أخبار عاجلة

هذيان المدن الاسمنتية

 

Z احمرار
« المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. « المدينة غارقة في سواد… »
تنـزلق الكلمات مجدداً.. تهتم أكثر بالمساحة الأرجوانية التي تتحرك مع خروج الكلمات. أكثر من لوحة شعرية تدفعك للانغماس بعمق في تفاصيل الصوت والتحليق في فضاء المدينة اللامتناهي، لكن الاحمرار القاني يبقيك قريباً.
تفكر بأماكن أخرى تجمعك بصاحبة الصوت… تمرر ورقة -عليها رقم تلفونك المحمول- إلى المنصة. تراقب وجهها المتجهم، فتنهض وتقول بصوت مرتفع جعل الأنظار تتركز عليك «يمكننا أن نتبادل القبل أيضاً.»
« المدينة.. المدينة…»
يتعالى الصوت محاولاً إخفاء الضحكات التي انطلقت من عدة أماكن.
تسترجع المشهد مجدداً عبر شاشة الكمبيوتر. وتضع صور انزلتها حديثاً من أحد المواقع الصينية. تضع في خانة النص بضع كلمات عن رحلتك الوهمية إلى مدينة بكين والندوة التي ألقيت فيها آخر قصائدك في ساحة (تانج مين). ومع ضغطك مفتاح الموافقة تشعر بيد تضغط على كتفك وتدعوك للنهوض.
«المدينة.. المدينة…»
تحاول شرح الأمر بلغة شعرية، لكن العصى التي ترتفع في الهواء تجبرك على استخدام لغة حيوانية متألمة.
«المدينة.. المدينة….» تتراجع والصوت يرن في اذنيك، تقول لك إنها حاولت الاتصال بك مراراً لكن هاتفك خارج نطاق الخدمة، تقول لها أنك تغيرت وأن ثلاث سنوات كافية ليغير الانسان نظرته للحياة، تأخذ منها الورقة المكتوب عليها رقم هاتفك المحمول وتدسها في جيبك وتنزاح جانباً لتسمح لها بالمرور باتجاه المنصة. تتابعها وأنت تحاول سؤالها عن اللون الأحمر الذي مازال متوهجاً رغم مرور السنوات.
تستوقفك اللوحة في أعلى المنصة. تفكر بترديد تعليق صاخب كعادتك عندما يثيرك شيء، لكنك تندهش عندما لا تخرج من فمك الكلمات ويصدر فقط غمغمة ضعيفة غير مفهومة.
أخيراً تجد من يربت على كتفيك لتجلس بهدوء في كرسي أخير وصوتها يتصاعد من على المنصة: «المدينة.. المدينة بحمرة شفتيها، وسواد عينيها، وأرقها يغمر الكون بأكمله… المدينة تحمل بحرها وتتوارى».
ألوان إضافية
Z أزرق
في شرفة الفندق المطل على كورنيش البحر، وسرب السيارات يتدافع في شريط واسع من الاسفلت في المساحة التي تفصل الفندق عن شاطئ البحر، أخذ نفساً عميقاً وهو يقدر المسافة بين الشرفة والبحر. أصابه الرقم الذي تجاوز المائة ببعض أمتار بإحباط، وسرعان ما تكوم فوق الكرسي وهو يفكر بطريقة أخرى للوصول للبحر غير الطيران.
Z أسود
آخر خيط لضوء النهار اختفى الآن. أخرج النظارة السوداء ووضعها على عينيه وأخذ يتدفق في شوارع المدينة.
Z شيب
يتدفق في شوارع المدينة. تعوقه الأبنية الإسمنتية العالية فينكسر ليتدفق مجددا. يصطدم بجدار جديد، فينكسر وحواف ضوئه الخضراء تتحول إلى اللون الرمادي.

 

 

سمير عبدالفتاح\
\ قاص من اليمن

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …