أخبار عاجلة

هادي العلوي: المثقف الكوني مؤهل للتحول من رقم الى ظاهرة

الراحل هادي العلوي، باحث ومفكر وسياسي بطريقته الخاصة، عاصر تحولات مجتمعاتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية فكان مشاركا نشطا في النقد والتنظير والحوار، يستخدم في تحليلاته واستنتاجاته مناهج عديدة يحاول أغلب الأحيان التوفيق بينها أو دمجها، ماركسية وماوية وصوفية ومشاعية وتاوية، وهو من كل ذلك يروم الوصول الى مقام المثقف الكوني، جوهرا لفلسفات الانسانية والاديان، المدافع عن المظلومين والفقراء والمضطهدين في عصر بدأ ينأى فعلا الى الكونية لكن دون وعيها الانساني، كونية تكنولوجية، عقلانية، دون قلب أحيانا، لا توجهها فلسفة كما يقول هادي العلوي في هذا الحوار. وتلك أخطر ما يواجه الجنس البشري في هذه اللحظة من تاريخه، لأنه صار يمتلك القدرة على تدمير الحياة تماما في كوكب الأرض. ومصطلح المثقف الكوني ولد من رحم الصوفية، والصوفية الاسلامية تحديدا، لذلك كان حوارنا ضمن هذا الجو، الصوفية منهجا وممارسة، ماضيا وحاضرا،باعتبارها جانبا من الجوانب المضيئة في ثقافتنا العربية الاسلامية.

تعتبر الصوفية، بمختلف اتجاهاتها، واحدة من ركائز التراث العربي الاسلامي، برأيك ما الذي جعل لها هذه الخصوصية، الأنها امتلكت رؤية متميزة حول الانسان والوجود؟ الأنها خلقت لغتها الخاصة ومفاهيمها وطقوسها؟ هل تعتبر نقلة معرفية للانسان المسلم؟

لهذه الأسباب جميعها، امتلاك رؤية متميزة حول الانسان والوجود. لغتها الخاصة ومفاهيمها دون طقوسها فالتصرف لا طقوس لا. دائما كانت الطقوس عند انتكاس التصوف الى دروشة، ولكونها اخيرا نقلة معرفية للانسان المسلم وقد تناولت كل ذلك، تفصيلا، في كتابي الجديد مدارات صوفية. أما أن الصوفية خلقت لغتها الخاصة فهذا أمر لا يشك به، فلغة التصوف تميزت بالرمزية الشديدة، أعطت المفردات معاني ودلالات توليدية بقرائن بعيدة عن أصولها القاموسية ضمن اتجاه المتصوفة لاختراق المسلمات في العقائد والأفكار واللغة، وقد يكون لدينا معجم صوفي بعيد كل البعد عن المعجم العادي للمفردات لا يفهم إلا من خلال التمرس في كلامهم لفهم مراميه وأبعاده، واضطر كتاب التصوف منذ وقت مبكر الى تأليف قواميس صغيرة أو كبيرة لشرح مصطلحاتهم وأهمل المتصوفة الكثير من أصول اللغويين المقننة بما فيها بعض حالات الاعراب واقتربوا أكثر من اللغة المحكية من غير أن يخرجوا على البنية العامة للغة الكتابة التي لا يمكن تجاوزها لانتاج نص معرفي مضبوط وهم أول من اتجه لاستعمال اللغة الوسطى التي تجمع بين المحكي والمكتوب فتتخلص من تقعر اللغويين وتفاصحهم ومن غير أن تسقط في العامية الصرفة التي لا تفي بطلب النص المعرفي. ويرتبط ذلك باقترابهم من العامة. ان الكثير من النصوص الصوفية لرمزيتها، السائبة أحيانا، تدخل فيما يذاق ولا يفسر، كما قال ابن عربي: علوم أهل الأذواق لا تنقال ولا تنحكي.

عندما نقول صوفية اسلامية يتبادرالى الذهن فورا الحكمة الهندية والزرادشتية والمانوية وغيرها من الفلسفات ذات العلاقة بالزهد والاشراق وصراع النور والظلمة، والمحبة المسيحية والغنوصية، هل لكل ذلك وشائج وتداخلات مع الصوفية الاسلامية؟

لا علاقة للصوفية الاسلامية بالحكمة الهندية ولا بالزرادشتية ولا بالمانوية، إلا أن لها وشيجة بالمحبة المسيحية، مسيحية الأناجيل، ولها أفق عالمي موافق المسيح نفسه كما نقرأه في الأناجيل لا في الكنيسة والأناجيل لا تحسب على الدين إلا بصعوبة وهكذا التصوف والمحبة الصوفية هي الغاء الفروق بين الأديان والمذاهب واعتبارها صحيحة كلها أو أنها كلها تنشد الحق. وهذا هو حب ابن عربي:

 (أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني).

والحب مصطلح صوفي يراد به غايتان: التسامح بين الأديان والحب الالهي والأخير شأن آخر يدخل في الاهتيامية الصوفية ومقصود ابن عربي في هذا البيت هو المعنى الأول:

التسامح بين الأديان. أما الحب الالهي فقد سلكه من خلال حبيبته الكونية نظام وله قصة أوردناها في المدارات.

أقرب المذاهب الى الصوفية الاسلامية هي التاوية الصينية _ التاوية الفلسفية دون التاوية الدين وبينهما جذر المشاعية والكفاح ضد سلطة الدولة وسلطة المال قاسم مشترك للمتصوف والتأوي. الحكمة الهندية والزرادشتية والمانوية هي منحى غنوصي ضعيف التأثير على التصوف بمناحيه الثلاثة: المعرفي وا لاجتماعي والاهتيامي المقارنة تتم فقط مع التاوية الفلسفية.

كثيرا ما توصف الصوفية الاسلامية بأنها فلسفة باطنية، برأي هادي العلوي هل مرد ذلك يعود الى التقية من العرف الديني السائد، أم لأنها  تجربة فردية بحتة؟

باطنية التصوف تجربة فردية فقط. الأولى هي اندماج المتصوف بروح الكون الذي يسميه الحق. (وهو التأو عند الصينيين) ومن عناصرها الاشراق والفناء والتجلي والرؤية والرؤيا. المتصوف روح خالصة تستنبط الوجود بتجلياته ومطلقيته. والمتصوف من أهل الباطن وباطنيته في هذا المنحى ليست باطنية الاسماعيلية التي تشترك معه في التأويل الباطن للأصول الدينية ولا تشاركه الاشراق أو الفناء أو الرؤيا الاسماعيلية التي تشترك معه في التأويل الباطن للاصول الدينية ولا تشاركه الاشراق أو الفناء أو الرؤيا، فالاسماعيلية حركة سيا _ اجتماعية خالصة. والتصوف تجربة روحية تتعلق بها امور متفاوتة بحسب المنحى الذي يتصنف اليه الصوفي: معرفي أم اجتماعي أم اهتيامي. وضد التصوف والاسماعيلية هم أهل الظاهر من الفقهاء والشعراء وعلماء الطبيعة والسياسيين. والتأويل الباطني عند الفريقين موظف لانتاج نص جديد أي مذهب آخر غير الذي يؤسسه النص الأصلي ويصعب تفسيره بالتقية ففيه تكسير للنص الأصلي يتجاوز المسموح به في علم التفسير ويكون مظنة تبديع أو تكفير من أهل الظاهر الحاكمين على النص وأهله. أما التقية التي يأخذ بها الاسماعيلية فهي العمل السري واخفاء المذهب عن الاعداء لتجنب الملاحقة وهو معنى التقية عند عموم الشيعة. لكن الصوفي يجد أحيانا حاجته الى التقية يعالجها باخضاع عباراته للغة دينية يكثر فيها من التسبيح والتحميد ويظهر عليها التكلف والافتعال. أما تأويلاته فهي أدخل في باب المروق المفلسف لا التقية ومناطها وحدة الثقافة والاتجاه الطبيعي نحو المصادر الأم عند البحث في تأسيس جديد لنظرية أو مذهب. إن استناد الصوفي الى القرآن ليس من باب التقية بل هو الرجوع الى المصدر، الانطلاق منه في التأسيس.

كونك اشتغلت كثيرا على الصوفية قراءة وكتابة ونقدا، هل تعتبر نفسك صوفيا؟ وكيف ترتبط الفلسفة الصوفية كفكر نظري بالممارسة؟

الغرض هو اعادة التصوف كمصدر للشخصية كوني صوفيا لا أحدده بنفسي. لكن موافقتي على التزامات الصوفية ومبادئهم يضعني في خط التصوف كالتزام. وقد تابعت المعري في عدم أكل اللحم والنباتية الصرفة وخالفته في أكل منتجات الحيوان كالحليب والعسل اذ ليس فيها عدوان على الحيوانات. الاشكال في ذبح الحيوان، أي قتله لأكله. وخالفت المعري أيضا في عدم الدعوة الى النباتية فهي خيار شخصي للمثقف الصوفي ولا يجوز تحويلها الى دعوة لئلا تلتبس أهداف النضال وتختلط أولوياتها. ووافقت المعري في عدم الانجاب فلم أجن على أحد ولو أني تزوجت…..

ان الممارسة الصوفية تعني عدم الامتلاك أولا والاكتفاء بما يقيم ضرورات العيش من الطعام والملبس والمسكن _البسيطة كلها. ويدخل ذلك في مقاطعة سلطتي الدولة والمال والمتصوفة يختلفون في درجة الموقف من سلطة الدولة: مقاطعتها سلبا أو المضي أكثر في معارضتها ومحاربتها، وقد سلكت الطريق الثاني وهو المعارضة وعدم الاكتفاء بالمقاطعة السلبية ولذلك هاجرت من العراق. وهجرتي مراغمة. وأنا أعمل لاقامة المجتمع المشاعي الذي دعا اليه شيوخي التاويون والصوفيون. لكني لا أحسن السياسة واعتمد لذلك على الفئات العاملة في المعارضة لدعمها وساعدتها في تطوير عملها السياسي والاجتماعي. وأنا الآن أبحث عن زعيم قائد كفؤ يجمع بين الشرف الشخصي والشرف الوطني والطبقي لاشتغل في معيته. وللأسف لم أعثر على هذا الزعيم لحد الآن.

ارتباط الصوفي كفكر نظري بالممارسة: وحدة الوجود تدمج الانسان في العالم المعلق، تحوله من رقم الى ظاهرة ومن فرد الى حركة. والانسان المؤهل لهذا التحول هو القطب الصوفي أو المثقف الكوني الذي يتمسك بالمباديء الصوفية في الزهد والتخلي وتخفيف مطالب الجسد لاكمال التروحن الذي يصبح فيه الجسد منطقا لحركة روحية لا متنامية وحسب النظرية الصوفية فالانسان هو المثال للعالم الأكبر وفيه كل ما في هذا العالم من مصادر القدرة ولذلك لا يقع الصوفي تحت هائلة المطالب الشخصية وبالتالي فهو حر بالمطلق لا سلطة لأحد عليه وعلاقته بروح الكون المسماة في الصين، تأو، وعندنا، الحق وقد عرفت الفلسفة عند المسلمين بأنها التشبه بالخالق على قدر الطاقة. فهي عقل محفوز بالعمل كشف عن حقائق الوجود لتسهيل اندماجه فيه. والعمل ينتظم وينتج بقدر ما يستند الى المعرفة الصحيحة بالواقع ويزيد الصوفية على ذلك وحدة الخالق والمخلوق: تاله الانسان وتأنسن الاله. وعلى صعيد الواقع الممسوس يتزود الصوفي حين يستكمل هذه المراحل من تطوره الروحي بقوة خاصة لا تتهيأ لغيره فهو لا يخشى الموت لأن الموت في التصوف هو استكمال لتطوره نحو الانسان الكامل. وقد عرفا صدر الدين الشيرازي بأنه: قوة تجوهر النفس واشتدادها في الوجود. ومن هنا كان التاويون يغنون لموتاهم ولا ينوحون عليهم. ولا يخاف الصوفي من الفقر لأنه فقير باختياره والفقر عنده شرط الحرية. وفي ظل ظليل من وعيه الكوني واندماجه في المعلق يكون تأثيره في المحيط. وللمتصوف هموم كبيرة تعلو على همومه الشخصية وهي التي تحركه في هذا المحيط وتجعله فاعلا لا منفعلا.

لقد لاقت الصوفية. مؤخرا، هوى واقبالا من كثير من المثقفين العرب، الا يشكل ذلك ظاهرة لها أسبابها؟ هل يمكن عقد مقارنة بين العصر الذهبي للصوفية، أي العباسي، وحاضرنا الراهن من باب التمزقات السياسية والحراك الاجتماعي والهوة الفاصلة بين الفكر والسلطة؟

لم تلاق الصوفية هذا الهوى والاقبال الذي تتحدث عنه. فالمثقف العربي المعاصر منخلع من تراثه الصوفي. وما حصل حتى الآن هو الاقبال على الأدب الصوفي بريادة أدونيس الذي يرجع اليه الفضل في الكشف عن هذا التراث وتقديما للمثقفين كمصدر للأدب الجديد. أدونيس نفسه لا يتصرف بوصفه صوفيا انما يستمثل تراث الأدب الصوفي في أعماله الابداعية. يمكننا عقد المقارنة بين عصرنا والعصور الاسلامية السابقة، من جهة الصراع الطبقي فهو محتدم الآن كما كان محتدما في العصر العباسي،ولا نتحدث عن التمزقات السياسية فهي ظاهرة طبيعية في أي مجتمع وأي عصر ولكن نتحدث عن الحراك الاجتماعي، ولا توجد أيضا هوة فاصلة بين الفكر والسلطة في العصر الاسلامي بل في عصرنا. فهناك كانت الدولة تدير سيرورات التطور الحضاري والثقافي ضمن وظيفتها الشرقية والصراع في العصر الاسلامي لم يكن بين الفكر والدولة بل بين الوعي الاجتماعي للطبقات المحرومة ووعي الدولة الاستئثاري _ الاستبدادي. وقد ساد الانسجام بين الدولة والمثقفين خارج الساحة السياسية: الدولة رعت الفلسفة والأدب والفقه والطب والعلوم الطبيعية وبفضلها فقط تطورت هذه العلوم الى المستويات المعروفة.

الصراع احتدم بين الدولة والتصوف في المقام الأول. والساحة الأكثر احتداما كانت ساحة التصوف الاجتماعي حين وقف أقطاب التصوف الى جانب صفوف الخلق ضد سلطة الدولة والدين والمال. وكانت هناك أيضا ساحة صراع للفقه كانت شاملة في القرنين الأول والثاني ثم تقلصت في القرون اللاحقة. وكذلك علم الكلام الذي بدأ فكرا مقاتلا ضد الدولة. ولم يكن الخلاف حول المقولات الفكرية الخالصة بل حول المتعلقات الاجتماعية والسياسية لهذه المقولات. وقد تكامل الفكر المعارض هذا مع الحركات السياسية التي قادت المعارضة في الدولتين الأموية والعباسية وفي دول الأطراف والطوائف.

لم يكن الخلفاء الأمويون والعباسيون أميين، كذلك حكام الدويلات المنشقة فالثقافة الأدبية والفقهية كانت أمرا عاديا في المجتمع الاسلامي. وكان الحاكم لا يصل الى الحكم الا بعد أن يستكمل دراسته في هذا المجال ويصدق ذلك على أنظمة ولاية العهد. وحتى الحكام المتقلبون الذين يقفزون الى السلطة بتحرك أو تآمر عسكري لم يكونوا خالين من الثقافة. وكان الجميع على اتفاق بشأن حماية المثقفين ووضعهم في رعاية الدولة. وكانت المعارضة اختيارا للمثقفين على الضد من رغبة الدولة الحريصة على ضمهم اليها. فالهوة لم تكن بين الفكر والدولة بل بين المفكر والدولة. وقد أعطى الفكر في الاسلام مهمة عملية تخرجه عن العقلنة الاحادية الخالصة. ومن هنا جاءت المعارضة لتكون تيارا ساحقا في الوسط الثقافي واعتبر المثقف العامل مع الدولة خارجا على أصول المعرفة.

ويختلف الوضع عندنا عن الوضع في ذلك العصر. فنحن نواجه الاستعمار الذي لم يكن موجودا عند اسلافنا المسلمين. وصراع المثقف المفترض هو اليوم صراع مزدوج: طبقي ووطني. ومسؤولية ذلك أكبر وأعقد.، ,فى هذا الخضم نحتاج الى استعادة الشخصية الصوفية كمصدر لتأسيس مثقفية مناضلة ضد الرأسمالية المحلية والاستعمار العالمي. وهذه لم تتأسس بعد في الوسط الثقافي المعاصر. ان مصادر ثقافتنا الحديثة تنحصر في الثقافة الغربية بمطلقيتها وأحاديتها لا توفر الأساس الصالح للتكوين المثقفي وتضع مثقفنا تحت تأثير المطالب الحضارية للغربيين وهي مطالب سياسية واقتصادية سالبة ترتبط بالمصالح العليا للدول الرأسمالية وينبغي التفريق بين الثقافة الغربية والثقافة الحديثة. وقد فصلت الفروق بينها في كاتبات سابقة. ونحتاج لتوطيد ثقافتنا الى استيعاب التراث الثقافي ليس الاسلامي وحده بل الشرقي عموما لاسيما الصيني فهو أقرب الى الأنسنة من التقافة الغربية. التي آمل كذلك لأن يتطور الهوى والإقبال على التصوف في أوساطنا الثقافية الى استيعاب لمطالبه وعدم الوقوف عند حدود الابداع الأدبي.

هنالك. حسب معايشتي الشخصية، شيوع كبير للعلوم الباطنية في المجتمعات الغربية، الرقص الصوفي التأمل الباراسيكولوجي، التركيز، القوى الخارقة، الطب الصيني،بم تعلل هذا الشيوع في مجتمع الكمبيوتر وعلوم الجينات الوراثية واكتشاف الفضاء؟

هذه الظواهر تحدث في دوائر صغيرة من النخب المتعلمة والمثقفة في الغرب ومنشأها الخواء الروحي للحياة في الغرب وتقلص ساحات النضال الاجتماعي مع هيمنة القوى الحاكمة والمالكة على مجموع النشاط في المجتمع الذي يتعرض لضغط جمعنة استبدادية تضيق بها فرص التحرك الحر للفرد، فيلجأ الى الماورائيات. ولا شأن لعامة الشعب بهذه الظواهر فهي مهمومة بمشكلاتها المعيشية والركض اليومي لتوفير مستلزمات الحياة وانتهاز الفرص ولا تتعارض هذه الماورائيات مع الكمبيوتر وعلوم الجينات الوراثية والفضائيات فالعلم البحت ما لم يخضع للفلسفة والأنسنة يكون حاله حال السمكرة ولا تختلف أولوياته ومطالبه عن أولويات ومطالب سوق الصفافير وهذا هو حظ العلوم والتكنولوجيا في الغرب الرأسمالي، والرأسمالية لا روح لها بل هي جسد خالص وهي حسية لذائذية مطلقة. ان الخواء الروحي للمجتمع الغربي يدفع الى البحث عن مسارب لتصريف الطاقات المشحونة عند الأفراد. ولا علاقة لهذه الحاجة الارتكاسية بالنزوع الى التصوف اذا أخذناه بحدوده الاسلامية السابقة لعصر الدروشة. والتصوف بهذه الحدود غير معروف في الغرب لأن التصوف الأوروبي لا يختلف عن الدين ولا يتعارض معه وهو أقرب الى البوذية منه الى روح الشرق الجماعية _ المشاعية. والبوذية خرافة لم تنفذ الى الشعب الصيني الشديد الارتباط بحكمائه اللادينيين وانما راجت في الهند قارة الأديان والأساطير.

ان الممارسات والطقوسيات التي ذكرتها لا تندرج في المنحى الروحي للحياة الفاضلة، بل هي من أبواب الخرافات والسحر. الرقص الصوفي من فنون الدروشة وله ارتباط بالسحريات. التأمل مفتعل ودخول في الغيبية المطلقة وليس هو التأمل الصوفي الذي يمارسه القطب في خلواته ليتذاهن مع روح الكون فيقطع مع الأغيار من الحكام والأغنياء ورجال الدين ويكون اندماجه في المطلق هو عين الاندماج في الخلق (الشعب). الباراسايكولوجي، ما وراء النفس، محاولة للهروب من المنطق العقلي الى العالم الاسفل. التركيز ضرب من السحر. القوى الخارقة لا وجود لها وانما الخارق هو قدرة القطب الصوفي أو المثقف الكوني على تحدي السلطة الطبيعية والدولة، ولم أعرف المقصود بالطب الصيني فهو علم للعلاج ولا علاقة له بالغيبيات وليس في الطب الصيني سحر أو تنجيم بل هو علم خالص كالعلب الاسلامي والاغريقي.

الشخصية الغربية من جهتها، والكلام على شخصية المثقف المتعلم، مزاجية غير مستقرة بسبب فوضى الحياة في الغرب. وقد التقيت في الصين سيدة بريطانية اعتنقت الاسلام وغيرت اسمها الى خديجة ثم اعتنقت البوذية ثم صارت ماركسية ثم عادت الى المسيحية البريطانية.
 
 
حوار أجراة:شاكر الأنباري (كاتب من العراق)

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …