أخبار عاجلة

هل يوجد الفانتاستيك باعتباره جنسا أدبيا؟

محمد أيت لعميم*

لاشك في أنه لا يوجد نمط من الأعمال الأدبية يكون موضوعا لأفكار مسبقة متعددة مثل الفانتاستيك، يلاحظ دارس الأدب الفانتاستيكي، أن قراءته تنعرج سلفا وفق تراكم من الافتراضات الغامضة والمتعددة الأصول.
أولا، لأن السينما أنتجت صيغة ما لفهم الفانتاستيك. إذ بينما يترقب الجمهور أن يعثر في الحكاية على ما شاهده في الفيلم، إذا به لا يجد شيئا من ذلك. ثم، لأن هذا الوصف ألصق جزافا بفنون شتى مثل التشكيل والسينما أو النحت – وهذا امتياز يتقاسمه هذا الوصف مع وصف آخر هو الايروتيكي- ويقع هذا دون الاهتمام بمعرفة مكمن الرابط الذي يوحد هنا صيغ التعبير المختلفة هذه.
فحينما تحدث مؤرخ الفن Jurgis Baltrusaitis عن بعض المنحوتات في العصر الوسيط، فإنه وصفها بالقروسطية الفانتاستيكية؛ وقد اعتبر فيلم المبارزة لسبيلبيرغ والعصافير لهيتشكوك، وليلة القناص ل Langhton أفلاما فانتاستيكية. تماما مثلها مثل الاقتباسات المتعددة لفيلم “فرانكينشتاين” أو “دراكولا”؛ وقد وسم كل من ماجريت وEscher على أنهما رسامان فانتاستيكيان. هكذا فعوض أن تكون كلمة فانتاستيك مصدرا للوضوح أضحت مشجبا يعلق عليه كل واحد ما يرويه.
لا يمنع هذا الغموض العام من التسليم ببداهة وجود جنس الفانتاستيك يبقى المشكل الوحيد القائم هو تعريفه.
إذا سألنا شخصا مثقفا أن يعرف لنا الجنس التراجيدي، فإنه سيقدم مجموعة من الاقتراحات تعرف بشكل ما هذا الجنس. وإذا ما طلبنا من الشخص نفسه أن يعرف لنا الجنس الفانتاستيكي فإن أجوبته، من غير شك، سيعتريها نوع من الحيرة والإحراج.
لنرجع إذن إلى المصادر الأساس حول الموضوع، نجد أن P.G.Catex في كتابه (الحكاية الفانتاستيكية من Nodier إلى Maupassant 1951) يُدرج في خانة الفانتاستيك، أناشيد مالدرور، للوتريامون، أما Marcel Schneider في كتابه (تاريخ الأدب الفانتاستيكي في فرنسا 1964) فإنه يرى جذور هذا الجنس في جنس العجيب المسيحي في العصر الوسيط، في حين أن البعض الآخر يراها في كتاب “الحمار الذهبي” ل Apullée. أما تودوروف، في كتابه (مدخل إلى الأدب الفانتاستيكي 1970)، فإنه يقحم فيه “ألف ليلة وليلة”. في حين أن Roger Caillois في كتابه (أنطلوجيا الفانتاستيك 1966)، فإنه يدرج ضمنه، حكايات صينية من القرن الثالث الميلادي. وإذا كان الكل يتفق على مفهوم التراجيدي وحول الأعمال الأكثر تمثيلية لهذا الجنس، فإن هذا لا ينطبق بتاتا على جنس الفانتاستيك.
لقد ذلل أرسطو سبل التراجيديا، أما الفانتاستيك فلم يكتب له ذلك، فهو يفتقر إلى منظر وإلى مرجع تطبيقي يكون بمثابة مرجع جامع مانع. ومع ذلك فمنذ بداية القرن 19، في الفترة التي عرف فيها الفانتاستيك ازدهاره، فإن البعض قد اجتهد في وضع الأسس النظرية للجنس وتبيان أصوله.
ففي سنة 1830 كتب Nodier على الخصوص، بيانا حقيقيا سماه (الفانتاستيك في الأدب). أثبت فيه التسلسل المجيد للكتاب الفانتاستيكيين: جوته وشكسبير ودانتي وفرجيل وهوميروس، وبسخاء كبير أضاف إليهم مؤلفي الأناجيل أنفسهم فإذا كان Nodier في حاجة. ولأسباب محددة. أن يمنح هذا الجنس أصولا رفيعة، فالأمر يفهم بسهولة. ومما لا شك فيه أنه في بحثه عن إثبات تلك الأصول فإنه يمتثل لطريقة علمية كانت سائدة في القرن 19 ولكن أن يبقى اليوم كل تفكير حول الفانتاستيك حبيس تلك القوالب، فهذا أمر مثير للدهشة خصوصا وأنها تُعيق كل فهم للمشكل.
فعوض أن يتساءل القرن العشرون حول طريقة الكتاب والمنظرين للقرن 19، وحول دقة تصريحاتهم، قبل بها على عوامها؛ بل اعتبر تصور الفانتاستيك من قبل الأسلاف أمرا بدهيا، وذهب إلى حد إعادة إنتاج طريقتهم.
وبدل أن يعقدوا مقارنة بين عدد من الأعمال التي جرت العادة على إدراجها في الفانتاستيك، والتي تعكس ما أمكن الفكرة السائدة حول هذا الجنس. سعيا وراء استخلاص القواسم الموحدة، فإنهم جنحوا في النهاية إلى الجمع، كما اتفق، لأعمال منحدرة من عصور واستلهامات مختلفة بالمرة، لا لشيء إلا لأنها تعكس بعض التشابهات السطحية وتبدو ملائمة من قريب أو من بعيد للصورة التي تعطى لهذا المجموع ذي الطبيعة الإشكالية أصلا.
إن مقاربتنا للأدب الفانتاستيكي مشوهة منذ البداية بسبب انعدام مسائلة الصورة التي أعطاه إياها القرن 19 عموما، والرومانسيون على وجه الخصوص، ولكي نعطي فكرة عن تيهنا وعن الصعوبة التي تعترضنا اليوم في معالجة الفانتاستيك يجب أولا أن نفهم ما حدث في فرنسا حوالي سنة 1830، في الوقت الذي استحوذ فيه الرومانسيون الفرنسيون على كلمة الفانتاستيك ومنحوها معنى جديدا، بل ونقلوها إلى مستوى الإسمية، ونسبوها بشكل قطعي لشخص يدعى Ernst Théodor Amadens Hoggman .
*ما قبل هوفمان: الرواية القوطية.
عندما صدرت في سنة 1829 الترجمة الأولى بالفرنسية (الحكايات الفانتاستيكية) لهوفمان، كان هوفمان قد توفي لسبع سنوات خلت. ولم تكن أعماله الأدبية التي شرع في تأليفها منذ 1808 قد خلفت في ألمانيا سوى صدى هزيل ذلك أن مواطن الاهتمام كانت مغايرة. فمع الرومانسيين، كان التركيز منصبا على النهل من المنابع الوطنية والشعبية. ومن تم فقد أعيد الاعتبار للحكايات التقليدية.
لقد عرفت فرنسا وانجلترا، الظاهرة نفسها لكن بشكل ضعيف. ففي هذين البلدين كانت موضة الرواية القوطية أو الرواية السوداء هي المهيمنة.
لقد ظهرت الرواية القوطية في نهاية القرن 18. وقد تجسدت في انجلترا خصوصا في أعمال Levis (رواية الراهب 1795) و Ann Radcliffe (أسرار أودولفو 1794) والإيطالي أوكرسي (اعتراف التائبين السود 1797). ورغم أن هذا الصنف الروائي كان ينعت عرضيا بالجنوني. فقد عرف نجاحا كبيرا ليس فقط عند الجمهور النسائي الذي تستهويه الرواية عادة، ذلك الجنس المستهجن آنذاك، والموسوم “بالسهولة” – لكن أيضا عند الرجال، كما يشهد على ذلك هذا المقطع المقتطف من كتاب “Northange Abbey” لجين أونستن (1818).
“إن الروايات لتعج بالعبث والترهات فمنذ صدور رواية Tom Jones، لم تصدر ولو رواية واحدة مقبولة، باستثناء رواية “الراهب” لقد قرأتها منذ مدة ولكن ما عداها سوى تفاهات فظيعة.. وربما نال أدولفو استحسانكم إذا ما قرأتموه. إنه مثير جدا !-لا، والله لا، فلئن قرأت رواية ما، فلن تكون سوى رواية لـ Radcliffe فهي مسلية حقا وجديرة بالقراءة. فهي على الأقل لا تخلو من هزل وفطرية”.
فالرواية القوطية سواء خلصت في نهايتها إلى تفسير عقلاني، كما هو الشأن عند Ann Rodcliffe أو ظلت حبيسة أطر غيبية، كما هو الأمر عند Levis فإنها تعتمد جملة من الأجراءات المثيرة: القصور المسكونة بالأرواح، والمقابر والرهبان المخيفون، والرؤى المفاجئة لكائنات شريرة، وشيطانية من جميع الأصناف. ومنذ نهاية القرن 18، ظهرت أولى علامات التبرم والضجر تجاه هذا الشكل المكرور والمحدود. وإذا صح أنه في سنة 1820، كان Maturin قد حقق نجاحا بروايته Melmoth الرجل التائه، فمن المؤكد أن هذا الجنس الروائي كان يسير باتجاه حتفه.
وفي سنة 1829، سنة صدور “الحكايات الفانتاستيكية لهوفمان بالفرنسية، كان Jules janin قد دق آخر مسمار في نعش الرواية القوطية حين نشر محاكاة ساخرة لهذا الجنس، في روايته “الحمار الميت” أو “المرأة المقطوع رأسها” لقد شدد الرومانسيون المنشغلون بالتخلص من هذا الإرث الثقيل على إبراز الفروق بين الفانتاستيك والرواية القوطية، وفي الوقت نفسه كانوا يلحقون هذا الجنس البشري الناشئ بأصول أكثر شهرة.
لقد وقع الخطاب الحديث حول الفانتاستيك في مزايدات غريبة، وظل يتخبط في تناقضات متشابكة إبان بحثه عن أصول لهذا الجنس: فمن جهة، تم التسليم مع الرومانسيين – بفكرة ولادة الفانتاستيك مع هوفمان، ومن جهة أخرى فقد افترضت لهذا الجنس أصول ضاربة في القدم، ومتضمنة بالطبع، للرواية القوطية، وحسب اعتقاد معين، فإن الولادة الحقيقية للفانتاستيكا قد كانت عسيرة، وقد أعلن من تم عن إرهاصاتها من خلال أعمال وتيارات مختلفة.
في خضم هذا الغموض الشامل، ماذا إذن عن هوفمان، وعن الدور الذي أنيط به في هذا الصدد؟
* هوفمان وقرينه
في سنة 1828، حين قدم الناقد الشاب J.J.Ampère، المدافع عن الحركة الرومانسية، لقرائه اسم هوفمان معلنا في الوقت نفسه عن مصطلح الفانتاستيك، لم يكن أحد يعرف القاص الألماني الذي كان مغمورا في بلده تقريبا. وفي غضون أشهر قليلة أصدر مترجم هوفمان إلى الفرنسية Loése- Weimars. بعضا من حكاياته المنشورة في المجلات، ثم نشر عام 1829 مجموعة من القصص لهوفمان تحت عنوان حكايات فانتاستيكية والحالة هذه، فهوفمان لم يصف أبدا حكاياته بمصطلح مشابه للفانتاستيك. وبالتحديد فقد جمع هوفمان بعضا من قصصه المكتوبة ما بين 1808 و1815 تحت مصطلح بالألمانية هو Fantasiestucke، وهذه القصص لم تكن تشكل إلا نزرا قليلا من عمله ولم تكن حاضرة بالمرة في المجموعة الأولى التي ترجمها Loève- Weimars، ويعزى التقريب بين الكلمة الألمانية Fantasiestucke، والتي ترادف كلمة Fantaisie أي النزوة- والحكايات الفانتاستيكية إلى جناس صوتي غامض. هذا التقريب جعل البعض يشكك في كفاءة L.W المختص في الثقافة الألمانية، بسبب ارتكابه لهذا التحريف الدلالي الفظيع.
وفي الآن نفسه، قدم L.W لترجمته بمقال لـ Walter scott كان قد صدر في “مجلة باريس”- التي كان يسهم فيها المترجم- تحت عنوان “العجيب في الرواية”، وهي نسخة مبتورة لنص أولي ظهر منذ سنتين تحت عنوان “الغيب في الأعمال الخيالية: آثار هوفمان”. فمن المصطلح الأصلي Super natural، تمر الترجمة إلى كلمة العجيب ثم إلى الفانتاستيك في طبعة Loève Weimars، ليصير العنوان في النهاية كالآتي: “حول هوفمان والمؤلفات الفانتاستيكية” (انظر النص في نهاية الفصل). إن هذا التحوير في المصطلح ذو دلالة بالغة، إلا أنه ليس الأخير: لا يقف أمر هذه المقالة المبتورة من قبل مترجمها JP.Defancompret، عند هذا الحد، ولكن نجد أنها قد شوهت بشكل مطلق من قبل ترجمة وقحة تجعل المرء اليوم مشدوها. إن المشكل هنا ليس تحديدا رد الاعتبار لـ Walter Scott الذي كان ضحية سمعة سيئة –هو منها بريء- لدى مؤرخي الفانتاستيك، ألصقت به بسبب ترجمة نزقة، ولكن الأمر يتعلق بتقييم ملابسات هذه الخيانة. وفعلا، فالتحويرات التي لحقت النص الأصلي تمكننا من الإجابة عن سؤالين، لماذا هوفمان ولماذا كلمة الفانتاستيك؟
*هوفمان أم ماري شيلي؟
إذا قارنا نص Scott بالترجمة التي أنجزها Defancompret، فإننا نندهش لأن هذا الأخير لم يعمل سوى على حذف ملاحظات Scott حول Mary Shelley وهذا بالرغم من أن رواية فرانكنشتاين كتبت عام 1816 وترجمت إلى الفرنسية سنة 1821، إضافة إلى أن أعمال الروائية الانجليزية كانت معروفة جدا مثلها مثل أعمال هوفمان.
المشكلة هي أن رواية ماري شيلي التي كانت لا تزال متأثرة بمفاهيم رواية ق18 هي أقل ملاءمة للمعايير الجمالية الرومانسية من حكايات هوفمان.
وبالإضافة إلى هذا، فشخصية ماري شيلي لا تطابق الصورة التي أريد إعطاؤها لمؤسس جنس الفانتاستيك ولو كان ذلك على حساب الدقة التاريخية، وهكذا، فإن Loève Weimars، لم يتوان في مقدمته في إعطائنا صورة رومانسية وفضفاضة عن هوفمان “لا ينبغي أن يفوتنا على الخصوص أنه إذا كان هناك كتاب يجدون موهبتهم العالية وقريحتهم في الأشياء السارة وفي رغد العيش، فإن هناك كتابا آخرين قد رسمت طريقهم من خلال المآسي الإنسانية ومن خلال قدر حتمي غذى خيالهم بمعاناة لا نظير لها وببؤس أبدي”.
وعلى عكس ماري شيلي، كان هوفمان آنذاك قد توفي. وكلنا يعلم أن الأموات لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وإذن حينما تحدث Loève Weimars، في مقدمته وDefancompret في ترجمته عن هوفمان لم يعملا إلا على مجاراة خيالهما.
وأخيرا، فهومان من خلال اختياراته الجمالية ووفرة إنتاجه، كان أكثر مطابقة للمشاريع الرومانسية من ماري شيلي. وقد كان لزاما إذن أن لا يكون للفاتاستيك سوى أب واحد. أما ماري شيلي فقد كانت سقط متاع.
* المشكل الجمالي
إن Scott وهو يمنح قصب السبق لماري شيلي على حساب هوفمان، إنما يدافع عن نفسه، كان الأمر بالنسبة إليه يتعلق بالانتصار لضرورة الخاصية التعليمية في الرواية، وفي عمله هذا. كان Scott خاضعا لتقليد- يرجع إلى القرن 17- يلزم الروائيين أن يبرروا اختياراتهم لهذا الشكل المختصر الذي هو شكل الرواية. ففي هذا العصر، كان مستحيلا في البلدان الأنجلوسكسونية الفصل بين الرواية والأخلاق وبعض قواعد التأليف الكلاسيكية. لن يحيد الفانتاستيك أبدا عن هذه الإرادة التعليمية التي كان Scott يثني عليها في عمل ماري شيلي والتي إنما كانت تثقل روايتها كما ستسيء بالشكل نفسه للحكايات اللاحقة. وبالنسبة إلى Scott فهوفمان، باعتباره رساما وموسيقيا ينقل إلى الرواية التقنيات الموسيقية الفانتازية وبذلك لا يمكنه إلا أن يرتمي في أحضان المجانية.
فإذا كان هوفمان يحظى لدى الرومانسيين بلقب مؤسس جنس أدبي دأبوا على إعادة تأسيسه من بعد، فلأنه بالأساس مبدع “الفانتازيات”.
إن كلمة Fantasie باللغة الانجليزية (أو Fantaisie بالفرنسية) هي كلمة مستعارة من معجم التشكيل والموسيقى، تحيل إلى هذا الخليط من القطع المرصوفة من غير ما قواعد، والذي يميز أعمال هوفمان. يُعرف معجم Littré هذه الكلمة كالآتي: كلمة تستعمل في التشكيل. عمل ينساق فيه صاحبه وراء نزواته وخياله متحررا من كل قاعدة. فالأرابيسك يعتبر فانتازيات. […] كلمة تستعمل في الموسيقى. تجميع لألحان مختارة حسب هوى المؤلف ومترابطة فيما بينها بجسور ولازمات موسيقية”. سوف ينحو ادغار آلا نبو المنحى ذاته حينما عنون حكاياته في الفترة نفسها، سواء تعلق الأمر بالأدب أو الموسيقى أو التشكيل، ومن خلال الفانتاستيك والبشع (le grotesque) والأرابيسك، هذه الأشكال التي تربطها عدة قواسم مشتركة والتي كانت تدين كثيرا لإعادة اكتشاف الثقافة الشرقية في بداية القرن 19، كان الهدق هو التحرر من القواعد والتخلي عن الذريعة الأخلاقية أو التعليمية.
نلاحظ إذن، خصوصا مع Struanu في الموسيقى و Delacroix في التشكيل صخور جمالية متحررة من قواعد التأليف التقليدية، وفي الوقت نفسه سعى الأدباء إلى الابتعاد عن كل غاية أخلاقية، كان الفانتاستيك يمثل مجالا نموذجيا لتحقيق مشروع كهذا. إن غوغل في قصصه (حكايات بترسبورغ) التي سبق نشرها في مجموعة تحت عنوان (أرابيسك)، يصوغ هذا التوجه في عبارة بليغة وساخرة في نهاية روايته “الأنف”، قائلا: “إن الشيء الأكثر غرابة والأكثر غموضا هو أن الكتاب يخولون لأنفسهم اختيار مثل هذه الموضوعات ! وأنا أقر أن هذا الأمر غير واضح بتاتا ! إنه حقا –غير واضح- إنني لا أفهم شيئا ! فمن ناحية، لا يجني البلد من ذلك نفعا، ومن ناحية ثانية لن يجني من ذلك نفعا البتة باختصار، لا أدري…”.
في القرن 19، كان رهان الفانتاستيك لدى الكتاب ذا طبيعة جمالية بحتة، فإذا كانت هذه الكلمة تتداعى، في ذهن الجمهور العريض، مع الخارق، فإنها ترتبط عند الكتاب بخرق القواعد أساسا.
هكذا أضحى الفانتاستيك محط اهتمامات متعددة، جمالية وعلمية وتجارية، إن الصعوبة التي تعترضنا اليوم في تعريف الفانتاستيك تتأتى من وجود مفارقة كبيرة بين الطرائق المختلفة التي وظفه بها الكتاب، وتلك التي استقبله بها دائما الجهور العريض فبالنسبة إلى الكتاب شكل الفانتاستيك، بطريقة مباشرة، حقلا ملائما للتعبير والبحث. أما بالنسبة إلى الجمهور، فقد كان تلقيه سطحيا، إذ انحصر في “متن الحكاية”. لقد منح الفانتاستيك للرومانسيين أو لبعض الكتاب مثل Gogol فرصة تفكيك قواعد التأليف الكلاسيكية. وبعد ذلك سوف يمكن بعض الروائيين والقصاصين مثل جيمس جوسي وبورخيس، من متابعة بحوثهم في أشكال التعبير الحكائية. وفي هذا الوقت، طلبت الفتاة الطائشة في رواية Paul de Kock وهي في قاعة المطالعة رواية تعج باللصوص والأشباح. لأن رواية تشتمل على أشباح ولصوص لا يسعها إلا أن تكون رائعة. (استشهدت بهذه القوله Ame Sauy، “أدب النساء” في كتاب “تاريخ الطباعة الفرنسية مجلد 3 طبعة Promodis، 1985 ص447).
وهكذا كان غوغول ودوستوفسكي يتعايشان مع كلود فينيون والكسندر دوما.
إن ما قاله Gautier عن هوفمان ينطبق بشكل كبير على باقي الكتاب الفانتاستيكيين: “لقد قرأ الجميع حكاياته، فحارسة العمارة والمرأة الارستقراطية والفنان، والبقال كلهم كانوا فرحين بقراءته”. وبالفعل، فقد كانت أعمال هوفمان تستجيب، خصوصا في سنة 1829 بفرنسا لكل المتطلبات الجمالية والاقتصادية.
*المتطلبات الجمالية والمطلب لاقتصادي
كان الأمر يتعلق في البداية بإشهار اسم، هوفمان، وربطة بكلمة، هي الفانتاستيك وترقي هذه الكلمة، بفعل السلطة الرمزية اللاإدارية لسكوت، إلى مستوى جنس أدبي: “إن حب الألمان للأشياء الملغزة دفعهم إلى ابتكار نوع من التأليف قد لا يوجد إلا في بلدهم وفي لغتهم، إنه ما يمكن تسميته بالفانتاستيك، حيث ينساق الخيال وراء كل خروقات نزواته، وكل التركيبات الأكثر غرابة وسخرية للمشاهد”. وحيث إن Scott كان قد تحدث عن “صيغة للكتابة الغريبة الأطوار”: Fantasque، فإن Derfancompret، بإجرائه لانزلاق معنوي حول الكلمة، فضل الحديث عن جنس الفانتاستيك Fantastique.
فإذا كان الرومانسيون ينتقدون تراتبية الأجناس، فإنهم، في الآن نفسه، كانوا يحترسون من تطبيق ذلك على مفهوم الجنس ذاته، وعلى العكس من ذلك، فقد كان همهم الأساس هو الرفع من هذا الشكل التعبيري إلى رتبة جنس أدبي يتلاءم نسبيا مع أهدافهم.
كان Loéve Waimars، مترجم وناشر هوفمان، يلعب دورا مزدوجا: لقد استعمل اسم الروائي الاسكتلندي الشهير ليدخل مفهوما يكتسب، بهذه الطريقة مشروعية وفي الوقت نفسه، يحط من قدر Scott لصالح هوفمان.
ومن أجل ذلك، فقد كان Loève Wirmars ينتقي بدقة شديدة الحكايات التي يقوم بترجمتها، بل إنه، كان يترجمها، بحرية كبيرة حتى قيل عن المجموعة القصصية “الحكايات الفانتاستيكية بأنها رائعة. إن هذا الحكم المازح ذو دلالة؛ ففي المدخل الهام “للحكايات الفانتاستيكية” يسجل J. Lambert بأن كل الترجمات المتعاقبة في بضع سنوات تشهد الإرادة نفسها في جعل النص في متناول الجمهور الفرنسي لسنة 1830 دون الاهتمام بالإخلاص للنص الأصلي.
كان الأمر يتعلق بتحقيق ربح تجاري. وبالنسبة إلى الرومانسيين الذين كانوا آنذاك يسعون إلى تحديد هويتهم (مقدمة Gromwell تعود إلى دجنبر 1827) والبحث عن مرجعية سيجدونها في شخص هوفمان، أو بالأحرى، في التصور الخيالي الذي سينسجونه حوله.
سيستعملون عمل هوفمان المعدل والمنقح، باعتباره تبريرا ورمزا ومترجما لتوجهاتهم. ومن المثير أنه من بين القلائل الذين انهمكوا بطريقة جدية على أعمال القاص الألماني، هناك Nerval، و Bandelaire اللذان تناولاه، على شاكلة Walter Scott من وجهة نظر جمالية صرفة، دون أي اعتبار لما كان مستحسنا أن يقول آنذاك عن “الفانتاستيك الهوفماني”.
وفي غضون أشهر قليلة، كان كل شيء قد أعد، في فرنسا، للدفع بهذا العمل كنموذج لجنس ما زال لم يوجد بعد، إضافة إلى منسقي هذه الحملة كانوا يحترسون من تحديده. ففي سنة 1830 لم يكن للفانتاستيك وجود إلا أن الرومانسيين وممثليهم سيحملون على عاتقهم مهمة إيجاده، بإثارة سلسلة من التشويشات: تشويشات حول هوفمان، كما رأينا، وأيضا حول كلمة فانتاستيك.
*كلمة فانتاستيك
كان الرومانسيون، في مناهضتهم للقواعد، يجدون في هوفمان المعاد سبكه أداة مثلى للصراع. وفي الوقت نفسه كان لزاما عليهم أن يستعملوا كلمة أخرى ذات المعاني المحددة والمضبوطة غير كلمة Fantaisie. هكذا تولد مفهوم الفانتاستيك.
لماذا هذه الكلمة؟ إن الاشتقاق يؤكد أنها تنحدر من اللاتينية Fantastiens المتداولة خصوصا في اللاتينية المتأخرة عند آباء الكنيسة، بمعنى اللاواقعي والخيالي. وفي العصر الوسيط، كانت كلمات أخرى تنافسها (مثل Fantasial، و Fantasieux و Fantastique) بمعنى مختزل جدا، هو “أحمق، ممسوس”.
وفي القرن 17، لم يعد للكلمة من منافس مهم هذه المرة، وهكذا فقد تحللت دلاليا، وكانت تكتسي بين الفينة والأخرى إيحاءات قدحية أولا. وبعيدا عن الفروق الدلالية الدقيقة السلبية، يحدها Furetière هكذا:
“خيالي، مختزل ظاهريا، في حين أنها من خلال فرق دلالي سلبي تعني: “مستبعد الحدوث غريب، شاذ، يوجد خارج الواقع”. وفي سنة 1831، اقترح معجم الأكاديمية الفرنسية التعريف الآتي: “وهمي، وتعني أيضا من له من الآدمية سوى المظهر دون وجود حقيقي”.
*ماذا يعني هذا الجرد المعجمي المختصر؟
إنه يعني أولا أن الكلمة توجد بشكل متواتر جدا في لاتينية عصر الانحطاط. فالجزئي، كما سنرى، مهم جدا. ثم إن المنافسة التي لقيتها في العصر الوسيط ليست غريبة عن التضاؤل الدلالي للكلمة. أما في القرن 17، فلم يعد يتعلق الأمر سوى بكلمة غامضة، ذات معان فضفاضة، حيث أصبح للكلمة معنى ضعيف. ولم يكن أحد يجرؤ، بطريقة أو بأخرى، على استعمالها لتحديد جنس أدبي أو فني ما، ولو بشكل تقريبي. لقد كانت الكلمة فارغة من كل معنى محدد، ومن ثم فقد كانت قابلة لاستيعاب قيم جديدة. ومن هنا ندري سبب استحواذ الرومانسيين عليها. لكن المشكل هو أنهم لم يملؤوها. وعلى عكس كلمة Fantaisie، فإن كلمة Fantastique كانت تنفرد بامتيازات عدة. إنها كانت أولا لا تحيل على أية مقولة أدبية أو فنية معروفة. ثانيا، الغموض الذي كان يرتبط بالتخيل. أخيرا، فاللاحقة ique، كانت تتميز بقبولها للهدف المنشود. وذلك على العكس من اللاحقة iste. المخصصة لتعيين كل أنواع التصورات المجردة والفكرية. إن هذا الإلحاق أعطى قوة عميقة للجذر ويموقعه مباشرة في مجال مجرد: “ique” هي اللاحقة الأكثر استعمالا لاشتقاق النعوت خاصة في الاصطلاح العلمي والتقني
(233. Grevisse, Le Bon usage, ed. Ducoulot). هكذا، فقد كان كل شيء جاهزا إذن لتعيين شكل تعبيري جديد بأرضية نظرية مغايرة.
وفي الوقت الذي كان الرومانسيون يعتبرون فيه كلمة الفانتاستيك إلى درجة التضخم كانوا يمتنعون عن إعطائها أي تعريف. هذه الطريقة يعكسها بجلاء مقالة منسوبة خطأ لنرفال، صدرت عام 1830: “وأنتم تعبرون شارع La sourdiere، ستجدون الكنيسة الفرنسية في صالون، وإذا ذهبتم إلى قصر Bourdou، فستجدون عجزة يمثلون فرنسا الفتية، وإذا تحدثتم عن الملكية، فسيحدثونكم عن الجمهورية، حقا إن الفانتاستيك موجود أنى كنتم. ففي هذه اللحظة نفسها، فإنه يظهر لي في قعر الصحن الذي أتناول فيه نقانق صغيرة “فانتاستيك” في حكايات منسوبة إلى نرفال.
بعد بضع سنوات، كتبت Goerge Sand: “إن عالم الفانتاستيك لا يوجد خارجنا ولا فوقنا ولا تحتنا، إنه يقبع بدواخلنا، فهو يحرك كل شيء، إنه روح كل واقع، إنه يسكن في كل الأحداث، وكل شخص يحمله بداخله ويظهره بطريقته الخاصة (دراسة حول الدراما الفانتاستيكية 1839). إن الفانتاستيك، حسب George Sand يوجد في كل مكان لدرجة أنها تصنف ضمنه Byrou و Mickiewiez. وبهذا المعنى، فكلمة فانتاستيك تندرج ضمن صنف من الكلمات ينتجها كل جيل فارغة من كل معنى محدد لكنها تتضمن في معظم الأحيان قيمة قصوى. ومنها ينحدر المعنى الشائع والحديث للكلمة. ففي سنة 1830 ألف Belioz سمفونيته الفانتاستيكية، وفي سنة 1831 أصدر Musset المجلة الفانتاستيكية، وأصبحت الكلمة مستعملة إلى درجة الهيام.
الخلافات:
* التباعد بين الرومانسية الفانتاستيك
لقد تبين أن الإلتقاء بين الفانتاستيك والرومانسية، على غرار كل ظاهرة من هذا النوع، كان عابرا. فلقد أمذَ الفانتاستيك الرومانسيين والذين جاؤوا بعدهم بمجموعة من العناصر مكنتهم من تلميع صورتهم. كان Petrus Borel يطلق على نفسه “الغول الذهبي”، بينما كان Oneddy، هذا الرومانسي المغمور، ينعت نفسه بـ”الميت –الحي” أما Oscar Wilde، فقد تبنى في السنوات الأخيرة من حياته، لقب Melmoth، إشارة إلى بطل Maturin.
هكذا، فالفانتاستيك كان يمثل شكلا من الاستفزاز ضد القيم التقليدية السائدة. ولكن فقط الالتقاء بين الرومانسية والفانتاستيك ظل سطحيا إلى حد كبير. أوقف Loève Weimars بشكل عرضي سنة 1833 ترجمته “للحكايات الفانتاستيكية” وبعد فترة من الحماس، ضعف اهتمام الجمهور؛ وعلى حين غرة تكر Balzac و Nodier وآخرون لما كانوا يقدسونه سابقا. وحتى النجاح الأكيد لهوفمان كان، بالرغم من كل شيء، نجاحا نسبيا. لقد وضع الرومانسيون هوفمان مقام المنافس اللدود لوالتر سكوت. من الناحية العملية، استمر الكاتب الاسكتلندي يستفيد من مطبوعات كتبه الغزيرة، وذلك ما لم يتحقق لهوفمان.
لم يتسن أبدا لهذا الأخير، على عكس منافسه، أن يجد نفسه في وضعية المؤلف الذي يحقق أكبر المبيعات.
كان منطقيا إذن، أن يجد الرومانسيون في الفانتاستيك وسيلة متميزة للتعبير، فقد كان الفانتاستيك يشكل بالنسبة إليهم قبل كل شيء أداة لصراعاتهم الخاصة: لقد كان يُمكِّنهم، على المستوى البلاغي، من رد الاعتبار للنشر ولفظ القواعد. أما على المستوى الموضوعاتي، فقد كانوا يبلورون رؤية خاصة لبطل منبوذ في عالم لا يفهمه، ولكنه قادر على ولوج عالم متعال يتجاوز العالم البشري العادي. كل هذا كان الرومانسيون يجدون عند هوفمان مساوق لرغباتهم.
كانت الرومانسية والفانتاستيك، فعلا، يشكلان تمثلين مختلفين للعالم وللإنسان. تمثلين لا تنابذ بينهما، بل كانا يتقاطعان ضمن تزامن تاريخي عابر. فلتقارب في هذا السياق بين عملين يرتكزان على موضوعة المضاعف le double وهما: “ليلة دجنبر” لـ Musset، وقصة وليام ولسون لـ E.A.Poc، فازدواجية الشخصية كانت إشكالية لدى Poe على عكس Musset. ولقد كانت هذه الازدواجية ترتكز على صيغة صراعية عند Poe، في حين أن الشخصية الرومانسية، الواثقة من نفسها، كانت تستأنس كثيرا بمضاعفها وظله. إنها كانت تفرض ذاتها ضد العالم، كما هو، فلا أي ازدواج ولا أي انحراف يعكر التمثل الخاص الذي تنسجه حول نفسها. وعلى عكس البطل الفانتاستيكي المنشطر أصلا، فالبطل الرومانسي يمتلك منذ البدء، جوهرا ساكنا ومتجانسا، إنه لا يتحول ولا يتطور، بل يؤكد ذاته ويحقق جوهره، فهو يعتبر أنه منسجم مع نفسه منذ الولادة إلى الموت، ولا يمكن لأي حدث إنساني أن ينال من جوهره. إن البطل الرومانسي يتصف بالعظمة والثبات عكس البطل الفانتاستيكي الذي هو كائن منقسم وآيل للزوال.
الاستنتاجات
انفصلت سبل الرومانسية والفانتاستيك بسرعة. وبالمقابل فآثار التقائهما ظلت عميقة ومستمرة.
كان الرومانسيون، بفعل مجموعة من التشويشات، قد أحدثوا وجود الجنس الفانتاستيكي، الذي قد يكون هوفمان هو من ابتدعه، ولكنهم لم يعطوه ولو أدنى تعريف تقريبي. وفي سنة 1829، حين تحدث Duvergier de Haurane، بصدد هوفمان، عن “العجيب الطبيعي”، في مقابل “العجيب الاسطوري” و”العجيب الرمزي” و”العجيب الآلي” عند Anu Radiliffe لم يعمل إلا على إحداث غموض زائد، حينما أدرج كل هذه الأشكال التعبيرية تحت مقولة “العجيب”.
إن كلمات “عجيب” و”فانتاستيك” و”فوق طبيعي” وجدت مباشرة في وضعية تعاوضية. وفي سنة 1863 عرّف معجم Littré الحكاية الفانتاستيكية كالآتي: “تطلق عموما على الحكايات الشعبية وعلى حكايات الأطياف، وبالخصوص تطلق على نوع من الحكايات أشْهرها القاص الألماني، حيث يلعب فيها الفوق-طبيعي دورا كبيرا”. لم يخرج الفانتاستيك أبدا عن هذه الوضعية الغامضة، سواء على المستوى التطبيقي أو النظري. وآية ذلك هو التعريف الذي يعطيه إياه معجم Robert اليوم: “مضمونه يوجد خارج الممكن والواقع. فهو قصة أو حكاية فانتاستيكية يهيمن فيها الفوق-طبيعي”.
ومن جملة نتائج هذه الوضعية أنه لا أحد الآن يفهم الاستياء نفسها المنضوية تحت كلمة فانتاستيك. فكل واحد ينسب إليه، في هذا الاتجاه أو ذاك، مجموعة من النصوص غير المتجانسة في طبيعتها واستهاماتها. ويترتب على ذلك أن كل محاولة للمقاربة النظرية تكون فاسدة مبدئيا، لأن الرومانسيين اصطنعوا جنسا قبل أن يكون له أي وجود. وهكذا، نجد أنفسنا مضطرين إلى تعريف هذا الجنس انطلاقا من إنتاجات لا يمكن وسمها بأنها فانتاستيكية إلا من خلال “إحساسنا باعتبارنا قراء”. فالحديث عن الفانتاستيك يعود بالضرورة إلى التقوقع في هذه الإشكالية.
هذا ما يجعلنا ندرك لماذا لا يوجد مفهوم الفانتاستيك إلا في فرنسا، وبذلك فكل الدراسات التركيبية حول هذا الجنس تكاد تكون كلها من أصل فرنسي. ولا يوجد أي قاسم مشترك بين ما تؤديه من معنى كلمة Fantastique بالفرنسية، وكلمة Phansie بالألمانية و Fantasy بالانجليزية، فهاتان الكلمتان الأخيرتان تحيلان على إنتاج خيالي صرف لا يهدف إلا إلى التسلية أو إلى إيضاح رسالة ما، وفي هذا السياق تندرج “رحلات Gulliver” و “أليس في بلاد العجائب” ضمن الـ Fantasy (بالمفهوم الانجليزي) مثلها مثل Dracula أو “الحالة الغريبة للدكتور Jekyll والسيد Hyde.
من هنا، فإن هذه المفاهيم الأكثر ضبابية من مفهوم الفانتاستيك، والعاجزة عن حمل أية قيمة مفاهيمية، لن تستطيع الإسهام في بلورة نظرية لهذا الجنس الذي لم يُفهم بهذا المعنى لا في ألمانيا ولا في الدول الأنجلوساكسونية.
وعلى العكس من ذلك، وبمبادرة من الرومانسيين، أضفيت على كلمة فانتاستيك في فرنسا هالة نظرية، اعتبرها الكل أمرًا بدهيا. لقد أقر الرومانسيون بوجود جنس الفانتاستيك، ناسبين له أصلا وأعلاما. وقد اقتفينا أثرهم بشكل جعلنا نتعامل اليوم مع جنس لا ينطوي على شيء محدد، ومع كلمة نمنحها قيمة مفاهيمية بالرغم من أنها لم تلق أي إجماع.

ينضاف إلى هذه الصعوبة المفاهيمية، صعوبة أخرى، ذات طبيعة بنيوية: فمنذ بداياته كان الفانتاستيك – مثل الفانتازيا الهوفمانية- متحررا، لا يخضع لأية قاعدة. بل لقد كتب Henry James، في سنة 1907، بصدد حديثه عن قصة “برج السجن”: “لقد كان يمتاز هذا الأمر، بالنسبة إلي، بأنه يمنح حرية تصرف مطلقة خارجية، ودونما تقيد بمعيار “المقبول الأصيل أو المخيف” (باستثناء المتعة التي يحدثها الشكل طبعا). وكان يمنحني أيضا حرية قصوى من الارتجال، بعيدا عن مخاطر التخريب والفيضانات. إنه يخولني أن أبقى معه على اتصال دائم: كان هذا هو اهتمامي تحديدا. كان الأمر يتعلق بالتوجه نحو الوحدة والوضوح والكثافة المطلقة، وأيضا الارتباط بمخيلة تشتغل بحرية كبرى، أي بجموح، وفق هذا القانون فإن هذا الأمر لن يكون قابلا للإدراك إلا إذا كان متحررا ولن يكون ممتعا إلا إذا كان مراقبا.
علاوة على ذلك، ولو بعد فوات الأوان، لا يمكن تحديد الفانتاستيك من خلال المقومات التي تتكون منها الأعمال الأدبية. فالرواية القوطية كانت ترتكز على مجموعة من العناصر الثابتة التي جردت، بطريقة ساخرة، منذ نهاية القرن 18.
– “قصر قديم، نصفه خرب”.
– “بهو طويل بأبواب كثيرة، معظمها محجوب.
– “ثلاث جثث، لا تزال دامية”.
– “ثلاثة هياكل عظيمة ملفوفة بعناية”.
– “عجوز مشنوقة، في عنقها آثار طعنات خنجر”.
– “لصوص وقطاع طرق مستخفين”.
– “كمية كافية من الوشوشات والشهقات المخنوقة وتهشمات مرعبة”.
– كل هذه المقومات الممزوجة بطريقة جيدة والمقسمة على ثلاثة مقادير أو أجزاء تعطي خليطا رائعا يمكن أن يتناوله قبل النوم كل من ليس دمه أسودا. ستكون فعاليتها كبيرة. وهذا أمر أكيد” (استشهد به M.Shneider، تاريخ الأدب الفانتاستيكي في فرنسا، باريس، Fayard، 1964، طبعة جديدة 1985، ص: 124).
إن طريقة مثل هذه مستحيلة بالنسبة إلى الفانتاستيك. إذ لا يوجد أدنى رابط بين مكونات قصة “القناع الأسود للكاهن لـ Haruthorne وقصة “سقوط بيت أوشيز لـ Poe وقصة La Horla لموباسان، ومع ذلك فكل هذه الحكايات تندرج ضمن ما اصطلح على تسميته بالفانتاستيك.
يمتح الفانتاستيك مادته من كل شيء: إنه يستعير ذلك من الحكايات والخرافات الشعبية ومن الأحداث الراهنة ومن الأحلام والاكتشافات العلمية ومن هنا، فكل محاولة لتعريف جنس الفانتاستيك من خلال موضوعاته أو محتوياته الصريحة لا يمكن أن تقود إلا إلى الطريق المسدود.
الفانتاستيك ورؤية العالم
لقد حدث انقلاب ايديولوجي جذري في القرن 19. ففي هذا الوقت بالذات تمت مساءلة “الآخر” الذي ظل دائما مجهولا ومرفوضا أو مكبوتا. فسواء تعلق الأمر “بالسلب” عند هيجل، أو “الشر” عند بودلير، أو “البروليتاريا” عند ماركس أو “الديونيزوس” عند نيتشه، أو المستلب والوحش في مجال العلوم الإنسانية، نجد التساؤلات نفسها حول المكونات التي أقصيناها بعناية شديدة أو تجاهلناها. إن رجالات القرن 19، بفعل اصطدامهم بحقائق جديدة، اكتشفوا أن كل مكونات الواقع هذه، ليست – كما كان يعتقد- خارج ذواتهم، بل إنها بالعكس تشكل جزءا لا يتجزأ من عالمهم –ومن يدري- فقد تكون جزءا منهم.
فمنذ قرون، وللمرة الأولى، يحدث في الغرب اعتراف “بالآخر” أو على الأقل أخذه بعين الاعتبار بكل ما يشتمل عليه هذا الأمر من خوف وافتتان. وقد وقع انقلاب عميق في كل المجالات، يمكن أن نقارنه مجازيا بما يسميه فرويد لاحقا “بعودة المكبوت” وسيؤسس الفانتاستيك، لمدة قرن تقريبا، شكلا تعبيريا لهذا الانقلاب.
إن القرن 19 فتح ما يسميه باشلار قارات علمية جديدة، خصوصا في مجال العلوم الإنسانية. إنه ميلاد التاريخ وتطور البيولوجيا وظهور الطب النفسي.
وفي الوقت نفسه، عرفت النزعة الإشراقية لدى Swedenborg، وعلم الخصائص المغناطيسية والتنجيم الإخفائي، ومذاهب أخرى فوق طبيعية، ازدهارا كبيرا. وحسب متخيل القرن 19، لا يوجد أدنى تناقض بين كل هذه المعارف. وحتى سنة 1891 كان عالم وظائف الأعضاء Richet يعلن: “لنا اليقين أن هناك قوى نجعلها تمتزج بالأشكال المعروفة؛ وإن التفكير الميكانيكي البسيط والعامي لا يكفي لتفسير كل ما يدور حولنا؛ وباختصار، هناك ظواهر نفسية إخفائية، وحينما نقول “إخفائية” فهذه كلمة تعني بكل بساطة شيئا مجهولا (هذه الجملة استشهد بها G.Pourair في كتاب “الجنون في الأدب الفانتاستيكي، باريس، curs 1987، ص16).
لقد كان Messmer و Swedenborg يتمتعان بالهالة نفسها تماما مثل Lamark و Cuvier. وفي كل الأحوال كان الحديث يدور حول “العلم” ولم يحدث قط أن شغف الجمهور بالعلم إلى هذا الحد.
سيكون الأمر تبسيطيا لا محالة أن نختزل القرن 19 في وضعية الإعجاب أو التطلع الساذج أمام التقدم العلمي. ومن السهولة تصور القلق الناتج عن السرعة المذهلة للعلوم وهذا التحول لحدود المعرفة. فالفانتاستيك يشكل صيغة تعبير خاصة للأزمة الفكرية التي تخترق كل هذا القرن.
هكذا وقع تلاقح دقيق بين العلم والأدب أثناء هذه المرحلة. كل واحد يبحث في الآخر عن شرعيته الخاصة. ستبحث العلوم الجديدة عن أسسها عند الكتاب؛ وسيبرر الجنس الجديد ذاته كحجة علمية دامغة. فعلى طول القرن 19 سيستمر هذا التجاذب بين العلم والأدب. إذ لا يمكن آنذاك تصور الواحد دون الآخر ويشمل ذلك تصريحاتهما النظرية.
وبناء عليه، فإن اللغة، المفاهيمية خصوصا، عاجزة عن التعبير على إمكانيات الواقع المجهولة هاته، وكان الكاتب مضطرا إلى استعمال صور أو استعارات مقتبسة، على وجه الاحتمال، من مجال الفوق – طبيعي. ومن ثم فإن الفوق – طبيعي هذا لم يكن سوى أداة ملائمة للتعبير عن الماورائيات الممكنة للواقع. يرتكز الفانتاستيك على فكرة أن العلم واللغة لا يعبران عن الواقع في كليته، ولكنه كان لا يطرح، مقابل ذلك، احتمال أي وجود فوق طبيعي. فالفانتاستيك، إذن على غرار الخيال العلمي، هو طرح مجرد لواقع ممكن انطلاقا من معطيات واقع معروف. فضلا عن ذلك، فالتصور الذي يكونه Todorov عن الفانتاستيك يعتمد على رأي قبلي لا تاريخاني. فتودروف هو الذي عرف بالشكلانيين الروس في فرنسا، وكل مؤلفاته تدعي تحليل إشكال وبنيات بمعزل عن كل تحديد تاريخي. وهكذا فإن الأشكال تبدو وكأنها لا زمانية إلى درجة أنها تفتقر إلى تاريخ داخلي، وكأنها مثل أفلاطونية. هذه الرؤية تعضد احتمال كون الفانتاستيك معزو إلى اختيار مقصود من لدن الكاتب الذي يكتفي بتطبيق وصفة ما، أو على الأقل بإعادة إنتاج ترسيمة جاهزة.

إن غياب الأفق التاريخي هذا، قاد Todorov إلى اقتباس أمثلة من مؤلفات متباينة جدا على جميع الأصعدة، بدءا بألف ليلة وليلة، مرورا، بالمخطوط الذي عثر عليه في سرقسطة لمؤلفه Potocki، ووصولا إلى برج السجن لهنري جيمس. وكأن المجتمع الإسلامي للقرن الثاني عشر، ومادية عصر الأنوار، وشكلانية كاتب أمريكي من القرن 19 قد تمكنت من إنتاج تصور واحد للعالم. وبذريعة، استخراج بعض التيمات المشتركة بين ألف ليلة وليلة و”نادي الحشاشين” لغوتيي، والأميرة Bramkilla لهوفمان، جمع Todorov هذه المؤلفات الثلاثة تحت علامة الفانتاستيك، رغم أن أيا منها لا يطابق بتاتا التعريف الذي وصفه هو نفسه لهذا الجنس.
إن مقولة الفوق-طبيعي التي يستعملها Todorov تختزل الفانتاستيك في بعض تجلياته الأكثر سطحية، ثم إن فكرة الشك أو التردد تختزله أكثر من ذلك، إذ تقصي مؤلفات مثل Dracula و”صورة دوريان كراي” أو Arria Marcella لغوتيي. والحصيلة أن الأدب الفانتاستيكي يلخص، حسب تودوروف، في عدد قليل من المؤلفات.
لا يقف تودوروف عند حد تهميش المؤلفات التي أقصاها، بل، على العكس، يدمج تعريفه بشكل غير مباشر عددا من النصوص التي لا تمت بصلة إلى الفانتاستيك.
فكلب Baskerville لـ Conan Dayle، والنصوص البوليسية لـ Jhon Dickoow care – وليس فقط المحكمة المحرقة الشهيرة- تطابق في كل شيء تعريف تودوروف، والحق أنه لم يخطر أبدا ببال أحد، ولأسباب معقولة، فكرة تصنيفها ضمن الفانتاستيك فبدل الانطلاق من فحص النصوص المتعارف عليها تقليديا على أنها فانتاستيكية فقد انطلق تودوروف من تعريف مثير جدا، حاول أن يقحم ضمنه مؤلفات متباعدة جدا. لقد ظل تودوروف وفيا لترسيمة أفلاطونية جعلته يتصور النص وكأنه تطبيق وإعادة إنتاج ملموسين لفكرة مسبقة.
إنه سيسعى لاحقا الطابع الإشكالي لتعريفه، إذ كتب فيما بعد: “إن القارئ اليقظ، سيحس هنا بنوع من الإثارة: لماذا نحاول إقناعه بأن كل هذه المؤلفات تنتمي إلى جنس واحد، بينما كل واحد منها يفرض علينا اعتباره استثناء قبل كل شيء؟ إن المركز الذي نحاول موضعة الحكايات الفردية حوله (والأمر لا يسعفنا) قد لا يوجد ببساطة. أو على كل حال قد يكون في موضع آخر، “والدليل هو أنه، لكي ندخل هذه الحكايات في قالب جنس الفانتاستيك، يجب أن نشوهها ونسويها ونرفقها بهوامش تفسيرية”1
فتودوروف، وهو يحيل الحدود الطبيعية لتحليله إلى ميزة، يكون قد قدم جوابا عن الانتقاد الذي يمكن أن يوجه إليه: “إن اختزال مؤلف إلى مجرد متغيرة للجنس هي فكرته مغلوطة أصلا، ذلك أنها ترتكز على قياس باطل بين ظواهر الطبيعة ونتاجات الفكر […] فلا يمكن أن نسم أي عمل فني أو علمي على أنه مجرد منتج لتركيبة جاهزة، فهو وإن كان يطابق هذا، فإنه في الوقت نفسه يحول هذه التركيبة، إنه يؤسس شفرة جديدة ويشكل في الوقت ذاته رسالتها الأولى (الوحيدة). فلا يوجد عمل يكون منتجا لتركيبة جاهزة، أو بشكل أكثر دقة، لا يمكن أن يوجد بالنسبة إلى تاريخ الأدب”2
إن خطاب تودوروف يعتمد هنا على زخرفة بلاغية بسيطة: فبدعوى أن كل عمل يكون فريدا، فإن الافتراض يبقى قائما، إنه يحول النسق كله. يروم تودوروف تبرير التباساته وإقصاءاته للطابع “الفريد للعمل الأدبي”، الذي قد يكون تجديدا أو قلبا مستمرا للنظم التي ينخرط فيها. وهكذا ينبري إلى الاستشهاد بما يسميه “أدب الجماهير” إن الرواية البوليسية والسلسلة السوداء ورواية التجسس تشكل كلها جزءا لا يتجزأ من تاريخ الأدب، وليس فقط هذا الكتاب أو ذاك الذي يمثل مجرد مثال أو توضيح لجنس موجود قبليا”3.
مشكل الالتباس:
بشكل مبسط، لقد قام تعريف تودوروف على التباس بين الجنس وإحدى طرائقه فالفوق طبيعي هو إحدى طرائق الفانتاستيك كما أن الشك أو التردد يشكل إحدى طرائق النص السردي. فبقدر ما لا يصح اختزال العنصر المشوش في الفوق طبيعي بقدر ما لا يصح اختزال الفانتاستيك في التردد بين تأويلين متعارضين.
وكان قد أشار إلى إمكانية تصنيف مؤلف ضمن الفانتاستيك رغم أن الفكرة لم يقبل بها إلا مؤخرا، ويتعلق الأمر بالجن العاشق لكاتبه Gaotte “يقترح Gasotte لكل واحد من هذه الأحداث تفسيرا إنسانيا ويقصي إمكانية أي تفسير فوق طبيعي. إنه يقف إذن في مفترق الطرق بين الحكاية العجيبة التي تتحدى الإمكان والحكاية الواقعية التي تستبعد اللغز، أو بالأحرى فإنه يوافق، بفضل لباقته، بين نمطين متعارضين من الخيال ويمنح وجودا أدبيا لجنس هجين سيعرف مصيرا نمطيا فيما بعد سيحمل مع الرومانسيين اسم الفانتاستيك”.4 إن Catea باعتماده على نص يرجع إلى ما قبل تاريخ الجنس، وتودوروف بترديد النص نفسه، قد عادلا بين الفوق- طبيعي والعقلانية. وكأن هذين النمطين لتمثل الواقع يستطيعان التعايش، بشكل متساو، لدى فرد معين من الفترة نفسها.
إن تودوروف يحيلنا، بفكرة الالتباس الفانتاستيكي، إلى ما لا يقبل به الجنس تحديدا، أي المقابلة بين عقل – لا عقل. فالإشكالية الفانتاستيكية تطمح أساسا إلى تجاوز هذا التفرع الثنائي. فإذا كان سارد عدد كبير من الحكايات الفانتاستيكية يوضح بعناية فائقة أنه غير مجنون، فإن ذلك ليس من قبيل التمويه، ولكن من أجل أن لا نحسبه داخل إشكالية ثنائية: العقل الجنون. فخطاب الجنون يُحسم فيه مبدئيا على أنه غير سليم؛ بينما الخطاب الفانتاستيكي “معلن” ورزين؛ يرمي إلى إتمام وإدماج إطارات العقل وتجاوزها.
إن ميزة وفائدة التعريف التي قدمه تودوروف للفانتاستيك لا تكمنان في فكرة “التردد”، ولكن في كونه فتح المجال لبعد القارئ، ولم يحصره في مجرد زاوية الأثر كما فعل Lovecralt أو Caillois نفسه (“إن الخوف يجب أن يتولد فقط عن تدخل فوق- طبيعي؛ يجب أن يفضي التدخل الفوق- طبيعي إلى الخوف” (Royer Caillois تنبيه الطبعة الثانية لأنطولوجيا الأدب الفانتاستيكي، ص25) إن أسلاف Caillois كانوا قد فكروا في الحكاية الفانتاستيكية لذاتها أو للأثر الذي يفترض أن تخلفه. أما تودوروف فإنه يشدد على أن الحكاية تستهدف قارئا، وأن هذا القارئ يوجد في وضعية شبيهة بوضعية الشخصية.
ويضيف تودوروف منقحا تعريفه الآلي: “إن الفانتاستيك يفرض أن تتوفر ثلاثة شروط: أولا، يجب أن يفرض النص على القارئ اعتبار عالم الشخوص عالم شخصيات حية وأن يتردد بين تفسير طبيعي وتفسير فوق- طبيعي للأحداث المذكورة. ثانيا، يمكن لهذا التردد أن يهيمن أيضا على شخصية الحكاية؛ وهكذا يصبح دور القارئ موكولا للشخصية وفي الوقت نفسه يكون التردد ممثلا ويغدُو موضوعا مهما في المتن. وفي حالة القراءة الساذجة، فإن القارئ الحقيقي يتماهى مع الشخصية، وأخيرا فمن الأهمية بمكان أن يتبنى القارئ موقفا محددا تجاه النص: إذ سيرفض التأويل المجازي والتأويل الشعري”. وليس لهذه الشروط الثلاثة قيمة متساوية فالأول والثالث يشكلان جوهر الجنس، أما الشرط الثاني فيبقى اختياريا. إلا أن أغلب الأمثلة تتوفر على كل هذه الشروط”. 5
وعلى هذا المستوى، فالمشكل يكمن في أن تودوروف يسلم مبدئيا بوجود قارئ “في ذاته”، أو قارئ مثالي، وليس قارئا محددا، وأكثر من هذا، فإنه يمنح قصب السبق لرد الفعل المفترض لدى القارئ على حساب بنية النص الحكائي، ذلك أن ما يغيب في تحليل تودوروف، هو ما يكون منتظرا تحديدا: أي تحليل بنية النص الحكائي الفانتاستيكي.
وفي النهاية سوف ينسى تودوروف بعض المعطيات الأساسية لشدة معارضته لسابقيه: فهو إذ يرجع الحكاية الفانتاستيكية إلى رد الفعل الذي يفترض تخلفه لدى القارئ، فإنه يتغاض عن المكونات الداخلية للعمل وللجنس عموما: وبإهماله أيضا لتجليات “الفوق- طبيعي” في الفانتاستيك، فإنه ينتقص من الأهمية التي يكتسيها العنصر المشوش داخل النص، أكان فوق- طبيعي أو لا. والمفروض أساسا هو أن تؤخذ كل هذه المعطيات بعين الاعتبار للتعريف بالحكاية الفانتاستيكية.
*محاولة للتعريف بالجنس:
لكي يكون تعريف ما للفانتاستيك إجرائيا، يجب أن يلم في الآن نفسه بجميع جوانب الجنس، الشكلية والدلالية، وبالمتن الحكائي وبالظروف المادية والايديولوجية والعلمية التي ينضوي تحتها.
فإذا قبلنا بفكرة أن مشكلا معينا، في فترة معينة، يشكل تعبيرا لنمط الفكر والتمثل لجمهور معين، يجب إذن أن نتساءل فيم تكمن مطابقة جنس الفانتاستيك في أشكاله ومضامينه، لتساؤلات وتطلعات المجتمع الغربي في القرنين 19 و20. والحال أن القناة التي يفضلها جنس الفانتاستيك هي القصة القصيرة وليس الرواية أو المسرح. فمقابل نحو عشر روايات أساسية، جد مقتضبة في مجملها، نجد مئات من القصص القصيرة التي تقع في صفحات قليلة. فالفانتاستيك قلَّ ما يقبل بالإسهاب الذي يفرض على الكاتب إدراج عدد من العناصر التي قد تحيد به عن غايته.
وقد استشهد François Truchand في مقدمته لكتاب Love craft المعنون بـ (الرعب والفوق- طبيعي في الأدب) بحكابة منسوبة لـ Thomas Bailey: [“كانت امرأة وحيدة على وجه البسيطة، فقد حدث أن فنيت كل الكائنات الحية. ودق الجرس”…] بفضل إيجازها الشديد، فإن هذه الحكاية المرحة تلخص كل المعطيات الأساسية للنص الفانتاستيكي. فهي وإن كانت قصيرة جدا، على غرار جل النصوص الفانتاستيكية، فلأن الجنس يرتكز في جوهره على المواجهة بين عنصرين فقط: الشخصية والعنصر المشوش. وكيفما كان هذا العنصر المشوش (شبحا، ميتا، حيا، تمثالا متحركا، مضاعفا، أو أي شيء خارق) فهذا لا يؤثر في شيء على المشكل. لأن هذه الأشكال ما هي إلا تمثلات مغايرة لأمر واحد. والعنصر المشوش ليس في حاجة لأن يكون ذا أصل فوق-طبيعي (ف Hyde أو وحش Frankensteiw مثلا. لا يحيلان على أي حياة أخرى). ثم إن هذا العنصر لا يحتاج أيضا لأن يكون خارجيا عن الشخصية؛ إذ يجوز أن يكون تركيبة لكل الخصائص التصنيفية للشخصية الفانتاستيكية وخصائص العنصر المشوش. وبشكل عام، فإن كل تجليات الجنون والهلوسة يجب أن ينظر إليها على أنها أشكال طبيعية للعنصر المشوش.
ولأن الأمر يتعلق بأشباح أو اضطرابات زمكانية أو جنون، فلكل هذه التجليات قاسم مشترك يكمن في زعزعة التوازن الفكري للشخصية ومن تم تسرب الشك للبنيات الذهنية للقارئ نفسه. ويمكن لهذه التجليات، على اختلاف الأشكال التي تكتسيها، أن تجمع وتصنف تحت هذا العنوان العام: “الظاهرة”.
يمكن إذن، أن يلحق كل نص فانتاستيكي بترسيمة بسيطة تمنح حيزا لوجود شخصية وظاهرة. بناء على أن الظاهرة تعني: “كل حدث خارجي يتجلى للوعي عن طريق الحواس؛ كل تجربة داخلية تتجلى للوعي”. وينثني هذا المعنى على معنى آخر، أكثر تداولا، “كل ما يزهر على أنه مثير للانتباه وجديد وخارج عن العادة” (معجم Hachette).
في نهاية المطاف، تعتمد الحكاية الفانتاستيكية على المجابهة بين شخصية منعزلة وظاهرة تكون إما خارجية عنها أو لا، إما فوق- طبيعية أو طبيعية. تؤجج بحضورها التناقض العميق مع بنيات الفكر والحياة الشخصية لدرجة زعزعتها كليا وبشكل مستمر.
إن تاريخ الفانتاستيك هو تاريخ استعمالات مغايرة لهذه الترسيمة.

فصل من كتاب le Fantastique, Joel Malrieu , Hachette superieur

1 – (أشباح هنري جيمس ص12).
2 – المصدر نفسه، ص14، 15.
3 – المصدر نفسه، ص15.
4 – المصدر نفسه، ص35.

5 – مدخل الأدب الفانتاستيكي، ص37-38.
—————

————————————————————

—————

————————————————————

1

شاهد أيضاً

مارينا تسفيتايفا وآنّا أخماتوفا (قصة لقاءين)

نوفل نيّوف* خريف عام 1914، بينما كانت مارينا تسفيتايفا (1892 ـ 1941) تشجّع زوجها، سيرجي …