أخبار عاجلة

هذيان الدمى

رفضت عالم الخطايا من أجل تحقيق عالم النعمة والحرية من اجل النعيم، واذا بالزمان الحديث يحل الجريمة محل الخطيئة،

"انسي الحاج "

ليس القفص وحده الذي يمزق أحشائي هذه الظهيرة الملتهبة فقفصي اليومي كبير بحجم البحر.. منذ فترة أحسست أن القفص الحديدي يقترب لكنا كان مع ذلك على بعد.. ما تصورته قريبا كما قرأت عن زمان "اقرب من حبل الوريد".

كان يوما جديدا لكنه مؤلم ومر مرارة خلوقنا من حنظل الوقت، اعتصرني الألم.. عددت ثواني ذلك اليوم.. عمري لم يكمل بعد الخامسة والعشرين كما حددته امي ذات مرة :

"كان نجم يطلع كل يوم من غرب ويمشي في السما يمشي علين يتوسط السما.. وهذاك النجم معناه يا ولدي انه شي جديد آت البلد.. وجاء اللي شفتوه.." لكني لا ادرك بعد : لماذا أعود الى هناك.. الى مكاني البكر الآن وهذا القفص أعجز من ان يمنحني ما أريد.

قفص كان مفتوحا للشمس "ملتهبا"، السماء وحدها التي تغطيه وحديد أسود من جهاته الاربع..

**

تحرقني الاسئلة.. تلح بكثافة لم اعهدها قبل.. لا اجابات تشفع في هذا المكان لعلي تركتها مع قلمي ووريقاتي التي بحوزتي عند باب القفص.. "لا" وحدها هنا ومعها "ممنوع" التي طالما قرأتها وانا رهين حرية ناقصة.. ليست في المكان الجديد لافتة "ممنوع التدخين" كل شيء يعني ذلك دون حاجة اليها، كان الكتاب الذي حمله مرافقي – الذي لم يترك يدي، ولا أذكر الآن إن كانت اليمنى أم اليسرى، مكتوبا عليه كما لاحظت ذلك لاحقا عند.. باب القفص شيء قريب من :

"يبقى في القفص لحين صدور جديد ما "!

حاولت الوجوه الموجودة ممارسة طقوسها المعتادة فقد بدت فرحة وهي تستقبلني كصديق حميم في حين لاحت لي رمادية وأقرب للظلام ولم يشفع لها صخبها بابتسامة.. حتى اسئلتها السخيفة والمضحكة في آن لم تهز سكوني المطبق وحدها دمعة مندلقة تكفلت الاجابة واسكات الطقس المعتاد لاستقبال الرفقاء الجدد..

**

"البرنوص" الذي بدا لي رماديا هو الآخر عندما دفع لكتفي دفعا ما احتجت اليه.. تكفل حائط القفص بكل شيء.. جلوسي.. نومي الذي لم يجىء.. حتى توسلات بعض الرفاق الجدد ما كانت ذات جدوى.. وحدها الدموع شاركتني حرقة الاسئلة.. بحثت عن نفسي وسط العالم الجديد فلم اجدها.. اجتهدت.. لا فائدة.. غارت صوب مكان بعيد.. بعيد.. كانت تسأل البحر.. بحر طويل عريض كان اسود وعاجزا عن الجواب.. رشقته بسيل تهم إلا انه يأبي عن ان يبوح.. ارجوك يا بحر ولو جواب وحيد.. لماذا انا هنا ؟! ترك مكانه.. جلس بجانبي لكنه لم يلتفت لحرقة تساؤلاتي.. يومها عرفت انه لاعب كبير وهم كذلك يلعبون.. كلهم.. كلهم يلعبون.

بعد ان خرجت تأكدت أني كنت مخطئا وانه قزم يدحرجونه.. كرة ثلج ينتفخ ولا يتفرقع.. تمنيت دوما ان يتفرقع ليهتز المكان.. كله.. وتنكسر الاقفاص الصغيرة والكبيرة كنت قد أفنيت عمري أدعو له.. حفظت هيجانه ذات يوم.. سنين طوالا وأنا اغرب واشرق كعباد الشمس كما يريد.. من أول يوم نخرج فيه من كهف الامومة المظلم مربوطين بداخله بحبل صغير ضعيف حتى آخر العمر.

**

عندما بدأت تحديه دونما اكتراث بشيء، خضته بساقين كعودي خيزران، كنت غضا ولا اجيد السباحة فغرقت.. كما لم اغرق قبل.. مركبي الصغير.. خذلني تركني للامواج العاتية التي لا ترحم.. ما انقذني احد.. انا الغريق.. انا الغريق.. اولئك البحارة الذين زهوت كثيرا بنيلهم كانوا صغارا وجبناء كنعامة.. يسبحون بعيدا.. بعضهم نظر الي بشفقة عدو وربت على ساعدي:

"لا تخف البحارة الماهرون سيأتون وينقذونك من البحر وبحارته اللصوص"!

طويل.. عريض هذا البحر.. يسد الافق كما قيل لكنه دنيء ترك امواجه تفرقني ولصوصه يقهقهون من حولي يسرقونه كل يوم.. يرقبهم دون حراك.. كأنه وحده ينتظر جودو..

**

يوم ان حملتني الريح صوبه قالت لي :

"لا تخف من لصوصه فقد تصبح واحدا منهم ذات يوم انهم لا يفقهون وستكون نوخذا.. النواخذا الاوحد" كنت معدما واحلامي بحجم حبة خردل او اقل.. كانت الريح قوية وواثقة كجبل احد الذي قرأت لاحقا انه يحبنا و…

للبحر قصص كثيرة لا تملها قريتي وهنا في هذا المكان البعيد عن التاريخ تمخر ذاكرتي كموج.. عندما كان احد حراس البحر ينادي عند الغروب : هيا الى البحر، قام البحر.. رأيت الجميع يجهز قرابينه لكن لم اعبأ بهم وظللت ألعب وأصرخ بطول ذلك الملعب – الذي يتوسط القرية – وعرضه ولم افق إلا وسوط ينهش لحمي.. كان ابي يغفر لنا حماقات كثيرة نجترها في طفولتنا ليس من بينها نسيان واجباتنا تجاه البحر.
**

عندما اخرجت من القفص ذات صباح مشمس لاسع لم أقدر على الطيران فجناحي مربوطان.. حزام على اليمين وآخر على اليسار.. وفي المسرح المكتظ بمدرجات حمراء حمرة وجوه اللصوص الذين استمرأوا تعذيب عصفور بسياط نباحهم :

الى أين سافرت من قبل ؟!

أنت اكثر واحد تعرف البحر.. كيف جرؤت علي…

أربع سنين من التدريب ألم….!

الا تعرف أن البحر الذي خضته هو…

استجمعت قواي المنهوكة.. عصرتها ولم أعثر الا على دمعة سالت دون اكتراث.. انزاحت رويدا رويدا وتكسرت تحت قدمي.. لكنها اغرقتني.

صرخة جهورية حسبتها من بعيد، تكفلت بعودتي. عرفت بعدها أن ربان لصوص البحر بيننا الآن في المسرح المحشور بمدرجات حمراء ووجوه ممثلين يتقنون اللعب كبهلوانات.. انتصبت بعدها واقفا واحنيت جسدي..

هرج ذاك الربان او كما يسمونه عالم البحر كثيرا وضرب أمثلة عديدة توضح قدرة البحر على اغراق من يحاولون الخوض فيه دون اذن.. ولما انتهى خيرني بين اعادتي لأحكام البحر التي تعني في جملتها الاغراق وبين تنفيذ رغبات البحر وبحارته اللصوص.. فبصمت وانتهيت.. انتهيت !

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …