أخبار عاجلة

هل كان الخليل شاعرا

إن الطابع شبه المعلق الذي غلب على أبحاث المهتمين بالخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي( 100- 170هـ) ينص على عبقريته اللغوية والعروضية. وأحكامهم في هذه الحالة صياغة دقيقة ورصينة، لتراث مكثف فتح أمام علوم العربية أفاقا رحبة، ونقلها الى مستويات جديدة لم تكن تعرفها من قبله. وتلك حقيقة ثابتة لم يختلف فيها التاريخ منذ عصره والى الآن.

ورغم أن البحث العلمي بكل فروعه في اتساع وتجدد مستمرين، الا أن معارفنا عن الخليل لا تكاد تراوح مكانها وكأن الباحثين اكتفوا بالسير وراء من جعله أنموذجا يحتذى في اللغة، واطارا مرجعيا في العروض، وهكذا بقي الى الآن إمام العروضيين وسيد أهل اللغة بلا مدافع.

ولقد حاول البعض أن يضيفوا اليه أبعادا غيرهما. وينسبوا اليه اهتمامات سواهما، فأقحموه في سلك الشعراء، ولما فزعوا الى بيناتهم، لم يتجاوزوا بها تلك الأبيات السائرة التي توجت قصته مع سليمان، أو ولده عبدالرحمن الى مقطوعات زهيدة لا تقوم برهانا على شاعريته. وبالتالي، لا تؤهله لتبوء مكان ما فوق بساط الشعر المزدحم برواده الفحول، على الرغم من وجود علاقة مكينة بين الشعر ومخترعه علم العروض، ولكن الفصل بين العلاقات المتداخلة وارد وممكن في مجالات لا تحصى، فمخترع السيارة -مثلا -محيط بكل دقائقها وأجزائها وسائر تفاصيلها؛ ومع ذلك لا يحسن قيادتها:: ونسلم لمبدع العروض بأنه صاحب الزحافات والعلل والأسباب والأوتاد، والتفاعيل والبخور…، وليس من السهل أن نتسرع في التسليم بأنه شاعر لأن الشعر أكبر من العروض وأقدم والشعراء كانوا قبل الخليل بما نشاء الله من الأحقاب، فالعروضي الأولى إذن قد لا يكون شاعرا البتة !

وإذا فرضنا أن الأمر كذلك بالنسبة الى حال الخليل، ففي أي خانة سنصنف هذه الأبيات التي يعرفها الناس ؟ أنسب اجابة تخلصنا من مأزق اللف والدوران حول التبريرات والتعليلات، وتجعل النفس في رضه مريه، أن ندعي أنها من شعر العلماء وأن صاحبها تبعا لذلك – عالم له في سماء الشعر طالع ما.. ولا أظن أن أحدا سيطعن ني هذا الحكم، أو يدفعا لأنه – فعلا – عالم باعتراف الجميه وأن له حضورا محددا في مضمار الشعر، سيما وأن ثمة من القداس من سبقنا ال ذات الحكم فقال ابن قتيبة معلقا على أبياته أي أبيات الخليل التي مطلعها:

إن الخليط تصدع      فطر بدائك أوقع وهذا الشعر بين التكلف رديء الصنعة وكذلك أشعار العلماء ليس فيها شىء عن إسماع وسهولة كشعر الأصمعي، وشعر ابن المقنع.. وشعر الخليل (1) وقريب من ذلك قول الحصري وكان شعره قليلا ضعيفا (2) وجاء ابن بسام الشنتريني برأي تتسلل اليه مسحة من مدح تعيد الى شعر الخليل بريقا الذي سلبه إياه مدح ابن قتيبة فقال: على أن أشعار العلماء على قديم الدهر وحديثا بينة التكلف، وشعرهم الذي روي لهم ضعيف، حاشا طائفة، منهم خلف الأحمر… والخليل بن أحمد له أيضا بعض ما يحمد(3) بل إننا لنجد من القدماء من ذهب الى أبعد مما سبق، فانتزع من الخليل شخصيا اعترافات صريحة، تقصيا بدرجات متفاوتة من دائرة الخطاب الشعري. فقد قيل للخليل: مالك لا تروي الشعر ولا تتوله ؟ قال لأنني كالمسن أشحذ ولا أقطع (4) وقيل له مالك لا تقول الشعر؟ قال: الذي أريده لا أجده والذي أجده لا أريده (5) ومثل هذه الأصوات تطو وتتهافت من غير ما مصدر قديم وكلها تقطع الطريق على شاعر يته تارة وعلى روايته الشعر تارة أخرى!

ونربط هذه الشهادات بشهادة أبي الطيب اللغوي صاحب كتاب مراتب النحويين والتي يتول فيها: وأبد م الخليل بدائن لم يسبق اليها… وأحدث أنواعا من الشعر ليست من اوزان العرب(6) قلت: نربط هذه الشهادة بهاتيك ليتبه ن لك أننا بدأنا نسير الآن في درب مثغور بل درب طويل زاخر بالمغالطات والمتناقضات، يعسر الخروج منها بشيء ذي بال، الا إذا فرغناها كلها من محتوياتها ثم كررنا راجعين الى نقطة البداية. انه مأزق محير، فهل نعتبر الخليل عالما وكفى ؟ وهل نجعله شاعرا؟ أو راوية ؟ أو هل ندعي مه أبي الطيب أنه شاعر مبدع أكبر من العروقي ؟! تتهاوى أمام ابداعاته مقولات ابن قتيبة والحصري ومن أتى أتيهما. تلك هي الأسئلة الكبرى… وان حلها لأشد صعوبة مما قد يتبادر الى الذهن لأول وهلة الآ أن الاقتراب منها ممكن ميسر، وحلها في المتناول لولا أنه يحتاج الى وقت طويل، وكثير من الصبر والتؤدة.. والتفر، للبحث والتنقيب. ومن يكون أحرص على هذا من أحفاد الخليل أنفسهم ؟ فهم أولى الناس بالفصل والتفصيل في هذه الأسئلة. ليجعلوا قاعدة انطلاقهم مقولة أبي الطيب المبشرة لا مقولات المثبطين ن وليقتنعوا بوجود حلقة مفقودة من شعر الخليل يجب ابرازها للوجود،والبحث عنها في أي مظنة عربية: شرقية وغربية وان استطاعوا أن يهجموا فبلا تردد أو توازن وحسبي الآن أن استفز هممهم ببعض ما تجمع تحت يدي من أشعار هذا العلم الشامخ، مرجئا إصدار الأحكام على شاعر يته أولها الى وقت تتوافر فيه الأدلة الكافية، ولكني على مثل اليقين أن انطباع أبي الطيب لم ينشأ من فراغ، ولا هو مجاملة لغوي للغوي، ولولا أن أكون متسرعا لزعمت أن الأبيات الآتية امتداد منطقي لشهادته.

1- قال الخليل بن أحمد:

عش ما بدالك قصرك الموت        لا مهرب منه ولا فوت فوت

بينا غني بيت وبهجته               زال الغني،وتقوض البيت(7)

2- مداراة الشعراء وتقيتهم: أبو جعفر البغدادي قال: مدح قوم من الشعراء جعفر بن سليمان بن علي بن عبدالله بن عباس، فماطلهم بالجائزة،وكان الخليل بز أحمد صديقه، وكان وقت مدحهم إياه غائبا، فلما قدم الخليل أتوه فأخبر وه، فاستعانوا به عليه فكت اليه:

 لا تقبلن الشعر ثم تعقه         وتنام والشعراء غير نيام

واعلم بأنهمو إذا لم ينصفوا      حكموا لأنفهم على الحكام

وجناية الجاني عليهم تنقضي    وعقابهم باق على الأيام

فاجازهم، وأحسن إليهم(8)

3- قولهم في الرياض: وقال الخليل بن أحمد:

ياصاحب القصر، نعم القصر والوادي

بمنزل حاضر إن شئت أو بادي

ترفي به الفسن والظلمان واقفة

والنون والضب والملاح والحادي (9)

4- ما قالت الشعراء في طعام البخلاء… وقال الخليل بن أحمد:

كفاه لم تخلقا للندى             ولم يك بخلهما دعة

فكف عن الخير مقبوضة       كما نقصت مائة سبعة

وكف ثلاثة آلافها             وتسع مئات لها شرعة (10)

5 – وأنشدنا أبوبكربن الأنباري، قال: أنشدنا أبوبكر الاموي عن الحسين بن عبدالرحمن للخليل بن أحمد:

إن كنت لست معي فالذكر منك هنا

يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري

العين تفتد من تهوى وتبصر

وناظر القلب لا يخلو من النظر(11)

6-… فقال الخليل لأبي المعلى (مول لبني يشكر):

نصحتك يامحمد إن نصحي

رخيص يارفيقي للصديق

فلم تقبل وكم من نصح ود

أصغي، فحاد عن وضع الطريق(12)

7- باب ذم الادب:كان يقال: إذا اكثر أدب الرجل قل خيره، ومن قل خيره كثر ضره وقال الحمداني، يروي للخليل بن أحمد البصري.

ما ازددت في أدبي حرفا أسر به

إلا تزيدت حرفا تحته شموم

إن المقدم في  حذف بصنعته

أني توجه فيها فهو محرم(13)

8- وقال أيضا يصف قوما خصوا بابن أبي داوود:

وعدتنا من دون ذاك العوادي
   

نزلوا مركز الندى وذراه

أدنى والحظ حظ الوهاد
   

غير أن الربا الى سبيل الأنواء

وهذا الشعر من اصلح شعر الخليل(14)

9- ويذكر (أي ابن القارح ) -أذكره الله في الصالحات -الأبيات التي تنسب الى الخليل بن أحمد والخليل يومئذ في الجماعة – (أي الجماعة الذين كانوا يستمعون لغناء المفنين في الجنة ) وأنها تصلح لأن يرقص عليها، فينشيء الله القادر بلطف حكمته شجرة من عن (الجوز) فقونع لوقتها ثم تنفض عددا لا يحصيا إلا الله سبحانه، وتنشق كل واحدة منه عن أربع جوار يرقن الرائين، ممن قرب والنائين، يرقصن على الأبيات المنسوبة الى الخليل أولها:

إن الخليط تصدع      فطر بدائك أوقع

لولا جواز حسان      مثل الجاذر أربع

أم الرباب وأسمـاء والبغـوم وبـوزع

لفت للظاعن: اظعن إذا بدا لك أودع

فتهتز أرجاء الجنة، ويقول: مازال منطقا بالسرد: لمن هذه الأبيات يا أبا عبدالرحمن ؟ فيقول الخليل: لا أعلم فيقول: إنا كنا في الدار العاجلة نروي هذه الأبيات لك فيقول الخليل: لا أذكر شيئا من ذلك، ويجوز أن يكون ما قيل حقا:

فيتول: أفنسيت يا أبا عبدالرحمن. وأنت أذكر العرب في عصرك فيقول الخليل: إن عبور الصراط ينفض الخلد مما استودع. (15)

10- وينسب الى الخليل:

وأخرى لأعدائها غائظة
   

يداك يد خيرها يرتجي

فأجود جودا من اللافظة
   

فأما التي خيرها يرتجي

فنفس العدو لها فائظة(16)
   

وأما التي يتبقى شرها

11- وقال أبو الطيب: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنشدني عمر بن عبدالله لفتكي، قال: أنشدني أبو الفضل جعفر بن سليمان النوفلي عن الحرمزي للخليل ثلاثة أبيات على قافية واحدة يستوي لفظها ويختلف معناها:

ياويح قلبي من دواعي الهوى       إذ رحل الجيران عند الغروب

أتبعهم طرفي وقد أزمعوا       ودمع عيني كفيض الغروب

كانوا وفيهم طفلة حرة         تفتر عن مثل أقاصي الغروب

فالغروب الأول غروب الشمس، والثاني جمع غرب: وهو الدلو العظيمة المملوءة والثالثة جمع غرب وهي الوهاد المنخفضة. (17)

تلك نماذج من الأبيات المنسوبة للخليل بن أحمد استبعدنا منها ما يدور كثيرا على الألسنة، وظني أنها -الى تلك -قادرة على الاقناع بمنظور أبي الطيب، وبأن علامات الاستفهام السابقة قابلة للحصار والانحسار بمزيد من الجدية في البحث وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وتبقى الحصيلة المكتسبة من جماع هذا البحث المتواضع تلح على طرح ذات السؤال: هل كان الخليل شاعرا؟

الهوامش:

1-الشعر والشعراء لابن قتيبة – ص 10.طبعة بريل (مدينة ليدن 1904).

2 – زهرة الآداب،وثمرة الألباب، لأبي اسحق ابراهيم بن علي الحصري القيرواني – ضبط وشرح الدكتور زكي مبارك -ج 4 – ص.957.

3- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنتريني، تحقيق إحسان عباس -القسم الاول / المجلد الثاني ص 824.

4- العقد الفريد، لابن عبد ربه الاندلسي -تحقيق محمد سعيد العريان – طبعة دار الفكر – بيروت – دون تاريخ. ج 2-ص 111.

5- المصدر السابق ج 6-ص 138.

6- المزهر في عوم الغة وانواعها -لجلال الدين السيوطي -ج 2.ص 401 شرح وضبط محمد

احمد جاد المولى واخرين.طبعة دار الفكر بيروت.

7- البيان والتبيين – للجاحظ -ج 2ص 181 – تحقيق حسن السندوبي-المكتبة التجارية الكبرى- بيروت.

8- العقد الفريد -ج 6.ص 134.

9- المصدر السابق ص ا 22.

10- نفس المصدر ج 7- ص 181.

11- الأمالي لابي علي القالي – ج 2ص 196 – طبعة دار الكتاب العربي- بيروت.

12 – كتاب النوادر -للقالي من 199: جاء بالبيتين في معرض خبر الخليل وصديقه مع امرأة من فصحاء العرب وبناتها، وهو يشهد على روح الدعابة والمرح اتي كان يتمتع بها الخليل رحمه الله (طالع ص 197 –199)

13- اللطائف والظرائف للثعالبي – ص 58 الطبعة الأولى / 1992. دار المناهل.بيروت (والبيتان مناسبان لمذهب الخليل في خموله وزهده).

14- زهر الآداب.ج 4 –ص 957.

15 – رسالة الغفران – للمعري- ص 279- 280- تحقيق عائشة بنت الشاطيء – الطبعة السابعة – دار العارف – مصر – (وهذه الابيات التي استملحها ابن القارح هي نفسها التي أستثقلها ابن تتيبة في كتابه الشعر والشعراء ص 10).

16- المستقصي في امثال العرب -(جار الله الزمخشري -ج ا – ص 71ا-ط / 2 -دارا لكتب العلمية. بيروت – 1977.

17- المزهر – ج 1- ص 376.

 
 
 
محمد بوزيان بنعلي
(كاتب من المغرب ويعمل بسلطنة عمان)

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …