عنه ؛ودرجة الفهم والاستيعاب التي تتيحها هذه الأعمال.

الحمهور والقاويء

لقد نظرت الشاعرة الناقدة نازك الملائكة الى النقد بكونه نشاطا مستقلا، وحاولت أن تجد له معايير لغوية وفنية واجتماعية لكنها نظرت الى الجمهور نظرا اتصاليا في جل كتاباتها، فها هي تبحث في كتابها النقدي الرائد (قضايا الشعر المعاصر) في (الشعر الحر والجمهور) (2) وتشخص مقاومه الجمهور العربي لحركة الشعر (الحر) مما نتج عنه رفض الجمهور "لأنه لا يتقبل الشعر الجديد" و"لا يحاول فهمه"، وراحت الشاعرة الناقدة تستقصي أسباب هذا الموقف الرافض فوجدت أن جزءا منه سببه (التأخر) في ثقافة الجمهور ووعيه الشعري والأدبي وذوقه قياسا الى شعراء الشباب.

أما الجزء الاخر فإنه وجيه ومحق لسبب ما (3). وفي الحالين لا ترى نازك مبررا في التهجم على الجمهور لأن تأخره يستوجب منا أن نعلمه، أما مقاومته للشعر الحر فهي ترجعه الى ثلاثة عوامل:

1- ما يتصل بطبيعة الشعر الحر واختلافها عن طبيعة أسلوب الشطرين.

2- ما ينشأ من ظروف الشعر العربي في الفترة التي ولد فيها الشعر الحر.

3 – ما يعود الى اهمال الشعراء وعدم عنايتهم بتهذيب لغتهم وضعف أسماعهم الموسيقية وقلة معرفتهم بالشعر العربي.

والملاحظ في هذا التعليل طغيان الجانب التوصيلي (الفني) من جهة، واختلاط المتلقي بالمفهوم العام للجمهور الذي لا نتبين له سمات محددة. لقد أفلحت نازك في النوع الأول من العوامل في أن تمس ما يعرف اليوم بأفق الانتظار أو أفق توقعات القاريء (4). فهو ينتظر عند قراءة نص شعري أن يتطابق ما يقرأ مع ما يعرفه على مستوى النوع الشعري الذي قرأه وتكونت خبرته وذائقته على أساسه.

ولما كان شعر الشطرين قد أرسى مزايد جمالية لدى المتلقي تتلخص في استقرار وحدة البيت، وتساوي شطريه إيقاعيا وقيامه على القافية كوحدة موسيقية تنتظم القصيدة، فإن ما يرده من تبدلات محسوسة في كتابة (الشعر الحر) لا تجعله متلائما مع هذا الشعر الجديد..

تضاف الى ذلك العوامل التي أرجعتها نازك الى الشعراء أنفسهم وما شخصته فيهم من (إهمال ) و(عدم عناية ) و(قلة معرفة ) باللغة والايقاع والموروث الشعري. وهو جانب توصيلي أيضا، وجدت نازك أن سبب الوقوع فيه انما يكمن في الترجمات الشعرية عن الأجنبية وشيوع قصيدة النثر وفي الحالين ينخذل توقع القاريء لأن ما يراه ويقرأه على أنه شعر، يخالف في ترتيبه وبنائه وتركيبه، ما ألفه واعتاد عليه، وصار جزءا من ذخيرته التي يقرأ بها الشعر.

2-2

ولكن نازك بدل أن تتفحص قراءة (أفراد) هذا الجمهور، تعامله على أنه كتلة واحدة، تختزن ذخيرة القراءة وتبدلات الحساسية الشعرية معا. وذلك يجعلها ترجع فهمه السيء لنظام الشعر الحر الى ما يكتبه الأدباء المناهضون لهذا الشعر الذين زعموا أنه نثر، جهلا بنظام التفعيلة الذي يقوم عليه. فهي تجد لهذا الجمهور عذرا ولا تنتظر أن يتطور مفهومه الشعري على المستوى التقبلي جراء زحزحة أسلوبية كبيرة يقترحها الشعر الحر ذاته.

بمعنى أن الجمهور محق في تبين الخلل الذي أحدثه الشعر الحر في نظام شعر الشطرين. لكنه مخفق في تشخيصها من حيث دوافعها ونياتها.

2-3

كما نلاحظ أن نازك لا تستخدم مفردة القاريء إلا بشكل مرادف للجمهور بمحموله الايديولوجي والاجتماعي. فهذا (الجمهور) لا يفهم الشعر الحر ولا يتقبل نظامه الجديد، كما أن الشعراء أنفسهم لا يضعون له حسابا وهم يكتبون. وذلك واضح في مناقشتها لموضوع الغموض وتأدية المعنى كما سنرى لاحقا.

عند هذا الحد نكون قد تعرفنا على صورة عامة للجمهور الشعري كما ترده نازك وهي في موقف التوصيل تتخذ جانب هذا الجمهور الذي وجدت في رفضه للشعر الحر دليلا على "التماسك والأصالة في شخصية الأمة التي ترفض أن تنهار بإزاء كل فكرة جديدة" (5) كما أنه على المستوى البايولوجي تحفظ يؤدي الى تعزيز الدفاع عن النفس.

إن نظام الشعر الحر كما تفهمه نازك وبحدود الحرية المتاحة في ظنها: أسلوب مكمل لشعر الشطرين فيه استرسال وانطلاق، (6)، وهو لا يفارق نظام شعر الشطرين إلا في توزيع عدد التفعيلات توزيعا مرنا مقبولا؟ وتنويع القافية دون التخلي عنها أو مباعدتها؛ لذا لا ترى في رفض الجمهور للشعر الحر إلا سوء فهم، يمكن أن يبدده الوعي بنظام الشعر الحر ومعرفته، وقبل ذلك كله التزام الشعراء بدورهم في الحفاظ على اللغة والإيقاع والتفعيلة.

2 – 4

ولهذا وجدت نازك أن سوء الفهم يكمن في طرائق الشعراء وأساليبهم وذكرت من هذه الطرائق جملة أمور من بينها.

1- قصيدة النثر. 2- الشعر المترجم. 3- سوء استخدام التفعيلة. 4- إهمال القافية 5- التدوير. 6- عدم العناية باللغة. 7- الغموض.

وبهذا كان التوصيل سببا في رفض الجمهور للشعر الحر. لأن الأعذار التي وجدتها للجمهور تكمن كلها في طبيعة الكتابة الشعرية كما مارسها الشعراء المجددون، وإيغالهم في مفارقة النموذج الذي ترده للشعر الحر.

وهنا ينشأ اعتراض على إجراءات الناقدة، لأنها توظف الجمهور مفهوما للثبات في أفق التلقي، متناسية أن هذا (الجمهور) تكون بفعل تراكم أفراد النوع الشعري واستحكام قوانين النظم والخبرة المتوارثة. وهي أمور يمكن تعديلها بالمزيد من النصوص الجديدة التي تحاول أن تخلق قواعدها وتقاليدها فيتلقفها (الجمهور) من بعد.

فالشعر المترجم الذي ترى أن نماذجه نقلت الى العربية مكتوبة بأسلوب الشطر الشعري، ساهم في إرشاد القاريء الى (وجود) الشعر خارج النظام التقليدي الذي يعرفه. وعلى العكس فقد كان ذلك تمهيدا لتقبل الشعر العربي نفسه، مكتوبا خلاف الشكل المعهود.

والاعتراض الآخر الذي عدته نازك مبررا لرفض الجمهور للشعر الحر هو كتابة (قصيدة النثر) فكان ذلك في رأيها سببا في الخلط بينها وبين الشعر الحر. وذلك ما دعاها الى إيراد ثلاثة نماذج : من الشعر المترجم، وقصيدة النثر، والشعر الحر لتؤكد عبر تشابه نظامها الكتائبي (توزيع الأشطر) بأن القاريء محق في ذلك الخلط وسوء الفهم.

2 – 5

عند هذه النقطة يمكننا استجلاء صورة (القاريء) لدى نازك، إنه ليس ذاتا مشاركة فاعلة تستخلص النظام الخاص للنص بل مجرد فرد في جماعة (هي الجمهور) يبحث عن الشكل المألوف، ويقرأ النصوص لكونها تعزيزا للنظام النوعي الذي يرسخ في ذائقته وتكونت حساسيته على أساسه، وإذا ما جاء ذكر هذا القاريء، فإنما ليعبر عن فعل القراءة الآلي لا الفعال بمعنى أنه المسح البصري (أو السمعي) للنص، تأكيدا لقناعات الناقدة حول أسباب سوء الفهم إزاء الشعر الحر والمتكونة أساسا في رأيها بسبب طبيعة الشعر الحر التي تخالف مألوف الشعراء في شعر الشطرين.

3 – موقف المشافهة والتلقي السمي

ينقلنا النظر الى القاريء والجمهور في فكر نازك النقدي الى وضوح موقف المشافهة والسمع إرسالأ واستقبالا.

فالأزمة بين الشعر الحر وجمهوره كامنة في الصدمة التي تلقتها الأذن العربية المدربة على شعر الشطرين. وما ساقته نازك من طرائق وأساليب رأت أنها كرست سوء الفهم واجملناها آنفا (2- 4) لا تعدو موقف المشافهة والسمع. فالاعتراض الملائكي ينصب على تطويل التفعيلات المؤدي الى طول الأبيات أو تدويرها وعلى نسيان القافية أو مباعدتها، وعلى كتابة النثر بشكل شطري كالشعر، أو كتابة الشعر الموزون منثورا حسب مهناه لا موسيقاه.

3 – 1

والملاحظ على الاعتراضات الآنفة، انطلاقها من الاعتقاد بأن الشعر يكتب ليلقى شفاها، ويتلقاه المتلقون سماعا. ولذلك كررت نازك الاشتراطات التي وضعها العرب للبيت الشعري، حين كان مقام التوصيل شفاهيا، ينبني عليه اتصال أو تلق سمعي، مما يتطلب تقنيات خاصة لها مهمات تثبيتية، كالقافية الموحدة، وعدد التفعيلات الثابت، وتساوي الشطرين، وكذلك استقلال البيت داخل حدوده معنى ومبنى ليسهل تلقيه، مع شروط بلاغية أخرى تتعلق بالألفاظ وفق نطقها كالقرابة والوعورة وتنافر الحروف مما يخل بفصاحة المفردات (أو فصاحة الكلام ) عند بثه شفاهيا.

3 – 2

لكن تبدلات قنوات التوصيل، والانتقال الى الكتابة ثم الى الطباعة استلزم تبدلات مماثلة. فلم يعد للاحرف مثلا ذلك الوصف البلاغي المحتكم الى أصواتها بل الى أشكالها في الطباعة. إن للطباعة تأثيرات مباشرة. "على النظام العقلي.. فقد أزاحت الطباعة في النهاية الفن القديم للبلاغة القائمة على الشفافية.. وفنون الذاكرة التي يحتاج اليها التناول الشفاهي للمعرفة" (7) فالمستمع الذي كان يتخيله الشاعر حقيقيا، أصبح في النص الشعري بعد الكتابه قارئا يفترض المؤلفون وجوده افتراضا(8) مما حرر النص من أن يظل مناسبة للالقاء الشفاهي، وأثر كذلك في الفن الشعري ذاتا حيث تباين طول الأبيات، وتعددت أنظمة تقنيتها، ومازجها النثر، وتفنن الشعراء في استثمار الطباعة لتعميق الدلالات والأشكال.

3 – 3

لكن نازك ظلت على اعتقاد راسخ بالتوصيل الشفاهي للشعر، وطالبت الشعراء بمطالب فنية، ما هي إلا بقايا للذا كرة الشفافية. وهذا واضح في رفضها للتدوير في الشعر. فالقصيدة المدورة قي رأيها تتعب السمع (9) وتجعل التنفس صعبا لان الوقفات معدومه (10) كما ان تواتر التفعيلات الكثيرة مستحيل لأنه يتعارض مع التنفس عند الإلقاء (ا ا). وحتى الشعر الحر يعانى عندها من آفة التدفق الذي ترى أنه يجعل المرء يحس عند القراءة وكأنه يجري في معترك لاهث لا راحه فيه (12).

بهذا الشكل تعترض نازك على الطبيعة التدفقية للشعر الحر، وعلى القصيدة المدورة، واعتراضاتها كما رأينا تستجيب لوظيفة شفاهية يؤديها النص ؛ وإلا فمن أوجب على الشاعر أن يراعي التنفس أو السمع عند كتابة قصيدته وهو لم يكتبها لتلقى بل لتقرأ مكتوبة أو مطبوعة.

ويقابل الإرسال الشفاهي عند نازك، التلقي السمعي. وهنا تدخل الناقدة الى منطقة التقبل والاستجابة ولكن بنقل المزايا الشفافية ذاتها. فهي تفترض المتلقي مستمعا، وأن وسيلة اتصاله بالنص هي أذنه أو حاسة سمعه التي وضعت لها نازك تاريخا تقبليا قائما على القبول أو الرفض للظواهر الإيقاعية.

فالأذن عندها هي واسطة التقبل. حتى والناقدة تشن ثورة مبكرة على نظام الخليل العروضي فهي لا تحتكم إلا الى الأذن، فتقول في مقدمة (شظايا ورماد). "ثم إن هنالك سببا آخر هاما يستدعي هذا الاستبعاد للالفاظ التي كثر استعمالها، هو أن الأذن البشرية تمل الصور المألوفة والأصوات التي تتكرر وتستطيع أن تجردها من كثير من معانيها وحياتها" (13).

إن الأذن هنا، ذات دور تقبلي تحتكم اليها الشاعرة وهي تدعو الى ثورة على مستوى القاموس الشعري، والصور في القصيدة أما حين تنتقل الى الاعتراض على الشعر الحر، فسنراها تشدد على دور الأذن وحاسة السمع. فالقصيدة المدورة مرفوضة لأن السمع يأباها فضلا عن الاعتراض على صعوبة إلقائها.

إن الترادف السريع في القصيدة المدورة يبعث على الملل والرتابة ويتعب السمع الذي لا يستسيغه ويضايق الحس الجمالي للقاريء (14) وتلك المبررات لا تعكس إلا وعي نازك بنمط من الشعر يكتبه الشعراء للالقاء أو يلبي حاجات الاستماع اليه والتلذذ بجرس كلماته.

إن نازك كما حدثتنا عن (جمهور) عام متخيل هو ظل اجتماعي لدور الشعر كما ترده، سوف تحدثنا عن الأذن العربية وقوانينها بشكل عام أيضا.. فالآذن العربية كما تقول، تنفر بطبعها من أن ترد تشكيلتان في القصيدة الواحدة. وتجزم بأن الشعر الحر ليس خروجا على قوانين الأذن العربية، والنغم الذي تقبله كما تحدثنا عن (سمع شعري) يكتسبه المرء ليدرك التنافر بين التشكيلات المختلطه (15).

نخلص من هذا الى أن نازك استكملت موقف المشافهة والتوصيل الشفاهي وما يتطلب من قوانين وحالات، بأن وضعت بمقابله موقف التلقي السمعي الذي تكون فيه الأذن وسيلة استقبال تفرض جمالياتها على صلة المتلقي بالنص، وبذلك تهمل المزايد البصرية التي وهبتها الكتابة والطباعة.

وتتسم نظرة الناقدة الى القافية برؤية شفافية. فالقافية عندها تؤدي دورا تنبيهيا لذا تصف رنينها بأنه "رنين يلفت السمع اليه"(16) كما انها "جرس يدق" لنعلم مقطعا او عبارة قد انتهت وهي وسيلة أمان واستقرار لمن يقرأ القصيدة، وقد تهزه شعوريا هزا عنيفا بما فيها من سحر وأصداء ذات وقع كالمغناطيس أو التيار الكهربائي، بل هي ذات أثر سايكولوجى يرتبط بما تسميه الناقدة "سايكولوجيه القصيدة" (17). وإذا ما استثنينا الجانب السايكولوجي غير الواضح في أطروحة نازك الإيقاعية، واقتصاره على الدلالات والمعاني كالقوة والوضوح والصلابة، فإننا نجد حديث نازك عن القافية يتركز في جانبها الشفاهي فنيا، والسمعي تلقيا جماليا. وذلك يؤكد ما يرده المنظرون بصدد دور القافية في الشعر الشفاهي وكونها أداة إيقاعية تثبيتية أو تذكرية تحدد بشكل واضح نهاية البيت المنفصل عن سواه (18).

لقد عارضت نازك إطلاق القوافي دون نسق خاص. ورفضت الشعر المرسل لأنها ترى التقفية ضرورية للشعر ذي الشطرين. أما الشعر الحر فلا تريد له قوافي سائبة – كما تصطلح على القصائد التي تهمل التقفية. فهي ترى ان للقافية سحرا قد يوقع غيابه القصيدة في الهزيمة واليأس والسقوط والانهيار بل ربما رمت نازك شعراء القصيدة المدورة بالتعبير عن إحساسهم بالذل السياسي أمام اسرائيل وامريكا وعن شعورهم بالقهر والكبت والإنكسار والافتقار الى العزيمة والصمود (19). ذلك ان موت القاقيه عندها ليس إلا خفوتا وانطفاء لموسيقى القصيدة. التي تراها معبرة عن عزيمة الشاعر "صلابته» إننا نعود بذلك الى المقاييس البلاغية التي أراد البلاغيون العرب تطبيقها على الشعر المنظوم شفافيا رغم أنه في موقف المشابهة يعتمد شأن الشعر الشفاهي على القوالب الصياغية في طريقته الفنية وليس الى قوانين بلاغية متعلمة أو مستمدة من قواعد البلاغيين اليونانيين (20).

6 – 5

لقد كانت القافية أمانا واستقرارا يسبب غيابها أو انتظارها الطويل دوارا أو كابوسا، كما حصل لنازك وهي تقرأ الشعر المدور، وذلك في ظني من بقايا الامتثال شفاهيا أو الاتصال سمعيا بالقصيدة. فالعين تستثير عادة هيئات صورية للكلمات وتستدعي دلالات وارتباطات معنوية لا يمكن للأذن أن تستدعيها.

وفي مجال الوزن الشعري وهو عماد الموسيقى التقليدية في الشعر نجد نازك تحافظ على رؤيتها الشفاهية. فهي كما نعرف لا تعد الشعر الحر إهمالا للوزن بشكل مطلق، بل تعده تعديلا لعدد التفعيلات وهي تنتقي البحور الصافية التفعيلة فقط لكتابة الشعر الحر. أما البحور الممزوجة المؤلفة من تكرار تفعيلتين فيتعذر على رأي نازك إقامة شعر حر منها. "لأن ذلك يبدو لاهثا متعبا بحيث تعسر قراءته ويخلو من ليونة الموسيقي" (21) كما تقول – فضلا عن عدم استساغة الأذن العربية لايراد تشكيلتين مختلفتين في بيت واحد. وفي هذين الحكمين تستجيب الناقدة لرؤيتها الشفافية لأنها تتخيل جمهورا مستمعا وشاعرا منشدا ثم تشتق هذه الأحكام الذوقية.

لقد جرب شعراء كثيرون كتابة قصائد حرة الوزن على بحور مختلطة التفعيلة وكان استثمارهم لايقاعها موفقا في توصيل الحاله الشعريه (22). فلماذا القطع بتعذر النظم الحر على هذه البحور؟

إن نازك تتخيل – لشدة رهافتها وحسها الشاعري – أن التفعيلات قد تقع موقعا ثقيلا في السمع أو شنيعا، وربما تصفه بأنه قبيح الوقع أو عسير على السمع (23). وما ذلك إلا لأنها تبحث في الوزن عن إيقاعات موسيقية عالية، تصل الى الاسماع دون محتوى شعري، ما دامت قد تحققت فيها المزايد العروضية التي تتخيلها نازك للقصيدة النموذج. ولهذا ترفض نازك أي بحث عن الشعر خارج الوزن، وترى أن كتابة قصيدة النثر بشكل شطري يسيء الى الشعر الحر ويختلط به. كما أن الشعر المترجم، لخلوه من الوزن، لا يستحق برأي نازك أن يكتب شطريا. ولكن تشددها هذا يخف حين تناقش الجانب العروضي في المسرح الشعري، فتقول بصدد (مصرع كليو باترا) لأحمد شوقي" إن الشاعر لم يلتزم فيها وزنا واحدا لأن موسيقيته العالية تجعله رتيبا في مسرحية، يستغرق تمثيلها ثلاث ساعات على الأقل.. ولشعور المشاهد والقاريء بالملل، لأن قوة النغم في هذه الأوزان تسيطر على المعاني وتحبسها" (24) وهذه المرونة في تغيير الأوزان داخل المسرحية الشعرية، يقابلها تشدد في تطوير عدد تفعيلات البيت الواحد في الشعر الحر، أو استخدام تفعيلتين لبحر ممزوج، أو الاستعاضة عن موسيقى التفعيلة بإيقاع داخلي يهبه النظم الشعري الخاص كما في قصيدة النثر وما ذلك في ظني إلا ترجمة لهيمنة الرؤية الشفافية ووجهة النظر المتمثلة بفهم الشعر بكونه موسيقى وأداء. وهو ما تعاني منه نظرة الشاعرة الناقدة الى الفن الشعري حتى لتربط الأوزان أحيانا بالشعور أو الحالة النفسية، دون أن يقوم دليل ثابت على إطراد التفسير النفسي الذي يربط الحالة الشعورية بالبحر واختيار تفعيلة محددة لحالة خاصة أو غرض أو موضوع محددين.
4 – الغموض وتأدية المعنى

بدأت نازك ثورتها التجديدية بالمقدمة النظرية المهمة التي تصدرت ديوانها (شظايا ورماد). واعتقد أن العودة الى هذه المقدمة، رغم تراجع الشاعرة عن أطروحاتها كلها، ذات نفع دائما، لأنها تمنحنا ما كانت النيات التجديدية تريده وترغب فيه، قبل أن تتعدل أو تتراجع وتخفت.. فكأن الأمر متعلق بذاتيتين مختلفتين هما ذات الشاعرة الطموح، وذات الواقعية.

4 – 1

وفي هذا الصدد نقرأ رأيها في الغموض إذ تدافع عما تسميه "القوة الإيمائية" للألفاظ كما اعتمدتها المدارس الرمزية والسريالية التى اكتنزت أثقالا من الرموز والأحلام الباطنية والخلجات الغامضه واتجاهات اللاشعور (25) لقد ربطت نازك بين النفس البشرية "المغلفة بألف ستر" وغير الواضحة كما تقول، وبين الشعر المعبر عن هذه النفس، فكان الشعر تعبيرا رمزيا في رأيها بأساليب ملتوية عن النفس وتحدثنا هنا عن عوالم بعيدة يستغورها الشعر،تحدثنا عن ذكريات منطمسة راكدة في أعماق العقل الباطن منذ زمن، وصور عابرة منسية يتلقفها العقل الباطن ويكنزها.. ويغلق عليها الباب.. حتى إذا آنس غفلة هن العقل الواعى، أطلقها صورا غامضة، لا لون لها ولا شكل (26). ولأجل رمزية الشعر وتعبيريته معا، تشبهه نازك بالأحلام وما يجري خلالها من استذكارات واستدعاءات لا تخلو من (إبهام) هو جزء من الحياة البشرية.

4 – 2

وإذا كان هذا هو رأيها في ظاهرة الغموض والرمزية الشعرية التعبيرية في مستهل حياتها الشعرية (1949)، وإذا كانت تبرر حتى الهذيان الداخلي والشرود فإنها ستظل ترهنه بموقف التوصيل، مشيرة دون تصريح الى وجوب تقبله من القاريء وفق تلك المحركات والدوافع اللاشعورية. لكنها بعد حين ستبدأ بالتحفظ على (كمية) الغموض ودرجته ومنطلقاته، فهي تحذر الشاعر العربي الناشيء من "تكلف الغموض" (27). والإغراب، واحتياج الشعر الى شرح كي يفهمه القاريء. هذا (الغموض المصطنع) فنقول عن الغربيين الذين استشهدت بهم هي نفسها، من قبل في هذا المجال. كما أنها تربط الغموض بالمعنى! إذ لابد من إنارة أغوار النفس وعرض جوانبها. واضفاء المعنى على ما يبدو للعين غير ذي معنى. بل تصبح مهمة (الشاعر العظيم) هي فك عقد المبهم، وإعانة القاريء على تحسس المعاني الخفية والدلالات التي تختفي وراء المظاهر الغامضة في الحياة والطبيعة. لقد صار للإبهام نص يحدده في رؤية نازك فهي تحدثنا الآن عن الإبهام الجميل (الرائع) بمقابل التعقيد المصطنع الذي يسببه ضعف الموضوع وفوضى الصور، وركاكة الربط وقلة المحصول اللغوي.

4 – 3

هكذا يختلط موقف التوصيل بالتلقي. فلابد للشاعر من (إنارة) أولية للغموض، ثم لابد من مساعدة على مستوى التلقي، كي يفهم القاريء المعاني أو دلالات النص. فهي تسخر من القائلين بأن الشعر الذي لا نفهم منه شيئا إنما هو شعر عميق !

إن الشعر في رأي نازك لابد له من "مسحة من الغموض" على مستوى التوصيل مما يظهر أثره في المتلقى. إذ أن هذه (المسحه) تجعل المعاني مثيرة للتعطش في نفس القاريء (28) وهنا تضع يدها على نقطة مهمة في تلقي الشعر، إذ لابد من هذا الشعور بالتعطش، لبذل جهد مواز لجهد الشاعر، كي ندرك مرامي النص وأهدافه، ونتعرف على أسراره. لكن نازك سرعان ما تهمل هذه الإلماحة التقبلية الذكية، لتعود الى موضع التوصيل، فتحاكم نيات الشعراء الشبان لأنهم "يبالغون مبالغة شديدة في إضفاء الغموض على شعرهم حتى أصبح القراء المثقفون يشكون أنهم يقرأون قصائد كاملة لا يدركون لها معنى" متناسية استهانتها هي ذاتها (بالموضوع) وحديثها عن أغوار النفس، ومناطقها المعتمة المنسية التي تظهر في الشعر كما في الأحلام.

4- 4

إن ضعف الجانب التقبلي في تحليل ظاهرة الغموض وتحفظ نازك على مظاهرها الفنية ينسحب الى المناداة بالمعنى والفهم كعمليتين إدراكيتين حقيقيتين على مستوى الفن الشعري الذي نعلم أنه يحيل الأشياء والانفعالات الى ما يعادلها فنيا، عبر ترميز ينفرد به الشعر، لأنه لا يقدم الوقائع بما يماثلها خارج الشعر. ويصبح موقف الناقدة متأخرا حتى عن موقف النقاد القدامى كعبدالقاهر وابن الأثير الذي تستشهد نازك بما نقله عن الصابي من أن أفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه.

إن دور القاريء يضمحل على مستوى التلقي، لأنه لا يقوم بفعل تشاركي لخلق المعاني وتحليل أبنية النصوص ومعاناة قراءتها وفق ما يتطلبه عقد (أو ميثاق) القراءة المتواطأ عليه بين النص وقارئه.

ولقد انتبهت نازك نفسها الى هذه الشراكة كشرط لفهم الشعر وتحليله حين دعت الى قراءة ابن الفارض واستجلاء ما فيه من رموز بقراءة البيت الواحد عدة مرات قبل أن ننفذ الى معناه الذي يتغير ويكتسب ألوانا وأعماقا كلما تأملناه (29) وهي بذلك تشير الى المعنى الأول القريب للشعر الصوفي ضمن القراءة المباشرة التي تحلل الألفاظ والصور وفق مدلولاتها المباشرة في القاموس الغزلي، والمعنى الأعمق البعيد الذي يتكشف عن أفكار ورموز مذهلة.

وأظن أن مقياس (الغموض) لدى نازك ظل فنيا يخص المرسل ورسالته أي الشاعر ونصه. بينما أهملت دور المتلقي في فك أسرار هذا الغموض الذي نرى أنه كامن في طرائق القراءة ذاتها.

أما (المعنى) فالشاعرة تتحدث عنه في مستويين : واحد واقعي، مباشر يرتبط بالفهم والتعبير عن شيمة واضحة أو موضوع محدد. وأخر رمزي بشرت به في مطلع حياتها الشعرية، ثم أنكرته على الشعراء حين رأت أنهم أسرفوا فيه. ثم عادت أخيرا، وبعد تحولاتها الاعتقادية الى الدعوة اليه شرط أن يسهم القاريء في الكشف عنه لأنه يمثل السطح الثاني البعيد كما في النص الصوفي (والفارضي خاصة).

5- التذوق الجمالي والأسلوب

5 – 1

اهتمت نازك بهذا المحور ضمن اهتماماتها بالتوصيل،فرأت أن الذوق عنصر مهم في مكونات الشاعر على مستوى اللغة واختيار المفردات يقابله على المستوى الجمالي (التقبلي) ما تسميه التذوق. وهو يتصل بالقاريء الذي يجد متعة جمالية في الشعر إضافة الى الفائدة.

لقد تقدم منظور نازك النقدي على معاصريها كثيرا حين نبهت صراحه الى ان الموضوع "اتفه عناصر القصيدة" ( 30) وان الهيكل (الذي تعني به الأسلوب الذي يختاره الشاعر لعرض الموضوع) هو أهم عناصر القصيدة. فالقصيدة عندها (ليست موضوعا وحسب، وإنما هي موضوع مبني في هيكل) (31).

5 – 2

وهذه الإشارة ذات أهمية كبيرة تبني عليها الشاعرة تفصيلات دقيقة تخص الهياكل المقترحة لوصف القصيدة العربية.

فهي ترى بدءا أن عالم القصيدة خاص، منفصل عن عالم الشاعر. وهذا يرتب أن يكون لها كيانها الخاص المنعزل عن المبدع، ويرتبط على مستوى التلقي قراءة تفصل بين النص ومبدعه،أو بين عالم القصيدة وعالم الشاعر.

5 – 3

كما يرتب كذلك الفصل بين الموضوع والبناء الهيكلي، فيكون الذوق على مستوى التوصيل مركزا في (اختيار) الموضوع وبنائه بينما يتحدد دور القاريء على مستوى التلقي في "تذوق" هذا الهيكل المبنى في النص. وذلك لا يتحقق بالتحليل الجزئي وتفتيت النص الى أبيات وجزئيات بل عبر معاينة أسلوبية منهجية في تقييم القصيدة.

إن التذوق النقدي الخاطيء لا يقدم إلا مهارات أسلوبية عارضة أو إنشائية رثة لا تساعد في إضاءة النصوص واستجلاء أسرارها. فالأسلوب النقدي الإنشائي في رأي نازك لا يمس القصيدة إلا مسا خفيفا بينما يمتثل لإغراء الإنشاء بالألفاظ والتعابير وتقديم مقالات منمقه (22) ترى نازك أنها لا تمثل فعل النقد الحقيقي.

كما أن الانغماس بالتفاصيل عن حياة الشاعر أو كتابة المقدمات التاريخية المتعلقة بموضوع الشعر، تبعد النقد عن هدفه، ويماثل ذلك في الخطورة، ما يأتي به القراء والنقاد من آراء سابقة، في القصائد. فهم يعطلون (حاسة التذوق) و(قابلية الحكم) النقدي.

5 – 4

إن تأكيد نازك على المتعة الجمالية في الشعر بمقابل الفائدة التي يقدمها يرتب نتائج خطيرة، تضع الناقدة في مصاف النقاد النصيين المتقدمين على وعي عصرهم. فمن هذه النتائج.

أولا: الفصل بين عالم القصيدة وعالم الشاعر. ثانيا: الفصل بين الموضوع والبناء الهيكلي للقصيدة. ثالثا: نبذ الأسلوب النقدي الإنشائي المزخرف رابعا: نبذ الآراء والأحكام السابقة. خامسا: التحذير من الاتجاه التاريخي سواء اتصل التاريخ بالمبدع أو بالموضوع. سادسا: الالتفات الى المتعة الجمالية المستخلصة من كتابة الشعر وقراءته الى جانب الفائدة.

6- القراءة وموجهاتها
6-1

قلنا إن نازك ترى في النقد نشاطا مستقلا (تراجع الفقرة 2 أعلاه). ولهذا لا نراها تعترض على (أو تتدخل في) القراءات المقدمة لشعرها. بل تصرح بأنها لم تشتبك مع باحث أو دارس إيمانا منها بحرية النقد وحق الناقد في أن يرى ما يرى في شعرها (33). لكنها تخالف ذلك مرة واحدة، فتتحول الى ناقدة لشعرها فتناقش الأستاذ عبدالجبار داود البصري فيما أبداه حول قصيدتها (أغنية لطفلي ). وتؤكد بدءا بأنها "تقف من القصيدة المفقودة موقف الناظر من الخارج لا موقف الشاعرة التي نظمتها» وتعاملها كما لو كانت قصيدة شاعر غيرها.

6-2

ويستطيع دارس أخر أن يحلل تلفظاتها وتحليلاتها لكونها تنضوي تحت نقد الشعراء أو نشاط الشعراء نقادا. لكنني أريد هنا أن أتعرف على معاييرها في القراءة النقدية على المستوى التحليلي لأنها قدمت آليات وإجراءات ذات أهمية في بلورة مفهومها للقراءة النقدية. وهذه المنطلقات التحليلية ترتكز على أسس من رؤيتها المنهجية التي أجملناها في (5- 4) أعلاه.

6-3

وأهم هذه المنطلقات رفضها للتجزيئية في التحليل فهي تعترض على قيام الناقد البصري بتحليل مقطع واحد من مقاطع قصيدتها الثلاث. واذا كانت تجاريه في تحليل المقطع نفسه ولا تتعداه الى المقطعين الباقيين، فإنها تشير ضمنا الى ما يعتري تجربة النقد التحليلي من نقص بسبب ذلك فالقراءة إذن يجب أن تنصب على النص كاملا.

6-4

كما نستخلص من تجربتها النقدية التحليلية هذه، أنها – كما فصلت بين عالم القصيدة وعالم منشئها – تطالب الشاعر بأن يقرأ قصيدته كما يقرأ قصائد غيره، أو كما يقرأ سواه قصيدته، كما نود نحن أن يحصل، فاصلة بين الشاعر كاتبا لنصه، وقارئا له.

وهذا الفصل يتعدى المطلب الأخلاقي بالحياد والموضوعية الى القول جماليا بأن الشاعر ينفصل عن نصه بعد الفراغ منه، ويصبح كل ما قاله فيه عرضة للقراءة والتحليل دون إقحام.

6-5

تلتفت الشاعرة الى (السياق) الذي وصفته في نصها بأنه "سياق عاطفي" يترتب عليه إبعاد السياقات الأخرى التي لا تقبل التأويلات والتفسيرات ردا على ما ذهب اليه البصري من تجريد مقدمات أو فرضيات في المقطع المحلل. كما تلتفت ضمن دائرة أو محور لغة القصيدة الى أن في النص خيالات يرفضها العقل "وإنما نتقبلها بحاسة  جماليه  فطريه  كامنه  فينا" (34)  وذلك أمر يتعلق بالسياق العاطفي للشعر ويمكن أن ندعوه لا للسياق الخيالي ونفترض أنه يولد أنساقا من الصور أو التعبيرات.

6-6

على عتبة الدخول الى النص لابد من إجراءات تستجيب لموجهات القراءة التي وضعها الشاعر ضمن بناء هيكل قصيدته. وليس من الطبيعي اجتيازها دون مراعاة أثرها في تلقي النص وقراءته.

وأول ما تنبهنا اليه هو العنوان الذي لم يلتفت اليه البصري مكون من كلمتين (أغنية) و(لطفلي) وذلك يخط للناقد الطريق نحو فهم النص.

لقد أكدت المناهج النقدية الحديثة على أهمية (العنوان) كموجه لقراءة النص. بل اعتبرته نصا موازيا. فهو يجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأولية الأساسية للعمل، كما يشبهه بورخيس بالبهو الذي ندلف منه الى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف المتخيل والحقيقي (35).

وذلك ما رأته نازك وهي تلفت النظر الى عنوان قصيدتها مشددة على كلمة (أغنية) لأنها لا تريد أن تكون القصيدة فلسفية.. وتضيف إن القصائد تنمو في إتجاه عنوانها وعلى أساس هدف الشاعر منها (36).

وقد لاحظت اهتمام نازك بعناوين القصائد في مرحلة مبكرة من نقدها، والنقد العربي عموما. فهي إذ تعيد طبع كتابها (محاضرات في شعر علي محمود طه ) (37) تضع له عنوانا اخر هو (الصومعة والشرفة الحمراء – دراسة نقدية في شعر علي محمود طه ) معترضة على (محاضرات ) لأنها ترى فيه جمعا غير مترابط لمحاضرات عابرة. لكنه اختير ليتمشى مع عناوين سلسلة الكتب التي يطبعها المعهد – ناشر الكتاب – لذا ارتأت له عنوانا جديدا في طبعته الثانية : يعبر عن تسمية أدبية أصيلة، «تتميز بالتعبيرية العالية، وتشخص عقدة الكتاب والعمود الفقري للفكرة فيه (38) وكانت تحلل العنوان لقارئها كي تريه تلك المزايا. فالصومعة تشخص ظاهرة الاتجاه الروحي لدى علي محمود طه في بدء حياته الشعرية بينما تعبر (الشرفة الحمراء) عن المرحلة التالية من حياته حين اتجه الى العبث واللهو.. مصرحة بأن مرجعية العنوان ليست دلالية وحسب، بل اشتقتها من أبيات بعينها للشاعر، يذكر فيها الصومعة والشرفة الحمراء.

وإذا كان هذا هو وعي نازك بعنوان كتاب نقدي لها؛ فإنها تكون أكثر حرصا في قراءة عناوين القصائد. وهذا ما فعلته في در استها لشعر علي محمود طه. إذ عابت عليه تساهله في اختيار عناوين مجموعاته الشعرية التي تلت (الملاح التائه). وحللت (الملاح التائه) لتجد فيه أصالة وابتكارا ودلالة على اتجاهات الشاعر وشعره على العموم (39) مستنتجه حب الشاعر للطبيعه وكذلك الطاقة الرمزية في العنوان واحالتها الى الشاعر وإتصالها بالأعماق الروحية والنفسية لشاعريته وحياته. وهو عندها ديوان ذو عقدة. فالديوان الضعيف يكون عنوانه ضعيفا مثله. وبعكس ذلك يكون للديوان العظيم عنوان مثله وهذا ما لا يتحقق الا للديوان الذي يمتلك طابعا عاما يطبع أسلوبه وموضوعاته. وتضرب مثالا لنقيض ذلك بعناوين الزهاري وتسمياته كالأوشال والثمالة وهي لا تعبر عن عقدة فنية بل عن عمر الشاعر عند نظمه للدواوين.

وتحاول نازك أن تضع للعنونة أصولا وتقاليد. فليس أمرا مقبولا عندها أن يعنون الشاعر مجموعته بعنوان قصيدتين فيها مثل (زهر وخمر) لأنها لا تشخص جو الديوان.

وترفض أن ينساق الشاعر لنجاح عنوان أحد دواوينه ليكرره كما فعل علي محمود طه بعد (الملاح التائه) وتشترط أن يمثل العنوان الديوان كله ويشخص العرق العام فيه (40). وتلاحظ في عنوان مطولته (الله والشاعر) رسما لجو من الجلال والروحانية يكاد يأخذ بالقاريء حتى قبل أن يقرأ القصيدة. (41) وفي هذا الاستدراك انتباهة لما يوجهنا اليه عنوان القصيدة، وسريان أثره في قراءتنا. لكننا نلاحظ اهتمام نازك بنمط محدود من وظيفة العنونة هي الوظيفة التعبيرية التي تتصل عندها بمتن النص دون سواها من الوظائف الرمزية أو التناصية وغيرها مما ستنتبه اليه لاحقا الدراسات النقدية الحديثة ولاسيما تلك المنطلقة من شعرية القراءة..

6 – 7

وتولي اهتماما خاصا بالعناوين الجانبية وتنبهنا الى قراءتها واستخلاص الدلالات منها. وهذا ما فعلته في تحليل عنوان جانبي لقصيدة علي محمود طه (نشيد افريقي) فقد وضع لها الشاعر (اسما جانبيا) هو (عودة المحارب). وعلى هذا الا أساس تحلل شخصيه الافريقي في النص(42).

6 – 8

وتهمها التقدمات أو التمهيدات التي يضعها الشعراء بعد العناوين مباشرة. كما فعل على محمود طه في قصيدة (التمثال ) التي صدرها بتقديم يقول فيه إنها «قصة الأمل الإنساني» (43) وترى نازك أن هذا التعريف لا يضيف الى القصيدة شيئا لأن ما يحدث لهذا الثمثال متضمن في داخل الهيكل.

وبذا نصل مع نازك الى أنواع من التقدمات أو التمهيدات التي لا تراها مناسبة أو أنها لا تؤدي وظائف تعبيرية أو جمالية. وفي هذا درس آخر لقراءة القاريء المتعمق.. فالشاعر يريد من القاريء أن يعلم بأن التمثال ليس حقيقيا وهذا ما تتكفل به القصيدة ذاتها أو ما يفترض فيها أن تؤديه.

6 – 9

لا تغفل اجراءات نازك في القراءة عنصرا تمهيديا آخر هو الإهداء فهي تقف عنده محللة ومستفيدة من دلالة الإهداء الذي يتصدر القصائد أو الدواوين. فإهداء علي محمود طه ديوانه (الملاح التائه) الى التائهين في بحر الحياة يمثل عندها دليلا قويا على رمزية العنوان. فالملاح التائه يتجه في بحر الحياة الى الذين تاهوا مثله (44). فالإهداء لا يكون هنا جزءا من إطار للقصيدة بل جزءا حيويا يوجه الطريق الى متنها ودلالاتها.

6 – 10

تعتني نازك عند القراءة بالألفاظ المفتاحية أو الأبيات الإستفتاحية لأنها استهلال يمكن أن يوجه القراءة إذا ما ركز الشاعر مولد القصيدة أو بؤرتها فيه. ويمكن مطالعة ذلك في إنتباهها الى استهلالات علي محمود طه في قصائده التي حللتها مفصلا. فهي تستنتج هوية النص من مطلعه أي أنها تشخص اتجاهه العام. قصيدته (قلبي) تخيب أفق توقع قارئها،لأنها ليست قصيدة مشتعلة بمشاعر الشوق والصبابة كما يتوقع هذا القاريء، بل هي، خلاف عنوانها، قصيدة فكرية خالصة كما يدل مطلعها (45) وتنبهنا الى افتتاحيه  كل من (القمر العاشق) و(نشيد افريقي) و(امرأة وشيطان) بينما لا تجد جدوى من مفتتح كبير هو مشهد الحانه في مسرحيته (أغنية الرياح) بل الفصل الأول كله من المسرحية لأنها لا تتصل بعقدة المسرحية.

6 – 11

تهتم بالتجنيس الذي تحمله الأغلفة. وهي قراءة استراتيجية في النقد الحديث، لأن المنشي ء يكشف عن الجنس الذي ينطوي تحته مؤلفه وقد اعترضت على وضع كلمة (شعر) تحت عنوان (حزن في ضوء القمر) لمحمد الماغوط (46). كما فوهت بخلو (أرواح وأشباح) لعلي محمود طه من أي وصف بل ترك تعيين شكلها للقاريء إحساسا منه بأن ما كتب لا يملك من خصائصه المسرحيه  شيئا (47).

6 – 12

انتبهت نازك الى السطح الورقي أو المكاني الذي يشغله النص. وقد اختلفنا معها من قبل حول المركزية الشفاهية في إرسال النص، وتقبله سمعيا مما رتب إغفالها للجسد الكتابي للنص ومؤثرات البصر وإمكانات الطباعة.. لكنها تنتبه في نقدها للقصيدة المدورة، والشعر المترجم، وقصيدة النثر الى ما تشغله هذه الأشكال الشعرية من حيز مكاني أو فراغي وما تقترحه من تقنيات.  وهذه انتباهة مهمة من الناقدة ولو بشكل سالب. كما تدخل في الباب نفسه ملاحظاتها حول كتابة الشعر الموزون مقسما في أبيات دون مراعاة وزنه وكأنه شعر حر، وقد حاولت الانتباه الى تقسيم إيليا أبي ماضي لقصائده الى أقسام مفروزة فرزا صارما يفصل بينها بفراغ أو يختم القصيدة ببيت منفصل تماما عما قبله. وقد اهتمت بهذه الظاهرة أسلوبيا ووجدت لها نظيرا فيما أسمته (الظاهرة الإنجيلية) مشيرة الى تأثر الشاعر بالترجمه العربيه للإنجيل (48).

6 – 13

تواصل الشاعرة إقصاء ما ليس بنصي عند التحليل والقراءة، لذا فهي تشير الى بعض الحواشي والهوامش والشروح المصاحبة للقصائد. وترى ان تلك الإضافات الهامشية تحيل القصائد الى هوامش وتعليقات على الأشياء. ولا تملك مستلزمات التعبير عنها أو الكتابة حولها. بل إن بعض تلك المعلومات سوف يهمله الجمهور المتأخر (عن زمن القصيدة) لذا تنصح نازك شاعرها بان يتطلع الى قصيدته وينسى الجمهور. والنصيحة هنا تكتيكية تتصل بفائض المعلومات والإشارات التعريفية المقحمة على النصوص. فالقصيدة يجب الا تحوجنا إلى ان نقرا عنها حاشية او شرحا نثريا (49) ويزعجها عند القراءة، كذلك ويشوش اتصالها بالنص ما تقرأ من كلمات قاموسية غريبة في الشعر تستلزم الرجوع الى المعجم فيضع الشاعر لقصيدته حواشي تشرح المفردات وسواء عاد القاريء الى حاشية الشاعر أو الى المعجم فان ذلك يجعله يصحو من نشوة الانفعال بالقضية ويرتطم بالألفاظ (50) ونحن إذ نوافق الناقدة على تشخيص هذه المعيقات الاتصالية والمشوشات التقبلية، نشير الى ما شاع مؤخرا من تقنيات تقوم على استثمار الحاشية أو الهامش في خلق نص مواز أو إشاعة جو معاكس أو مغاير لمتن النص وهو داخل فيه ولا يعد خارجيا.

6 – 14

واذا كان إقصاء الهوامش والحواشي يتم لإنجاز متعة القراءة كجزء من تقاليدها أو أعرافها، فإن نازك تدعو الى إقصاء أكثر استراتيجية يتصل بموجهات القراءة ذاتها وهو ما تسميه : المعلومات الخارجية التي لا يحتاجها القاريء لتساعده على فهم القصيدة. وهي تفاصيل سياقية عارضة تتسع لتشمل اللغة والغريب من الصور والصفات وغيرها.. كما أشرنا من قبل الى تنبيه نازك على استبعاد النقد التاريخي الذي يهتم بحياة المؤلف وسيرته دون نصه، بل تحذر نازك من أية إشارة بيئية كالقول بأن الشاعر جبلي مثلا او ان حياته هادئه  (51) فالقراءة النقديه  تتقيد بالوجهة الجمالية التعبيرية باصطلاحها.

6 – 15

تنتبه نازك الى عمليات القناص سواء ما كان منها واضحا في النص أو يستخرجه القاريء بفعل القراءة. وهي انتباهة متأنية في اهتمام نازك بالأدب المقارن خاصة. لذا نراها تستعين في قراءة ابن الفارض باستدعاء بعض التناصات مع الشعر الأجنبي. وهي في هذا المحور لا تستجلي المؤثر النصي لاستحالة ذلك،. بل تتفحص ثقافة القاريء وذخيرته وهو يواجه النص الفارضي.

وقد وجدناها تستجلي تناص أبي ماضي مع الإنجيل وتستخلص دلالاته. وبهذا تشير نازك في وقت مبكر الى ذخيرة القراءة، وللتفاعل النصي الذي يضيء مناطق كثيرة في النص المقروء.

وقد أرشدتنا هي نفسها في تجربتها النقدية الذاتية مع قصيدتها (أغنية لطفلي) الى افادتها من شعبية للأطفال، حاولت استثمارها لخلق دورة أو سلسلة متصلة من البحث عن شيء مفقود وهو الأمر الذي استدركته على الأستاذ البصري لأنه لم يلاحظه عند القراءة.

6 – 16

يجدر بنا أن نعد اكتشاف الإنساق (كالسلسلة أو الدورة) التي تنتظم القصيدة، وكذلك هياكل القصائد، وهياكل التكرار أو اشكاله ودلالاته، جزءا من اهتمام الناقدة بإرساء طرائق قراءة نقدية هي دون شك قراءة خاصة تلي القراءة الأولى المعبرة عن التلقي العام أو الأول.

وهذا الاكتشاف للإنساق لا تتعهده إلا قراءة ناقد متسمة بالشمولية. أي انها تتناول مفاتيح النص وأغلفته الخارجية وموجهاته وعتباته وأبنيته احتكاما الى متنه الملفوظ والأدلة اللسانية الممكنة. على الإشارة الى موضوعه وصوره وموسيقاه وذلك ما قدمت له نازك أمثلة واضحة في دراساتها التطبيقية.

6 – 17

وإذ يطول بنا شرح أو استقصاء أعراف القراءة وإجراءاتها لدى نازك، لابد لنا أن نشير الى اهتمامها بالخواتم أو نهايات القصائد وتشخيصها لبعض الخواتم الضعيفه (52). غير المتسقة في المتون. أو تلك التي تتسبب عن الميزة التدفقية أو الطبيعة الاسترسالية للشعر الحر مما يتولد عنه إعادة المقاطع الأول والانتهاء بها.

وهذه إشارة مهمة لفتت نازك نظرنا من خلالها الى قراءة نصية شاملة لا تدع من سطح النص أي شيء وصولا الى أسراره وأعماقه، لاسيما نهاياته وخواتمه التي تستقر في وعي القاريء وتستنفر مدركاته وتثير أحاسيسه.

6 – 18

تولي نازك أهمية خاصة للذات القارئة وما تسقطه على النصوص من تفسيرات تالية للقراءة. فهي لا تفرض تفسيرا معينا للقصيدة بل تضع القاريء في إطارها أو جوها العام. أما التفسيرات الدقيقة أو المعادلات الرمزية فأمرها مرهون بما تسميه (ذاتية القاريء) لذا فهي تقترح عدة تفسيرات للأفعوان في قصيدتها المعنونة (الأفعوان) ولا تعترض على أي منها فليس ما يعني القاريء أن أعني أفعواني أنا – تقول نازك – فذلك أمر ثانوي، وإنما المهم أن هذا الأفعوان يطاردنا باستمرار وسدى (53)نهرب منه..
7 – نتائح وخلاصات

7 – 1

لم يكن النقد العربي قد شخص بعد ملامح القاريء وفعل القراءة والتلقي. حين ناقشت نازك الملائكة فعل التوصيل الشعري ومسؤولية الشاعر مرسلا أو باثا للنص. لذا نجدها تركز جهودها في الجانب الفني. أما القاريء فهو مفردة من جملة كبيرة التهمت أفق التلقي لعوا مل سياسية واجتماعية وثقافية تلك هي (الجمهور).

7 – 2

وإذا كانت نازك ترفض اجتماعية الأدب كالتزام أو إلزام وترى أن للأدب كيانا خاصا مستقلا، فانها لا تنكر أهمية التلقي الجمعي للجمهور في تزكية (والحكم على مصداقية) النوع الأدبي عامة، والشكل الشعري خاصة.

7 – 3

وباستخدام معيارها الفني استطاعت نازك الملائكة أن تتلمس (الأثر) أي الوقع المتحصل من تغيير أفق تلقي الشعر بعد مقترحها الذي عرف بـ (الشعر الحر) فدرست في فصل مهم مبكر من كتابها (قضايا الشعر المعاصر) ما أسمته :

(الشعر الحر باعتبار أثره) (54) مشتملا البحث في (الشعر الحر والجمهور) و(أصناف الأخطاء العروضية ) مازجة بين محوري التوصيل والتلقي. فأرجعت أزمة الشعر الحر لدى الجمهور الى طبيعته، والظروف الأدبية للعصر، وإهمال الشعراء، مفندة الأشكال الشعرية المقترحة كقصيدة النثر، والقصيدة المدورة، وكتابة الشعر المترجم، كالشعر العربي في نظامه البيتي. وكذلك مصنفة الأخطاء العروضية للشعراء، وبعضها يدخل في تغيير البنى الإيقاعية كتطوير البيت بتكثير تفعيلاته، أو استثمار الجوازات العروضية وبذلك خلطت ما هو فني بما هو جمالي.

7 – 4

حاولت إرساء تقاليد قراءة جديدة، تقوم على اكتشاف السلسلة الفنية والدلالية، وفحص أثر التكرار وأنماطه، والاهتمام بالتحليل اللغوي (55)، واكتشاف القناص مع الحكايات أو القصص كذخيرة نصية تستدعي ما يماثلها عند القاريء لتحقيق نوع من الاستجابة للشعر الحر.

7 – 5

أولت نازك الملائكة اهتماما خاصا بالنصوص الموازية والحافة بالنص، وتلك التي تمثل عتبات نصية ذات أثر في تحديد استجابة القاريء، ورغبت في إيلائها اهتماما عند إنجاز أي تحليل أو قراءة.

ومن ذلك الاهتمام بالعنونة، والتمهيد، والإهداء، والعبارات المفتاحية أو الإستهلالية وخواتم القصائد.

7 – 6

برز أثر الوعي الشفاهي والتلقي السمعي في تحديد فعل القراءة والاستجابة إذ ركزت الناقدة على مزايد صوتية وسمعية في محوري اللغة والوزن كما اهتمت بالقافية كمكون صوتي وجرس خارجي يحدد البنية الإيقاعية وذلك كله حدد بدوره رؤية نازك لفعلي التوصيل والتلقي، مما ظهر أثره واضحا في المباحث التي تناولتها أو التحليلات النصية التي قدمتها.
الهوا مش والإحالات

1 – ناقشت ذلك في تقديم كتابي (كتابة الذات – دراسات في وقائعية الشعر) عمان – 1994 – ص 7.

2- قضايا الشعر المعاصر – بيروت ط ا -1962  ص اا.

3- نفسه – 16 ا.

4 – أفق الانتظار أو أفق التوقعات حسب مقترح ياوس، مصطلح يشير الى نظام التبادل الذاتي او بناء التوقعات كنظام مرجعي أو ذهني، والأمر يتعلق بنشوء هذا الأفق مما ينعكس على تقاليد الأدب. يراجع كتاب :

نظرية الاستقبال – مقدمة نقدية – روبرت سي هول – ترجمة رعد عبدالجليل جواد – دار الحوار – 1992 – ص 77.

5- قضايا الشعر المعاصر- 76.

6 – في (رسالة الى الشاعر العربي الناشيء) نشرتها عام 1964 في مجلة (الأقلام ) -الجزء الأول – السنة الأولى وضمن كتابها (سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى) بغداد – 1993 – ص 12.

7- الشفاهية والكتابية – والتر أونج – ترجمة حسن البنا عز الدين – سلسلة عالم المعر فة – 1994 – ص 235.

8- – نفسه – ص 267 وقد عالجت ذلك تطبيقيا في كتابي (ما لا تؤديه الصفة) بيروت 1993 ص 7.

9- قضايا الشعر المعاصر ص 98.

10 – سايكولوجية الشعر – ص 82 – وحول خلو الشعر من الوقفات بسبب تدفقه، واثر ذلك في تلقيه، يراجع (قضايا الشعر المعاصر) ص 27.

ا ا – قضايا – ص 97.

12 – نفسه – ص 28.

13 – مقدمة (شظايا ورماد) ط 2- بيروت – 1959 – ص 9. وفي (ديوان نازك الملائكة) بيروت – 1986 – م 2 – ص 11.

14 – قضايا – ص – 97، 98، 75

15- نفسه – ص 71، 112، 170.

16 – سايكولوجية الشعر – ص 56.

17 – نفسه – ص 10، 79.

18 – النظم الشفوي في الشعر الجاهلي – جيمز مونرو – ترجمة فضل بن عمار – الرياض 1987 ص 53.

19 – سايكولوجية الشعر- ص 98.

20- النظم الشفوي ص 76.

ا 2- قضايا الشعر المعاصر ص 67.

22 – من ذلك محاولات السياب المبكرة للنظم على البحور الممزوجة كالبسيط في قصائد (أفياء جيكور) و(سفر أيوب) و(بورسعيد) والطويل في قصياته (هاما هوه) والخفيف في (ثعلب الموت).. تراجع رسالة الدكتور عبدالرضا علي المرقونة على الآلة الكاتبة (نازك الملائكة – الناقدة ) بغداد 1986 –  ص 101 وكتابه (نازك الملائكة – دراسات ومختارات ) بغداد – 987ا – ص 41. وتعتمد اذنها اساسا في تقبل الوزن – راجع مقدمة ديوانها (يغير الوانه البحر) ص 8 – بغداد -1977.

23- قضايا الشعر المعاصر ص 102 – 101، 100.

24- سايكولوجية الشعر- ص 175.

25- مقدمة (شظايا ورماد) ص 14 –  وفي (ديوان نازك ) ص ا2 م2.

26- شظايا ص 14، 15 وديوان نازك ص 22م 2.

27 – سايكولوجية الشعر – ص 174 – في (رسالة الى الشاعر العربي الناشيء).

28- نفسه.ص 32.

29- نفسه – ص 192.

30- قضايا الشعر المعاصر – ص 0 20.

31-  نفسه – ص 201.

32- نفسه – ص 287.

33- سايكولوجية الشعر- ص 146.

34- نفسه – ص 147.

35 – تراجع الدراسة الشاملة (استراتيجية العنوان) شعيب حليفي – في مجلة الكرمل – العدد 46 – 1992- ص 82.

36 – سايكلولوجية الشعر – ص 150.

37- محاضرات في شعر علي محمود طه – دراسة ونقد صدر عام 1965 عن معهد الدراسات العربية العالية – القاهرة – لكن الناقدة أصدرت طبعته الثانية – عام 1979 ببيروت تحت عنوان (الصومعة والشرفة الحمراء – دراسة نقدية في شعر علي محمود طه ) معتبرة العنوان الأول مختارا ليتمشى مع عناوين سلسلة الكتب التي يطبعها المعهد – ولم تكن هي حرة في اختيار تسمية أدبية أصيلة له، تتميز بالتعبيرية العالية، وتشخص عقدة الكتاب والعمود الفقري للفكرة فيه يراجع نقاشها للعنوان وتبديله في مقدمة الطبعة الثانية – ص 6 وما بعدها…

38- الصومعة والشرفة الحمراء ص 6.

39 – نفسه – ص 369، 370. وكذلك ص 92 وما بعدها حيث تقف (وقفة عناية) عند عنوان قصيدته (الملاح التائه ) وبحثت في دلالتها.

40 – نفسه – ص 372. وتصف عنوانا آخر بانه (تقليدي) وثالث بانه (عام ) – ينظر (سايكولوجية الشعر) ص 16.

41- الصومعة والشرفة الحمراء – ا28.

42 – نفسه – ص 269.

43 – قضايا الشعر المعاصر – ص 214.

44- الصومعة والشرفة الحمراء – ص 97- 99.

45- نفسه – 0 24 وحول مسرحية أغنية الرياح – المصدر نفسه – ص 314.

46 – قضايا الشعر المعاصر – ص 182.

47 – الصومعة – ص 337.

48 – سايكولوجية الشعر – ص 231، وفي تقديمها لديوان (شجرة القمر) بيروت 1968 رفضت مبدأ كتابة الشعر الحر كالموزون وكتابة الموزون كالحر. يراجع ديوان نازك – م 2- ص 416.

49 – قضايا الشعر المعا هو ص 204.

50- سايكولوجية الشعر ص 30.

51- قضايا الشعر المعاصر – ص 284.

52- نفسه – ص 30.

53- مقدمة (شظايا ورماد) ص 16 -وفي (ديوان نازك ) ص 26- م 2.

54- قضايا الشعر المعاصر ص 113 وما بعدها

55 – من القضايا التي وقفت عندها نازك في ختام التحليل النصي: القراءة الكلية لا التجزيئية. وهي قراءة تربط (أجزاء) و (عناصر) بنائية ودلالية في النص المقروء للوصول الى حكم نهائي أو تحليل أدبي. ونقترح لذلك إجراءات عدة منها على مستوى التراكيب اكتشاف (التشبيه الطويل) الذي يصب فيه الشاعر تشبيهه في مشهد كامل، ويعتني بالتلوين العاطفي وأثره في النفس.. وتمثل له بفكرة (سفينة نوح ) لدى علي محمود طه حيث شبه الأرض بها في مشهد مطول كامل – الصومعة والشرفة الحمراء – ص 302.
 
 
حاتم الصكر (ناقد عراقي)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …