أخبار عاجلة

هذا ليس غليونا

1- المطاردة

لحمك نيىء أيها البعيد

كيف يمكنني أن أنسف المسافة التي بيننا. أيها الوجع الأخير.. الرتيلاء سوداء تعضني في الدم.

أسرع نحو المنحدر.. حيث سأندفع بقوة كي أبتعد أكثر. كل قفزة ستترك لي مسافة للنجاة. تتراقص ظلالهم راكضة خلفي.. تلوح المصابيح البعيدة في الوراء بها، فترتمي تلك الظلال بسوادها علي. أحسها لافحة كالسياط على الظهر فيتعاظم احساسي بالخطر.. أضاعف قواي وأتنبأ باستدارة ستفتح لي أزقتها المتشعبة والمظلمة. هناك أستطيع أن أراوغهم، فينقذفون في مدخل آخر لن أعبره.

هأنذا قد أضعت الطريق الذي سيقودني الى غرفتي. لم أتعلم بعد مسارب المدينة، والليل الكابي لا يتنفس الهواء.. كل النوافذ نائمة، والبنايات ماتت واقفة.. ربما تستيقظ غدا، إن وجدت نفسي مرة أخرى على هامش الحياة.

لن يبتزوا الفرنكات البئيسة التي مازالت راقدة في جيبي. هكذا قلت. أم أن همهم الوحيد هو أن يتخلصوا مني نهائيا أو أن يركبوني قطار منتصف الليل.. عائدا الى عتبات الخيبة الأولى..؟ لا أحد يفتح نافذة أو يطل برأسه من ترعتها. هل أصرخ ؟ وان لم ينزل أحد لانقاذي، فإنه حتما سيرفع سماعة الهاتف ويدير أرقام الشرطة.

لكن كيف ينام البوليس في مثل هذه اللحظة ! ولماذا لا يعبرون الشوارع أو حتى لماذا لا يقبضون علي، ما داموا على الأقل يعتقدون بأن بشرتي مقيتة. إذ بسبب أو دونه عليهم أن دخلوني زنزانة، أو يجلسوني على كرسي ويضحكوا.. ثم حتما سيجدون عندي بطاقة الاقامة، وسيطلقون سراحي بعد ذاك ببعض الكدمات على وجهي أو أثر خفي لعصيهم على الظهر.. المهم.. لن يبتزني أحد.

أحس بالدوار.. صوت القطار يهدر في رأسي.. تكبر الدوخة. اليد التي لا أعرفها تحاول إيقاظي.. تتعب أتعب من العرق المتصبب من الجسد.. العين الخفية تردهم حولي في المقصورة يرتعدون من البرد. ليست في القطار تدفئة هل صرت أهذي..!

كؤوس النبيذ انطفأت في رأسي بعد كل هذا الجري. وأنا لا أحب القمار.. بدأ الثلاثة يديرون أوراق اللعب بينهم.. يرمون على الطاولة بعض الفرنكات البئيسة دونما معنى للربح أو الخسارة. اذ في النهاية لا أحد سوف يحصل على ثمن قنينة نبيذ، أو ربما سيحصل عليها بالكاد. رخيصة طبعا. اذ بعد لم نستطع شرب نبيذ فاخر.. رفعوا رؤوسهم نحوي بالتناوب:

– الا تريد أن تتسلى..؟

– نريد أن نعطي للسهرة معنى..

لعبت دون معنى.. لم يكن في الأمر تسلية.. ربحي بدأ يتضخم دون اصرار مني على ذلك، كان بودي لو أحكي لهم شيئا. لن ينصت أحد.. كنت أحس بدقات قلبها في جبيني.. تنام تبحث عن الصبح كي تعصر القهوة وتذيب السكر "طعم ابتعادك مر..". "أمي. سيتغير كل شيء حين أعود" تبيع ثيابها وحليها تتحايل على كبرها وهي تجوب أسواق الحياة الصغيرة كي تطعمني في البعيد.. أول الشهر.. لست أدري كيف تفعل كل هذا..! تبعث ما لديها وقبلها معصور من حر الجوع ومرارة القهوة.. وعمر لم يفهم راح يستل من جيبه أوراقا نقدية مغرية الأرقام. وأنا لم أكن أريد شيئا. كان علي أن أستجيب لدعوتهم فقط. كؤوس صغيرة للتعارف.. دون شيء آخر، دون أوراق اللعب. ثم نتعارف حتى.. دارت كأس نبيذ أخرى أدار معها عمر ابتسامة ماكرة وهو يخرج مدية حادة ويضعها على حافة الطاولة:

– هكذا كنا نلعب في الحي المحمدي.

– (ارتجفت) خذوا نقودكم.. اللعبة صارت سخيفة.. أريد أن أخرج.

أعدت أوراقي الى جيبي كما أخرجتها، وكان السلم مظلما.. أحسست بأصابع أحدهم تتلمس حافة جيبي – أدركت اللعبة. لذلك امتصني الخوف. ولذلك فانهم مازالوا يلاحقونني.

ربما كانت اليد يد أعمى.. هو الذي ربت على كتفي أكثر من مرة.. ربما قال "انك تهذي" هو الذي أبصرني ولم أبصره.. ارتطام العربات فيما بينها عند كل محطة يعيد الي انتباها خفيفا تتلفه الحمى.. لن أنهض من هذا السفر المحموم.. نصل سيف عمر يقترب من رقبتي، أحس باختناق المسافة وسأم الطول.. الأعمى قشر تفاحة بموسى صغير.. ربما قال "هل تريد أن تتذكر؟" ربما قلت "أريد أن أنام ".

وجدت نفسي في الساحة الكبيرة.. بناية البرلمان ترقد تحت أضواء المصابيح العالية.. اقتربت من بوابتها، فككت أزرار بنطالي وبدأت أتبول.. إذ أنه لن يحدث شيء ما لم أقم بفعل يستدعي شرطة المراقبة.. ولن يبتعد الثلاثة الآخرون الذين ينتظرون أن أعبر الساحة الى مدخل زقاق ضيق.. وهذا سوف لن يحدث وربما لأن أحدا لم يتدخل بعد. فقد سمعت نداء باهتا في الخلف. صوت أنثوي جاء ليحمي ظهري من فزع استكن فيه. كانت قد شرعت دفتي النافذة ولوحت بيدها كي أصعد.. ركضت أتسلق السلم الى الطابق الثالث. لم أتساءل حتى عن الذي سوف يحدث.. وسمعت خطواتهم خلفي.. تفزع الأرض كحوافر فرس. كان الباب قد انفتح وأطلت منه برأسها.. "ثلاثة يطاردونني منذ ساعات أريد أن أختبيء.."

كانت ضوضاء سهرة خفيفة تنفرج من الداخل، تحمل معها موسيقى ورقرقة نبيذ، لم ترتعب من بشرتي لكنها لن تستضيفها.. رأيتها تتوارى قليلا دون أن أجرؤ على أن آخذ قدمي باتجاه الباب. كنت سأفعل لو صعدوا الي لكنهم لم يفعلوا ظلوا متربصين في الأسفل. ربما كانت ستنادي على الشرطة.. لكنها لم تفعل. أطلت برأسها مرة ثانية وفي يدها زجاجة نبيذ فاخر.. "أقض ليلة سعيدة".

هكذا.. سأشعر بالخيبة فيما بعد. لأني لم أتذوق طعمه. ظلت القبضة في يدي حين ارتطمت الزجاجة مع الأرض، لوحت بها في وجوههم دون أن أصيب أحدا. تراجع عمر حين فر الآخران ولحق بهما دون رجعة.
2- الشمس المتعبة

سأقول بأن عمر صار صديقي بعد تلك الليلة. لا أعرف كيف لكن هكذا حدث. ربما لأنه طاردني ليلتين أخريين في الحلم.. فقتلت الكابوس بنفس المدية التي كانت كل مرة تسقط منه فألتقطها وأرشقه بها.. استيقظ بفرح كبير على ضوء الصبح الذي يلوح لي بالقماشات المعلقة على جدران الغرفة والاصباغ الزيتية عليها.. ارتكن اليها بزفرات الفرح ليتحول حقدي عليه الى شفقة.. يتحاشاني في الممرات الى أقسام الدراسة.. ندما. أو خوفا من أن تسقط مديته فألتقطها وأغرسها في صدره.

في مقهى الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة. شربنا قدحا باردا ودخنا سيجارة محشوة. لم تكن لنا القدرة الكافية لنظل ممزوجين بالحقد ما دامت الظروف لم تكن تسمح لنا بذلك. نجلس في نفس القسم، ننغمس في نفس الورشة، نخضب أيدينا بنفس الألوان على نفس القماشات، ونعشق معا لوحات "ماغريت ".

صرنا ثلاثة فيما بعد. حين انضم الينا "ايغور" والذي لم يكن سوى قامة ضخمة تحيط به الرهبة. كنا نسمع عنه حكايات مضحكة. لكن حين وجدنا غرفا في الحي الجامعي الذي كان يقطنه، تأكدنا أن البناية كانت تقترب من الانهيار حين يسقط مخمورا وهو يصعد الادراج الى غرفته، أو حين يراهنه أحد في قدرته على شرب قنينة نبيذ من خمسة لترات دفعة واحدة،، والأدهى من ذلك كله، حين يتعذر علينا النوم من حدة صرخاته وتأوهات حبيبته ليلة استضافتها. ثم عادة ما يتقلص حجمه في الصباح ويصبح طفلا خجولا وصامتا وهو ينسحب متسترا مع الجدار دافنا رأسه في الأرض كالنعامة.

توقف القطار ربع الساعة أحسست بأن ظهري قد تورم. أردت الوقوف دون جدوى. مد لي الأعمى عكازته. كما لو كان ينصت لرغبتي العميقة في استنشاق هواء الصباح المثلج، نور البياض يضيء العتمة في داخلي. أراها سرية تنحني لظلالها الداكنة. أسحب منديلا صغيرا من جيبي وأحجب عيني كأني سأرى ما تخفيه تلك الحجب السرية.. الطين الناعم تحت ملمسي يفرج عن سحر الأشكال ببطء.. اتذكر.

الفرشاة مخضبة في يد عمر.. انظر اليه واندهش لقدرته التعبيرية وربما لقدرته على الافتتان بمرحلة "ماغريت" التعبيرية والتي كانت وقتها تمثل خيبة بالنسبة له. فهي لم يكن لها نفس صدى أعماله الأولى.. "محاولة المستحيل" عمر ما لبث أن تخل عن الفرشاة والألوان وبدأ يشتغل على صفائح القصدير مستلهما صدأ الحي المحمدي. رأيت ذات يوم تلك المدية مقحمة بعنف، داخل صفيحة مستديرة كقرص شمس، نفس المدية التي هددني بها دون معنى. عمل ربما كان له صدى قوي في اكاديمية الفنون حين أسماه "الشمس المتعبة".

ايغور كان له وجه آخر.. كان النحت فتنته الكبرى. وبقدر هول قامته وضخامتها، فقد كانت منحوتاته دقيقة جدا بحجم كف.. إن كائنا بهذا الحجم لا يمكن أن ينتج داخله الا هذا الكرم الجميل من الاختزال والتصغير.. تصغير الأحجام الى درجة جعلها "ماتريوشكات" دقيقة. أعمق ضخامة وأكثر إثارة. تلك اللعب الأمومية التي كلما فتحتها أخرجت من عمقها كائنا أصغر، تفتحه فيفتح لك قامة أقل حجما وأكثر دقة.

أما أنا فقد كانت فتنتي مختلفة مع النحت. وكنت أفضل عجن الطين الرطب متمثلا ذلك الوحل العظيم أيام الشتاء، في قرية كانت تبتلعنا صغارا ونحن نتوجه الى المدرسة، والأرجل مثقلة وغائصة. عمر يطلق ضحكاته الهيستيرية وهو ينبئني في النهاية بأني شكلت عضو ذكر.. بينما إيغور كان يحنو علي، ويصف الحالة التي كنت أشتغل فيها "حنينا" أعصب عيني وأضع كومة الطين بين يدي وأشكل الأشياء بالانصات واللمس ونظرة الداخل الفطرية، إن قوة الأشياء أن تأتي من الداخل.

"هناك عميقا تكون العين التي ترى" هكذا يقول الأعمى، وصفير القطار يرتفع حادا.. لمسيرة أكثر طولا وأقل إيلاما.
3- الحضيض

ننزل الأدراج.. عميقا في الأسفل تبتلع المغارة القطار. حجب كثيفة من السواد.. ضوء المقصورات من الداخل يتراقص على الجدارات الداخلية للمغارة، مكررا وجوهنا على الزجاج الصقيل.. تتلون بألوان الضوء.. تخفت فوقها الظلال.. تعود تتحرك.. تصعد رائحة الدخان أريد أن أشرب كأسا قبل أن ينتهي ليل هذه المغارة أسمع صوت أيغور في البعيد والأعمى قدامي ينظر "كأسا في الكنال".

واذن.. سيكون "كنال 13" هو مكان ارتيادنا المعهود.. أو لنتبن تسمية ايغور له "الحضيض" استنادا الى عالم "ماكسيم غوركي" المثخن. "الحضيض" هو المرقص الليلي الأكثر حضيضا.. وهناك، حيث كانت المدي تنسل والعيون تدمع رغبة في سيجارة محشوة.. أو زجاجة شمبانيا سيدفع ثمنها رجل هاو جاء يبحث عن جوقة من الفتيات جئن تحلمن بترف زائل أو بترتيب جديد لمشاعر السفر. كنا معا الأكثر حظا. لأننا مع ايغور، كنا نسير مغمضي الأعين. ان قامته كانت تحمينا وتفرض الاحترام. ثم أدركنا أن احترام الآخرين لنا لم يكن سوى خوف، اذ يكفي أن تذهب بمفردك الى مرقص أو بار حتى تضرب على قفاك. فقط لأن بشرتك كما يقال مقيتة. وعليك أن تنحر ها هنا إذا ما سنحت الفرصة لذلك. ومنذ اللحظة الأولى حسمنا في الأمر.. فنحن لم نكن صعاليك تماما، لكن اللعبة كان عليها أن تتشكل بحذاقة. شربنا كؤوسنا الأولى حين طلب عمر قنينة خمسة لترات. وكان على "البارمان" أن يأخذ بعض الفرنكات الاضافية كي يعلن عن لعبة رهان ومزايدة:"ايغور سيكرع خمسة لترات دفعة واحدة" والحصيلة.. ربحنا الرهان ثلاث مرات حين كان ايغور يتوجه الى المرحاض ليفرغ جوفه بعد كل محاولة. لم تتكرر الفرجة إلا مرات قليلة لأن عمر كانت له رهانات أخرى تضمن لنا الأكل والسجائر وقنينة ايغور البضة.

– و"قادر"..؟ سرت أسأل عمر.

– يجب أن نرعبه.

هذا الشاب الجزائري الذي جاء من ركنه المظلم في "الحضيض" يطلب أن يجلس الينا ليعرض بضاعته من أجل أن ينضم الى الشلة: "معي ما يصلح لتجارة مربحة". ورغم أن "قادر" كان حذقا والكل يعرفه في هذا المكان. تركني عمر أنفرد به وأخبره بأن المكان لن يصلح له بعد اليوم. وأننا نتاجر في نفس الشيء. ولن يصلح أن نتهارش فيما بيننا بعد يومين. في نهاية المطاف، لم نكن نتاجر في شيء، لكنه كان علينا أن ندخن. ولم تطل الجلسة طويلا حين انصرفنا.. ولم أعرف كيف فعل عمر ذلك كان قد عرف أين كان يخبيء تلك اللفافات المحشوة.. ولأننا رأينا قادر ينتفض ولا يستطيع أن يعلن عما ضاع منه خرجنا. دخنا طيلة الليل وطيلة النهار الذي بعده ثم انسحب عمر برأسماله الخاص وهو يقول: "الامريكيون متشائمون من رقم 13، ولهذا لن يبحثوا عن بضاعتنا في الكنال.. سأذهب اليهم في المعسكر".

في الأيام الأولى التي كنا نذهب فيها الى الحضيض. كنا نتسلح بالمدي خشية الا يكون قادر قد نسينا، ولا شرك أنه بعد الذي حدث له، سيجلب لنا ما يكفي من الصعاليك لعصرنا. لكن منظر ايغور وحده كان يكفي لارباك العالم. ايغور الذي في الأخير لن يستطيع سحق بعوضة.

بدأت أنسحق في الداخل.. أتوارى وأعجز عن دعك الطين. بدأت تكبر المسافة بيننا وبين الأكاديمية الملكية للفنون. لكننا في نهاية المطاف، كنا قد راهنا على الخسارة قبل أن نراهن على الربح لأن الحلم كان قد أفسد علينا مسبقا قبل أن نولد.. اليد تثقل، والطين يتصلب، والقماشات تصير مقيتة، وساحة البرلمان حين أمر بقربها وأرفع رأسي الى تلك النافذة… لا أسمع صوت الانثى الخافت، ولا أسمع رقرقة نبيذها الفاخر.

مرت السنة بسرعة قصوى تنحر مسافاتها القصيرة. كان عمر قد اكترى مسكنا جيدا، بشرفة عريضة وغرف كثيرة وحمام.. نسي تماما فنوننا الجميلة. لكنه ظل يرافقنا مساء كل سبت الى الكنال. نشرب وندخن، ونتلقف دموع الحسناوات اللواتي ترغبن في سيجارة محشوة.

من ثمة، صارت لايغور صديقة. استخرجها من داخل قرقعته الصغيرة، لعبة الماتريوشكا لا تتجاوز خصره. متناغمين دون أن تنال منهما مداعباتنا الساخرة. اذ بعد ذلك صارا حبيبين لا يفترقان، وصار ايغور متحفظا في صرخاته العنيفة ليلا. حتى انتقل نهائيا الى حضن "سوزان"  التي كانت طليقة في بيتها. هناك حيث كانت لي غرفة تحميني من عزلة منتظرة.

وكان هذا الانتقال الجديد قد عطر المسافات بيننا وقلل من ارتيادنا للكنال. تصلنا بين الحين والآخر دعوات عمر من أجل عشاء هنا أو سهرة هناك. حتى اللحظة التي قرر فيها ايغور سفرا الى موسكو. لن يكون طويلا على كل حال. لكن حماما من الثلج كان سينعش أوردته ليستقبل العالم من جديد.

هيأنا حفلة صغيرة من أجل كل شيء. فسوزان حامل، وبعض أصدقائنا في الكنال ستفرحهم هذه الدعوة المغايرة. بعضهم حمل قنينة خمسة لترات مداعبة لايغور. وبعضهن حملن دببة من أجل الطفل القادم.

أما ايغور وأنا، فقد انصرفنا طيلة يومين في رسم امهات الماتريوشكا على قشور بيض طازج، بإصرار كبير على الا تنكسر البيضات. وأن يكون الرسم متقنا ومطابقا تماما للاصول.

في تلك السهرة وضعنا طبق البيض على الطاولة، طلب ايغور من كل الحاضرات أن تشاركن في المسابقة من أجل مبلغ هام سيتبرع به عمر على أول واحدة تفك لعبة الماتريوشكا في قطعها الثلاث. ثم انبعجت البيضات في ثانية.. وارتفع الصخب والضحك المجنون.

شربنا حتى الفجر.. حيث رافقنا ايغور الى محطة القطار في طابور طويل من السيارات، ودعناه على صفير القطار بعد أن طلبت منه الفتيات هذه المرة ماتريوشكات حقيقية.
4- هذا ليس غليونا

من أين تبتديء حدود السماء وأين تنتهي؟ لماذا رسم "ماغريت" السماوات وعلق فيها شخصياته واقفة كتماثيل. بقبعاتها وبذلها الكابية.. منتفضة أبدا ضد أية جاذبية هل كان للأرض معنى؟ أو للكائنات ؟ إن لم يكن طعم حامض الكبريت في رثتها. الرئة الجماعية الموبوءة بالتناقضات بتضاربات الأفكار الموقوتة، والاحاسيس المتنافرة ؟.

بدأت الفرس الصغيرة تركض في دمي.. أراها صاعدة نازلة فيه. شمس "ميرو" السوداء تضيئني من الداخل وتعصر الأحشاء. نجوم كابية.. أسير في الليل الطويل دون فرح، ودون ألم، ودون أي شيء آخر سوى تلك الفرس السوداء الراقصة لم تكن فرسا، عاد ايغور ولم يعد. عاد كما لو شربت الأرض قامته أو دمه. لا يقول كلمة ولا ينام. يتكور في ركن صغير من البيت ويتلوى حول أعضائه سوزان تبكي ولا تقول شيئا. وأنا أسير في الليل الطويل. الماتريوشكا يا الله. أعصر ساعدي.. تتكور العروق كرة صغيرة. تتدحرج تحت الجلد. أعصر يدي ينفتح الوريد.. أرفع عنه غشاه الجلد. تصعد الكرة الصغيرة. تخرج أرجلها الفرس. ليست فرسا.. تقف على حافة الساعد.. رتيلاء سوداء بعينيها النافرتين تبحلق في وجهي لا تلسع لا تتكلم لا توميء برأسها. تنتفض فيقطر منها بعض الدم. تدور على أرجلها في نفس النقطة كراقص درويش، ثم تلج يدي من جديد تقحم رأسها في العرق ثم تلحق به جسمها الأشقر ولا يبقى أي أثر لأي أثر.

صرت أدخن دون شهوة. أدخن طعم النبات الحارق. اللفافات الأكثر مودة والأقل إيلاما.. تحتلني النوبات السخية بالغياب. أغيب.. تتلاحق الأيام وايغور لا يتكلم.. فقط يتكور ويبكي.. أسأل سوزان التي تسأل ايغور الذي لا يقول شيئا عزف ايغور نهائيا عن الأكل. أعد له لفافة فيدخنها كأسا فيشربها ثم لا شيء.

صرت أسأل يوميا عن عمر في الهاتف.. لكن لا أحد كان يجيب.

هذا الصباح رن الهاتف وكان عمر خلف السماعة يطلب أن أزوره في أقرب وقت. لم يشرح لي حتى دواعي الاستعجال. صرت أحدثه عن ايغور دون جدوى.. الرتيلاء دائما، بدأت تعضني.. أحس بالغثيان ورغبة في التقيؤ لكن لا شيء من هذا يحدث ربما بدأت تنفث سمها وتدعوني على التدحرج بالتدريج ساعد استبدادها بي ما رأيته من عمر. سأقول بأني لن أراه بعد الآن.. ربما هربت هذه المرة حقيقة مسرعا نحو المنحدر حيث سأندفع بقوة كي أبتعد أكثر.. كل قفزة ستترك لي.. لا شيء.

كان عمر يحدثني طوال الفترات السابقة عن أصدقائه الأمريكيين. عما تدره عليه من أرباح تلك المتاجرة معهم. هذه المرة، تطورت الأمور على نحو آخر. ولم أكن أصدق وأنا أطل على تلك الحقيقة الضخمة التي فتحها عمر أمامي أن أرى تلك الترسانة من الأسلحة. مسدسات. رشاشات. قنابل ورصاص.. أي خراب هذا الذي سننساق فيه. لم أتوان لحظة عن الصراخ. خرجت مسرعا وأنا أؤكد لعمر أنني لا احتمل.. وانني لن أخبر أحدا بما رأيت. المهم، أن تتوقف تلك العلاقة بيننا مرة أخيرة ونهائية.

ولماذا سيسير كل شيء نحو هذا الخراب.. أية قوة تلك التي تصرع الكيانات ؟ أحمل مدية تحت البنطال.. أتركها تنسحب تحت الجورب. مدية بحجم ساعد اليد. أنزل الى الكنال أدخن، لا أكلم أحدا., صار منظري أيضا مفزعا جحظت عيناي. طفح عليهما احمرار داكن. صارتا بقعتين من الدم أخرج وانقذف في الطرقات أتحسس المدية حين أجلس.. ما الذي صرت أفكر فيه ؟ ما الذي تنبأت به العرافة ؟ وايغور.. ماذا فعل به حمام الثلج ؟

خرج هذا الصباح قبل أن نستيقظ. سمعت صوت سوزان وهي تنادي علي.. "ايغور ليس هنا".

ركضنا طيلة النهار نبحث عنه. أهدي، من روع سوزان، واحكي لها تلك القصص التي كانت تهدهدني بها أمي في المهد.. نركض.. ندخل الخمارات الموبوءة.. ولا خبر.. ربما كانت المسألة صحية، أن يخرج ايغور هذا الصباح بعد شهر طويل من الموت في الركن القاتم.. دون أكل ودون شرب، ودون حركة أو هواء.

لا هواء.. الرتيلاء تخرج من تحت الجلد لتستنشقه. أمد لها أصبعي وأريد أن أطرحها أرضا. أن أسحقها دون رحمة أحاول عبثا."عبثا" تقول سوزان.

لم تمض إلا ثلاثة أيام حين قرأنا في قصاصة صغيرة لاحدى الجرائد: "بينما كان قطاران يتوازيان قرب المحطة أخرج الشاب "ايغور.ك" رأسه من البوابة فى مواجهة القطار الاخر.."

يعلو الصفير. العربات تتحرك بثقل كبير. قطع ضخمة بشكل حجارة الطوار.. تندفع.. تحتك، وتبحث في البعيد عن المستحيل.. يعلو الصفير يخرج القطار من مغارته الأخيرة، ثمة ساعتان تبعداننا عن الحدود. سنركب الباخرة هذه المرة. وسأتقيأ على هواء البحر. أراها سوزان تركض على رصيف السكة "ماذا أفعل بابني ؟".. أراها تركض.. لست قادرا على النسيان.. تصرخ "ماذا أفعل به". "سميه ايغور" أتقيأ، لم أعد أرى الأعمى.

غاب في ازدحام الباخرة، أمي ستنزع تلك الرتيلاء من دمي.. أندفع دون رغبة ودون أي شيء. أندفع في الطابور الطويل من أجل ختم جواز السفر.. أرى جمركيين يأكلان واقفين. كل يعض من سندويتش الخبز واللحم في يده. برتابة قلقة أتقدم في الطابور ثمة كلب متشرد يقفز على أحدهما ويسرق منه قطعة لحم.. أتقدم.. أختم الجواز وانظر الى الخلف، حيث الأعمى يقف ناظرا اليهما بنفاد صبر. بينما الجمركيان يركلان الكلب. ولا يسمع سوى عوائه الذئبي ولهاثه القاتل.
 
 
عبدالمجيد الهواس (قاص من المغرب)  

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …