هذيان الناجي من المذبحة أو الرحلة التي لن يعود منها أحد سالماً

هذه الأرض التي توارثتها الجدوبْ

عبيد ابن الأبرص
أولئك الذين لم يتبّق في أجسادهم قطرة ماء يمكن أن تتحوّل الى دمعة..
إدواردو جوليانو
نظر الى ما تبقى
من أرض طفولته الشقيّة
ظلّ يطوف حولها
حتى أنهكه التعبُ والحزنُ
فانفجر صارخاً:
(ماذا أريد منك، وماذا تريدين مني؟)
ليتوقف هذا الطراد بين طائرين مهيضين حتى السقوط والحطام، ليتوقف هذا الطراد بين شاهدتيْ رمسٍ درستْ معالمه منذ أجيال وأزمان..
الرمسُ، ماذا يخبئ القبرُ في أعماقه عدا الرفات والعظام الرميم التي تطايرتْ بها الرياحُ النائحةُ ونثرتْها في كل الجهات.

كتب لي ذات دهر (ان قريته لاحتْ له من البعيد، جنّة من جنان الخلد، منبسطة، هكذا على الأرض الجبليّة الرحيمة)
ويذكر ببيت (شوقي)، حين نازعتهُ نفسه الى خُلد الحقيقة، لا جنّة المجاز، الى وطنه الذي شُرد منه عنوة وقسراً… أما هو فردّ بصرامة تنقصه في معظم مواقف حياته ومطبّاتها… بأن تلك البقعة من الأرض أو الجنّة كما وصَفها، ليستْ إلا مستودع لأحلام الموتى والذكريات المريرة والمجزرة.. هو الذي يحتدم شعوره بالموت والفناء ميراثاً يحمل ثقله منذ ما قبل مجيئه الى هذه الأرض، منذ طوفان نوح وصخرة قابيل، التي جرتْ وقائعها المؤسِسة يقيناً على هذه الأرض، مروراً بكل المجازر وشلالات الدم المسفوح، التي لا تستطيع حتى الآلهة إحصاء قتلاها وضحاياها..
إن تلك «الأرض الطيّبة» لم تراوده إلا عبر أطياف قتلاها ومذابحها وقمعها، وليستْ الأرض المفعَمة بالأشجار والنسيم، وببسالة الأجداد وحبهم، والتي تغنّى بها شعراء مُلهمون.. أرض شَرخ الصِبا والاستيهامات السعيدة..
لم يتساءل حول الحالة التي يمر بها، نعمة أم نقمة، إنه يعيشها بكامل كيانه، بحقيقته المفتوحة على كل احتمالات الشر وتشكيلات الهاوية… لم يعدْ يتساءل حول أي شيء ، ولا يخطر على باله مثل هذا الترف وما يشبه الطمأنينة ومن يقف على مشارف ضفافها الهادئة، هو القادم من أتون المذبحة…
رأى أطفاله ، وعائلته يُذبحون أمام ناظريه، وهو مكبل بعجزه وانسحاق حيلته، ورأى الأسقف والسماء تنهار كجروف نارية على رؤوس الساكنة، وتحيلها الى شظايا وهشيم..
مثل هذه الوقفة، حتى لو كانت مدفوعة بالسؤال والحيرة، العلة والمعلول/ المقدمات والنتائج، لا تنسجم مع هذا النفر القادم من سُلالة الرعد والكارثة..
فكّر، أو هَجَس، بإبداع لغة أخرى تليق بهذا النحيب الجنائزي، بطرف شَبَه مع هذه الأسطورة غير المسبوقة للإبادات الجماعيّة.. لكن متى كانت اللغة سلسة ومطواعة لأمثاله، إنها وحش آخر تقادم بفظاظة وعنجهيّة، توارثتها الأنماط المستقرة والأنساق. وما أصاب هذا الوحش الضاري بميراثه، ليس إلا خدوش وكسور بسيطة.
فكّر، أن يلجأ الى كهف جبل ناءٍ، على طريقة الكهّان وبعض المتصوفة.. لكن أي كهف يحميه في هذا الكون العاري والمكشوف… وبدتْ له فكرة الانتحار وقتل النفس مثل أفكار أخرى ليست ذات قيمة.. فكر أن يصرخ من أعلى قمة جبل في العالم، ويرجَّ أركانه بصرخة الألم البشريّ السحيق الذي تراكم محتقناً عبر الأجيال والأحقاب ، تكثّف وتقطر في هذه الخلاصة، الصرخة المزلزِلة… فكّر أن يمتطي صرخته ويسافر… لكن إلى أين؟

فكر أن يبدأ في تأسيس فرق مقاتلة، تشكل جيشاً، أين منه طغاة التاريخ قسوة، ورعباً، في سحق الأعداء، أعداء الحياة، ومحوهم، ليروي غليل عطشه الى الانتقام الذي لا تحده التخوم والحدود؟.. لكنه تراجع على الفور عن هذه الفكرة، مدركاً ببداهة المقذوف في وحشة العالم، أن القضيّة لا حل لها، أو أن حلها يكمن في مكان آخر.. وحين قرأ في سير بعض الزعماء الذين بدأوا من صفر الدماء، إن لم نقل الوداعة والسلام، وعبر تجارب أقل فداحةً، أصبحوا يشكلون مفاصل التاريخ الوحشيّة.. لكنه حتى لو أراد مواجهة العنف بمثيله، كيف له ذلك وهو الذي لا يستطيع حتى قتل بعوضة – كما يقول المثل ـ ولم ير مسدساً، إلا على مؤخرات العسس المزهوّين الذين يتجولون في كل شرايين مدينته وأزقتها وأطلالها…
وتذكر فيلم (الختم السابع) لانغمار برغمان، حين تنشب الحربُ، وتزحف جيوشها البربرية الحديثة، الى القرى والمدن، والى بيت الرجل المسالم، الذي سيكون عمود الفيلم، الذي تنبني موسيقاه من أجراس الكنائس الجنائزيّة وألحانها… الرجل لا يعرف استعمال المسدس، ينبذ العنف ويخاف الموت… تزحف الحرب الى البيت والعائلة، وفي اللحظة التي يُستباح فيها عرض العائلة وحرمتها، وهو ينظر بذهول الى الرجل الذي يغتصبُ زوجته، وسط دوامة الخوف وارتجاف اليد والبدن والروح تنطلق رصاصة لتخترق جسد المعتدي. وتكون الخطوة الأولى نحو القتل الذي سيصبح بالنسبة للرجل «الجبان» أليفاً وحميماً، لدرجة التسلية بلعب الشطرنج مع ذلك الغامض الرهيب: الموت. لقد دخل لعبة الدم والقتل، أدخلته الحرب إليها عنوة وبشكل لا إرادي، وربما من غير عودة…

أُبيدتْ عائلته واغتُصبت بلده والجماعة التي ينتمي إليها، وقبل هذه الظروف في انجاز المذبحة، كان مسلسل السحق والإبادة مستمراً منذ عقود طويلة، سحق الكرامة الإنسانيّة، الذُل والعبوديّة، التعذيب والتنكيل، غطرسة الجهلة، تغذيهم وتدعمهم أعظم حضارات هذه الأرض علماً، ثقافة وديمقراطيّة… كيف تستطيع ذاكرته أن تختزن كل هذا العار، كل هذا العذاب. هذا الصراخ المطمور في اعماقه، مركز براكين تُوشك صفائحها على الانفجار في أي لحظة ومكان.
كيف يستطيع التفكير، وهو المجرد من أدوات المنطق، المجتث من أرومة العقل. من الثواب والعقاب وسائر المعايير والعزاءات. السادر في ليل هواجسه بدواماتها، جياعها ومنكوبيها ومسحوقيها، سيجرف موجهم، ذات زمن تحصينات العالم القويّة، هدوءه واستقراره.

لم يكن يفكر في نصر ولا هزيمة، لا في جنة ولا نار، لا في الأصدقاء الذين يثيرون تقيُؤه وغثيانه، ولا في الأعداء، هؤلاء يحاول أن يقذف صورتهم التي تطارده منذ بدء الخليقة، في لجّة عَدم دموي هائج، أن يبعدهم قدر المستطاع والمحال، يحاول أن ينام، أن ينسى مؤقتاُ أهوال المذبحة التي تركض وراءه حتى المحاق… يحاول أن يستسلم لقدره، الذي رسَم له هذا الدور العاتي في مسرح العبث، الذي تتلاطم أمواجُه عبر أزمان متعاقبة، منذ ليل الأقدمين الوحشي الحنون، حتى زمنه الجاثم، الموصوف بالعصرنة والحداثة… يحاول أن يستسلم، أن يقذف روحه المعذبة في بحر اللامبالاة والزوغان في قلب المتاهة التي لا تترك لهُ فرصة للنجاة عدا خيار واحد وحيد، هو الموت والاضمحلال… أن يرتاح في أحضان الربِّ والغيوب.

تطلّع الى السماء فرآها «مصبوغةً بلون المذبحة» تطلع الى قدميه التائهتين في أرض الله والبريّة، فرأى أنهار الدم تغطي بفيضها البسيطة وتدثر الخلائق بجداولها الحمراء القانية… تطلّع في عيون أطفاله، وهم يقضون تحت سواطير السفّاحين، وصرخة استغاثة شاحبة أخيرة، لا يسمعها أحد عداه، تجلجل عرش الآلهة وتمزق مضجع التاريخ… رأى، ورأى، وكانت رؤياه تطبق على كل شيء، لعنة إدانة للعالم والوجود، منشأه ومصيره ومنتهاه.

لكل شيء عدالته وحكمتُه، لكن ما العدل، في سلبي من أحب، وبهذه الطريقة التي ترتجف معها أكثر الوحوش، التكنولوجيّة، وليستْ الطبيعيّة، فظاظة ودمويّة، ما الحكمة في إعطاء البشاعة والقتلة كل هذه السطوة والجبروت الغبي، وإعطاء الانسانية والرأفة والنبل، كل هذا الضعف والخراب؟ أليس من خلل جوهري في تركيب الوجود على هذا النحو، وتوزيع الأدوار، بما أن الوجود «مسرحيّة أبطالها مجهولون» وأن يكون للقتلة والظَلمة كل هذا العنفوان وهم يواصلون المجزرة بكل معانيها ودلالاتها…
وأن يكون الشر أكثر أصالة وتجذراً في تاريخ الكائنات منذ الدبيب الأول على هذا الكوكب الضاج بكل أنواع الأوبئة والجرائم التي تسوق قطعانها الذبيحة، في عزّ القائلة، أو في غلواء الشتاء القارس؟!!! أبطالها مجهولون، لكن أبطال الجريمة السوريّة واضحون وضوح شمس هذا الصيف اللاهب، وهي الأكثر كشفاً وتعريةً للرابض في أعماق الكائن من فجور شيطاني ومسوخات..
في قلب هذه المفازة التي هجرتها الآلهة، كما عبر أدباء، كما هجرتها منذ زمن انهارها العريقة، جفَّت وشبعتْ موتاً وخراباً.. مجازر وجرائم يندى لها أكثر الطغاة حقداً وجلافة، على مرأى ومسمع من القوى التي تُطْبق على عنق العالم والتاريخ، وترقب النملة في حجرها المظلم في الأودية المنسيّة، وتسمع سقوط الإبرة في كومة القش، وعلى مسمع ومرأى من المؤسسات والمنابر الدوليّة التي تدعي السهر على الحقوق والعدالة والانسانية والتي سوّدت من الصفحات ودمّرتْ من الغابات ما يوازي اهرامات الجثث ومجازر الأطفال المذبوحين وأكثر، من غير نتيجة عدا زَبَد الكلام ولهو القول…
أليس ثمة ذرة عدل وحكمة، أن أستطيع جمع أشلائي المبعثرة وقواي المنهاره مع ضعفاء وجرحى مثلي وأمضي في الدروب الدموية المظلمة نفسها التي مضى عليها تاريخ القتلة والجلادين الطويل، لكن هذه المرة من جهة العقاب العادل والخير، كي لا يتمادى الغزاة المعتدون ويجتثوا ما تبقى من سلالة حق وجمال، طفولة ومعرفة..؟
صحيح أن دروب الدم المظلمة هي الأكثر خطورة وتعقيداً ولا يمكن ضمان مسيرتها نحو الخير والعقاب العادل من غير الوقوع في الجانب الآخر الذي نحلم بالقضاء عليه والتخفيف من غلوّ سطوته وتطرفه… لكن ما الحل في مزلقان التاريخ الذي وُلد من رحم الجريمة والمجزرة؟؟!!
ما الحل يا أبي وأمي ويا اخوتي، وجوه أطفالي المتلاشية خلف جبال الأنين والجراح…. يا شعبي الذي وُلد مقتولاً وقاتلا… وُلدت في متن التاريخ والحضارة والمعرفة. وها هي أنهار الدم والجهالة تجرفك نحو الهوامش المستنقعيّة والمكبّات.
الدم الذي، ربما لن يُنبت حياة أخرى لن يخصب ساقية أو شجرة، الدم الكارثة وليس القربان، الدم، الدم المهرج، الدم السيّد المعربد في العروق… آه، لا أريد أن أسمع هذه الكلمة المشؤومة، لا أريد سماع صداها، رجْع لحنها المظلم الثقيل.
لكن من يستطيع أن يقلع عينيه أو يغلق أذنيه وقلبه أمام ضجيج المجرّات وانفجارها في أعماقه، مجرّات الدم والمقتولين وصليل الأسلحة في عز الظهيرة أو في غلواء البرد بقطعانه الضارية؟

تفووووووو…….
بصقها أو قالها، قويّة كطلقة معجونة بكتل الدم المتخثر والطازج، السوري الأعزل في ليل
اقتلاعه وتشريده، من غير أمل في ملاذ، في ليل وحدته وموته الجمعي، قالها اللبناني والعراقي واليمني، قالها الفلسطيني قبلهم، بعد أن قرع خزّان الشاحنة في لهب الصحراء العربيّة الهاذية، قالتها صحارى العالم قاطبةً، قالها المصلوب، من علياء صليبه وهو يودع العالم بنظرة ازدراء واحتقار (إلهي لماذا تركتني؟). على كتفي وروحي، حملتُ أحمالهم الثقيلة أيما ثقل، من أجل المحبة والرحمة والعدل التي يبدو أن لا مكان له على هذه الأرض الموبوءة بكل أنواع الرذيلة والطاعون..

يمكن القول أن ما يهيمن على الناجي من المذبحة، إن صحّت العبارة، حيث إن المذبحة، صارت سُكناه، جلده ودمه، لون عينينه، ماضيه ومستقبله، ما يهيمن عليه من هواجس ثأر وانتقام لا واعية غالباً، ليست «ضغينة رعاع» وبجذره التراجيدي، ليست ضغينة، وإنما وجه آخر لنبل الغريزة والبسالة التي لا تقبل الضيم والمهانة.
وفكر، أن الثأر والانتقام بهذا المعنى، لا يقود إلا الى دوائر عنف مشابه، وانه بحاجة الى معجزة خلاص جديدة… تُرى هل ما زال هناك متّسع من الوقت، وهل ما زال في الأمر بارقة نور ممكنة؟
وانفجرتْ عروقه بصرخة أخرى:
«ماذا أعمل في هذا المسلخ الهمجي الذي يُدعى الانسانية؟».

مقاطع
يغمض عينيه
من هول بشاعة المشهد
ليفتحها على جِنان الكوابيس

الشارع الذي يقطعه مجيئاً ورواحاً
مطرزٌ بالقَتَلة والدباّبات
وتلك الأفواه الفاغرة
لحيواناتِ ما قبل التاريخ.

يفترس الظل ظله
أمواجاً تصخب في بحر الغسق
طيوراً ضارية
وسحباً تحمل وعْد الكارثة
من خلف جبال سرمديّة
تشبه جبل قاسيون أو جبال الانديز:
انه الصباح يطل برأسه الأقرع
من خلف ستارة النافذة..

يضيق الفضاء بنا
تضيق البلاد
من عتبة دارك المأجورة
حتى المكتب والبحر
لا ترى أحداً،
عدا وجوهاً سحلتها أطوارٌ وخطوب
وجوه شاحبة غاضبة
تتعافر من برزخ الخيال المحاصر
بأسوار السجون
والجذام، بفيروس كورونا
والغازات السامة
وجوه حزينة
تتوافد في هذا الخواء المدلهم
من شغاف القرى البعيدة
أو المدن المحتجبة خلف الضباب
وجوه هشّمتها الحروب
في المُدن
التي انهارت أمام أقدام
الغزاة
كبيت من زجاج
والمدن العريقة
التي تقاوم حتفها
بمعجزة الروح للأبناء
أكباش الوغى والنضال
تنظر الى مرآة الجبال العملاقة
لا شيء لا أحد
فيالق السراب والغبار
الصحراء تمتد أمامك
والبحر غير بعيد..
ينزف عبر مكبرات الصوت
رسائل موتٍ ويباب..

من أين هذا الجراد القادم
من خلف مرايا السحاب
من أين هذا الجراد الأعمى
الذي يخبط الحقول الميّتة
كما يخبط الجبال والمباني الموشكة
على الانهيار
من أين أتى بهذه الفجاءة الصاعقة
من غير طلائع أو نُذر
تتقدّم المواكبَ
وهي تحمل راية النصر والدمار
من أين انفجر البحر المتاخم
ليكتسح الأعالي
والمنخفضات..؟!!
لا أحد يدري
الرؤوس تمضي
منكسة مكسورة
على الطرقات
رؤوس بشر وحيوانات
فُصلت منذ قرونٍ عن أجسادها
تنطلق في نزهة على العربات
رؤوس أجيال تمضي الى مجهولها
محاطة بالجراد الغاضب
بانفجار نيزك ومحيط
لم تعد تسأل عن طول الطريق
ومصيرهِ
من فرط ما أدمنت قيظ المسافة والمذبحة
هذه أنتِ أيتها الأشجار
أيتها الهياكل العظميّة
التي تعوي فيها العواصف والغربان..

لقد مر عليك أسلاف أباة
أباطرة وأنبياء
ميممين شطر أحلامهم
والمغيب
أهذا أنت أيها الجبل
أيتها القرى الهاذية
في السفوح
لقد رأيت خرائبك في أحلامي
والرجال الحفاة
الأطفال الحفاة يعبرون من المضيق
الى المضيق؟
ما الذي يفكر فيه الرجل القابع
في غرفته المطلة على آسيا
بانتظار البرابرة
حين يعرف انهم
أُبيدوا في الطريق
ما الذي يفعله الراعي بالعشب
بعد أن هلك القطيع
ما الذي يفعله النسر بعد الإعصار والضواري
التي أبادت الخطْم والمنسر
وتركته معلقا في الفضاء الجهْم
لا موت يحنو عليه
ولا حياة
ما الذي يفعله البشر الحفاة
يعبرون البراري والمضيق
ما الذي تفعله الصرخة
وهي ترتعد بين الصخور
والتلال
صرخة المظلوم
والثكلى
صرخة الشهيد الذي خانته الحبيبة والرفاق
صرخة الأقوام التي هلكت جوعاً
البلاد الموغلة في النقمة والفراغ
صرخة الطفل العالق في عنق الرحم
والطفلة التي يقنصها الجلادون
وسط الخرائب والأنقاض
ما الذي يفعله الرجل الوحيد
وسط أكوام من لعب الأطفال
التي تتحول في ليله الى كوابيس
ما الذي يفعله الأطفال
في رياضهم
مردّدين نشيد المجد
والانتصار؟

ما الذي تفعله الطيور في وكناتها
حين لا يعبر مسافرون في أحلامها
يوقظون الفجر والصباح
حين يُشنق فجرها والغروب
ما الذي يفعله القتلة بعد أن قضى البشر والجحر
لكن ثمة حلم قتيل يتجول بين الأنقاض
شبح طفل يحلم بالعائلة والحليب
شبح الشهداء
أولئك الذين غارت أرواحهم في خيال
الحريّة والأحلام
تظل تطارد الجلادين والطغاة
حتى آخر قطرةٍ
من دمهم الفاسد

ما أخطر التحرش
بـ«سر الكينونة ومعنى الوجود»
دفع بنيتشه وهلدلين، جاك فاشيه، وكذلك ديك الجن والمعري والمتنبي.. الذي أحال الزعران مدنهم وذاكرتهم الى أنقاض
دفعوا أثماناً فادحة:
الانتحار والعدم والجنون

من خلف الستارة
أرى كل يوم، في اليقظة وفي الحلم
العمّال
أكداس العمال الآسيويين
وأولئك الذين قدموا من جهات
كثيرة
ومن سجون صينيّة عاتية
يتسلقون السقالات
وسلالم الهاوية
وسط القائلة والغبار
الذي تسفوه رياح الصحراء
على المدينة النفطيّة
يتحلقون لحظات
لأجل لقمة وكأس ماء
ثم يعاودون الكرة
حتى النهاية.

لا يستطيع النوم
لا يستطيع اليقظة
مثل جرم ميّت
لكنه ما زال يسبح
في الفضاء الأرضيّ
المقيت.
الرحلة التي لن يعود منها أحد سالماً
حين تأخذك الى دوّاماتها ، فكرة الموت والغياب
يترنح رأسك، بين أصقاع باهظة موحشة
ومن فرط ضياعك في تخوم المرئي واللامرئي
توشك ألا تعود من الرحلة
متخَبطاً في الضباب والغبار
وطيور كاسرة تنهش منك
القلبُ والأعماق
الرحلة التي لن يعود منها أحد سالماً
كاسراً طوق مفازات وبحار
لا يعود منها أحد.
كما عاد السندباد وعوليس
الى الزوجة السعيدة والديار
الرحلة المفعَمة بنازع الموت والفراق
فراق من تحب وتعشق
فراق الضفاف الوارفة بالطفولة والحنان
الرحلة، هاجس الرحلة المدمِّر، أطيافها والأشباح
المحلّقة للمرة الأخيرة في الممالك المزبدةِ
بالغضب والبروق
الى أين تمضي، وفي أي المتاهات يستقر
الفؤاد الذي أنهكه الترحّل في الآفاق
ناظراً الى حذائك الممزق.
وأسمال روحك التي تجرها بين المدن والثكنات
غير مبال بما يخبئه الطريق على قلة الزاد..
والنحيب
تحدق في قمر منطفئ
والجثث الطافية على المياه
تلك الحروب العبثية التي أبدعها على مرّ التاريخ بشرٌ مجرمون..
الحياة وقد أزفت على النهاية
نهاية الرحلة
التي امتدت منذ أول سلف دبّ على هذه الأرض الموبوءة ، حتى آخر طفلٍ يُولد في
المستقبل قبل المحاق بقليل
ليس بينك وبينها إلا خيط واهن
من حلم طفولة وأشجار
أنت السادر المأخوذ ببرق
النهاية والغياب
هذه الطير الذي يلجأ الى إفريز النافذة
هرباً من جبروت الظهيرة..
برهافة الجناحين، مأخوذاً الى روضة مخضرة في أحلامه ورؤاه
يرف بجناحيه في الهواء المخنوق كي لا يفقد
الرهافة والحلم في الطيران
لأن القائلة الهائجة والجفاف يمكن أن تودي
بحلمه في الجنة البديلة والحياة..
ولأن الانسان لا يملك موهبة الطير
يسقط في تيه المسافة
يضطرب وجوده، يترنح في الأودية
السحيقة والجبال التي يتسلق العَدَمُ حدباتها وشغافها، في القعر المظلم
لهاوية الموت الأخير..
أنت، يا من ثكلتك أمك
تستمع الى صوت الموسيقى والأفكار
مفتشاً في كتب الأقدمين
في هذه الظهيرة المدلهمة، عن ملاذ؟
قبلك فتشوا وترحلوا في ليل الكتب وبطون الصحراء
تحملوا البرد والمنافي، الحر وتحولات
الرمال التي تبتلع الجمال والقطعان
شاهدوا الانهيارات بكافة أنواعها
وأخيراً غرقوا
في ليل صمتهم والنحيب..

 

سيف الرحبي

شاهد أيضاً

الشرطي الإنجليزي (شظـايــا بشــرٍ وأمكنـــة)

في غمرة هذا الليل الانجليزي الضارب في الترف والهدوء، أتذكر (إليوت) وكيف أحال هذه البلاد …