أخبار عاجلة

نوافذ

كانت هناك على النافذة وحيدة ومتوهجة, والأفق الغروبي يمد أشعته الذهبية على غيوم الجبل البعيدة. وأحست بقلبها يتدفق وهي تنظر إلى النخيل الممتدة بعيدا, وهي تتمايل مع الريح. كان ثمة ما يجعلها سعيدة, وكما يحدث عادة فانها تقف حائرة وغير متأكدة , فما الذي يدفعها أن تكون سعيدة هكذا. إنها تفتش داخلها ومن حولها بلا جدوى. وكما يحدث أيضا عادة, تتخذ اللامبالاة طريقها إليها: أيجب أن يكون لسعادتها مصدر ما. إنها سعيدة, سعيدة وفقط. إن الجبال البعيدة الملساء تبدو واضحة جدا, وشديدة البعد وشامخة, وهي ذاتها كانت كذلك شامخة وشديدة البعد.

وشقت السماء اصوات طيور كانت تعود أدراجها إلى أعشاشها على قمم النخيل وأشجار الليمون. وأحست بالدفء وانتابتها رجفة وأخذت نفسا عميقا أشعرها بالرضا. وتخلل الرضا أطرافها  وانساب إلى قدميها ببطء وبلذة.

وفكرت بعمق حتى أنها لم تكن تفكر على الإطلاق وانتابها إحساس بالغرابة. وبدت وكأنها تكتشف ذاتها لأول مرة فانفرجت شفتاها ببسمة, وارتفعت عيناها نحو الأفق البعيد وكأن روحها قد أطلقت من إسارها.

 وفتح هو الباب برفق. كان قد رآها من النافذة وهو يدخل إلى البيت. كان متوردا جدا وسعيدا جدا هو الآخر. وكان يعرف مصدر سعادته فلم يكن يستشعر أي غرابة. ولم يتكلم بل مضى برفق ووقف وراءها, وراءها تماما, ومد بصره إلى الأفق الذي تمنحه النافذة.

أحست هي بدخوله. لم تكن قد رأته وهو يتجاوز الممر المؤدي إلى البيت إذ كانت مشغولة بذاتها. وهي الآن مشغولة بذاتها وإحساسها هناك عميق داخلها. أحست به وعرفته دون أن تحتاج إلى الالتفات إلى ورائها. وأحست به يقترب منها ثم استشعرت دفأه خلفها. واستغرقتها لحظات حتى انفلتت راجعة إلى مساربها مرة أخرى, تماما كحيوان صغير. ولم تعد تحس بوجوده كما لو أنه اختفى فجأة: لقد أدخلته في العدم الذي جاء منه. كان هناك فقط ذلك اللون البرتقالي صامتا وصابغا حافات السحب الغربية, وكانت هناك ذاتها العميقة نابضة وبعيدة .

وأحس هو بالإهمال. كان كما كان مهملا بعيدا جدا عنها. ولم يستطع إدراك كنه الفاصل بينهما لكنه أحس بها كهوة عميقة وهو واقف على حافتها, خطوة واحدة أخرى وستجذبه الهاوية إلى قرارها. ونظر في الأفق متفحصا, ماذا هناك خارج النافذة أقوى منه أو أجمل منه أو أكثر إسعادا. كان يود لو أنه حدق في عينيها ليعرف لكن خصلات شعرها كانت تكسر نظراته كجدار أسود وكان اللاتمايز في وجهتها شديدا.

واقترب أكثر وأحس بثنايا جسدها وبخصلات شعرها تنغرس على حافة ذقنه, ونظر إلى اللاشيء الذي يكتنف شعرها. لقد كان خائفا وكان يترقب لحظة إحساسها به, الإحساس الذي يتمناه . وبحث بيديه عن يديها, وأمسكهما محاولا جذبها من العالم البعيد واللاواقعي إليه. كان قلبه ينبض بروعة ومرح وسرت روح من الأشياء من خلال يديها إليه. كانت دفقة غريبة ناعمة ودافئة.

وصرخت هي دون أن تلفت:

– دعني.

لم تكن آنذاك بعيدة هناك, لقد اقتربت كثيرا لكنها أحست به يتجاوز إلى حدودها, لذا رغبت في أن يكون النصر لها. لقد عدت تصرفه حماقة, ولم تكن تعي لماذا. لقد أحبت ملمس يديه, ودفق جسده على ثناياها. لقد أحبت هذا كله ولم تحب تماهيه. كانت شيئا آخر, آخر تماما, وأحبت أن تظل كما هي. لكنه أرادها وإياه شيئا واحدا, أراد أن يتجاوز الفاصل العميق بين كائنين غريبين بلمسة من جسده, بيد أنها كانت متيقظة, وردة فعلها ضارية. واستشعرت النصر وعرفت انه سيحاول مرة أخرى وأن صمتها سيزيده اشتعالا وستحس هي بالنصر أكثر فأكثر. وكان ثمة خبث بريء يتماوج على وجهها ويلمع ببريق على أسنانها.

كان هو مدركا للعبتها, وأرادها , أرادها بسرعة وبدون قيد. وفكر أن يلغي العالم الخارجي هناك حتى يجبرها على الاتجاه إلى داخله, لكنه لم يأمن ردة فعلها. أحس بها كقطة شقية وضارية وأنه لو حاول أن يلاعبها بقسوة لجر حته. وقد جرحته الآن بقولها لكنه لن يأخذ الأمر مأخذ الجد: لن يجعلها تنتصر عليه. سيحاول جهده أن يجعلها له بعيدا عن أيا  كان هذا الذي تنظر إليه في النافذة.

كانت بقايا السحب تتجاور وتتحد بصمت وبلامبالاة, وبدا لونها البرتقالي منهزما متراجعا ببطء مسلما حافاتها لألوان الليل. أحست هي به منضغطا عليها متكئا بها فلم تحب أن تكون له بهذه السهولة ولم تقتنع بعملها كآلة للتوكؤ فابتعدت عنه مقتربة من النافذة ومن الأفق الذي تمنحه.

ودفعته حركتها إلى التمرجح في الفراغ وأحس بذاته تتمرجح هي الأخرى, ورآها شيئا من الصلف والمكابرة. لكن دفقة من الحكمة أرشدته, لا, لن يمكنها من انتصارها اللحظي هذا , سيقترب أكثر,  سيضغطها على النافذة, سيحدق في عينيها وسيرغمها على الانصراف إليه. وأحس بضغطته تعبر من خلالها وتتكسر على الجدار أسفل النافذة. كان إحساسا رائعا وعميقا, بيد أنه أحس بالإهانة لإبعادها وجهها. لقد بدا جسدها وشعرها قريبين, قريبين جدا, غير أن رأسها وعينيها في مكان آخر, وهو إنما يريدها كلها, لن يستشعر الرضا إذا لم تكن كلها له , كلها فيه, مغموسة ومحاطة. بيد أن نصرا جزئيا اعتراه وضغط على يديها بلطف قاس ومد ذقنه على جانب وجهها ولامس خدها بشعر لحيته وثبت عينيه في النخيل على الجانب التحتي للأفق . كان مشغولا, فلم ير تماوج الريح الذي تمثله الأطراف الخضراء للنخيل. كان يرى فقط جذوعها البنية ثابتة وراسخة كمطلق ميت, لم ير بدا منه, ولم ير ضرورة لتجاوزه إلى الأعلى.

كان ارتباطه بالأرض أكثر بينما كانت هي متعلقة بالسماء, وكان هذا لا يريحه لأنه يجعل حدودها غير م تقاطع ة, وذاتها بعيدة لا متماسة. لكنه أدرك أن جسديهما اللذين يقفان معا سيصلان روحيهما. ليست الروح بذلك البعد, ستحلق طويلا وبعيدا  لكنها سترجع , سيجذبها هذا الجسد ويوحدها بروح الجسد الآخر. إن المسألة لديه تبدو وقتا.

   أما هي فإنها رأتها أمرا آخر تماما: سيطرة وقيدا من جانب وانطلاقا وحرية على الجانب الآخر. إنها تحبه وتدرك أن اشتعاله إشعال لها. لم تكن تحبه قيدا ولا آلة, بيد أنه كان يبدو كما لو أنه يعاملها كذلك. كانت تكره طريقته, وتحبه. وكان ذلك يبدو تناقضا لديه: كان منهجه هو ذاته ولم يكن يحب أن يعي الفرق: فقط إنها تتمنع وتشاكس لكنها في قرارة نفسها معه.

   واندلق الظلام فجأة وبدت أول نجمة في الأفق بعيدة راجفة, وباردة. وبدأت القبة السماوية في ارتداء منامتها الليلية المرقشة. وكانت أصوات النهار تبتعد رويدا رويدا مسلمة المكان لهسهسة الليل وأغواره. لم تعد هي شاعرة بالتغير خارجها, كانت تترقب حركته التالية. وأحس هو بضجرها وربما بحزنها وصلفها. لم يحب أن تأخذ الأشياء غشاءها الليلي بهذا الإيقاع البطيء. مد يده من أمام وجهها, أقفل النافذة, وأسدل الستارة, وجذب وجهها برفق من ذقنه, وحدق في عينيها.

   قال:

– لماذا, لماذا لا تنظري إلي

   استدار الآن, واجهها, حدق في عينيها أكثر. أمسكها من يديها, من أطراف أصابعها, وأحس بصدقها ينساب إليه, وتمنى لو أنه كان منصهرا بها, لكنه أرادها أن تكون البادئة. إن كرامته لا شك كانت المحركة له, مع هذا تجاوز وعيه بهذا. إن صدق الحقيقة يجعله معها لكن ذاته لن تتجاوز ما أقرته كرامته.

   حدقت فيه بعنف كما لو كانت ترتشفه. بدا ناصعا على الضوء الخفيض المتسرب من حافتي الستارة, وكان وكأن الضوء ينبعث منه. رأت عينيه وأهدابه الطويلة وأنفه, ودققت كثيرا في منظر أنفه رافعة عنقها للأعلى.

قالت:

– لماذا تنصرف عني!

   حينها تعاظم شعور بالغضب داخله, لقد أرجعت سوء الأمور إليه, هو المذنب إذن. لقد أرادت أن تنتصر, أرادت نفسها محمية ومتعالية وغير قابلة للخطأ. إنه يحب غرورها وصلفها طالما أنهما بعيدان عنه, موجهان لشيء آخر أيا كان. هو يحب ذلك, إنه يستشعر فيه شيئا مما يريده, أما أن يكون هو هدفها فهذا يزاحمه مكانته بل ويبعثره ويلغيه, وكان يكره هذا .

   أطلق يديها جافلا واستدار, واستدارت هي وأصبحت خلفه, وضغطت جسدها على ثناياه. كانت رقبته ما تزال تعكس الضوء الخافت, أما جانبية وجهه فكانت غارقة في الظلام. وأحست أن حركتها قد عر تها, وأنها كان يجب أن تبقى هادئة وصامتة, لكن قلبها الآن سيخونها فهو يكاد يقفز, لا بد أنه يسمعه, وسيسمعه حتى وإن كان بعيدا. وبدت كالغاضبة من خيانة جسدها الم ستدر جة بلفتة والمتواطئة لكنها لم تحب أن تتراجع .

   كان يفكر, وأحس بدفقة نصر غريبة تجتاحه حين التفتت نحوه. إنه يدير ظهره لها. إن إرادته ما تزال تعمل, هو ما يزال قادرا على تصريف الأمور, وسوف يصر فها, سيتمسك بمقاليدها, وسيمحورها على رغبته. ليس شيء يجب أن يخرج عن إرادته ورغبته, ربما سيرخي الزمام قليلا حتى يتسنى لها أن تتوهم انعدام أمره وسلطته, لكنهما سيكونان هناك حتما ودائما.

   وشعرت هي بغصة الهزيمة تتسرب إلى معدتها, ووخزها تكسر نشوتها بالنصر لكن جسدها بدا منتشيا ومتوهجا كالنجمة البعيدة التي استطاعت أن تراها قبل أن يسدل الستار عن العالم الخارجي. واستشعرت وحدتها في الظلام أمام هذا الكائن الغريب والمتعالي والمتقد كبرياء, والمحبوب في ذات الوقت. لم تكن تدرك كنه الذي يعتريها إزاءه. كانت تعتقد فيما مضى أنها ستكون له وأنه لها ولا شيء آخر. وكانت الصورة التي في ذهنها مختلفة جدا وأكثر شفافية وغير ذات زمان أو مكان.

   أما هنا فإنها تحس بالوقت وتراه, وتستشعر شيئا آخر غير ما كانت تسميه حبا . وأحست بسذاجتها وسهولة أخذها وقوة مشاعرها وضعفها. وكان ما يؤلمها أكثر تواطؤ جسدها, بيد أنها لم تسمح لقطرات الحزن أن تند , مسحتها قبل أن تصل إلى عينيها وحزمت أمرها.

وصرخت فيه:

-إنك تنصرف عني, تهملني!

بدت قاتمة, وعنيدة , وبدا هو أرعن. واستدار وهو يبتسم, وأمسكها من يديها, وحدق في عينيها, وضغط على أصابعها كمن يؤكد شيئا. كان فرحا لكنه تدارك وجهه قبل أن يسر ب فرحه. بدا وجهه متوترا وكاذبا لكنه أرادها آنذاك بشدة كما لم يردها من قبل.

   طوقت ذراعاه جسدها واحتواها. أرادت هي احتواءه لكن ذراعيها كانتا أقصر. وضغط عليها وهو يجذبها للأسفل, وتنهدت, وكان هو يستشعر الرضا التام, ولم تكن هي تفكر بعد بالنصر أو الهزيمة. ولم تر ذاتها,  فعيناها كانتا غارقتين في حلم آخر. واختفى شبحهما المتحد من على خلفية الستارة وضوئها الخافت وابتلعهما ليل الغرفة الصامت. وفي الخارج البعيد, كانت الريح قد سكنت ولم يكن يبدو في الأفق إلا أزيز النجوم وارتجافاتها الأبدية.
 
حسين العبري قاص من سلطنة عمان

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …