أخبار عاجلة

وحشـة المكـان

تثاءبت وتمطت فى فراشها تغالب الرقاد، وتحاول الانفلات من تلك القبضات الثقيلة على الرقبة والكتفين ، ثم تضغط فجأة على الترقوة ، كان الرجع ينتشر وينفذ فى العظام ، لكن ضجيج الصباح لا يقاوم … صوت المرأة التي تغنى فى مذياع قريب او أصوات النسوة خلف الابواب والعربات والباعة شأن كل صباح .
وضعت براد الشاي على النار وضغطت على زرار المسجل ليرتفع الصوت المشحون مثل صوت طفلة .
ساعات با قوم وقلبي حزين
اطل بره الباب يأخدنى الحنين . *
ابتسمت لنفسها وهى تخلع قميص نومها على باب الحمام وعندما خطت لتقف تحت الدش ، تحسست بيدها شأن كل صباح ، مكان ثديها الايسر، وقالت لنفسها انه يزداد قبحا وفظاظة ، وقالت ايضا ان الجراح استأصله بوحشية وغشم وترك بدلا منه أثار الجراحة صاحية تفغر فاها.
انهمر الماء يبلل شعرها، ومضت تدعك جسمها باللوفة والصابون ، وتشم جلدها، وتعود لتدعك اكثر، هذا التعب كل صباح ، اغسل جسمي كل صباح ، واشك فى انني تخلصت من اليوم السابق بعرقه وغباره وكلامه وضجره لن اتخلص منه مطلقا.. هكذا قالت لنفسها وهى تجفف بدنها.
اختطفت من دولابها قميص نوم نظيفا، واستعادت جسمها قبل ان يكتمل جفافه للمرة الأولى منذ استيقاظها: مبللا وصغيرا بحجمه الذي تعرفه بثدي واحد وشعر قصير تمشطه الى الخلف مبلولا مايزال ، وتقطر منه حبات الماء باردة على جبهتها وذراعيها وعادت الى المطبخ وصبت الشاي لنفسها، ثم جلست بجوار الثلاجة امكن لها ان تلمح جانبا من الشارع عبر النافذة، فيما كانت تنصت للبنت التي تنهى الوجه الثاني من الشريط مودعة :
باي باي يا أحلي ذكرياتنا*
تعودت ان تقضي ساعتها الأولى بعد نهوضها من الفراش فى لملمة ما حولها من اشياء موشكة على الهروب تذكر نفسها وهى ترشف الشاي سأقوم الأن وارتدى ملابس اليوم السابق المعلقة على الشماعة ، نعم واذهب الى المؤسسة ، قومي يا نادية اختطفي ملابسك واستعيدي ارتجافك اليومية من طمس الناحية اليسرى الخالية .
هالها زحام الشارع بعرباته المحملة بجنود الشرطة والامن المركزي والحراسات فى عربات صغيرة وبوكسات وضباط كبار ينتشرون بملابسهم البيضاء، يزعقون فى الناس بغضب ، ويجأرون فى اجهزة لاسلكي يقبضون عليها، تذكرت انهم يفعلون هذا كل صباح منذ زمن بدا لها بعيدا حتى بات الامر مضجرا فالازدحام يشتد والعربات تكاد تتصادم وهى تطلق نفيرها المجنون الغليظ .
تصل لاهثة الى المؤسسة تشرب شايها الثاني ثم تشعل سيجارتها قبل ان تفتح اوراقها ويتبادل الولد والبنتان الذين معها فى الحجرة حديثا عن فيلم "جوما" الذي عرضه التليفزيون فى الليلة الماضية .
فى البداية كان عليها ان تترجم اسعار العملات ثم بورصة الاوراق المالية لبلدان اوروبية وعربية ، وبعد ذلك تقرير طويل ركيك نشره الكونجرس الامريكي حول استراتيجية السياسة الخارجية الامريكية فى نهاية القرن وملء الفراغ الذي كان يشغله ما يسمى بالاتحاد السوفييتي
السابق .
انتهت من قهوتها الثانية ، ورفعت وجهها تكاد تبتسم للبنت المطلقة البيضاء بعيونها السوداء الواسعة المدهوشة ، كانت تحكي لهم عن حادثة "مصر الجديدة " قالت ان الشرطة اطلقت قنابل الـ "آر. بي. جي" المضادة للدبابات على شقة الولد وابيه اللواء، وسمحوا لأمه فقط ومعها الشغالة ان تقفزا وتفادوا الشقة وقال الولد ان "مصر الجديدة " لم تنم ليلة امس من صوت الرصاص ، احست نادية بحيرة ، فهي لا تقرأ الجرائد مطلقا، ولا تطيق إلا ان تمر بعينها على السطور دون ان تفهم شيئا، وخافت ان تسألهم عن السبب فى كل هذا، لكنها تبينت ان جانبي فم البنت الخمرية الجالسة عن يسارها ملوثان ببقايا القهوة الداكنة وهى تصيح قائلة ان الولد الذي تتلوه وقتلوا اباه معا، ضرب ابن احد المسؤولين امام حمام السباحة فى "الشيراتون" وقامت نادية فجأة قائلة :
"سلام يامني… سلام يا جماعة …"
طارت الى الخارج وقد تلبسها خوف مفاجىء، كان الشارع خاليا على نحو يثير الريبة في مثل هذا الوقت ، وحل عليها صداع الخوف الذي تعرفه منهكا باهظا، عبرت الشارع لتقف على الناحية المواجهة تستوقف سيارة اجرة .
بدا لها السائق شبيها بيوسف الذي تزوجته لشهور قليلة ، واكتشفت فى نهاية الامر انه يشبه كل الرجال الذين داست عليهم بقدميها دون هوادة ، والآخرون الذين القوا بها لتنتهي الى الرحيل لعدة سنوات ، وتنقلت بين قبرص واثينا وروما وكرهت باريس ، غير انها احبت " قطالونيا " ورغبت ان تعيش كل عمرها هناك وسرعان ما وصلها خبر موت امها فعادت ادراجها.
نزلت قبل الميدان ، وجعلت تتلفت هنا وهناك فى وقت الظهيرة الخالية وانتهت الى الركض من لهيب الشمس يلسعها وهى تفكر فى انها لن تنسى ان ترفع سماعة التليفون فى موعد مكالمة "ابراهيم " فى الخامسة .
وارتبك كل شىء عندما سمعت رنين التليفون وهى واقفة على باب الشقة تبحث عن المفتاح فى حقيبتها، كان الرنين قويا والفاصل بين الرنين والذي يتلوه قاسيا يخدش اذنيها لم يعد التليفون يرن إلا فى الخامسة موعد ابراهيم ، وفيما عدا ذلك ، كان اي تليفون يحمل لها املا غامضا لايتحقق واخيرا وجدت سلسلة المفاتيح بين اصابع يدها اليمنى، بينما هي تبحث داخل الحقيبة بيدها اليسرى.
لما وصلت الى منتصف الصالة ، كان الرنين قد انقطع ، تمنت فى هذه اللحظة ان ترمى بنفسها فى الفراش كما هي وتنام لساعات وساعات حتى تذهب الى المؤسسة فى اليوم التالي، انحرفت الى المطبخ وفتحت الثلاجة ثم اخرجت زجاجة ماء وجلست بها فى الركن تتطلع الى النافذة ، لكنها كانت مغلقة ولا يبدو شىء من خلف الزجاج المترب ، فراحت تحدق فى المنضدة الخالية الصغيرة وحولها المقاعد الثلاثة مقعد كانت تجلس عليه امها قبل ان ترحل، والاخر كانت تجلس هي عليه ، بينما يظل الثالث خاليا بينهما.
عاودتها تقلصات بطنها، وانحنت تلم جسمها اليها، قبل شهر فاجأها ابراهيم يوم عيد ميلادها الاربعين ودعاها الى "المريلاند"، قامت بغتة وطلبت منه ان يركب معها سيارة اجرة وينزلها قرب بيتها ثم يكمل هو. لحظتها تمنت لو انه كان لها منذ عشرين عاما بدلا من كل هذا الذي جرى لها، وابتسمت قائلة … نعم .. ونعيش فى تبات ونبات ونخلف صبيان وبنات … وكانت قد انهت علاقتها السابقة قبل سنتين ، وخرجت من المعركة منهكة ومنتهكة تماما ليتلقفها ابراهيم وتتلقفه بعد عامين .
وحتى يوم عيد ميلادها كانت موقنة انهما سيظلان معا صديقين حتى لو احبت رجلا آخر، فابراهيم هو الوحيد الباقي لها وكل شىء عابر لكن كل شىء بدأ فى هذا اليوم ، وراح يتسرب ويقف حائلا دونها ودونه ، ثم افتعلا معا مشاجرة كالت له خلالها شتائم مقرعة ولم ترحمه حين احست برغبته فى ان يصالحها وينهى الامر.
نهضت لتفتح الثلاجة وتعيد زجاجة المياه .. وحين تبينت انها لم تمسها بعد، تجرعت رشفات قليلة ثم حدقت داخل الثلاجة وحملت بين اصابعها قطعة صغيرة من الجبن ، وبيدها الاخرى اختطفت بضع حبات من العنب وجعلت تمضغها وهى تتقدم الى الفراش ، تعودت عيناها على الظلام ، وحل عليها ذلك الكسل الثقيل وفكرت : لو استطيع فقط ان افتح احدى النوافذ كانت الرطوبة الخانقة والعرق الذي اخذ يسيل تحت ابطيها ويبللها، يدفعها دفعا نحو الحمام ، لكنها خلصت قدميها من الصندل ولمت ساقيها وتمددت فوق الفراش مفتوحة العينين .
خطوات قصيرة قطعتها حتى وصلت الى باب الشقة ، كانت الطراوة تلطمها على مهل وهى تهبط السلالم منحرفة الى الميدان ، كانت تشعر انها تخففت من ملابسها، هل استحمت ؟… لم يكن هذا الانتعاش الذي احست به يغمرها يعود فقط الى حمام اخذته ونظفت يديها بقسوة ، بل لانها كانت تمضى فى طريقها شأنها كل مساء.
هاهو الليل قد حل وملأ الارجاء، وقدماها تعرفان طريقهما نحو الشجر الليلي المتكاثف يحجب الدنيا، اما هي ، فكانت تغيب وتغيب كأنها تخطو فى الهواء ترغب فى ان تسندها ذراعان او تفتح عينيها، رائحة النيل الثقيلة وعطن الشاطىء، ثم الزفارة الخفيفة تدفعها الرياح ، كانت تعرف الشجر المتكاثف من جاذورين ونخيل واشجار سامقة لها ثمرات حمراء ضخمة تلمع فى الليل ، لكنها تنتظر السمكات بلون الفضة تلوح لها مثلما تعودت، وخافت ان تكون قد تأخرت، وهى تخترق بعيونها كل ما حولها، كانت تكاد تسمع صوت السمكات قبل ان تراها، اين السمك ؟.. هل تركته وراءها دون ان تراه .
اسرعت تجرى وتجرى وقلبها يغادرها حافية تدوس على الاحجار الصغيرة المسنونة ، دفعها الالم للصراخ والصراخ ، تستعذب بوحشية تمزق جلد قدميها وانبثاق قطرات دم تسيل وتسيل كل شىء حاضر وتستطيع ان تلمسه بيديها لاشىء خارجا عن ارادتها فى هذه اللحظة .
وهى تجري وتجري نحو الشاطىء
وهالها ما رأته وصاحت : كل هذا لي . كل هذا لي علي ان اواريه التراب واتخلص من هذه الرائحة الملتاثة لكل الفواكه الداخلة فى العطن القابض المبهم ، تلك ثمرات الموز، قالت لنفسها، غضة صفراء اسودت اطرافها ولانت مستكينة بجوار مثيلاتها هنا عناقيد عنب وهناك ثمرات بطيخ مشقوقة ونائمة تبدو حمراء ناضجة تين داكن وحبات مانجو ضخمة ساحت اطرافها، ثم بلح احمر، وآخر اصفر، وبنى، واكواز شمام تتألق صفرتها الناعمة فى الليل ، كان يمكنها ان ترى اكواما أخرى من الاناناس ، وهاهو حقل تفاح كامل مكوم وعطن فى اجولة مضى اوان انقاذها من الموت بل ان الخوخ والبرقوق والتين الشوكي كان يصطدم بقدميها الممزقتين . وهى تجأر صارخة تحاول الانفلات بمزيد من الركض .
ساعات ولعب صغيرة تلوح هنا وهناك … دببة وقطط وجياد موشكة على القفز وجنود صفار وبالونات طائرة وسفن ودراجات وطائرات وزرافات بل وأسود مفتوحة افواهها وبشر اليون تخشبوا فى وقفتهم تحت السماء بنجومها الثقيلة .
 
* من اغنية للشاعر صلاح جاهين
 
 
محمود الورداني  – مصر

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …