نسقية القراءة ولغة الإبداع فـي المشروع النقدي لعبد الفتاح كيليطو

عرف النقد الأدبي بالمغرب بعد ستينيات القرن الماضي تحولا عميقا، تمثل في مساهمته النوعية في مقاربة النصوص الأدبية العربية القديمة والحديثة، ويعود هذا التحول لعوامل عديدة أهمها، انفتاح الناقد المغربي على مرجعيات نقدية نظرية وتطبيقية جديدة في الغرب وفي العالم العربي، كما كان للدور التأطيري والتكويني الذي اضطلعت به الجامعة المغربية، الأثر الواضح في غنى التجارب النقدية، وتنوع آلياتها المنهجية والمفاهيمية، وفي انتقالها بالنقد الأدبي بالمغرب من مرحلة التأسيس، وما يطبعها من حيرة بين الوفاء للتصورات النقدية القديمة، أو الانصراف للحديثة، إلى مرحلة إنتاج معرفة نقدية مؤسسة لتصورات ورؤى جديدة للأدب ودوره في إثارة أسئلة تتصل بأزمات المجتمع والإنسان العربي ومآزقه الناتجة عن ما تفرضه الكونية من ضغوط تمس تماطله في الانخراط في ركب الدول المتقدمة والديمقراطية.
ضمن هذا السياق الثقافي الكوني والمحلي قدم الناقد المغربي دراسات نقدية تميزت بعمقها المعرفي وجدتها المنهجية، في التفاعل مع النصوص الأدبية العربية والعالمية، والحفر في مكوناتها ودلالاتها، بوعي مهموم بالبحث عن صيغ أخرى لمعالجة إشكالات الحاضر وأسئلة المستقبل، وتشييد قنوات جديدة للحوار مع مستجدات المعرفة النقدية في الغرب، ونقد مزدوج للمسلمات الثقافية، وللكثير من التصورات السائدة حول النقد والأدب، وسيرسم للكتابة النقدية في المغرب منذ بداياتها أفقا معرفيا كونيا، سيستمر إلى اليوم، مع أحمد اليبوري ومحمد مفتاح ومحمد برادة وعبد الكبير الخطيبي وعبد الفتاح كيليطو وسعيد يقطين[…].
تسعى هذه الورقة ضمن هذا الإطار العام، إلى تبين ملامح الجدة المعرفية والمنهجية في مقاربة النصوص الأدبية، ومرجعياتها النظرية والتطبيقية، من خلال المشروع النقدي لعبد الفتاح كيليطو وفي ظل وعي بأن نقد النقد عملية “ابستمولوجية نوعية خاصة بموضوع معرفي هو النقد الأدبي”(1) تعاين الطريقة التي تم بها التفكير في الأدب(2)

1 – سؤال البدايات والتطور
ليس مصادفة أن يمهد الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو لمشروعه النقدي بمساءلة مفاهيم ومصطلحات نقدية مثل: مفهوم الأدب، وتاريخ الأدب، والنوع الأدبي، ووظيفة الأدب، وطبيعته، ومفهوم النص، واللانص…، في كتابه الأول “الأدب والغرابة”(3)، بل تعبير عن وعي عميق بأن البناء يحتاج قبل كل شيء إلى حفر أسس جديدة على أنقاض القديمة، وأن تقديم الجديد يقتضي العبور من المألوف إلى الغريب، ولذلك كان السؤال الذي شغل الناقد في هذا الكتاب هو “كيف نخرج عن المألوف؟ كيف نصبح على هامش الألفة؟.”(4).
إن هدف الكتاب والمتمثل في الإجابة عن سؤال”الكيف” كيف يمكن الخروج عن المألوف أو الامتداد بهذا الأخير إلى مساحات الغرابة، هو ما دفع الناقد إلى جعل القسم الأول من كتاب”الأدب والغرابة” مؤلف من مقدمتين؛ تعيد الأولى منهما مساءلة المألوف من المفاهيم وجعله غريبا، وتطرح الثانية سؤال: “كيف ندرس الأدب الكلاسيكي؟ “(5) الذي يندرج تحت سؤال آخر أعم: ما علاقة العربي بتراثه؟(6)، ولعل جواب هذا السؤال أيضا يبدو في الإنتاج الثقافي والنقدي العربي مألوفا.
تتصل بهذا الوصف الأولي ملاحظة أساسية تتمثل في تغييب الناقد في مجموع كتبه بعد هاتين المقدمتين اللتين لا تخلوان من تحليل، كل ما يمكن فهمه على أنه تقديم نظري أو تحديد منهجي. وتستتبع هذه الملاحظة أسئلة كثيرة نهتم منها مرحليا بسؤال: هل يمكن عد القسم الأول من كتاب “الأدب والغرابة” بمثابة مهاد نظري ومنهجي لمشروع كيليطو النقدي للنصوص الأدبية؟.
من العسير الجواب عن السؤال بما يفيد الإيجاب، بله إثبات ذلك، خاصة إذا علمنا أن عبد الفتاح كيليطو يعتبر أن القسم الثاني من الكتاب نفسه، والذي يتناول تحليلا لمؤلفات كلاسيكية، مستقل عن قسمه الأول، ولا ينشغل بتطبيق “العموميات الواردة في القسم الأول، فكل دراسة مستقلة بذاتها وليست بحاجة إلى أن تستند إلى جارتها”(7).
لقد كان عبد الكبير الخطيبي دقيقا في اعتباره كتاب كيليطو الأول يجسد “نية” الكاتب التي ترمي إلى تدقيق بعض المصطلحات بمكر نقدي مزدوج يتمثل من جهة نظريات ومناهج التحليل، ومن جهة أخرى يستبطن الأشكال الاستطيقية لتحليله الأدب(8)، وهذا النقد الماكر هو الذي منح للكتابة النقدية لكيليطو خصوصيتها الفنية، وطبعها ببعد نقدي ومعرفي عميقين في قراءة النصوص الأدبية، وجعلها تقدم متعة مزدوجة؛ متعة قراءة النصوص الأدبية موضوع النقد ومتعة قراءته هو بصفته ناقدا أدبيا(9)، ولعل هذه الخاصية؛ خاصية المتعة المزدوجة للقراءة هي ما سيلازم كتابات كيليطو النقدية.
إن لمتعة قراءة نصوص كيليطو النقدية، وجها آخر يتصل بسرديتها(10) وإبداعية لغتها(11) النقدية، أو ما يمكن أن نصفه بـ”أدبية النقد” هذه الأخيرة التي جعلت نص كيليطو النقدي في ظاهره متحررا من ثقل المفهوم وهاجس المنهج والعلمية، والتي طبعت الكثير من النقود الأدبية المغربية بطابع الغموض والالتباس، وعكست وعي الناقد المبكر والعميق بأهمية اللغة(12)في توسيع دائرة تلقي النقد، ووسمه بالوضوح؛ يقول في أحد حوارته “أخاطب القارئ العام، […] لهذا أسعى إلى الوضوح فأحاول جهد المسطاع ألا تكون في دراساتي فكرة مبهمة أو جملة معقدة”(13) غير أن الخلفية العميقة للإبداعية النقدية ووضوحها في كتابات كيليطو النقدية، تتمثل في الانتقال باللغة النقدية من وصفيتها ومعياريتها المألوفة، إلى دائرة الغرابة، أو لعله إيحاء برغبة في تجاوز معنى النقد في صورته المألوفة إلى أخرى يطبعها بالغرابة.
إن ما تقدم الحديث عنه من وضوح لغة النقد في كتابات كيليطو وتحررها من كثافة المفهوم النقدي، بالإضافة إلى قصر حجم كتب الناقد، وانصرافه في بداية كل قراءة نقدية لمؤلف أو نص أدبي إلى الهامشي فيه من الألفاظ، أو من الأفكار التي لا تثير حفيظة القارئ العادي كما المختص، هذه الخصائص في مجموعها تجعل القارئ للمشروع النقدي لعبد الفتاح كيليطو يعتقد ببساطته ووضوحه. فهل الأمر كذلك؟ بصيغة أخرى: كيف نقرأ كيليطو بصفته ناقدا للنص الأدبي؟
2 – خلف لغة الشمس: البنى العميقة أو الخلفيات الفكرية والمعرفية لنقود كيليطو
شيد عبد الفتاح كيليطو مشروعه النقدي في كليته كحركة بحث مستمرة عن انتظام ما يقع خلف لغات النص الأدبي وبنياته، وفق نسقية قرائية خاصة للنص الأدبي، لا تكتفي باستمداد مقوماتها وعناصرها الإجرائية من “نسق خاص للقراءة” بل تبني نسقيتها القرائية “من ذاتها، بما تمتلكه من مقومات وعناصر تضفي عليها طبيعة إجرائية خاصة في التعامل مع النص الأدبي”(14)، ومعنى ذلك أن قراءة كيليطو تجمع بين الاشتغال على النص الأدبي منطلقة من إطار نظري نسقي جاهز، وفي الوقت نفسه تسعى إلى “أن تبني نسقيتها الخاصة بها وهي تشتغل به”(15).
يطرح هذا الافتراض سؤال النسقية في كتابات عبد الفتاح كيليطو، وكيف تجمع بين مرجعيتها الخارجية التي تستند إلى نسق نظري جاهز، والداخلية التي تبنيها في سياق تحليلها للنص الأدبي، والسؤال عن النسقية معناه السؤال عن “نقدية الكتابة”، وفاعليتها في تناول النص الأدبي والتفكير فيه، وإجرائية آلياتها النظرية المفاهيمية والمنهجية في الدفع بسؤال الأدب نحو التطور والتحرر، وهو ما يفرض بصيغة أخرى البحث في علاقة النظرية بالممارسة وبالشروط الثقافية والعامة للمجتمع، من منطلق يعتبر النقد الأدبي”ليس ملحقا سطحيا بالأدب وإنما هو قرينه الضروري”(16).
2 – 1 – نقد التراث
أ- العتبة الأولى: الخلفيات الفكرية
وراء اهتمام كيليطو بالسرود العربية القديمة تثوي خلفيات فكرية تعود من جهة أولى إلى حرص الناقد على المساهمة في إزالة ما لحق الأدب الكلاسيكي من قبل مستشرقين وعرب من أفكار مسبقة(17) قللت من أهميته، وساهمت في حصر مساحات مقروئيته، وكشف ما تعبر عنه هذه الأفكار من “تفاهة التحليل وإسقاط عي القارئ على الأعمال التي يقوم بدراستها”(18)، ومن جهة ثانية يسعى عبد الفتاح كيليطو إلى تجديد التفكير في النصوص القديمة وإعادة إحيائها، على ضوء الأسئلة الجديدة التي تطرحها العلوم الإنسانية بوعي مدرك أن “الإنسان لا يصفي حساباته مع الماضي بالإشاحة عنه”(19)، أليس معنى هذا القول في مجمله هو نفسه ما ذهب إليه محمد عابد الجابري بدعوته إلى وصل المقروء التراثي بنا، وفصله عنا، بجعله معاصرا لنفسه، ومعاصرا لنا في الوقت نفسه(20) فنحن إذن بلغة كيليطو ندرس “أنفسنا حين نعكف على النص الكلاسيكي، والخطاب عن الماضي هو في الآن ذاته خطاب عن الحاضر”(21)
ب – العتبة الثانية: الخلفيات المعرفية
يلجأ عبد كيليطو في بناء قراءته النقدية التأويلية لأغلب النصوص السردية العربية الكلاسيكية، بالبحث عن فكرة أو إحالة هامشية(22)، أو عبارة قصيرة(23) أو دال لغوي(24) ، أو ترجمة في النص(25) أو لصاحبه(26) ثم ينصرف إلى البحث لها عن شبكة من العلامات(الدول اللغوية، أو الأفكار) التي تربطها بها علاقات ووشائج دلالية بحيث تقود كل علامة إلى أخرى في شكل سلسة متصلة، غير أن كيليطو لا يتتبع علاقاتها الدلالية اللفظية الظاهرة، بل وشائجها الخفية “التي لا تظهر لأول وهلة”(27) تلك التي يستند في إظهارها إلى تأويل ينفتح على مستويات مختلفة ومتعددة من القراءة، فهو قد يبدأ بدلالة منطوق العلامة اللغوية ثم يتتبع باقي العلامات ويتأول كلا منها على حدة، ثم في ارتباطها بسابقتها ولاحقتها، وقد يعبر منها إلى مستوى آخر يعتمد فيه على التقابلات الدلالية واللفظية مما يجعل من الاختلاف الذي يكشفه في أفكار النص وأبنيته وملفوظاته اللغوية “أول الشروط لظهور المعنى”(28) أو يلجأ بعدما يكتشف عدم كفاية المستوى الأول في إشباع غاياته إلى الأزواج المترادفة في النص واشتغالها في بناء معنى النص هذه الصيغ القرائية هي ما يجعل كل معنى في قراءات كيليطو يجد نقيضه أو عكسه تماما أو بديلا له، ونمثل لما قلناه بالإحالة على كتاب الغائب(29) حيث يؤسس قراءته للحريري، ولابن المعتز والجرجاني، وكتاب ألف ليلة وليلة على الثنائيات والتقابلات والمرادفات(30) اللفظية العديدة نذكر منها: الليل النهار، الحضور الغياب، شمس(ساطعة) قمر(شاحب)، الأصل الفرع، النسخة والنموذج، والصدق الكذب، الأصل=المبدأ=الجوهر=والنبع =العمق، وهو بإيراده للفظ ومرادفه ونقيضه يبحث عن المعنى في تعدده واختلافه وتناقضه، لبنائه وتقويضه عبر الاستعمال الحر للغة بوصفها متوالية لا نهائية من اختلافات المعنى(31).
إن عبد الفتاح كيليطو ببحثه في النسق اللغوي للنصوص يجعل قارئه يتوهم دائما أنه يسعى نحو القبض على سراب معنى هارب متملص ومنفلت، وفي الوقت ذاته يشعر القارئ أن الناقد يخبئ ويخفي عنه معنى آخر غير ما يعرضه أمامه، أو لعله يرجئه إلى حين وبذلك يدفعه بشكل مستمر إلى متابعة يقظة ومتأهبة للحرص على أن لا تنسى الثابت من المعنى أو تضييعه في سياق الاختلافات والترادفات والتأويلات التي ينفي بعضها الآخر ليثبت نقيضها، وأن لا ينفلت منها الطارئ والمفاجئ من المعنى الذي يكشف عنه الناقد ويسرع في نفيه أو محوه أو تجاوزه، أو تحويله إلى معنى آخر، هذا السر الذي يخفيه كيليطو عن قارئه: هو غايته المنشودة، تلك التي ليست بالضرورة- طريقة الناقد المثلى في إيصال قارئه إلى نسبية التأويل، والإمكانات اللانهائية لتأويل النص وبنائه معناه، وإنما يخفي في كتاب المقامات مثلا: خلف مسعى تحديد المقامة والأسباب التاريخية التي جعلت منها أدب القرن الرابع الهجري بامتياز، واثبات استحالة دراستها وتأويلها في استقلال عن دراسة وتأويل القصيدة، أو بعيدا عن دراسة نصوص أخرى معاصرة لها، هدف آخر يتحدد بعبارته في: “الإحاطة بمفهوم الأدب وبفحص الأنساق التي يقوم عليها”(32) والتطرق إليه في ظل الأنساق المشتغلة في الأدب العربي المعاصر لبيان حلول الأدب وما يدل عليه بمعناه الحديث (littérature) مقام الأدب بمعناه القديم في الثقافة العربية، هو إذن سؤال التحول الذي لحق مفهوم الأدب، وإذا ما استحضرنا في السياق نفسه دراسته للحريري في مقال” الحريري وبيريك”(33) ومقاله في كتاب آخر حول” المعري ودانتي”(34) وثالث حول”دون كيخوت هل هو نسيج خيوط عربية”(35) نكون أمام دعوة ” لإعادة كتابة هذه النصوص (الأدبية القديمة)كما أعاد آخرون كتابة الأوديسا وأوديب ملكا، والإنجيل”(36) في أدبهم الحديث.
لا يخفي كيليطو في بعض ما أشرنا إليه من مقالات غايات أخرى من المقارنة بين دانتي والمعري أو بين بيريك والحريري، بتجاوزه للمستوى القرائي الذي يرتكز على استنطاق الدال اللغوي وما يقود إليه أو يحيل عليه، إلى العمل على البحث في ارتباطات المنطوق اللغوي بالاستعمالات والقضايا العامة والخاصة فينتقل كما يقول بارت “خلسة من اللغة إلى الخطاب كي يعود أحيانا ودون سابق إنذار، ومن الخطاب إلى اللغة”(37) فيجعل التأويل وهو يبني معنى النص بالاستناد إلى مرجعيات فكرية وثقافية واجتماعية، يبني بشكل مواز وخفي، تصورا فكريا لقضايا ثقافية راهنة أو يجيب عن أسئلتها، فحينما نجد كيليطو يبحث في بداية المقال عن سبب إيراد جورج بيريك الروائي الفرنسي، اسم الحريري في روايته ثم انتهائه إلى المشترك من البناء الفني اللغوي(اللعب اللغوي/ الفخ الإبداعي…) بين مؤلف من القرن الرابع الهجري وروائي في القرن العشرين إنما ليضعنا أمام إشكال أكبر من سؤال المقارنة بين مقامات الحريري ورواية بيريك؛ سؤال التصور الذي يحكم العربي في النظر إلى الحريري منذ زمنه وإلى اليوم، وفي المقابل التصور الذي يحكم الناقد الغربي في تناوله لأعمال بيريك الروائية فالأول يصف الحريري برائد الانحطاط (الحقيقي والمفترض)وصاحب المسؤولية الأولى فيه(38) والثاني الذي يحتفي بقراءة وتحليل ونقد بيريك ويعتبره رائد أسلوب التلاعب بالألفاظ ونسج الفخاخ، ومستكشف إمكانات اللغة في الرواية، وتلك بعض من أساليب وخصائص أدب الحريري.
تكاد مقارنة كيليطو تقول: ألسنا أمام “نص يخفي نصا آخر”(39)رغم التناقض الصارخ للرؤى والمقاربات، وقس على هذا ما لحق المعري من إهمال لولا دانتي فالعربي لا يقرأ المعري إلا وعيناه” على دانتي، يبحث عن دانتي في كتاب المعري”(40) ولذلك انتقد كيليطو قراءة العربي وتفكيره في المعري بعبارة تجمع بين الحقيقة والسخرية قائلا “ليس بعيدا عن الصواب كل البعد، القول بأن المعري قد تأثر بدانتي، حتى وإن كان قد عاش أربعة قرون قبله”(41)، كما تأثر المنفلوطي بالمؤلفين الأوروبين ونسخهم دون وعي منه رغم كونه لا يتقن غير العربية لغة للكتابة(42). يستوقفني هنا وأنا أعيد قراءة المقالين سؤال أخير أصوغه كما يلي: ألا يكون كيليطو وهو يعترف (اعترافه الماكر الساخر) أن دانتي أعاد الحياة أو بعثها في أبي العلاء، وبيريك أحيا الحريري، إنما يدفعنا إلى العبور معه إلى أفقه التعددي والإختلافي الذي ويلغي النموذج (الأدب بمعناه الحديث: بيريك/دانتي) بإيراد الغائب (الأدب بمعناه القديم: الحريري/المعري) أو بإحلال(43) المألوف محل الغريب والعكس.
إننا نرمي إلى القول، إن كيليطو وهو يعبر النصوص مؤولا لبناءاتها إنما يعمل على تفكيك خطابات ونظم فكرية رسخت رؤى تنتقص من قيمة الأدب العربي الكلاسيكي وتسعى إلى تغييبه، في مقابل إحلال نموذج بات مألوفا منذ القرن التاسع عشر محله، ويعيد النظر إليها وإلى القضايا الثقافية والفكرية الراهنة من داخل النصوص متحررا في تأويله لها بالانتقال من داخلها إلى خارجها والعكس، ومن ظاهر ألفاظها اللغوية إلى بنياتها الدلالية العميقة، مسلح بنظرية نقدية ورؤية فكرية وتاريخية للنصوص والظواهر.
2-2 – نقد الرواية: “المتاهة المعاصرة” لبناء المعنى في النص.
لا تختلف مقاربات عبد الفتاح كيليطو النقدية للنصوص الروائية في منهجها وآلياتها الإجرائية، وخلفياتها الفكرية والثقافية وشرطها التاريخي، عن مقارباته للنصوص التراثية، هذه النسقية المرجعية الجامعة في مشروعه بين النصوص التراثية والروائية، وبين هذه الأخيرة-كما الأولى- فيما بينها، من حيث التناول تستند إلى تصور وفهم عميق للأدب، يحفظ للنصوص سياقها وإطارها التاريخي والفكري الخاص بها، دون أن يفصلها عن غيرها من النصوص ومن الظواهر الثقافية المنتمية لنظام ثقافي مشترك، وهو ما يمنح لقراءات كيليطو خصوصيتها المتمثلة ليس في فاعلية منهجها وآلياتها القرائية التأويلية في إنتاج المعنى وكشف أسرار النص وخفاياه وحسب، بل وأيضا وبشكل واضح في التعبير عن انشغالات الناقد الثقافية.
يدفعنا ما نفترضه من نسقية تحكم قراءات كيليطو للنصوص الروائية المختلفة والمتنوعة من حيث بنياتها وتيماتها ولغاتها، إلى اقتراح صيغة النظر في قراءتين وبالموازاة الإحالة على غيرهما في الهامش أثناء انجاز قراءة لمقارباته النقدية للرواية لانجاز تفاديا للتكرار ما أوردناه فيما تقدم ولما سنورده فيما سيأتي.
تنطلق أغلب قراءات كيليطو النقدية للنصوص الروائية بمحاولته إيجاد وإظهار ما يخفيه النص أو ما يغيبه كاتبه عن وعي أو لا وعي من علامات، ثم ينسج له شبكة علاقات وامتدادات على طول النص يتصل بعضها ببعض وفق علاقات ظاهرة أو مضمرة يسعى الناقد إلى إجلائها، وهو ما يسمح له بالانتقال من دال إلى آخر ومنه لثالث، محاولا تأويلها وبناء المعنى الكلي للنص. ذلك ما نجده مثلا في قراءة كيليطو رواية “للعبة النسيان” لمحمد برادة، حيث تبدأ قراءة الناقد من بحثه في دلالة اسم الشخصية الروائية؛ الهادي (بطل الرواية) وتأويله انطلاقا من منطوقه اللغوي ودلالاته الثقافية، ثم ينتقل إلى مقابلته باسم شخصية ثانية: الطايع (أخوه) ليستنتج أنه لا يمكن “تصور البطل(الهادي) ولو للحظة حاملا لاسم أخيه”(44).
يضع كيليطو من خلال هذه البداية التأويلية متلقيه أمام أساسين قرائيين يتمثل الأول في التعويل على دلالات المنطوق اللغوي، فيما يجعل الثاني من هذا المنطوق سلسلة لا نهائية من اختلافات المعنى، أما التأويل النصي الذي يُلمح إليه كيليطو بالاختلاف(45) والتقابل الدلالي القائم بين اسمي الهادي والطايع فيكمن في عده “الشخصية الروائية” بكل ما تعنيه، وما تضطلع به من أفعال، وما تنسجه من علاقات كمكون أساسي في بناء العالم الروائي كامنة في معنى “اسمها”(46)، ويظهر هذا التلميح بشكل أكثر وضوحا في انتقال كيليطو إلى دال ثالث شديد الاتصال بالأول (اسم الهادي) والثاني (اختلافه مع اسم الطايع) وأقل إثارة لانتباه القارئ، يتعلق الأمر بغياب الأب وأثره في الرواية، هذا الغياب الذي سيحوله كيليطو إلى مدخل قرائي لبناء معنى النص ودلالاته؛ بجعله غياب الأب حضورا له، وكشفه في ربط الدال الثالث بالرابع في النص” أن الهادي دفن جميع أحبائه[…] إلا أنه لم يدفن أباه، وما كان بإمكانه أن يفعل، لذا فإن ظل الأب”(47) حاضرا، فتأويل الدفن بالتغيب، وعدمه بالحضور يضعنا مرة أخرى أمام تقابل مؤسس على المشابهة (48) والقلب(49)، وبذلك سيتحول الأب في الرواية: المجهول والغائب والمهمل والمبعد المنسي إلى الحاضر كطيف وظل وحقيقة في بدائله: الخال والمعلم والصهر في القراءة النقدية لكيليطو.
أما في قراءته لرواية ادمون عمران الملح “ألف عام في يوم” الصادرة بالفرنسية سنة 1985، فقد أقام الناقد داخل النص علاقة المشابهة(50) بين دال الكتاب والصندوق والحذاء في إعاقة الترحال والحركة وعدم الثبات لبطل الرواية، فالكتاب كما الصندوق في انغلاقهما يحفظان سرا مجهولا يتمثل في الحياة، والحذاء الجديد يعيق مشي بطل الرواية، والكتاب حينما ينغلق يسجن الحياة ويقهرها وحين ينفتح يحررها، هذه الأخيرة بدورها المقلدة للكتاب والعاكسة له في النص مثل مرآة الشبيهة بالماء الراقد الميت الذي لا يمكن إلا أن يختلف ويقابل البحر الهائج وحركة المحيط التي تشبه الحياة(51)، وهكذا يتابع كيليطو في القراءة رسم شبكة العلاقات بين علامات النص وينسج شبكة الدلالات وفق صيغ الاختلاف والتقابل والتضاد الذي لا يعني – بالضرورة- “الجمع بين معنيين يتعارضان، وإنما تركيب يتمخض عنه معنى جديد”(52) وفي نهاية القراءة النقدية للرواية نجد نسجا لعلاقات أخرى بين اللغة والحليب والمطبخ في الرواية.
إن كيليطو وهو يقرأ النص الروائي يربط أو ينتج من تأويله لدال دالا آخر في “لعبة متواصلة ولا نهائية دون أن يتيح لمدلول ما أن يفرض حضوره”(53) وهو بذلك إذ يؤكد على أهمية تأويل النص عن طريق أسلوب قرائي يقوم على البحث في الرواية عن لعب سري ينطلق من الكلمات في اختلافها وتشابهها وانعكاسها أو اشتقاقاتها والتداعيات والارتباطات التي تتولد عنها الواعية واللاواعية، ينتج “انزلاقات دلالية لا تتوقف”(54) وهو ما تدعوه التفكيكية بـــــعبارة إيكو: الآلة المنتجة لسلسلة من الإحالات اللامتناهية(55).
وإذا كانت بعض قراءات كيليطو تنسج تأويلها للنص من داخله، فإن بعضها الآخر لا يتوانى فيه الناقد بالعبور من عمق النص إلى سطحه، ومن داخله نحو الخارج والعكس، ففي قراءته لرواية عبد الوهاب المؤدب نجد كيليطو يعمد إلى البحث للدول في النص عن بدائل وظلال(56)، ولا ينفك يبحث للكاتب نفسه عن بدل وظل وطيف يلازمه فيكتشفه من خلال تأويل نصه وصياغة خلاصة تسندها معرفته عن المؤدب يقول “ما يعطي كتاب المؤدب غنى استثنائيا هو انه ينظر إلى الثقافة العربية بموازاة سلسلة الثقافات الأخرى: الصينية والبابلية والسومرية والإفريقية، والفرعونية واليابانية..وعلى حد معرفتي، فإنه أول من سعى ضمن ما يدعى بالأدب المغاربي المعبر عنه بالفرنسية هذا المسعى الجريء والمحرر بعيدا عن المقولة المبتذلة للاستلاب الثقافي وحلمه بكائن كوني هو نداء موجه إلى العرب كي يتجاوزوا الجهل بالتركيب الذي حققته حقبتهم الكلاسيكية”(57) ليجعل كيليطو بهذا القول المؤدب بدلا وظلا للجاحظ والتوحيدي والغزالي وابن رشد، وليحضر الأدب القديم في أدب المؤدب الحديث وهي الأطروحة نفسها التي ناشدها في مقاربته للمعري والحريري الحاضرين في الأدب الحديث في للغرب، الغائبين في أدب العرب الحديث، كما لا تخفي الخلاصة التحليلية إلى انشغال عميق للناقد ينطلق من النص ليتجاوزه بالتأكيد على أهمية الوعي بأن حضارة العرب تأسست على تركيب ثقافي في الحقبة الكلاسيكية وأنها لم تكن في يوم ما عربية خالصة؛ إنه بعبارة أخرى الانشغال بالتعدد والاختلاف.
3 – المحاورة النقدية: كيليطو وجلساؤه
إن من يقرأ المشروع النقدي لعبد الفتاح كيليطو في كليته يدرك لا محالة أن الناقد على عكس الكثير من النقاد لم يكن همه وشاغله الأساس الاشتغال وفق ما تمليه النظرية النقدية والخضوع لنسقها، ولم يكن أفقه المعرفي منحصرا في إتقان قراءة النصوص وكشف أسرارها، إن نصوص كيليطو النقدية تشكل قناة للحوارات النقدية، ومجالا مفتوحا “للقاءات المتعددة اللامتوقعة” فإضافة إلى خلقها لتجاور وانسجام بين ثقافتين مختلفتين قديمة وحديثة، عربية تراثية وغربية وحديثة؛ بين أرسطو والجرجاني أو الحريري وبيريك والمعري ودانتي، وصولا إلى المؤدب وبدائله، فقد عبرت كتاباته المسافات والحدود القائمة بين تطبيق النظرية ومحاورتها، إذ ما من شك أن ما يقدمه الناقد مثلا في كتابه “الكتابة والتناسخ”(58) يتجاوز غاية التحليل للنصوص موضوع الكتاب وهدفه، بطرحه بدءا من مقدمة الكتاب أسئلة تتصل بمفهوم المؤلف(59) وتعدد المؤلفين للنص؟(60) وضرورة المؤلف وأهميته في قراءة النص، وسؤال تعدد المؤلفين للنص؟ وهوية النص؟ ليحاور كتابا أو كتبا أخرى عن طريق تمثلها ومناقشتها، فظلال رولان بارت(61) وأفكاره حول”موت المؤلف” وسؤال أمبرتو ايكو وأطروحته التي افتتح بها فصلا لكتابه حول “النص والمؤلف”(62) يحاور فيه بدوره أفكار دريدا، حاضرة غير أنها بصفة الجليس المحَاور لا خلفية للتحليل، وهذا الأسلوب في المحاورة هو نفسه الذي اعتمده كيليطو في مقال معنون “بالترقيش”(63) ضمن كتاب الغائب حيث جعل الناقد من هذا التحليل محاورة بين أفكار ونصوص مختلفة من حيث الزمن والانتماء الثقافي والخلفية الفكرية حول مفهوم الكتابة إنه حوار يجمعه بالحريري والجاحظ ودريدا.
يمنح كيليطو لكتاباته النقدية طابعا حواريا آخر يتمثل في إشراكه للقارئ في تأويل النص وبناء معناه عبر طرحه لأسئلة موجهة للقارئ، وفي مقابل تعليق الجواب أو ببدئه للتأويل وتأجيله أو حذفه(64) قبل إتمامه، وقلب العبارة أو عكسها دون بيان دلالتها أو التفكير في قضايا ترتبط بالهوية(65)، نجد لهذه المحفزات الحوارية أمثلة كثيرة في كل قراءات كيليطو يكفي أن نذكر إضافة إلى ” توظيفه للأسئلة والحذف” في قراءته لرسائل إلى نفسي”(66) نجد القلب في قراءة لعبة النسيان، يمتد إلى العنوان نفسه فيتحول إلى “نسيان اللعبة” وللقارئ أن يتأول ويبني معنى عنوان القراءة من النص، وله كذلك أن يفهم البيت الشعري لهولدرلين “في أحضان الآلهة نشأت”، الذي بدأ به الناقد قراءته للرواية نفسها على أن المقصود بالآلهة في الرواية الأم والخال وزوجة الخال والصهر والمعلم، دون أن يقدم له كيليطو ما يحيل على ذلك، وهو ما يقتضي من المتلقي تأويل النص النقدي والمشاركة في ربط أجزائه المختلفة حتى لا تبدو فيه العبارات (العنوان- البيت الشعري) دون معنى.
إن الكتابة النقدية لكيلطو تمنح بمهارة الحرفي الصائغ للناقد إمكانية الظهور في صفة الأديب، وللأديب أن يحضر في كتابات الناقد فيدفعان معا بالقارئ إلى البحث والتأويل والمتابعة والتذكر والاستحضار والاستنتاج والنسج والتوليف لبناء معنى النص.
خلاصات
يمكن الانتهاء من قراءة المشروع النقدي لعبد الفتاح كيليطو إلى جملة من الخلاصات نجملها فيما يلي:
* إحلال عبد الفتاح كيليطو محل اللغة الواصفة المعيارية في الكتابة النقدية لغة إبداعية أو قريبة منها، دون أن يفقد هذه الأخيرة وظيفتها النقدية المتمثلة في متابعة لغة النص الإبداعي موضوع الكتابة النقدية، بوصفها سلسلة من العلامات التي يمكن النسج وفقها لشبكة من الدلالات التي يتأسس عليها بناء المعنى الكلي للنص.
* يصلح هذا المقطع من كتاب “الغائب” لعبد الفتاح كيليطو ليكون إحدى خلاصاتنا التي توضح طريقة التي يسلكها الناقد في قراءة النص الإبداعي في مجموع كتبه النقدية يقول: “إن عنصرا واحدا قد تكون له دلالات متعددة. تعدد الدلالة لا ينبع من الكلمة في حد ذاتها وإنما من ارتباط الكلمة بكلمات قريبة أو بعيدة، كلمات تكون في النص المدروس أو في نصوص أخرى. إن تعدد الدلالات ينتج من تعدد العلاقات. فالنص يصير غنيا بالمعاني عندما يفلح في تركيب علاقات خفية بين عناصره وعناصر أخرى”(67).
* يبحث كيليطو عن معنى النص اعتمادا على الاشتقاقات والتداعيات الدلالية الواعية واللاواعية، والدلالات والصور المخبئة في ثنايا العبارات الغامضة وفي المعاني المعجمية للألفاظ الظاهرة في النص أو بالإتيان بضده وما يخالفه في المعنى، فيضع القارئ أمام ما أطلق عليه “نظرية المتاهة المعاصرة”(68) التي تبني معنى النص وتشكك في إمكانية حصره، أو تبنيه وتهدمه في الوقت نفسه، لتعيد بناء معنى آخر أو فرضية إمكانه وهو ما يعني أن التأويل في مشروع كيليطو النقدي معناه مناشدة التعدد والاختلاف والاحتمال في المعنى عوض الوحدة، إنه البحث الدائم بالضرورة- عما هو مغيب مختلف وممكن، وبذلك فكيليطو يقودنا سرا إلى تشيد رؤى للعالم والوجود والمجتمع تتأسس على التعدد والاختلاف من خلال اللغة التي تشكل منظار الإنسان إلى العالم ووسيلته في معالجته لقضاياه.
* لا يسعى عبد الفتاح كيليطو في قراءاته النقدية ومتابعته للإيقاع الخفي لشبكة العلامات والعلاقات المشكلة لدلالات النص، إلى نحث مفاهيم أو بناء منهج بقدر ما يسعى إلى تفكيك النصوص الإبداعية وتوليد دلالات ينفي لاحقها السابق، فينمو التأويل في النص “نموا لولبيا”(69)
* يؤسس عبد الفتاح كيليطو قراءاته على جملة من المفاهيم التي تستمد مرجعيتها النظرية والمعرفية من النظرية السميولوجية وفي مقدمتها مفهوم الأدب والنص والاختلاف والكتابة والعلامة والعلاقة.[..]، دون أن تقيد المفاهيم بمرجعيتها بل تجعلها مجالا للمناقشة والحوار وهو ما جعل مفهوم الأدب في مشروع كيليطو يمتد ليشمل كتبا في المعجمية، والدرس البلاغي النقدي، وفي الفكر.
* يقوم كيليطو بدراسة وتحليل نصوص أدبية مختلفة ومتنوعة داخل إطارها التاريخي، ومنظومتها الفكرية الخاصة ويجعل من الاختلاف القائم بينها في سياقاتها وفي تعددها وتنوعها مرجعه لتعريف الأدب، ويكشف عبرها عن إستراتجية قرائية دقيقة وفاعلة من حيث التأويل والتفكيك للخطابات والأنظمة والرؤى الفكرية التي تحكم وعي الإنسان العربي في تعامله مع نصوص الأدب وتفكيره في القضايا الثقافية القديمة والحديثة، هذه الاستراتجية القرائية التفكيكية هي ما أكسب الخطاب النقدي لكيليطو نسقيته لكن: ماذا لو كانت النسقية تنعكس في ظاهر النص نمطية؟.
الهوامش
1 – محمد الدغمومي: نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط سلسلة رسائل وأطروحات، رقم 44،الطبعة الاولى 1999. ص10.
2 – تزيفيتان تدروف: نقد النقد، رواية التعلم ترجمة سامي سويدان مركز الإنماء القومي- لبنان، بيروت الطبعة الأولى 1986، ص16.
3 – انظر القسم الأول من أول كتاب نشره عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار الطليعة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1982، ويشير كيليطو في هامش الافتتاحية التي كتبها لهذا الكتاب ان مجموع الدراسات تعود إلى ما بين السنتين: 1975-1980.
4 – عبد السلام بنعبد العالي: الأدب والميتافيزيقا، دراسات في أعمال عبد الفتاح كيليطو، الدار البيضاء، دار توبقال،الطبعة الأولى 2009، ص 14.
5 – عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، ص40.
6 – يذكر هذا السؤال بالهم والسؤال نفسه الذي شغل محمد عابد الجابري في كتابه نحن والتراث وتحديدا في مقدمة الكتاب ومدخله ويطرحه بصيغه المختلفة منها نذكر: ” كيف نتعامل مع تراثنا”(ص 14) ” كيف نعيد بناء تراثنا” (ص15) “نحو نوع جديد من التعامل مع تراثنا”(ص5): انظر محمد عابد الجابري: نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي،بيروت-لبنان، الطبعة السادسة 1993.
7 – عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، الافتتاحية ص 9.
8 – عبد الكبير الخطيبي: مقدمة الأدب والغرابة ص6 .
9 – م-ن، ص6.
10 – يكتب عبد الفتاح كيليطو بعض نقوده كأنه يسرد حكاية ونمثل لذلك بمقال من شرفة ابن رشد. انظر: عبد الفتاح كيليطو: من شرفة ابن رشد، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2009.
* والعكس قد يتوهم القارئ وهو يقرأ إبداع كيليطو أنه يقرأ نقدا أنظر تمثيلا، عبد الفتاح كيليطو: أنبئوني بالرؤيا، رواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار الآداب، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2011.
11 – نورد في هذا السياق مقاطع من كتاب الأدب والغرابة يمكن اعتباره إبداعيا من حيث اللغة، كما نشير إلى أننا نميز بين النصوص النقدية التي كتبها كيليطو بالعربية والمترجمة، ونحن هنا لا نحيل إلا على المكتوبة منها بالعربية يقول مثلا: “لا يكاد الباحث يعتني الا بالشخصيات الفذة. كل اهتمامه ينصب على الفرسان المتبخترين فوق حشود المشاة الذين لم تجد عليهم الآلهة بفرس كريم يركبونه ويرتفعون به عن الأرض. وقد تتبدل الصورة شيئا …الأدب الكلاسيكي جبال ووديان؛ التجول في الوديان لا قيمة له ولا نفع يرجى منه؛ من الأحسن تسلق الجبال حيث الهواء صاف ومنعش…”انظر: عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، م-س، ص40.
12 – لا يخلو كتاب من كتب ع الفتاح كيليطو من سؤال اللغة؟ بل نعتبر سؤال “اللغة” بمعناها العام والخاص السؤال الملازم لكتابات كيليطو.
13 – في حوار مع محمد الدغمومي بعنوان: بين ممكن وواقع ضمن: عبد الفتاح كيليطو: مسار، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى2014، ص27.
14 – سعيد يقطين: الفكر الأدبي العربي، البنيات والأنساق، منشورات: دار الأمان- الاختلاف- ضفاف، الطبعة الأولى 2014، ص170.
15 – سعيد يقطين: م- س، ص169.
16 – تزفيتان تدوروف: م- س، ص 16.
17 – عبد الفتاح كيليطو: المقامات، السرد والأنساق الثقافية، [ترجمة عبد الكبير الشرقاوي]، دار توبقال الطبعة الأولى 1993، ص219. ونشير إلى أن النص الأول من الكتاب وهو الأطروحة الأكاديمية للناقد قد نشرت سنة 1983، عن دار سندباد -باريس
18 – م-ن، ص- ن، انظر كذلك ما يقوله الكاتب عن هذا التحليل العاجز والمظلل للقارئ في: عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة، م-س، ص42.
19 – عبد الفتاح كيليطو: المقامات،م- ن، ص220.
20 – يلتقي عبد الفتاح كيليطو ومحمد عابد الجابري في كثير من المقترحات المنهجية والخلفيات الفكرية المقترحة لدراسة التراث منها ما سبق أن أشرنا إليه في هامش سابق من تشابه للأسئلة التي تعيد تأطير علاقة كل منهما بالتراث، وأيضا دعوتهما معا بعبارة الجابري إلى ” جعل المقروء ?من التراث- معاصرا لنفسه معناه فصله عنا..وجعله معاصر لنا وصله بنا..” محمد عابد الجابري: م- س، ص12.
21 – عبد الفتاح كيليطو: المقامات ص8
22 – *نمثل لبدئه القراءة باكتشاف إحالة هامشية ينطلق منها، يقول في بداية قراءته لمؤلف البخلاء”في مقدمة كتاب البخلاء، يحيل الجاحظ إلى كتاب، لم يصلنا، في تصنيف حيل لصوص النهار وفي تفصيل حيل سراق الليل”. انظر عبد الفتاح كيليطو: الأدب والارتياب، دار توبقال الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007، ص18.
* في الانطلاق من فكرة هامشية للقراءة يقول في بداية قراءته لمؤلف طوق الحمامة لابن حزم: “لم يخطر ببالي أن طوق الحمامة يمكن أن يقرأ بريبة الا عندما اطلعت عليه مؤخرا بتحقيق الطاهر المكي أحمد الذي صرح أنه كاد أن يهمل فقرات منه” انظر: م- ن، ص28. انظر كذلك انطلاقه من فكرة بعدية على كتاب أو الأدب العربي الكلاسيكي عموما في قراءته “حي بن يقضان ” وانطلاقه في القراءة من قول/ حكم لشارل بيلا . انظر: م- ن، ص64.
23 – في مقاله: من شرفة ابن رشد، عبارة “لغتنا الأعجمية” أنظر عبد الفتاح كيليطو: من شرفة ابن رشد، م-س، ص61.
24 -* انظر لفظ السمكة في قراءته لأبي العبر، وانظر عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، دراسات في السرد العربي، دار توبقال الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1988، تحديدا ص ص52-57.
* الحية في قراءة مقامة الحريري، انظر عبد الفتاح كيليطو: الغائب، دراسة في مقامة الحريري، الدار البيضاء، دار توبقال، الطبعة الأولى1987، ، ص10، وما بعدها.
* الجوزة في قراءة كليلة ودمنة، لابن المقفع ، عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، م- س، ص39، وما بعدها.
25 – انظر تمثيلا تناوله لكتاب التشوف لابن الزيات وانطلاقه من ترجمة هذا الأخير لأبي السهل القرشي يقول كيليطو: “في كتاب التشوف استرعت انتباهي ترجمة لولي اسمه القرشي” .انظر عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، م- س، ص-ص59-67.
26 – انظر تمثيلا: مقال أبو العبر والسمكة” يبدأه كيليطو بالسؤال: ” هو أبو العبر؟” هكذا تبدأ قراءته لحكايات وشعر أبو العبر. انظر عبد الفتاح كيليطو: م-ن، ص45، وما بعدها.
27 – مسار ص28-29.
28 – سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، بيروت- دار الكتاب اللبناني، الدار البيضاء، سوشبريس1985، ص86.
29 – عبد الفتاح كيليطو: الغائب دراسات في مقامة الحريري، دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1987..
30 – نشير الى أن التقابلات غير الثنائيات غير الترادفات
31 – انظر فصلا مختصرا يحمل عنوان” فاعلية الاختلاف” في أهمية ودور الاختلاف في تأويل وبناء معنى النص ضمن: عبد الله ابراهيم: التفكيك: الأصول والمقولات…، ،عيون المقالات، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1990، ص ص44-57.
32 – عبد الفتاح كيليطو: المقامات، م- س، ص219-220.
33 – عبد الفتاح كيليطو: من شرفة ابن رشد، [ترجمة عبد الكبير الشرقاوي]، دار توبقال الدار البيضاء،الطبعة الأولى 2009، ص ص37-43.
34 -عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية، [ترجمة عبد السلام بنعبد العالي]، دار توبقال، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2013، ص ص62-64.
35 – م- ن، ص ص 65-69.
36 – عبد الفتاح كيليطو: المقامات، م- س، ص220.
37 – رولان بارت: درس السيميولوجيا، [ترجمة عبد السلام بنعبد العالي]، تقديم عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1993 ص21.
38 عبد الفتاح كيليطو: من شرفة ابن رشد، م-س، ص42-43.
39 -م-ن، ص42.
40 -عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات، م- س، ص63.
41 – م- ن، 63
42 – عبد الفتاح كيليطو: لن تتكلم لغتي، دار الطليعة بيروت ? لبنان الطبعة الأولى 2002، ص8-9.
43 – تفيد يَحل في هذا السياق يقوم؛ أي يقوم الأول مقام الثاني، وتعني الحلول تجلي الأول وتمظهره في الثاني، فالحريري يتجلى ويحل في نصوص بيريك فيما يتجلى ويظهر المعري في نص دانتي.
44 – عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص98.
45 – يعتبر الاختلاف من المفاهيم الأساسية في حقل الدراسات النقدية الأدبية الحديثة، ينتهي الناقد العراقي عبدالله ابراهيم من خلال بحثه في دلالات كلمة الاختلاف وما تعنيه في كتابات جاك دريدا إلى أن الاختلاف” مصطلح يقوم على تعارض الدلالات، هناك العلامات التي تختلف كل واحدة عن الأخرى، وهنا المتوالية المؤجلة من سلسلة العلامات اللانهائية، وهكذا يخرج المصطلح من دلالته المعجمية ويكتسب دلالة اصطلاحية” انظر عبد الله ابراهيم: م-س، ص51. ونجد في كتاب معجم المصطلحات الأدبية: ” توجد في اللغة (اختلافات )، أي أن العلامة لا تملك مضمونها، وهذا ما يميزها عن باقي العلامات، داخل محور الاستبدال. ويكون الاختلاف أول شرط لظهور المعنى ويمكن التعرف عليه انطلاقا من رصيد التشابهات (الهوية/الغيرية).” انظر سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة ،م- س، ص 86.
46 – يحضر التعويل على تأويل منطوق الاسم في البحث عن دلالات المعنى في نصه حول أبو العبر ضمن عبد الفتاح كيليطو: الحكاية والتأويل، م-س، ص 45، وما بعدها.
47 – عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص98-99.
48 – المشابهة تحضر كذلك في قراءته لرواية إدمون عمران الملح ” ألف عام في يوم” في المشابهة التي يقيمها من داخل النص بين الصندوق والكتاب أنظر عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص87.
49 – يتخذ القلب في الكتابات النقدية لعبد الفتاح كيليطو مختلف معانيه ومنها مثلا: بدل أفرغ- حول- عكس..
50 – في قراءته لرواية عبد الوهاب المؤدب “فانتازيا” الصادرة بالفرنسية سنة 1986، يشبه السرد فيها بالتيه في منعرجات باريس بمتاهة ذاكرة مشحونة بالصور والإحالات: انظر عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص95.
51 – عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص87-89.
52 – م- ن، ص 96.
53 – عبد الله ابراهيم: م- س، ص85.
54 – أمبرتو ايكو: التأويل بين السميائيات والتفكيكية، [ترجمة سعيد بنكراد] المركز الثقافي العربي 2004 الطبعة الثانية ص119.
55 – م- ن، ص124.
56 – تحضر البدائل التي يقيمها كيليطو بين دوال النص بشكل واضح في مقابلة: الازدواجية اللغوية في نص المؤدب بحضور ذكر للحية ففي النص والانتقال من خلاله إلى البحث دلالات لسان الحية المشطور في كتابات الجاحظ. انظر عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص96.
57 – م- ن، ص 96-97.
58 – عبد الفتاح كيليطو: الكتابة والتناسخ مفهوم المؤلف في الثقافة العربية [ترجمة عبد السلام بنعبد العالي] بيروت – لبنان، دار التنوير الطبعة الاولى 1985.
59 – يحضر سؤال المؤلف متقدما أسئلة تتعلق بسؤال الكتابة والقول بعد خمس عشرة سنة من صدور الكتابة والتناسخ دليلا على استمرارية التفكير فيه، في مقدمة كتاب عبد الفتاح كيليطو: أبو العلاء المعري أو متاهات القول، الدار البيضاء، دار توبقال، الطبعة الأولى 2000.
60 – هذا السؤال نفسه طرحه عبد الفتاح كيليطو عشر سنوات بعد كتاب الكتابة والتناسخ في قراءته لرواية سيرفانتيس: ” دون كيخوتي” حيث يقول كيليطو في بداية القراءة “إحدى خصائص دون كيخوتي هي أنها تقدم نفسها باعتبارها مؤلفا كتبه عدة “مؤلفين […] أيعني هذا أن سابقيه كانوا في وضعية الأسبقية؟ ” انظر: عبد الفتاح كيليطو: لسان آدم، [ترجمة عبد الكبير الشرقاوي]، الدار البيضاء دار توبقال، الطبعة الأولى 1995، ص91.
61 – رولان بارت: درس السيميولوجيا، م-س، ص81.
62 – يقول أمبرتو ايكو: “هل لازال بإمكاننا الاهتمام بالمؤلف الواقعي للنص؟ عندما أتحدث إلى صديق فإن قدراتي عل فهم ما يود قوله أمر يهمني، وعندما أتوصل برسالة من صديق وأفهم ما يود قوله فهذا أمر يهمني، لهذا فإني أشعر بقلق عندما أقرأ لعبة التقتيل التي مارسها دريدا على نص من توقيع جون سورول “أيضا أنظر: أمبرتو ايكو: التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، م- س، ص85.
63 – عبد الفتاح كيليطو: الغائب، م-س، ص ص66-71.
64 – يتجلى التأجيل وربما الحذف واضحا في نهاية قراءته لرواية ادمون عمران المالح ألف عام في يوم” انظر عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية ، م-س، ص89، وكذلك قراءته لرسائل إلى نفسي لنفس الكاتب في نهاية المقال. انظر: م- ن، ص91.
65 – تحضر قضية وإشكال اللغة في كل كتابات كيليطو يكفي أن نذكر منها مثلا: لسان آدم، أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، لن تتكلم لغتي،…
66 – في قراءته لنص “رسائل إلى نفسي” لادمون عمران المالح كثيرة هي الأسئلة التي تخاطب المتلقي وتدفعة إلى افتراض أجوبة رغم بعض صيغها الاستنكارية. انظر عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، م- س، ص90-91.
67 – عبد الفتاح كيليطو: الغائب، م- س، ص57.
68 – أمبرتو ايكو: التأويل بين السميائيات والتفكيكية، م- س، ص118.
69 – ، م- ن، ص126.


إبراهيم أزوغ *

شاهد أيضاً

أوتوبوغرافيا المكان لعلاء الأسواني «نادي السيارات» .. أنموذجا

«إنّ الرواية الواقعية هيَ الشكلُ الفنيّ الأكثر ملاءمة ً في التعبيرِ عن العلاقةِ بينَ كلٍّ …