أخبار عاجلة

نجوى بركات إسماعيل فقيه تروي وتكتب جغرافيا الزمن

تتميز الكاتبة الروائية نجوى بركات بخصوصية الموضوع الذي تكتب عنه في أغلب رواياتها.فهي اختارت اللغة الهادئة جدا لتقول من خلالها التفاصيل الحياتية الكثيرة،وكانت الرواية هي اللحظة المفتوحة على هذا الزمن بكل أبعاده وتلاوينه.وقد أصدرت العديد من الروايات التي حملت هذا المعنى وتفاصيله.روايتها الأولى حملت اسم ـ المحوّل ـ جمعت فيها تفاصيل البداية ثم انطلقت في مجموعة روايات ،ولكن في سياق زمني متباعد.فكانت رواية ـ ابن سيلانه ـ و أخرى بعنوان ـ باص الأوادم ـ ثم رواية ـ يا سلام ـ المميزة بلغتها الهادئة ونبرتها العالية التي قالت من خلالها الكثير من الأشياء الصعبة.كما أصدرت رواية بالفرنسية وكانت روايتها الأخيرة ـ لغة السر ـ وهي بالفعل لغة السر الذي ما زال يتردد في صدى الأسئلة والأجوبة التي حاولت أن تقولها دون أن تعترف بانها تقول؟
فماذا تقول نجوى عن أسرار كتاباتها ورواياتها وأيامها، هذا ما سنعرفه في هذا الحوار الذي أجريناه معها في بيروت
س:  نبدأ بسؤال الرواية التي كتبتها وتكتبها نجوى بركات،ما هو لون هذه الرواية التي تقولين دائماً أنها لا تجاهر بهدف أخير او ثابت؟
ج:  الرواية التي أكتبها هي مساحة الزمن الذي أعيش في ظلاله وهي اللحظة المفتوحة على تفاصيل الحياة وإن كانت هذه التفاصيل تجمع الزمن من جوانب مختلفة.لا يمكنني تحديد الأساس الثابت في تفسير المعنى النهائي لروايتي ولا حاولت ذلك أصلاً.الرواية بالنسبة لي هي قول وترجمة للفعل الذي أعيش في كنفه وعرفت أحواله وكل تفاصيله.دور الرواية في حياتي ذكي في القول وماهر في التعبير لكنه يتوخى القناعة التي لا تفي بغرض البحث المضني.أعتقد أن الكتابة الروائية هي تدوين ما هو صعب وربما مستحيل،وحين يثبت هذا المستحيل يتحول إلى لغة بيضاء كاشفة.
س:  نلاحظ أن موضوع الرواية عندك مفتوح على أفكار متنوعة ويكاد يكون هذا التنوع صورة وكلمة، فأن تصيب كلماتك في الصورة أو الكلمة؟
ج:  إن أغلب ما أكتبه وأرويه يكون عبر لغة مأخوذة من عمق اللحظة التي أتجول في مساحتها المكانية.ويمكنني تسمية هذه اللحظة بالجغرافيا الزمنية.أنا أكتب وأغوص في الموضع الذي أختاره أو يختارني دون أن أحدد الموقف النهائي من القول الذي يولد داخل نصي. لا تستهدف رواياتي الموقف بقدر ما تسعى إلى نقل الواقع الذي أراه ومن ضمن رؤية روائية. الواقع الذي أرويه ليس خيالاً وكذلك هو ليس فعلاً وشرطاً في الزمن.انني اكتب بدافع وشعور انساني، ويسعى هذا الشعور إلى تفسير الزمن من جوانب متعددة كثيرة، ويبقى ذلك ضمن خصوصية ما أنوي قوله. الزمن الذي أغوص في وعيه وملامحه وصوره هو زمن يصور الزمن الذي يكمن داخل هذا الزمن؟
س:  السرد الروائي في نصك لا يلغي الصورة والموقف والأشياء التي تفي بغرض معناها من الصورة الأولى التي تبرز في الرواية عندك؟
ج:  مهما كان السرد في روايتي فاعلا لجهة المعنى والموقف، إلا أن ذلك لا يندرج في سياق التفسير الذي قد يحمل رأياً تغييرياً في الحياة. إن ما أكتبه هو زمن حاضر وانسان يعيش في هذا الحاضر، ولكن الجغرافيا السردية في نصي لا نستعجل ولا تستهدف الرأي القائل بالمعرفة الشاملة. إن السرد في روايتي يبحر عميقا في الأشياء ويستخرج منها الكثير ولكن ذلك يبقى ضمن الصورة غير المحددة. بمعنى أنني حين أحدد لغة الزمن الذي أكتبه، تتحدد تلقائياً الصورة التي قد تساهم في بناء المعنى، ولكن يبقى الأمر في مداره الخاص والذي ينطلق من افتراضية مليئة بالصور الناطقة بالتفسير
س:  الشخصيات في رواياتك متنوعة وقد تقدم كل الأنواع البشرية،ولكن في محصلة الأمر نجد أو يجد القاريء أن ما تحاولين قوله في روايتك لا يحيد عن خصوصية الزمن الذي ينبثق في مساحة وطنك؟
ج:  صحيح. أنا أكتب الزمن الذي اعيشه وأعرفه وكل هذا الزمن دار ويدور في مساحة وطني. انني أكتب وأنطلق من جغرافيا الزمن وهذا التعبير له مدلولات كثيرة في روايتي. فالزمن الذي عشته هو زمن مليء بالمعنى ولكن من يقطف المعنى ويقدمه لنفسه وللواقع؟ الرواية بالنسبة لي هي التي تحدد الرأي هنا.لقد دخلت إلى التفاصيل الجوانية لوطني وبلدي من خلال ناسه ومكانه، وكان هذا الدخول بمثابة التعريف والتعارف على تفاصيل غير معروفة من زمن نحيا داخله ونتربع في مساحته. كتابة الزمن الخاص المنبثق من وقائع الحياة القريبة من الإنسان تعي الكثير من الصور والكثير من التفاصيل التي تعطي أجوبتها الوافية
أنا أكتب تفاصيل زمن وتفاصيل اقامتي ورحيلي وحتى هذه اللحظة ما زلت اشعر أنني مرتبطة بموعد لا ينتهي. موعد مع الزمن الخاص الذي عرفته منذ نشأتي
س:  ثمة شخصيات سلبية وسواها في رواياتك،أليست هذه الشخصيات هي الصورة والمرآة التي تعكس رأيك؟
ج:  لقد عرضت في روايتي شخصيات كثيرة منها السلبية ومنها الإيجابية ومنها بين وبين. المهم أنني دخلت إلى كل الشخصيات التي تقدم الحالة المرجوة للعمل الروائي. كما انني عرضت شخصيات معقدة وهدفت من ذلك التعبير جليا عن واقع قائم بما يحمل من تحولات زمنية مفاجئة. كل هذه الشخصيات لعبت دوراً فاعلا داخل روايتي وأعطتها امتداداً في الأفق الروائي  المتداخل في الذات والمكان والعادات والطقوس. إن هذا التفصيل الروائي الذي دخلت من خلاله إلى تلك الشخصيات أضاء تلك الشخصيات نفسها، الأمر الذي أعطاني حرية الحركة داخل الصورة والمعنى الذي أسعى اليه عبر اللغة والكلمة.
ثمة شخصيات في رواياتي مغلفة بقشور كثيرة وكلما قشرتها اكتشفت كم ان في داخلها من قشور.هكذا وجدت نفسي تنقّّب بين هذه القشور وما زلت أنقب وأفتش في ثنايا هذه الشخصيات.
س:  أنت كاتبة تعيشين في باريس منذ فترة طويلة وتكتبين عن الزمن الأول في حياتك وهو الزمن اللبناني سؤالي، كيف تقرئين هذا الزمن من بعيد،من الجغرافيا البعيدة التي قد لا تفي بغرض التعبير الكامل أو المطلوب لاستكمال المشهد المرتجى؟
ج:  الكتابة من الموقع الذي تشير اليه في سؤالك، أفادني كثيراً وجعلني أراقب زمني بامتياز. وشعرت وما زلت أشعر ان الكتابة من بعيد عن المشهد المرتجى وغير المرئي يساهم أكثر في الرؤية والتعارف والتعرف والتعريف. كمن تقف على شرفة عالية وراقب عن كثب كل شاردة وواردة في المكان المستلقي تحت النظر.ويمكنك ملامسة هذا الشعور اذا تعمقت في دلالات ما أرويه.
س:  نلاحظ في أغلب روايتك لا ذكر أو تسمية للأمكنة في حين ان كلامك الآن يجاهر بالمكان ويضع إشارة ثابتة عليه؟
ج:  صحيح لا ذكر وتحديد للأمكنة في كل ما كتبته، ولكن ذلك لا يخفي الصورة والدلالة على المكان الذي أكتب عنه. وأنا أنطلق في الكتابة من أساس يقول بعدم التسمية وعدم الدلالة الكاملة على الهذف مهما كلف الأمر. وهذا ما جعل روايتي تقدم الصورة الناطقة بالأسئلة الكثيرة والمترامية والمتلاحقة والتي تحمل في بذور تشكلها أجوبة من نوع مخفف وبالعكس تماماً.
س:  عدم تسميتك للأمكنة يحمل إشارات رفضك للأمكنة؟
ج:  تماماً. لم أستطع حتى الآن اقامة علاقة مع الأمكنة، وتجربتي في الحياة تقول هذا بشكل واضح.ما زالت الأمكنة صعبة على ايامي وما زلت أشعر بصعوبة اقامة علاقة معها.الأمكنة قاسية على حياتي كثيراً وهي دائماً في المساحة المستحيلة بالنسبة لي.
س:  كيف تفسرين هذا الرفض للمكان في ذاتك؟
ج:  يصعب تفسير هذا الأمر بسهولة. المكان صورة صعبة كما قلت وهو أيضاً مساحة عدم اقامة أي انني لم أعش في المكان الذي أريده وأحبه.
س:  ما هو هذا المكان؟
ج:  لست أدري تماماً ما هو،كل ما يمكنني قوله هنا هو انني على علاقة غير ناجحة مع الأمكنة التي عشت فيها وحتى هذه اللحظة ما زلت داخل هذا الشعور. أما المكان المرجو فهو أيضاً يخضع للمعنى الصعب وربما القاسي.المكان الممكن قد لا يوجد بعد ولكنني أعترف انني ما زلت في دوامة المكان ولا أرى ملامحه بعد.هل سيأتي هذا المكان أو أذهب اليه وأحلق في فضائه؟
س:  إلى أين تهدفين بالوصول في روايتك؟
ج:  إن ما كتبته حتى الآن ساهم في صوغ أسئلة النهضة داخل كياني وأفكاري، واستطعت تحويل اللغة التي أكتب فيها إلى لغة روائية مفعمة بأسئلة الفكر. صحيح ان العمل الروائي لا يحتمل كثيرا الغوص في التحليل والرواية ليست خطاباً سياسياً وأنا متنبهة جيدا لهذا الأمر،ولكن ثمة ضرورة لطرح أسئلة الثقافة داخل النص الروائي. وأنا حاولت طرح الأسئلة النهضوية الثقافية وتالياً حاولت رسم المشهد الثقافي بلغة روائية بحتة.هذه الأسئلة قربتني أكثر من الثقافة وساهمت في تعميق الوعي المعرفي وقربتني من ذاتي أكثر.
س:  متى كانت أولى كتاباتك؟
ج:  لقد بدأت الكتابة باكراً في عمر مبكر، وهذا ما ساهم في في بناء المخيلة والذاكرة والمعنى واللغة في حياتي.بدأت بخربشات ثم بكتابات واعدة حسب ما كنت أسمع من سواي عن ما أكتبه،ثم وجدت نفسي ملزمة بالكتابة المتأنية وأصدرت أولى رواياتي وفي عمر مبكر
س:  كيف تنظرين إلى واقع الرواية التي تكتبها المرأة اليوم؟
ج:  نظرة ايجابية. رواية المرأة اليوم أو ما تكتبه المرأة اليوم يمثل حالة إبداعية ثقافية لافتة وتعكس الكثير من خصوصيات الحياة والإنسان. 

إسماعيل فقيه
كاتب وشاعر من لبنان

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …