أخبار عاجلة

نصـــــان

مقاطع من سيمفونية الحياة..
كعادته تعلق بي.. فتح الباب.. ومد ساقيه الصغيرتين.. نظرت إليه.. لم يلتفت إليّ.. قمت بإدارة مفتاح السيارة.. التفت إليّ فجأة.. تأملني جيداً وهو يبتسم.. كان في قرارة نفسه يعلن انتصاره.
فجاة تذكرت أن عليّ واجباً.. كيف أتصرف؟ في همس قلت له: «أنزل وانه ارجع لك» تغيرت سحنته وكشر عن وجه آخر وقال في تحدٍ واضح «لا»..
حاولت إغراءه كالعادة.. «ارجع وآخذك ونروح نأكل أيس كريم».. ازداد تمسكاً برأيه.. تحول الى زعيم من زعماء دول العالم الثالث تم انتخابه مدى الحياة.. لم يتطلع إليّ.. لم أجد مفراً سوى الإذعان والاستسلام بل قل والهزيمة لرغبته.. كي أكون اكثر دقة كنت مهزوماً.. انطلقت بالسيارة..
توقفت أمام الباب.. قدمت إليه اقتراحي.. طلبت منه البقاء في السيارة.. لن أغيب كثيراً.. أيضاً مارس اضطهاده عليّ في تحدٍ سافر للمرة الثانية.. نطق بالكلمة البغيضة «لا».. فتح الباب.. نزل من السيارة.. ضم خنصري في راحة كفه الصغير وقطعنا الخطو معاً.. قال في براءة وقبل الدخول الى المكان «بل.. وايد نعل وجواتي» لم أعلق.. فقد كان لزاماً عليّ الصمت.. دخلت.. سلمت.. احتضنت صاحب العزاء واخترت مكاني ومارست الصمت..
«يبا متى بنروح».. هكذا بادرني.. همست في أذنه.. أصمت.. ألا تعرف فضيلة الصمت.. كرر مرة أخرى.. «يبا ابغي…؟ آه.. هذا الصغير يعرف كيف يمارس اضطهاده عليّ سألت شاباً من أقارب صاحب العزاء العون والمساعدة قام بالدور، عاد حفيدي.. قرأت في عينيه إطاراًَ آخر للعبة.. اكتشفت أن اللعبة لم تعجبه.. التفت اليّ وقال في همس.. «هم زعلانين منك».. «أردت أن انفجر في الضحك ولكني كتمت ضحكتي».. نهرته.. أصمت.. في تلك اللحظة كنت في مسيس الحاجة الى كاميرا فيديو حتى أستطيع أن أدون وأسجل هذه اللحظة من عمر الزمن.. على الكرسي يتهالك الأب.. والمعزون ينطلقون في مساراتهم.. كل مجموعة تثير لغطها الخاص.. أحدهم يتحرك بدلال القهوة العربية المرة.. يرتشف البعض قليلاً منها ثم يدفعون الفنجان بلا مبالاة الى الساقي.. بين حين وآخر يقوم صاحب العزاء منهاراً لاستقبال احد المعزين.. الموت حق ولكن أليس للميت أي احترام.. أم ان الميت قد قطع التذكرة قبلنا وغادر فلماذا نحزن؟!
بين حين وآخر كنت أسرق اللفتة، لأتأمل صاحب العزاء وأنقل بصري الى المعزين.. أتأمل الوجوه.. كان أمامي اثنان يضحكان دون أن يولي الأمر أهمية!! اربعة معزين في صفي يتجاذبون أحاديث خاصة.. ثلاثة يتحدثون عن أزمة الشرق الأوسط الأزلية وبخاصة أزمة العراق وأسعار النفط.. أحدهم بعد أن جلس للحظات طرح تساؤلاً لا علاقة له بالمناسبة.. هل اسرائيل سوف تضرب المفاعل الايراني أم لا؟.. وهل أمريكا تحل اشكالية العراق؟.. في لحظة فكرت ان أقوم بعمل طائش.. هل أصرخ فيهم أو أقف لأقول لهم.. أم أناشدهم أن يدعو للميت بالرحمة ولأهله وذويه الصبر والسلوان..
لم أستطع أن أنجز الفكرة.. تذكرت أحد الأفلام العربية وموقف يحيى الفخراني.. كان الفخراني قد استهلك كمية من المخدرات فحوّل العزاء الى موقف كوميدي بالغ السخونة.. كان الساقي في حركة روتينية بدور بدلته على المعزين بين حين وآخر.. والفناجين في حيرة بين القبول والرفض من قبل الأكف.. أحدهم تلقى مكالمة على هاتفه الجوال ودون مواربة رد ولكن بصوت عالٍ.. «الحين أنا مشغول.. لا.. اتصل بك لاحقاً.. لا.. ما أقدر أترك مثل هذه المناسبة.. لا تحياتي.. لن أتأخر.. قلت لك لا.. انتظرني.. «تأمل ساعده الأيسر كان يتطلع الى ساعته.. قفز بحركة آلية واحدة.. كان خارج المجلس.. أليس للموت حشمة وللميت كرامة؟!! هل الحياة بمثل هذه البساطة؟ هل نمارس طقوس التعزية كواجب حياتي لا أكثر؟!!
تعرف لو أن أمريكا كانت صادقة في تهديداتها لما صبرت كل هذه المدة..
يا سيدي أمريكا لا بد وأن تحسب حساب كل شيء.
وقرارات الأمم المتحدة..
القوي لا يهتم بالضعيف..
إذاً علينا أن نقوم بتخزين (الماجلة) حروب هذه الأيام قد تطول..
وما فائدة العيش والحياة إجمالاً ونحن عرضة للموت في أي لحظة.. هذه الأيام الصواريخ والقنابل لا تعرف الرحمة..
أحسن الله عزاكم.. عساها آخر الأحزان..
لا أراكم الله مكروها في عزيز..
تعددت المفردات وخرج أكثر المعزين وأنا وحفيدي علي معهم أجرّ الخطى بالباب.. التفت احدهم الى صاحبه وقال:
الظلم شين..
الله ما يضرب بالعصا..
هذا درس لأمثاله..
ولكن من يتعظ..
أمثاله لا يصحون من غفلتهم..
أردت مرة أن أصرخ.. ولكن نما جدوى صراخي.. الكل لاه.. يمارس حياته كالمعتاد.. يضحك في فرح ويبكي في عزاء.. بعدها يندفع لحضور عرس آخر لميت أو حي.. سيان..
كان سؤال حفيدي علي سوطاً آخر.. ليش جينا إهني؟

القيصر

ما زلت حتى هذه اللحظة أتذكر وقع أقدامه.. والاندفاع بلا مبرر من قبل البعض، وكلمات لا تحمل أي معنى سوى الخضوع لرغبة السيد المبجل.. أما فيما يخصني فقد كان حضوره كرنفالاً من الفرح وأشعر بالفخر والاعتزاز، كان يخصني بلحظات من وقته الثمين، يتوقف، ويربت على كتفي.. عندها يتحرك الجمع في كل الاتجاهات، الماضي جزء من ذاكرتي وذاكرة الرفاق وتلك الرعاية والسعادة الخادعة.. كان حضوره الطاغي بين حين وآخر يحيط به ثلة من الطبالين والمرعوبين وإن أردت الحقيقة كوكبة من الدجالين والمنافقين والمنهزمين.. لا يبقى سوى سويعات ويرحل.. ولكن هذه اللحظات تخصني بالشيء الكثير.. أتذكره الآن بتلك القامة الممشوقة، والتحرك بخيلاء.. يحمل كعادته سوطاً جلدياً مزيناً بكل ما يود السيد أن يكمل صورته، صورة الفتى القوي والمسيطر.. وفي وسطه حزام جلدي معلق به مسدس كبير.. وبين حين وآخر يشير بيده فقط.. ذلك أن مفرداته الصامتة أوامر.. نسيت أن أقول أنه كان يعتمر في بعض الأحيان قبعة خفيفة تغطي جزءاً من رأسه.. أما أجمل الأشياء فحذاؤه.. نعم اعتقد أنها مصنوعة من أفخر الجلود..
يتوقف أمامي.. ثم يمسح بيده الحانية على رأسي ويقول في تعالي.. كم كنت موفقاً عندما أطلقت عليك اسم «القيصر» نعم.. أنت القيصر.. وإذا لم تكن أنت فمَن يكون؟ يأتي احدهم بطبق مليء بقطع من السكر وبيده الكريمة يضع حبات السكر في فمي.. أهز رأسي.. دليل الخضوع والانكسار.. فماذا بمقدوري أن أفعل؟ ذلك أن لحظات السعادة.. لحظات هاربة قد تتعود وقد تغيب.. ولكن في بعض الفصول يطول غيبته.. مع هذا فان الإهمال واللامبالاة السمة الأساسية عند غيابه الطويل.. كنا سعداء في سويعات إطلالته.. وفي هذه الاطلالة كان كثير الإشادة بي.. ذات يوم اعتلى ظهري ومع معرفتي انه يحاول أن يستعرض فتوته فإنني قد حققت رغبته.. وجسدت للجمع المنافق.. مكانته كفارس لا يباري ازداد غروراً وأوصى السائس أن يهتم (بالقيصر).. أما الآخر والذي أطلق عليه (الريح) فقد كان يرفض الخضوع.. ولذا فقد كان الأستاذ لا يوليه اهتماماً.. ولكن مالي أقلب في الذاكرة.. الذاكرة المخزونة بالآلام والأحزان.. أنا (القيصر) ذلك المهر العربي الأصيل.. أين أنا الآن؟ ما مصيري؟ يجلد ظهري هذا الصبي.. وأنا أجر هذا البرميل المليء بالكاز.. أشق دروب هذه القرية المنسية.. كانت تداعبني الأحلام الوردية أن يمتطي ظهري (جوكي) في احدى حلبات السباق في الغرب أو الشرق.. ولكن (القيصر) الآن يتحول إلى بقايا مهر عربي أصيل لا يجد لقمة إلا بعد معاناة.. والسوط والجلاد ليسوا أحسن حالاً مني يشاركونني المصير!! أنا القيصر.. ولكن هل بقي من القيصر شيء.. فمنذ مدة التقيت (بالريح) حمدت الله إنني أفضل حالا منه.. ذلك أن (الريح) أعتقد ان رفض الأوامر أمر مباح في كل حين.. فماذا حلّ به؟ القروح حولت جلده الى لوحة بلا ملامح والهزال جزء مكمل لبقايا (الريح)، تلاقت عيوننا.. أشاح بوجهه عني.. وأشحت بوجهي عنه.. كلانا لا يعرف الآخر.. ولكن ما مصير الأستاذ؟ هل يكون مصيره أفضل من مصيري؟ (الريح) ذلك المهر العربي الأصيل يجر عربة زبالة.. أنا أفضل حالاً أجر برميل (الكاز) ومساري اليومي معروف عبر دروب القرية.. أما (الريح) فهو يقطع كل المسالك، يغوص في الوحل والرمل والصخر.. الوادي والجبل.. هل الأستاذ حيّ يرزق؟ لا أعتقد.. إن مصيره لن يكون أفضل من مصيرنا.. ومصيرنا أفضل من مصير (الشهاب).. أطلق عليه الرصاص ذات يوم وعلق بعض الجزارين قطعاً من لحمه للبيع!!

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …