أخبار عاجلة

نشيد البراءة لمحمد السناني

أصدرت مجلّة أخيرا (العدد 95 لسنة 2018) الكتاب التاسع والثمانين المرافق للمجلّة. وهو ديوان شعر للشاعر محمد السناني وهو في 78 صفحة و يحمل عنوان “نشيد البراءة و قصائد أخرى” ويتضمّن الدّيوان ثلاثين قصيدة متقاربة الطول بمعدّل الصفحة و الصفحة و نصف الصفحة وقد تمتدّ أطول القصائد على الصفحات الثلاث.
والجدير بالملاحظة أنّ قراءة هذا الدّيوان قراءة يسيرة. ذلك أنّ القصائد تتوالى متداعية فلا تكاد تحتاج، في قراءة أولى على الأقلّ، إلى التوقّف أو التعثّر أو التّساؤل عن العلاقة النحويّة الرّابطة بين مختلف عناصر الخطاب الميسّرة لفهم المعنى. وذلك يعني أنّ الشعر هنا ضامن للدرجة الأولى من الفهم، تلك الدّرجة التّي يأتيك فيها المعنى الظاهر واضحا مكشوفا ويأتيك من القرائن ما يمهّد لك أن تتخطّى المعاني الأوائل إلى المعاني الثواني. وهذه الميزة قد تبدو لك طبيعيّة في شروط الكتابة غير أنّها، في الكتابة الشّعريّة خاصّة، ليست من البداهة التّي قد نتوهّم في زمن يظنّ فيه الكثير من كتّاب الشعر أنّ الإبداع مقترن بتلبيس المجاز وأنّ الاستعارة كلّما كانت معقّدة كانت إلى الفنّ المغمّض الأقرب.
ومثلما تسهل على قارئ هذا الدّيوان قراءتُه، يسهل عليه الإحساس بأنّ الدّيوان ليس سوى قصيدة واحدة رغم تعدّد قصائده، يتأكّد لك تواصل القصائد واسترسالها من غياب التنقيط فيها، إلاّ ما قلّ، وغياب نقطة النهاية في خاتمة كلّ قصيدة.. معنى ذلك أنّ هذا الدّيوان حامل لغرض شعريّ توحّد الإحساس فيه وتلوّن الخطاب الحامل له بعدد القصائد الدّالة عليه. والأغلب على الظنّ أنّ قارئ هذا الديوان لا يمكن له أن يبقى منه على الحياد ولا يمكن له أن يقيم المسافة الوجدانيّة والعقليّة بينه و بينه ولا يمكن له أن لا يتأثّر ولا أن لا يتفاعل مع ما في الدّيوان من الوشائج والرّؤى. ومأتى التفاعل هذا ليس صادرا، فقط، من موضوع الدّيوان بقدر ما هو صادر عن صياغة الكلام و تركيبه و نظمه.
لقد اختار الشاعر أن يكون عنوان الدّيوان عنوان واحدة من قصائده. والمعنى المقصود عادة من مثل هذه العنونة يرمي إلى تنبيه القارئ إلى مكانة خاصّة لتلك القصيدة في عين الشاعر ودعوة للقارئ لإيلائها في القراءة اعتبارا خاصّا. وقد احتلّت هذه القصيدة المرتبة الأخيرة من الدّيوان، وكان يمكن أن تحتلّ الصدارة منه. والموقعان الأوّل والأخير متساويان في وظيفة الإبراز ولفت النظر، بل ربّما كانت القصيدة الأخيرة آخر ما تذوّق القارئ ورسب في فكره ومخياله من الديوان بأكمله. وفعلا فإنّ القصيدة الأخيرة هي، في اعتقادنا، زبدة الدّيوان وبيت القصيد بل إنّ الأسطر الأربعة الأخيرة من هذه القصيدة، وهي في الوقت نفسه الأسطر الأخيرة من الدّيوان كلّه، هي الحصاد والحصيلة التّي خرج بها الشاعر من عمليّة الكتابة وهي التّي أرادها أن ترسخ في ذهن المتلقّي بعد القراءة.
وهذه الحصيلة وردت في شكل خطاب صادر من المتكلّم يوجّهه إلى مكوّنات الكون الآدميّة و غير الآدميّة ( من كائنات حيوانيّة و طبيعيّة و صناعيّة (ص75-76) تشترك جميعها في أنّها كائنات صالحات متعلّقات بالوجود تعلّقا “بريئا”، كلّ من جهته وكلّ بطريقته، صامدات في وجه معوّقاتها دون البقاء وكان يمكن أن تكون قائمة هذه الكائنات أطول وكان يمكن أن يستحضر منها الشاعر غير ما استحضر و إنّما هو التّرداد الشّعري والمعنى واحد، وأراد الشاعر لهذه الحصيلة أن تكون “نشيدا” بما يحمله النشيد من معاني الصدح الصوتي الجماعي بجملة من القناعات و المبادئ تتبنّاها الجماعة و ترفعها إلى الأجيال القادمة تربّيها على الالتزام بها والعمل بمقتضاها حفاظا على بقائها.
أمّا مضمون النشيد المُهدَى إلى الكائنات من الأصدقاء و الصّديقات ففي قوله في الأسطر الأخيرة من الدّيوان: “لهم و لهنّ ولكلّ جذوة براءة مبثوثة في الأنفس و العالم و الأشياء هذا النشيد الناقص المرتجف كشمعة توشك على الانطفاء في يد عجوز أعمى يعبر النفق الطويل المظلم اللانهائيّ الرّطب نحو عتمة أخرى جديدة”.
في هذا الخطاب كان المتكلّم الشاعر مخاطِبا و كانت الأنفس هي المخاطَب وكان المخاطَب متحلّيا بجذوة براءة كبراءة الأطفال يقبلون على الحياة بفرحة الساذج الجاهل لحقيقة ما ينتظره من أهوال الدّنيا و لم يكن خطاب المتكلّم الشاعر خطاب الواثق النّاصح بقدر ما كان خطاب الإنسان العارف، على الأقلّ، بنسبيّته ومحدوديته البشريّة فكان نشيده “ناقصا” و كان صوته “مرتجفا” وانحصرت معرفته من الدّنيا في الصورة الشّعريّة التّي كان الإنسان فيها عجوزا أعمى وكانت الحياة التّي يعيشها ويعبرها نفقا طويلا مظلما لا نهاية له و كانت الحياة مؤدّية إلى نفق جديد يشبهه في ظلمته وعتمته، واقتصرت تجربة الإنسان في الكون وعلمه بكيانه ومحيطه على بصيص من نور كبصيص نور الشمعة المرتجف الباهت.
وإذا بهذه الأسطر الشعريّة الأخيرة تمثّل خلاصة التجربة الإنسانيّة في الكون. وإذا بالوجود عبارة عن نفق مظلم مفضٍ إلى ظلام مجهول، وإذا بالإنسان كائن مكره على السير في ذلك النفق المظلم وإذا بالعقل والفكر والإرادة شمعة ضعيفة تنير له سبيل الوجود فكان محكوما عليه بالسير نحو المجهول الذي يبقى مجهولا رغم نور الشمعة المرتعشة.
وإذا بالدّيوان يتنزّل في سياق فلسفيّ وجوديّ معالج للمنزلة البشريّة في الكون بحثا عن معنى الوجود وعن معنى وجود الإنسان فيه وهي قضيّة أزليّة باشرها الإنسان منذ القدم و عالجها في سياقات فكريّة مختلفة فلسفيّة و أدبيّة روائيّة وشعريّة وليس من باب هل غادر الشعراء من متردّم أن يعود إليها الشاعر هنا فالقضيّة مؤرّقة للمضجع البشريّ ما دام الوجود ولا شيء يمنع من العودة إلى القديم بروح الجديد و أسلوبه.
وعلى هذا الأساس تكون قراءة الدّيوان وتكون قصائده مسكونة بهذا الهاجس الوجودي بشكل من الأشكال و بصورة من الصور. والقارئ لا ينتظر في الحقيقة نهاية الدّيوان ليستشفّ موضوعه و مشاغله وإنّما هي مبثوثة في الدّيوان كلّه. بل هي حاضرة فيه منذ غلافه.
فليس من الصّدفة أن كان غلاف الدّيوان داكن اللّون في وجهه و قفاه فكان لونه لون نفق الوجود المظلم المكتنف لكلّ ما حوله وكانت صورة الغلاف مجسّدة بالصورة المعاني التّي أدّتها القصيدة بالحرف. ففي صورة الغلاف كائن بشريّ مطموس المعالم يخبط خبط عشواء داخل دائرة مغلقة مظلمة وجاء داخلَ تلك الدّائرة ما يعبّر عن ضياع البوصلة وعن الدّائرة المفرغة التّي يعود فيها على بدء حول محيط غائم. ولو لم تكن الحركة دائريّة لجاز استحضار صورة سيزيف يرفع صخرته في حركة أبديّة صاعدة نازلة. فكان الغلاف في لونه وتصويره مهيِّئا للقارئ نحو توجّه فلسفيّ وجوديّ في قراءة الدّيوان و تأويله.
لقد كان القصد واضحا، في هندسة الدّيوان، إلى الرّبط ما بين البداية والنهاية، ودعانا ذلك الربط بينهما إلى أن نولي الاعتبار إلى أمرين أساسيين أحدهما موضوع الدّيوان وهو معالج لمأساة الإنسان الوجوديّة و ثانيهما الوقوف على الخاتمة التّي أفضت إليها تلك المعالجة وهي خاتمة حاملة لمعاني الصمود والمثابرة ومنفتحة على نافذة، وإن كانت ضيّقة، و مخرج، وإن كان ضيّقا، ونورا، وإن كان بصيصا، وأملا، وإن كان ضعيفا، لفوز الإنسان بمعنى وجوده. و هذا النفَس المتفائل الذي انتهى به الدّيوان حمَله عدد قليل من القصائد هي القصائد الخمس الأخيرة في ظنّنا وهي تمثّل قسما متأخّرا ملتحما بسائر القصائد السّابقة له، لا شيء يفصله عنها، يدخله القارئ بدون تنبيه أو إشارة أو علامة مطبعيّة و فيها تُعرض على القارئ جملة من النصائح و الحلول و المسالك أمام انسداد الأفق. أمّا ما بقي من القصائد وهو السواد الأعظم من الدّيوان (25 من 30) فمشهد قاتم مأسوي للعبور الإنساني في الوجود تنوّعت فيه المعاني و تداخلت و تشابكت فيه الأحاسيس و لكن يمكن مع ذلك، لأسباب منهجيّة، أن نوزّعه، عند معالجته، إلى جملة من العناصر المتوالية
ولكن يجدر بنا التنبيه، قبل ذلك، في هذا السياق و في معالجة قضيّة وجوديّة كالتّي بين يدينا أنّ المتكلّم أيّا كان، إنّما يتكلّم بصفته الإنسانيّة التّي تتعالى عن انتساب لغويّ أو دينيّ أو عرقيّ وعن أيّ انتساب إلى دائرتَيْ الزمان والمكان. وإنّما هو الانتساب إلى المنزلة البشريّة و الاشتراك في تجربة بشريّة واحدة من لحظة الولادة إلى لحظة الوفاة و المرور بمسيرة بشريّة واحدة مسكونة بهاجس بشريّ واحد باحث بما أوتي من أدوات البحث العقليّة وغير العقليّة عن الحقيقة المؤدّية إلى معرفة معنى الوجود باستكناه أسبابه وغاياته ومنزلة الإنسان فيه. وهو مبحث لا تزال البشريّة تتخبّط فيه ولن تزال واقعة فيه بأدوات قاصرة عن إدراك الحقيقة، ولن يزيدها قصر الأداة وتعدّد التجربة وتوالي الفشل إلاّ عنادا وإصرارا وليس نشر هذا الدّيوان إلاّ شاهدا على ذلك بصرف النظر عن نزول ناظمه في سياق لغويّ أو دينيّ أو مكانيّ أو زمانيّ معيّن إذ أنّ خوض التجربة متنزّل في سياق إنسانيّ أعلى وأشمل.
ولهذا لن نجد في هذا الدّيوان من القصائد ما يمتّ إلى الخصوصية بصلة، وإن حدث ذلك ففي قصائد قليلة جدّا جاءت الإشارة فيها إلى سياقات عربيّة معاصرة مثل الحرب باليمن أو تشرّد أطفال غزّة أو غرقى الهجرة السرّيّة في قصيدة “نهارات مكدّرة” ولم يكن يعني الشاعرَ منها إلاّ فظاعة الحرب في المطلق وسخافة الحياة البشريّة في مثل قوله :
أطفال شوارع العالم نحن
لا آباء و لا أمّهات لنا
في انتظار الفجر الميّت (ص 26)
بل إنّ لغة الدّيوان كانت خاليّة من كلّ العلامات المحيلة على سياق حضاريّ معيّن أو سياق جغرافيّ معيّن يمكن أن ينزّلها في مقام مخصوص دون المقام الإنساني باستثناء استعماله لكلمات متفرّقة قد نشتمّ منها اصطلاحا لغويّا محلّيا مثل كلمة “الركوة” (ص 33) أو استعماله “للدروازة” (ص 62).
ثمّ إنّ من القرائن اللّغويّة التّي يتعمّد الشاعر استحضارها في خطابه تعمّدا مساعدا للقارئ على التوجّه إلى مقاصده و الذهاب في المعنى إلى حيث يريد، أنّه توخّى استعمال المصطلح الفلسفي الحامل لمعاني “الوجوديّة” حيث أمكن له أن يدسّه في مواقع متفرّقة من الدّيوان. وهذا الاصطلاح الفلسفي لا يدع مجالا للشكّ أو التردّد من تنزيل الرموز والكنايات الشعريّة في هذا السياق الدلالي دون غيره من التّأويلات الممكنة الأخرى.
فمن مفردات المعجم الفلسفي الوجودي قول الشاعر :
ليتني وُلدتُ في عصر ما قبل الإنسان العاقل
حيث السّهول الخضراء
…ولا همَّ سوى اللّحظة المرتكزة على خاصرة الرغبة
ولا قلق وجوديّ من فَناء ساذج
وعدميّة مزعجة و خلود خلّب (ص 42)
لا نظنّنا في حاجة، في هذا الشاهد، إلى توضيح المفارقة التّي يقيمها الشاعر بين زمنين من تاريخ البشريّة: زمن سعيد سابق لزمن الإنسان “العاقل” حيث يكتفي الإنسان بعيش اللحظة التّي هو فيها لا فرق بينه و بين بقيّة الكائنات غير العاقلة، وزمن الإنسان العاقل وهو الزمن المثير للقلق الوجوديّ المؤدّي إلى تبيّن جملة من “الحقائق”: فناء ساذج وعدميّة مزعجة وخلود خلّب. وهي الحقيقة التّي اختصرها قبلنا أبو الطيّب المتنبي في البيت المأثور:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله – وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
وفي القصيدة نفسها، قصيدة “التأرجح”، يبدو قلب الإنسان على الحالة الآتية :
هذه العضلة المكدودة
من الركض خلف سرابات المعنى
وتلاشي الأيّام
ومظاريف الغد المختومة بمداد العبث (صص 41-42)
فلا يمكن أن يكون للمعنى في هذا السياق غير الدلالة المحيلة على معنى الوجود و أنّه مطلب مفض إلى الفشل والخيبة ومختوم بإقرار “العبث” أي عبثيّة الوجود و انعدام المعنى.
وهو نفسه المعنى المقصود في سياق شعريّ آخر، قوله:
كدحتُ لبلوغ المعنى
وما أن بلغته حتّى اتّضحت عبثيّته المطلقة (ص21)
أو قوله :
كم كان الفجر وسيلة لبلوغ المعنى (ص 60)
وما الفجر إلاّ فجر الإنسانيّة في زمن سابق لزمن الإنسان “العاقل” حيث كان إدراك معنى الوجود ممكنا. أمّا الواقع المعيش اليوم فمختصر في هذين البيتين:
في كلّ فجر نقول للشمس : يا لَلملل
ها أنت تَعلك الضجر في انتظار موتك البعيد (ص 62)
وعلى ضوء هذه العلامات الاصطلاحيّة اللغويّة تتوجّه قراءة الدّيوان وجهة وجوديّة تتجلّى خلالها المعاني الرئيسيّة التّي يحملها الفكر الوجودي. و لعلّ المنطلق في نشوء هذه الدّودة التّي يسمّيها الشاعرة مرّة “بالرمّة” (ص 39) ويسمّيها مرّة أخرى “بالأرضة” (ص 59) ما يصيب الإنسان من مشاعر الملل والقرف بسبب ما في الكون من الرتابة المقيتة التّي تلفّ الكائن في بوتقة دائريّة وتأخذه رغما عنه إلى مصير مجهول وحتف مظلم. فكان من المعاني المركزيّة في الفكر الوجودي وكذلك في الدّيوان وصف ما في واقع الإنسان وحاضره من مظاهر القبح والبشاعة والقرف. وفي أداء هذا المعنى تتنوّع وسائل التعبير من جنس فنّيّ لآخر وتكون الصورة الشعريّة هي الأداة المتوقّعة للوفاء بهذا المعنى والضامنة لجدّة العبارة. وفعلا فإنّ الدّيوان متفنّن في التعبير عن بشاعة حاضر الإنسان وقتامته. و كان موظّفا لبلاغة التّشبيه لتجسيد فظاعة المعيش الحسّي والوجداني. من تلك الصور تشبيه الحياة بشبكة صيد قديمة غير صالحة للاستعمال. قال :
هذه الحياة المتشابكة المعقّدة المهلهلة
كشبكة صيد قديمة في يدي
لا أستطيع فردها وحلّها و نشرها من جديد (ص17)
ومن ذلك الصور المرعبة الخرافيّة التّي جاءت مجتمعة في قصيدة “نصيحة لمسافر جوّال” وبدت فيها الطبيعة شرسة وضارية. قال:
جبال كثيرة متراكمة متراصّة كحجّاج عماليق
وبحر قديم كحساء بائت
وسماء صدئة الملامح كوجه راعٍ جبليّ
أمّا الشمس
فتبدو كفجيعة كبرى بسياطها اللاهبة
ففي الليل تنزل الضباع
حاملةً سحرتها للوديان
فيما الثعابين والعقارب تُرتّبُ لنا أسرَّتنا
أو ذلك التصوير للحياة الدّنيا في قصيدة “الحديقة الصغيرة الجرداء” حيث يعيش الإنسان أسيرا ضائعا شقيّا فاقدا لطعم الحياة “موسيقاه صدئة” و”قهوته مرّة ثخينة كدماء المرضى في مستشفيات كالحة” في انتظار الرحيل.
في هذا المشهد الكارثيّ كان للموت موقع مركزيّ فهو النهاية المأسوية لحياة الإنسان وهو الحجاب المنسدل عمّا وراءه من أسرار يبحث الإنسان، عبثا، عن كشفها فلا يفوز بغير البحث و الكدّ. فكان الموت هاجسا ملازما للإنسان طوال حياته يقضّ مضجعه ويمرّر عيشته و قد شبّهه الشاعر بطنين في الرّأس بل في الروح و الجسد لا يكفّ عنه و لا قدرة له على الخلاص منه. قال في قصيدة “ضجيج الموت” :
أريد أن يهدأ ضجيج الموت في داخلي
خيوله و طبوله و راياته و قتامه الخانق
مركوزا على صليب الانتظار الأبدي
كلصٍّ وحيد دون مسيحٍ مخلِّصٍ مهزوم (ص 11)
وشبّهه في موطن آخر بوحش مفترس افتراسا عشوائيّا وعبّر عن سخرية القدر بأسلوب الجمع بين الشيء ونقيضه قال :
الموتُ هنا وحش فاغر فاهُ
وأشداقه تقطر دما بريئا
…هكذا يعمل بانتقائيّة مجهولة (ص 69 )
وعبّر تعبيرا صريحا مريرا عن عجز الإنسان أمام حتميّة الموت :
أن تتحوّل فجأة إلى لاشيء
إلى رماد في منفضة
إلى عدم ماثل
إلى ذكرى مشوّشة
…ونحن عاجزان تماما عن فعل شيء
…فيما أرواحنا عالقة في سياج الفقد.(ص19)
أمام هذه الحقيقة المرّة للحياة وللوجود يركن عامّة الناس إلى الاستسلام للتيّار الجارف و الرضى بالموجود و تفترض الفلسفة الوجوديّة انتصاب البطل الإنسان المأسويّ السّاخط على الموجود المجدّف في وجه التيّار الحامل لشعار “الفعل” و”العمل” و”الأمل” ومن أبرز مقوّمات البطل التراجيدي صفة التمرّد على السّائد و كسر نظام العادة والمألوف وحتميّة القضاء والقدر ولذلك عزم غيلان بطل مسرحيّة السدّ لمحمود المسعدي على بناء السدّ و هو المستشعر بأنّ صاهبّاء الآلهة مهدّمة له عند وشك إتمامه. ولذلك أيضا هجر أبو هريرة المدينة و المدنيّة و سافر في البرّ باحثا عن معنى حياته في “حدّث أبو هريرة قال” لذلك أيضا غادر شهريار عالم الجسد ورحل يبحث بحثا مأسويّا عن حقيقة الكون وحقيقة الإنسان فكان معنى السّخط والكفر بالحاضر والتمرّد على الواقع معنى أساسيّا حملته القصيدة في الدّيوان وعبّرت عنه بطرق مختلفة تجتمع حول معنى السفر في دلالته الفلسفيّة البعيدة الرّاميّة إلى مغادرة الواقع والتّوق إلى نقيضه :
كُنْ المسافر أبدا في سفينة قراصنة الحلم
ارْشِ الزمن بقليل من الإرادة (ص 10)
ويصدر من الشاعر الأمر “بالهرب” في مواضع مختلفة من الدّيوان ويوظّف، للإقناع بضرورة “الهرب” قصّة زوجة لوط التّي تحوّلت إلى عمود من الملح عندما تلكأت في “الهرب” والتفتت إلى الوراء بدلا من الهروب إلى الأمام :
أعمدة من ملح نحن
لأنّنا التفتنا لغدنا الموشك على الانهيار
و لم نحاول الهرب
فاهربْ اهرب من هنا (ص32)
وتصدر من الشاعر إلى الإنسان أوامر قد تبدو للإنسان العاديّ إن هي فُهمت خارج سياقها الشعريّ أو فُهمت بمنطق الأخلاق، على أنّها أوامر غريبة مجنونة، قال :
جالسْ المجانين والعازفين والشحّاذين
تحجّرْ أمام كلّ جميلة تراها
اثمل بالبيرة الشّعبيّة..(ص 9)
انغمسْ في حساء الرذيلة السّاخن الثخين
وابصقْ مرّة أخرى على أطباق الفضيلة الباردة (ص27)
واستمدّ الشاعر من سياق الثقافة العربيّة صورة “الصعلكة”، و زيّن الشاعر للمتلقّي حياة الصعلكة لا بمعناها التاريخي بل بمعناها الوجودي معنى التمرّد على السّائد و الخروج عليه بروح التفرّد والبحث عن المعنى والكشف عن المجهول و ذلك في قصيدة “شبق الهمجيّة” حيث يرغّب العنوان في طلب اللّذة تُطلب من الهمجيّة في لهجة البيان الثوري الحماسي وأسلوبه وممّا جاء في هذه القصيدة :
المجدُ للمهرّبين في صحراء الربع الخالي
لقُطّاع الطرق بين فيافي الجزيرة العربيّة
لولاكم لظنّنا أنّنا استسلمنا للأبد
المجدُ للشقاء
المجدُ للقمة المغمّسة بعرق النضال الشمسي
يا بحر العرب
كونوا مآل صعلكاتنا الأخيرة (ص66)
ولا تفوت المتلقّي في هذه الثورة العارمة دعوة ملحّة مطّردة إلى الهروب من الكتب والمكتبات باعتبارها رمزا حاويا للعلم المتحجّر والمعرفة المرسّخة لروح الوثوق و الاطمئنان و الخنوع والرضا بالدّون. قال :
اهربْ من المكتبات ذات الرخام البديع
إلى أزقّة الحارات المنسيّة
وحانات الصعاليك القذرة..(ص15)
ووعد الشاعر بأن يكتب كتابا بديلا يكون بمثابة “المانفاست” يُلغي المعرفة القائمة و يبشّر بعهد جديد تتضّح فيه للوجود حقيقة جديدة و إن كانت قديمة. قال:
سيكتشف أحدهم
كرّاسا صغيرا يحمل خطّي
وأفكاري القديمة البالية
عن الحياة الجديدة أبدا (ص 15 -16)
إلى هذا المستوى كان الشعر هنا حاملا للهواجس الفكريّة للقضيّة الوجوديّة التّي يشاركه فيها غيره من فنون الفكر والأدب والتّي اصطبغت عنده بصبغته الشعريّة الخاصّة به. و لكنّ للشاعر في المستوى الموالي من المعالجة موقفا خاصّا به و فكرا منحرفا عن الجماعة لا يقول بقولها في ما اتّصل بمآل “الفعل البطولي الوجودي” الذّي وجب أن يؤول بعد التجربة والإصرار على البحث إلى الفشل وأن لا يتمثّل فضل الإنسان فيه في الظفر بمعنى وجوده بل أن يتمثّل فضله في الاجتهاد والمحاولة و السّعي إليها دون إدراكها وفي ذلك شرفه ومأساته في الآن نفسه.
وقد اختار الشاعر أن لا يقف موقف اليائس الفاشل، وهو الموقف الشائع، بل أن يقف من عبثيّة الوجود وانسداد الآفاق موقف الآمل المستشرف لبصيص من النور المضيء يهديه الطريق في نفق الحياة الدّامس فلم يكن الهرب من السّائد هربا فوضويّا بقدر ما كان هربا هادفا و رغم معنى التردّد الذي حملته بعض عناوين القصائد من باب “التأرجح” أو باب “حيرة الاصطفاف” فإنّ معنى “النّصيحة” و”الحلم” و”الأمل” كان حاضرا حضورا قويّا داخل الدّيوان ولكن خاصّة في القصائد المتأخّرة منه. و لعلّ من أقوى الشواهد الحاملة لمشروع الحلم قوله :
قِفْ مع حلمك الذي لا تعرفه،
حلمك بالخلاص من حبال الولادة
وأوحال الحياة و شراك الموت وأعباء الأبديّة (ص 53)
وبعبارة أخرى فإنّ الشاعر في هذا الدّيوان وفي معالجة هذه القضيّة لا يفرد المجال للعقل وحده. و لو انفرد العقل بصاحبه و ملك عليه كيانه لأودى به إلى هلاكه و قصور آلته. فإن كان للعقل هنا الاعتبار الأوفى فإنّه ليس له الاعتبار الكلّي ذلك أنّ الشاعر قد فسح للوجدان والحسّ والقلب مجالا تعيش بفضله النفس ضربا من الراحة و الفرحة ويكتسب فيه الإنسان بعضا من معنى وجوده وإن كان ذلك الكسب يسيرا و إن كان مداه قصيرا و إن كان زواله سريعا. في هذا المقام يتحدّث الشاعر عن “عصر ما قبل الإنسان العاقل” وعن جمال الكون في تغييب العقل :
حيث الشمس تغسل الروح
بمياهها الذّهبيّة كما في الأيّام الخوالي
حين كان الشعراء يغمسون أقلامهم
في مداد البحر الذي لا ينفد
ولا تنفد كلمات الربّ الطيّب. (ص 51)

إنّنا في لحظة من لحظات اكتمال الكون و سعادة الإنسان ينعم بجمال الطبيعة و يستمدّ نعمة الكتابة و الفنّ والإبداع من بحر العطاء الربّاني الذي لا ينضب. إنّه كمال التوافق و الانسجام بين الإنسان و الطبيعة والخالق يكفي لتحقيق هذه السّعادة أن يكبت الإنسان في نفسه يقظة العقل وسؤاله وأن ينعم بجمال اللّحظة :
هيا أيتها الأفراح الصغيرة تعاليْ كلّ يوم
معا نهرب من الحزن المقيم فينا قليلا يدًا بيد
لا حاجة لمعجزات أو أبطال،
سنكتفي بالمصادفات البديعة
دون أن نسأل كيف حدثت (ص 29-30)
بل نحن لا نعدم في هذا السياق الفكري المأسوي حضور نفَس دينيّ و إن كان ضعيفا، وهو نفَس يتعارض والمبادئ التّي تقوم عليها الوجوديّة ويجعل للشاعر موقفا ومفهوما خاصّا به معدّلا للمبادئ التّي يقوم عليها التيّار الوجودي. و بدا لنا هذا النفَس الدّيني حاضرا في ثالوث من القصائد البارزة في الدّيوان، لكأنّها الأقانيم الثلاثة، وهو قصيدة “الأسلاف بستريحون في جسدي”(ص 43) وهي أطول قصائد الدّيوان وقصيدة “شعراء منكودون” (ص67) وهي القصيدة المعروضة في ظهر الغلاف، وقصيدة “أودّ أن أتكلّم” (ص 71).
أمّا القصيدة الأولى فإنّ لها بطلا هو الضمير المتكلّم المفرد “أنا”، إنّها واصفة ليوم البعث كما يتخيّله الشاعر ولانتفاض البشريّة خائفة مذعورة يائسة، غير أنّ النّاس فيها لا يُبعثون من قبورهم وإنّما تُرسي بهم الرحلة البحريّة الأخيرة :
ترسو السّفينة الأخيرة في الميناء
قبل أن تقتلع البحارَ رياحُ النهاية
..ينزل الموتى سلالم النجاة المتهشّمة
تحت أقدام الحظّ (ص43)
إنّ النّاس في هذه القصيدة يحتمون بالبطل المتكلّم يلتجئون إليه طالبين أن يتحمّل عنهم أوزارهم و خطاياهم وأن يتقبّل ذنوبهم وأن يتشرّب في جسده مآسيهم وأن يضحّي بجسده في سبيلهم :
والآن يطلب الأسلاف من جثّتي
السماح لهم بالدّخول إليها
…ليس من مكان يذهب له الأسلاف
سوى أجسادنا الصغيرة
مستودعين فيها لعنات الدّهر و فظائعه
فلأعلنْ لشواهد القبور المائلة الأرجاء
عن قبولي مهنةَ الجثة الأخيرة
التّي تجد فيها الأجساد المتّصلة
برباط السمّ المقدّس راحتها الأخيرة (ص48)
لا يتمالك القارئ نفسه إزاء هذا الجسد المتطوّع لتخليص البشريّة من خطاياها و من عذاب الآخرة، من استحضار صورة المسيح و ما قاله المسيح في عشاء الربّ لأتباعه :” خذوا، كلوا، هذا هو جسدي…هذا هو دمي الذّي للعهد الجديد و الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا” (متّى 26\ 26-29).
إنّ في استحضار صورة المسيح المنقذ للبشريّة إقرارا بأنّ للمأساة البشريّة الوجوديّة حلاّ ومخرجا و أملا وهذا معنى مركزيّ يحيد بالقضيّة عن سياقها الفكري و ينزّلها في سياق عقائدي. وهو يختار لها من بين أنبياء الله المرسلين أكثر الأصفياء تمثيلا لرمزيّة التّضحية في سبيل الإنسان من أجل الخلاص والغفران.
و أمّا القصيدة الثانية فتشترك مع السّابقة في حمل لواء الأمل، و تختلف عنها في قيامها على ضمير المخاطَب المؤنث المفرد “أنتِ”. و لأهميّتها عند صاحبها أعيدَ عرضُها في ظهر الغلاف فكانت أوّل ما يقرأ القارئ قبل أن يكتشف، في وقت لاحق، قصيدة العنوان “نشيد البراءة”. و يمكن للقارئ أن يتأوّل لموقع هذه القصيدة المتميّز تأويلات مختلفة. إنّها، على المستوى المضموني، تعرّفنا بساحرة أنثى تستدعيها القصيدة لنجدة ما في الكون من الكوارث و من في الكون من البؤساء، و لهذه الأنثى، في روحها و جسدها و أشيائها، القدرة العجيبة المطلوبة لراحة الكون من أوجاعه. فكانت القصيدة مستعرضة لبعض أسباب الشقاء في الأرض و طالبة لبعض ما لهذه الأنثى من الفعل الشافي من ذلك الشقاء :
تبرّعي بخصلات شعركِ الطويل
لأطفال السرطان
…بدموعك لأنهار العالم الميّتة
بصلواتكِ الكثيرة للأرباب المكفور بهم …(ص 67)
و لا يخفى على القارئ أنّ الشعراء كانوا من بين المنكوبين و الأشقياء في الدّنيا، أكثر المعنيين بإغاثة هذه الأنثى، يتردّد ذكرهم في عنوان القصيدة (شعراء منكودون) و في نهايتها :
فأنتِ إذ تتناوشنا الأيدي نحو مثوانا الأخير،
موئلُ قلوبنا و مثابُ قصائدنا و منتهى مقاصدنا
في مرورنا النيزكي السريع كشعراء منكودين
فمَن هي هذه الأنثى المخلّصة للكون عامّة و للشعراء خاصّة؟ لا شئء يسمح بتحديدها هي بذاتها دون غيرها من الأناثي. قد نفهم أن لا يكون الخلاص إلاّ على يد الأنثى و لكنّ القصيدة لا تبوح باسمها و في ذلك الغموض سرّ من أسرار انفتاحها و أسرار جمالها و أسرار اعتداد الشاعر بنظمها و تباهيه بعرضها و يمكن لهذه الأنثى المنجدة للشاعر المنكود اللاهث جرّاءها أن تكون تلك التّي “ينام المتنبّي ملء جفونه عن شواردها و يسهر الخلق جرّاها و يختصم” كما يمكن للتأويل أن يؤوّلها بغيرها من الأناثي و أن يحتمل أن تكون بطلتها مريم العذراء ما دام المسيح بطل القصيدة السّابقة، أو غيرها من المُثُل المؤنّثة من قبيل الحرّية و غيرها…
و أيّا كان التّأويل فإنّ هذه القصيدة الثانيّة متنزّلة في سياق الآمال و المخارج الممكنة الضامنة لشفاء الإنسانيّة.
أمّا القصيدة الثالثة و الأخيرة فهي قصيدة من القصائد المطوّلة، وهي مجاورة، في خاتمة الدّيوان، للقصيدة العنوان “نشيد البراءة” و بطلها مفرد مذكّر غائب “هو” و لكنّه في الحقيقة مفرد مذكّر حاضر و سيّد للوجود بأكمله إنّه الله الخالق و الطريف في هذه القصيدة أنّ المتكلّم يتكلّم عن الربّ كما يتصوّره في خياله و كما يشتهي له أن يكون في تعبّد شخصيّ لا صلة له، علنًا و صراحةً، بتصوّر الأديان المختلفة للربّ الخالق. قال : “إنّه ربّي أنا” (ص71) و في هذا القصيدة ينتصب الإله أبا محبّا حنونا عطوفا مشفقا على الإنسان ابنه المتعب في جسده و في قلبه و فكره. فقامت العلاقة بين الإنسان و ربّه على المحبّة خارج دائرة العقاب و الثواب الإسلاميّة و داخل دائرة الغفران المسيحيّة :
لا نار و لا جنّة
ما ثمّ إلاّ قلبك
وطن اليائسين المهزومين(73)
و مع ذلك فقد كان المتكلّم مصرّحا بخوفه من التّهم التّي يمكن أن يُلصقها به أصحاب القناعات الضيّقة و بعض المتديّنين الذين قد لا يجدونه على دينهم و كان محترزا من أن يُنسب إلى دين معيّن و لا سيّما الدّين المسيحيّ و اللاهوتيّة المسيحيّة لقيام صلته بربّه على المحبّة و إن لم تخل الدّيانات جميعا من التّأكيد على حبّ الله لعباده. و لولا ذلك النفَس المسيحي الطافح ما كانت الحاجة إلى الحيطة، و يظهر التعبير من المتكلّم عن تخوّفه في عنوان القصيدة “أودّ أن أتكلّم” و في مطلعها :
منذ زمن و أنا أخاف السجن و التكفير
ليس لتصوّري شأن بالجدل حول ربّ ابراهيم
و موسى و عيسى و محمد
كلاّ
لا لاهوتيّة في كلامي (ص71)
لعلّه تبيّن، في الختام، ما بين هذه القصائد الثلاثة من الوشائج و اتّضح اشتراكها في نفَس دينيّ يجد فيه الإنسان المنهزم عزاء و يستمدّ منه صبرا و صمودا و يرجو منه تدخّلا و يأمل منه فرجا و شفاء :
سنواصل الإيمان بك رغم اليأس
…نطمع في رحمتك المؤجّلة (74)
و إذا بالمأساة في هذا الديوان ليست الإبحار العبثيّ في عتمات الوجود و في النفق المظلم المفضي إلى ظلمات وراء الظلمات بقدر ما هي المأساة في البحث عن المعنى التّي تظفر في آخر الرحلة ببعض المراسي تُرسي عليها، و مدار هذه المراسي على الحبّ المثلّث يصدر من كائنات خارقة للعادة و فوق إنسانيّة تفتح صدرها في ما يُشبه المسيح لافتداء العذاب الإنساني و تغدق من ذاتها لخلاصه و تتدخّل تدخّل العناية الإلاهيّة للأخذ بيده.
فكان في هذا الدّيوان من معاني الأمل ما يهوّن على الإنسان عذابه و كان الأمل نورا منبثقا من القلب يكسب منه الإنسان لحظة راهنة من الراحة و من الفرح تكون له بمثابة “راحة المقاتل” سريعا ما يعود بعدها إلى رفع صخرته و التجديف بزورقه المثقوب في وجه التيّار.
لقد تراءى لنا في قراءة هذا الدّيوان من الأحاسيس و المعاني ما حاولنا تجميعه و ترتيبه في بناء يحاول أن يكون متماسكا مترابطا و الحقيقة أنّ هذه المعاني قد جاءت في الدّيوان دفقا متدافعا من الانفعالات المتداخلة المتشابكة و حتّى المتناقضة التّى تفرزها التجربة البشريّة المعقّدة و قد كان للكتابة دور كبير في توجيهنا إلى ما أحبّت أن تبرزه له و ما أحبّت أن تحبّبنا فيه أو أحبّت أن تكرّهنا فيه من خلال توزيع شعريّ ذكيّ للأسطر الموزّعة على الصفحة و من خلال الصورة الشعريّة تشبيها و استعارة و كناية وهي صورة شعريّة طريفة في الغالب، أرادت بالصلة التّي تقيمها بين المشبّه و المشبّه به أن تكون مقرّبة لا أن تكون مغمّضة و أن تستعين بوجه الشبه كلّما خشيت انفلات المعنى فكانت تلك المعادلة الصعبة بين التجديد في التصوير و التبليغ في المعنى.
و أيّا تكن قراءتك لهذا الدّيوان، فإنّه من الصعب أن تكون منه على الحياد تأثّرا و تأثيرا.
الهادي الجطلاوي
سوسة 27- 8- 2018

1


الهادي الجطلاوي*

شاهد أيضاً

المجاز فـي «غلطة لاعب السيرك» لعزمي عبدالوهاب

ثمة شعرية جديدة تقترحها علينا قصيدة النثر، فهي لا تكتفي بما فعلته النماذج الشعرية السابقة …