أخبار عاجلة

وداعاً للأدب الياباني!

ليست السطور التي تصافحها عينا القارئ هنا إلا تلويحة وداع مفعمة بالأسى والشجن المؤرق من كاتب هذه الكلمات للأدب الياباني، الذي ظل موضع حب واهتمام ومتابعة دقيقة من جانبي، على امتداد أكثر من ثلاثين عاماً. وما زلت أذكر ذلك اليوم البعيد الذي قرأت فيه مقالاً مطولاً في مطبوعة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» عن تطور الأدب الياباني الحديث، ألقى الضوء بصفة خاصة على مساهمات ثلاثة كتاب كبار، كانوا آنذاك الأكثر بروزاً ونشاطاً على الساحة الأدبية اليابانية، وهم يوكيو ميشيما، وكوبو آبي، وشو ساكو إندو. وكنت آنذاك شأن أبناء جيلي ممن يدعون لأسباب ما زلت أجهلها بالسبعينيين ذ منها شيئا يساعدها على مواجهة واقعها، الذي اختزلته هزيمة الخامس من يونيو 1967، وقد اهتممت بصفة خاصة بتجربتي التحديث اليابانيتين.
الاهتمام الكبير من جانبي بالأدب الياباني، عقب ذلك، وحصولي على دفق هائل من الأعمال الأدبية اليابانية كشف لي، على الفور، عن مجموعة مهمة من الحقائق:
1 أن الأدب الياباني يتمتع بثراء شديد، ويعكس بصدق واقتدار العالم الخلفي لتجربتي التحديث اليابانيتين، بحيث يغدو من الضروري لمتابعتهما الاطلاع على الأقل على جانب معقول من الأعمال الأدبية اليابانية.
2 أننا نحن العرب لانعرف شيئاً على الإطلاق عن الأدب الياباني، ولاحظ هنا أنني أتحدث عن المرحلة التي أعقبت هزيمة الخامس من يونيو 1967، التي دعيت مرة أخرى لأسباب ما زلت أجهلها – بــ «النكسة». وعبثاً حاولت أن أضع يدي على ما كان مترجماً إلى العربية من الأعمال الأدبية اليابانية، فلم أجد إلا مختارات متفرقة من القصص اليابانية ومقالات محدودة عن الأدب الياباني.
3 أدهشني أننا لا معرفة لنا بالتقاليد الأدبية اليابانية العريقة، التي تمتد عبر أكثر من ألف عام، والتي ترجم الكثير من روائعها إلى اللغات الأوروبية، وفي الوقت نفسه لا نكاد نعرف شيئاً عن أحدث الكتابات المقدمة في إطار الإنتاج الأدبي الياباني الغزير، الذي تتوالى أجياله سريعة على نحو يتحدى القدرة على المتابعة.
4 ما كان يمكن إلا أن أتوقف طويلاً عند الاختلاف الكبير بين دور الكاتب والأديب في المجتمع الياباني ودور نظيره في المجتمع العربي، فهو في اليابان له حضور قوي ومؤثر في الرأي العام، إنه ضمير أمته، والمتحدث باسمها، والمعبر عن اتجاهات شرائح كبيرة من الرأي العام، وهو بهذا المعنى قادر على التأثير بقوة واقتدار في الحياة العامة، أما الكاتب والأديب في عالمنا العربي فشأنه كما نعرف جميعاً. وفي الوقت الذي بدأ اهتمامي بالأدب الياباني كان الكثير من الكتاب العرب يشقون طريقهم إلى المنافي، أو إلى المعتقلات، أو إلى صمت هو إلى الموت أقرب، أو يهدرون وقتهم بحثاً عن خبز الصغار.
أيا كان الأمر، فإن هذه البداية المبكرة للاهتمام من جانبي بالأدب الياباني قد اصطدمت بالصعوبة البالغة آنذاك في الحصول على الكتب من خارج مصر، فتلك كانت أيام حظر تحويلات العملة الصعبة، ولو كان ذلك في أضيق الحدود، هكذا لم يكن أمامي وأمام غيري من مجال للحصول على الكتب الأجنبية، ومن بينها الأعمال اليابانية المترجمة إلى اللغة الانجليزية، إلا عبر قنوات جد محدودة، أولها مجموعة المكتبات القليلة التي تؤدي هذه المهمة، ومنها مكتبة الأنجلو العتيدة في وسط القاهرة، وكذلك توصية المسافرين إلى الخارج للدراسة وغيرها بحمل الكتب لدى عودتهم، وأخيراً ما أصبح يعرف في وقت لاحق بالرصيد الأجنبي، وهو القسم المختص باستيراد الكتب في الهيئة المصرية العامة للكتاب.
وأنا لست أدري ما فعل الله بعد ذلك بهذا القسم العتيد، ولكنني أريد أن أعترف أن جانباً من أهم الكتب التي وضعت يدي عليها على امتداد عمري جاءت عبر هذا القسم، الذي كان بعض القائمين عليه من عمق الثقافة ورحابة الأفق بحيث لم يترددوا في الاستجابة لمطالبنا باستيراد كتب محددة، حتى وإن نظرواً إلينا في البداية بانزعاج وتشكك، وكأننا كائنات قادمة من المريخ. وما زلت أتذكر نظرة الفزع التي رمقني بها أحد مسؤولي القسم عندما طلبت منه استيراد مجلد أعمال فرانز كافكا القصصية الكاملة في طبعة شوكين الشهيرة وكتاب «فرانز كافكا: مختارات من النقد الماركسي». وعلى الرغم من الجدل الذي ثار بيننا إلى حد وشك أن يشارف على الشجار، إلا أن الاحتكام إلى رئيس القسم أسفر في نهاية المطاف عن حصولي على الكتابين، ولكن بعد شهور طويلة من الانتظار. ولقد تعددت الأمثلة المناظرة بالنسبة للأدب الياباني الذي كان آنذاك مجهولاً أو شبه مجهول.
لم يكن هذا وحده هو الجانب الأكثر سوءاً في تجربة الاهتمام بالأدب الياباني، وإنما كان الجانب الأكثر تعاسة في هذه التجربة، ربما حتى كتابة هذه السطور، هو وضعية النشر في عالمنا العربي. وقد ألقت هذه التعاسة بظلالها على تجربتي منذ البداية المبكرة ذاتها، فعلى الرغم من أن صداقة مبكرة ربطتني، منذ صدر العمر، بعدد من أكبر ناشري العالم العربي وأكثرهم تميزاً واقتدارا، إلا أن الرياح كثيراً ما تأتي بما لا تشتهي السفن. وما أكثر الرياح في عالمنا العربي وما أسوأ حظ السفن!
دعني أتذكر تجربة مبكرة كان يمكن أن تدفن جهودي لترجمة الأدب الياباني إلى اللغة العربية في مهدها، ففي أوائل الثمانينيات بعثت بترجمتي لثلاثة مجلدات من عيون روائع الأدب الياباني الحديث إلى إحدى أكبر دور النشر العربية، والتي سبق لها أن أصدرت أعمالاً مترجمة لي، ولما طال انتظاري لنشرها، انتهزت فرصة وجود مدير الدار في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وسألته عما فعلت الأيام بالمجلدات الثلاثة العتيدة، فبادر الرجل، بمزيد من الحرج، بالاعتذار لأن المخطوطات الثلاث قد فقدت، في إطار الظروف الصعبة التي كانت سائدة في بيروت آنذاك. وما كان يمكن إلا أن أتفهم الموقف، وإن أحزنني كثيراً.
كان يمكن أن ينتهي كل شيء عند هذا الحد، وأن يدفعني الاحباط إلى التوقف عن ترجمة المزيد من الأعمال الأدبية اليابانية، لولا أنني كنت أحتفظ بالمخطوطات الأصلية المكتوبة بخط يدي، وعنها نسخت بالآلة الكاتبة النسخة الثانية التي قدر لها أن تشق طريقها إلى النشر من المجلدات الثلاثة.
تلك كانت البداية، والذين تابعوا بحب تعاطف ما قدمته للمكتبة العربية من الأعمال الأدبية اليابانية يعرفون أنني قدمت لها ترجمة عشرة آلاف صفحة من الأدب الياباني، أو من الدراسات التي تدور حوله، بالإضافة إلى ترجمة مسرحيتين شهيرتين، فضلاً عن كتابة مئات المقالات عن شتى جوانب الحضارة اليابانية، بالإضافة إلى تأليف سلسلة «مخرجون يابانيون» التي تدور حول أبرز مخرجي السينما اليابانية، والتي صدر منها كتابان حتى الآن، وأعلق آمالاً كباراً على صدور باقي كتب السلسلة تباعاً.
لست أريد أن أطيل على القارئ، ولكن لأغراض التوثيق وللقراء الذين ربما يهمهم هذا البعد ومتابعته لأغراض بحثية، فإنني سأسمح لنفسي بأن أورد هنا قائمة بالأعمال الأدبية اليابانية التي قدمتها للمكتبة العربية مترجمة عن الانجليزية وهي كالتالي، حسب سنة الصدور، مع اعتذاري مسبقاً عن عدم التحديد على وجه الدقة بالنسبة للأعمال التي لا تتوافر لديَّ نسخ منها لحظة كتابة هذه السطور:
1 ذ آبي امرأة في الرمال دار الآداب بيروت 1987.
2 كينزابور أوي علمنا أن نتجاوز جنوننا! دار الآداب بيروت 1988.
3 ذ ذ ذ ذ ذ 1988.
4ذ إندو البحر والسم دار التنوير بيروت (؟).
– الطبعة الثانية دار شرقيات القاهرة 1997.
– الطبعة الثالثة المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ذ 2005.
5 ذ ذ ذ ذ 1989.
5ذ ذ ذ ذ (؟)
6 يوكيو ميشيما اعترافات قناع دار الهلال القاهرة (؟).
– الطبعة الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2004.
7 شوساكو إندو الصمت دار الهلال القاهرة (؟).
– الطبعة الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2006.
8 يوكيو ميشيما ثلج الربيع (الجزء الأول عن رباعية «بحر الخصب») دار الآداب بيروت 1990.
9ذ ذ ذ ذ 1991.
– ذ ذ ذ 1999.
– ذ ذ ذ 2006.
10ذ ذ الهاربة (الجزء الثاني من رباعية «بحر الخصب» دار الآداب بيروت ذ 1991.
11ذ ذ ( «بحر الخصب») – دار الآداب بيروت 1993.
12 يوكيو ميشيما – سقوط الملاك (الجزء الرابع والأخير من رباعية «بحر الخصب») دار الآداب ذ ذ 1995.
13- ذ ذ شرقيات القاهرة 1999.
الطبعة الثانية المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ذ 2003.
14ذ ذ ذ ذ 2001.
15ذ ذ إلى عصا: ثلاث مسرحيات من اليابان دائرة الثقافة والإعلام الشارقة ذ 2003.
16ذ ذ ذ ذ ذ 2004.
17ذ ذ ذ ذ ذ 2005.
18ذ ذ أخرى دائرة الثقافة والإعلام الشارقة 2005.
19 إينازو نيتوبي البوشيدو: روح اليابان هيئة أبوظبي للثقافة والتراث: المجمع الثقافي أبوظبي 2006.
20ذ ذ ذ : الثقافي أبوظبي 2012.
كما سبقت الإشارة، فإنه إلى جوار هذه الأعمال العشرين، فقد تعددت المقالات التي كتبناها حول جوانب شتى في الثقافة اليابانية، شملت إلى جوار الأدب الياباني إضاءات للمسرح والسينما والموسيقى والفنون التقليدية في اليابان.
وقمنا أيضاً، في إطار اهتمامنا منذ سنوات الدراسة الجامعية بالسينما اليابانية، بتأليف سلسلة كتب «مخرجون يابانيون» التي صدر منها: مايلي:
أولاً: الطريق الطويل إلى عالم أكيرا كيروساوا سلسلة «كراسات السينما» المواكبة لمسابقة أفلام من الإمارات المجمع الثقافي أبوظبي 2005.
– الطبعة الثانية دار شرقيات القاهرة ذ 2006.
ثانياً ياسوجيرو أوزو.. الطريق إلى اللانهاية سلسلة كراسات السينما» المواكبة لمسابقة أفلام الإمارات المجمع الثقافي – أبوظبي 2007.
– الطبعة الثانية ذ ذ 2009.
وإذا ألقينا نظرة مدققة على هذه القائمة، فإن مجموعة من الملاحظات ستفرض نفسها، بشكل تلقائي وفوري علينا، نجدها جديرة بالتوقف عندها بالتأمل أو التساؤل في آن معاً:
1- خلافاً لما نتوقع، فإن هذه القائمة تخلو من الأعمال التي يمكننا أن نصفها بالأمهات، بالنسبة للأدب الياباني، ومن ثم قد يمكننا القول إن ترجمتنا لرائعة الأدب الياباني الأشهر «حكاية جينجي» هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. وعلى الرغم من قيامنا بمراجعة عمل ساي شوناجون الرائع «كتاب الوسادة»، إلا أنه لم ينشر حتى الآن، ولهذا لم ندرجه في القائمة.
2- إن القائمة لا تتصدى للتعريف بأحدث الأسماء التي برزت على الساحة اليابانية أخيراً، وإنما هي تتوقف عندما يمكن وصفه بـ «الأسماء الكبيرة»، حيث تجرى ترجمة أعمال مختلفة لأدباء مشهورين سبق بالفعل التعريف بهم من قبل، وهذا عيب جسيم في اختيارات القائمة، يضاف إلى العيب الأول، الذي نراه أكثر خطورة ولا نملك أن ننكره.
3- القائمة تتألف كلية تقريباً من أعمال إبداعية، وذلك باستثناء كتاب «البوشيدو: روح اليابان»، وكتاب «سيرة فوكوزاوا يوكيتشي ومقدمة أعماله الكاملة». وعلى الرغم من الأهمية الاستثنائية لهذين الكتابين، إلا أن القائمة تظل خالية من أي محاولة معمقة للتعريف بتطور الأدب الياباني، وهذا عيب خطير فيها، كان لابد من تداركه منذ البداية، خاصة مع تعدد الأعمال التي تتصدى للتأصيل للأدب الياباني، سواء تلك التي كتبها مؤلفون يابانيون أو مؤلفون غربيون اشتهروا بهذا النوع من الكتابات على وجه التحديد، وفي مقدمتهم الباحث الأمريكي دونالد كين.
4- جميع الكتب الداخلة في القائمة تتضمن مقدمات طويلة بقلم المترجم تتصدى للتعريف بالمؤلف وبالعمل الماثل بين دفتي كل كتاب، وتلك ميزة حقيقية تتسم بها كتب القائمة.
5- على الرغم من أن القائمة تضم كتابين تصديا لتقديم أعمال من المسرح الياباني، إلا أننا نلاحظ أن هذه الإطلالة المحدودة تقتصر على المسرح الياباني الحديث، بينما يظل المسرح الياباني التقليدي بأشكاله العديدة في دائرة الاستبعاد، وهو أمر يظل، في النهاية، غير مفهوم وغير مبرر ولا مقبول.
6- يبدو مؤسفاً حقاً أن معظم الكتب الواردة في قائمة العشرين هذه ظلت مقتصرة على طبعة واحدة، في معظم الحالات، وعلى الرغم من أنني أتحمل جانباً من المسؤولية عن هذا الوضع، نتيجة لإصراري الذي دام طوال عمري المهني تقريباً على أن تصدر ترجماتي عن دور نشر كبرى، أو على الأقل عن دور نشر أثق في مهنية القائمين على إدارتها كل الثقة، إلا أن جانباً أكبر من المسؤولية يقع على الناشرين العرب، الذين يؤثرون عدم إصدار كتب سبق نشرها، حتى لو كانت قد لقيت في طبعتها الأولى رواجاً كبيراً بين القراء.
7- ربما يلاحظ القارئ أنني في السنوات من 2006 إلى 2012 لم يصدر لي أي عمل من أعمال الأدب الياباني، ومن الواضع أن ذلك يرجع من ناحية إلى أنني أمضيت وقتاً طويلاً في ترجمة «حكاية جينجي» بحكم كونه عملاً هائلاً، يقع في ألفي صفحة من القطع الكبير، كما امتدت عملية نشره طويلاً بحكم حرص الناشر على صدور هذا العمل في الشكل الرفيع والراقي الذي يتفق مع أهميته الاستثنائية، ويرجع من ناحية أخرى إلى انشغالي بتأليف عملين مهمين، كنت قد عاهدت نفسي منذ سنوات طويلة على تأليفهما، إعراباً عن امتناني لدولة الإمارات العربية المتحدة وأبنائها الكرام الذين أمضيت بين ظهرانيهم ثلاثين عاماً، كنت خلالها دائماً موضع تكريم واحتفاء أعتز بهما أشد الاعتزاز، وذلك قبل أن أرحل عن الإمارات، أو قبل أن أرحل عن دنيا الناس الفانين. وهذان الكتابان اللذان صدرا بالفعل هما «مستقبل الثقافة في الإمارات» الصادر في 2010، و«موسوعة مساجد الإمارات» الصادرة قبل أيام من كتابة هذه السطور.
8- تخلو القائمة من أي عمل شعري، وهذا طبيعي ومنطقي وعقلي، ذلك أن تجربتي في ترجمة الشعر لا يمكن إلا أن توصف بأنها مريرة، ففي صدر العمر قمت بترجمة ديوانين، هما «إيسلانيجرا» و«الفالس الأخير في سانتياجو»، ولم أشعر بالرضا تماماً عن النتيجة النهائية، كما وجدت صعوبة بالغة في إعادة طبع الديوانين كليهما، وهكذا فإنني على الرغم من قيامي بترجمة النص الكامل لديوان «قصائد هايكو مختارة» من شعر ماتسو باشو، إلا أنني لم أنشرها قط، سواء منجمة أو في صورة مجلد متكامل، وأبقيتها مخطوطة ضمن أوراقي عامداً، لأن الترجمة كانت في المقام الأول مهداة إلى ابنتي الكبرى، مها، ومن يدري، فربما تقوم بنشرها بعد رحيلي عن دنيا الناس الفانين، إذا أردت أن تشارك الناس هديتها تلك، أو تحجبها عن النشر باعتبارها هدية شخصية تعنيها وحدها، وهو ما قصدته بالترجمة في المقام الأول.
هنا من حق القارئ أن يتساءل: إذا كانت قائمة العشرين هذه تعكس كل المقومات الداعية إلى إضافة المزيد لها، فلماذا تلويحة الوداع هذه للأدب الياباني من جانب كاتب هذه السطور؟ لماذا الآن وقد تكاملت لهذا الكاتب من عناصر الخبرة والتجربة ما يمكنه من تقديم الأفضل والأكثر نضجاً من الترجمات؟
الأسباب عديدة، ولكن من البديهي أن الأمر يتعلق في المقام الأول بصدور الترجمة العربية للنص الكامل لـ «حكاية جينجي» أخيراً، ففي اعتقادي أن تلك ذروة لا مجال معها للسعي نحو قمة أعلى، أو إن شئت فقل إنها الذروة التي لا مجال بعدها للسعي نحو المزيد.
إن شئت المزيد من الإيضاح، فدعني أبادر إلى القول إن «حكاية جينجي» عمل جليل القدر، عظيم الأهمية، هائل الامتداد. ومن المحقق أن إطلاله على القارئ العربي في نصه الكامل في بداية الألفية الثالثة، وهو الذي رأى النور لأول مرة في مستهل القرن الحادي عشر الميلادي، يوضح بجلاء جانباً من أبعاد الوضعية المحزنة للعلاقات الثقافية العربية اليابانية، بل ومجمل علاقتنا نحن العرب بالثقافات الآسيوية، التي لا يتردد بعض الباحثين في الذهاب إلى القول إنها لا وجود لها أصلاً، وإنها بحاجة إلى الإرساء، قبل الحديث عن التوثيق والتكريس، ولكن في حالة «حكاية جينجي» يظل صحيحاً أنه خير أن تصلنا متأخرة عن أن لا تصلنا أبداً.
هنا يبرز سؤال مهم: لماذا تعد «حكاية جينجي» عملاً مهماً بالنسبة لنا نحن العرب، في هذا المنعطف من استمرارية علاقتنا باليابان والجهود المبذولة لمد الجسور الثقافية بيننا وبين مجمل ثقافات آسيا؟
قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن أبعاد أهمية «حكاية جينجي» بالنسبة لنا نحن العرب تكاد تكون بلا نهاية تقريباً. غير أنني سأكتفي هنا بإلقاء الضوء على أربعة أبعاد فحسب، للأهمية الفائقة لـ «حكاية جينجي» بالنسبة لنا نحن العرب، والتي من شأنها أن تدفعنا إلى المزيد من الاهتمام بالأعمال المماثلة من كنوز الآداب الشرقية، التي ظلت حتى الآن من دون الحد الأدنى من التعريف بها وإلقاء الضوء عليها، دع جانباً المبادرة إلى ترجمتها.
هذه الأبعاد الأربعة هي في اعتقادي، وبأكبر قدر من الإيجاز، كما يلي:
أولاً: «حكاية جينجي» هي الرواية الأولى بالمعنى الصحيح في الأدب العالمي:
هذا العمل، الذي يقع فيما يزيد على ثلاثة أرباع مليون كلمة، مدرجة في أربعة وخمسين فصلاً، يتميز بصفة جوهرية بحبكة بسيطة، تدور حول حياة البطل جينجي وغرامياته، ومن ثم كاورو الذي يعتقد بأنه ابنه من بعده، هو بحسب إجماع حشد هائل من الباحثين والكتاب والشراح والنقاد أول رواية بالمعنى الصحيح في أي أدب من آداب العالم.
بينما يميل تيار قوي من المنظرين والنقاد والباحثين إلى القول إن علينا أن ننتظر حتى القرن التاسع عشر، وأن نرحل إلى المعاقل الحضرية الأوروبية، لكي نلتقي بالرواية، فإن هناك تياراً لا يقل قوة عن سابقه يذهب إلى القول إننا على امتداد صفحات «حكاية جينجي» نلتقي مع الرواية الأولى بالمعنى الصحيح.
لكن لماذا يجمع المنخرطون في هذا التيار على وصف «حكاية جينجي» بأنها الرواية الأولى في العالم؟
الأسباب عديدة، ولسنا في معرض تحليلها بصورة مفصلة هنا، إنما سنكتفي بالإشارة السريعة إليها:
(أ) رأينا حالاً هذا الاهتمام الفائق بحبكة الرواية البسيطة بصفة جوهرية، وأيضاً التي تتمتع بالثراء الشديد في التفاصيل، التي ترد في غمار انطلاق أحداثها وتعاقب هذه الأحداث، وهكذا فإننا على موعد مع الوصف الممتع والمعقد والمعمق في آن معاً للحياة اليومية ولتشابك العلاقات وللغوص المعمق في أغوار الشخصيات.
(ب) يلفت الباحث الياباني الاختصاصي سين أونو نظرنا إلى اللغة الواضحة التي كُتبت بها «حكاية جينجي» ويذهب إلى القول إنه ما من عمل أدبي واحد كُتب في العصر الهاييني (794-1185) بهذه اللغة الدقيقة والواضحة التي كُتبت بها «حكاية جينجي»، وهذه اللغة تتحول إلى نور هاد وكشاف تسلطه المؤلفة موراساكي شيكيبو، في مواجهة مفاهيم مركبة ومعقدة في ذلك العصر، من نوعية الزواج والاستحواذ الروحي والعلاقة بين الجوانب الروحية والتقاليد البوذية والأعراف الشنتوية.
(ج) البراعة الفائقة في رسم الشخصيات، ولعل هذا البعد هو أقوى الحجج التي يستعين بها المتحمسون لوصف «حكاية جينجي» بأنها الرواية الأولى في العالم بامتياز، فالشخصيات التي تحشدها المؤلفة تقدر بالمئات، وعلى الرغم من أنه ليس هناك الكثير من التغلغل الصريح في مشاعر الشخصيات وحالاتها الذهنية، إلا أنها في نهاية المطاف شخصيات مرسومة ببراعة، وجرى التمييز بين كل شخصية وأخرى بإصرار وبراعة فائقين، ونلاحظ أنه لا وجود للتطرف في نسبة الشخصيات إلى الخير أو الشر، باستثناء ما نجده في الفصول الأولى من الحكاية، التي يمكن وصفها بأنها الأكثر رومانسية في العمل كله، والإيهام بالحياة والحركة يتم تحقيقه، في الغالب الأعم، من دون مبالغة ولا وصول إلى آفاق الملامح الكاريكاتيرية.
د ـ عمق التأثر واتساع نطاق الرواج، فمن الواضح أن «حكاية جينجي» قد وجهت في البداية إلى حلقة ضيقة من سيدات البلاط الهاييني، لكنها اكتسبت رواجاً وشعبية لم يقدر لهما التراجع قط، منذ ذلك الحين وحتى اليوم، وهكذا شهدنا انتشاراً محيراً لمخطوطات هذا العمل، في القرون الوسطى، ومن هذه المخطوطات أُخذت النصوص الكاملة الأولى لهذا العمل، التي قدر لها الوصول إلى أيدينا والبقاء حتى اليوم.
ولم يقتصر تأثير هذا العمل على الإبداع الأدبي اللاحق، إنما امتد إلى العديد من القوالب والأشكال الفنية، وصولاً إلى الأدب الشعبي، وتعد «حكاية جينجي» من المصادر الرئيسية لدراما النو المسرحية، كما اقتبست لأعمال لا حصر لها قدمت على خشبة مسرح الكابوكي وعبر الشاشتين الفضية والصغيرة.
ومن المدهش أن تشق «حكاية جينجي» في أكثر من محاولة إبداعية واحدة لنقلها من اليابانية القديمة إلى اليابانية الحديثة، طريقها إلى قوائم أكثر الكتب مبيعاً في اليابان.
غير أن علينا الانتباه إلى الطبيعة الصراعية للعلاقة بين هذين التيارين، والتي لم تفقد سخونتها حتى اليوم، نتيجة للاحتكاك المتواتر بين القائلين بأن «حكاية جينجي» هي الرواية الأولى في العالم ومن يصرون على نفي ذلك وإنكاره. ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد الضجة الكبرى التي أثارها الروائي الياباني كينزابورو أوى، عندما ذهب في مقابلة مع مجلة «مانوا» الدورية الأدبية المتخصصة نشرتها في عددها الصادر في صيف 1994إلى القول: «هناك من يقوولون إن (حكاية جينجي) هي أول رواية في العالم، وأعتقد أن هذا غير دقيق، قد يكون من الممكن القول إن (الكوميديا الإلهية) هي أول رواية في العالم تتسم بالعظمة والتكامل بالمعنى الحقيقي، أما القول إن (حكاية جينجي) هي أول رواية في العالم فهو خطأ، فهناك اختلاف في المفاهيم بين (حكاية جينجي) والرواية الأوروبية».
ومن المؤكد أن مما له دلالة بالغة العمق أن هذه الأسطر التي قالها أوي، في هذا الحوار لا تزال تجد من الباحثين والشراح والمنظرين والمعنيين بـ «حكاية جينجي» من يتصدى لها بالتفنيد أو التأييد حتى اليوم.
ثانياً: «حكاية جينجي» تشكل تطوراً نوعياً بلا مثيل في مسار الأدب الياباني: الحقيقة الأساسية المتعلقة بـ «حكاية جينجي» التي يتعين أخذها في الاعتبار في معرض تقويم هذا العمل هي أن مؤلفته، موراساكي شيكيبو، تعني بالنسبة لليابان ما يعنيه هوميروس لليونان، وشكسبير لانجلترا، ودانتي لايطاليا، وجوته لألمانية، وشعراء التانج للصين.
من المحقق أن هذا التقويم لم يأت من فراغ، وأنه لا يعكس مبالغة ولا تضخيماً، وسواء أقبلنا وجهة النظر القائلة إن «حكاية جينجي» بكاملها تشكل وثبة تخيلية هائلة، تم عبرها تجاوز كل ما قبلها علي نحو نوعي لا مجال لإنكاره، أو ذهبنا إلى تبني وجهة النظر المختلفة القائلة إن كل فصل أو مجموعة فصول منها تعكس قفزة تخيلية جزئية بالمقارنة مع ما سبقها، فإننا في نهاية المطاف مع «حكاية جينجي» نجد أنفسنا حيال تطور نوعي لا موضع للتشكك فيه، بحيث أن الأدب الياباني بعدها سيختلف تماماً عما كان عليه قبلها.
حتى المنعطف الذي أطلقت عنده «حكاية جينجي» في وقت ما من الربع الأول من القرن الحادي عشر الميلادي (عام 1004 بحسب اعتقاد بعض الباحثين، لكن من دون وجود دليل نصي حاسم يؤكد هذا الاعتقاد)، كان الأدب الياباني يتألف من دواوين أو مجموعات أو مختارات مكتوبة وفق نسق الكانجي المستعار من الصين.
أما النثر فقد اقتصر على الحكايات الخرافية وعدد محدود من اليوميات والأعمال المكتوبة بأسلوب المقاطع الصوتية اليابانية، المعروفة باسم الكانا، ولم يقدم أحد من قبل قط على كتابة رواية، دع جانباً رواية ذات حبكة واضحة ولا ينقصها التركيبة في آن معاً، وتحفل بمئات الشخصيات التي يتم رصدها عبر مختلف مراحل تطورها.
بهذا المعنى فإن موراساكي كان أمامها، كمصدر تستلهم منه عملها، تراث بالغ الثراء من الكتابات التاريخية الصينية ومن الشعر الغنائي الصيني والياباني، أما من ناحية القص الياباني فإنها لم يكن لديها إلا البدايات التي توصل إليها اليابانيون أنفسهم في القرن العاشر الميلادي، حيث لم يكن القص النثري مما يعجب به الصينيون كثيراً في ذلك الوقت، ولم يكن مما برعوا في إبداعه.
وعلى الرغم من أن هذه البدايات اليابانية المبكرة لم تكن تفتقر إلى الجمال ولا التألق، إلا أنه لم يكن فيها الكثير مما يدعو إلى التنبؤ بالقفزة النوعية الكبيرة التي ستحقق عبر «حكاية جينجي». هذه القفزة تبدو باهرة بكل المعايير إلى حد أن إدوارد جي سدنستكر لن يتردد في مقدمة ترجمته لـ «حكاية جينجي» إلى الانجليزية في القول إن موراساكي أنجزت عبرها محاولة، ناجحة بحسب رؤية الكثيرين، لشيء غير مألوف بالمرة، وهو إبداع أول بطل في الأدب العالمي كله، والذي يتمثل في شخصية كاورو.
من المهم أن نتوقف عند تلك الإشارة البارعة التي يتقدم بها ثيودوردي باري محرر كتاب «مصادر العرف الياباني من أقدم العصور حتى عام 1600» حيث يلفت نظرنا في صفحة 201 من الجزء الأول من هذا الكتاب الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا إلى أن موراساكي نفسها تقدم لنا إضاءة للتساؤل عما أرادت قوله في عملها، وذلك في واحد من أقدم الأمثلة على النقد الياباني، وهو الوارد في الفصل الخامس والعشرين من «الحكاية» بعنوان «الُحباحب».
هنا وعلى امتداد صفحتين من الحوار بين جينجي وتاما كازورا، سنجد ملامح من رؤية موراساكي لما يعنيه القص الإبداعي بالنسبة لها، فهي ترفض القول إن هذا القالب الإبداعي يستهدف الترفيه لا غيره، وترى فيه قناة لمتابعة المصائر، أي لتأمل الماضي ولاستشراف المستقبل، لتجنب الوقوع في شراك الخديعة، ثم إن هذا القالب رسالة إلى أجيال المستقبل حول الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم، ثم إن هذا الإبداع أداة فاعلة في ردم الهوة بين الاستنارة والعواطف، فضلاً عن انه في ذاته يتمتع بقيمته.
ثالثاً: تدين «حكاية جينجي» بوجودها لمؤلفة هي الجدة العليا لإبداع المرأة:
على الرغم من الشهرة المدوية التي تمتعت بها مؤلفة «حكاية جينجي» على امتداد القرون التي انقضت منذ أطل عملها في صورته الأولى في دوائر سيدات البلاط الهاييني، إلا أنه لا يعرف عنها إلا القليل حقاً، إلى حد أن «موسوعة اليابان» تشير إلى أنها ازدهرت عام 1000 ميلادية، فالنساء في العصر الهاييني لم يكن يسجل شيء يذكر عنهن، بما في ذلك تاريخ الميلاد والوفاة، إلا في حالة الاستثناء النادر، المتمثل في كونهن امبراطورات.
ما يهمنا في القليل المعروف عنها أنها مبدعة ثلاثة أعمال، أولها: «حكاية جينجي» أو على الأقل الغالبية العظمى من النص الموجود بين أيدينا، و«يوميات موراساكي شيكيبو» ومجموعتها الشعرية المعروفة باسم «موراساكي شيكيبو شو».
ومن المهم أن نلاحظ أن موراساكي على الرغم من أنها تجعل البطولة في «حكاية جينجي» لكي من جينجي وكاورو، إلا أنها تترك الكلمة الفصل دائماً للإناث، ومن هنا يعتبر الكثير من النقاد هذا العمل أول عمل أدبي أنثوي حقاً في تاريخ الكتابة.
هذا التقويم يضرب جذوره بقوة في حساسية موراساكي في تحليل الأحداث والشخصيات، فالمجتمع الذي تصفه هو في جوهره مجتمع نسائي بالأساس، لا يظهر فيه الرجال إلا كأطياف عابرة، والحب، ومن ثم المرأة، هو الذي يتحكم في حياتهم، وربما يحسم أقدارهم.
من هنا يأتي، على وجه الدقة، ما أخذه فريق من النقاد اليابانيين، تقليدياً، على موراساكي من أنها في روايتها تترك القرار الأخير في النهاية للإرادة الأنثوية، التي مهما أسلمت قيادها للرجل فإنها ينتهي بها الأمر، أخيراً، إلى أن تملي عليه تصرفه سلباً أو إيجاباً.
ربما لهذا، على وجه الدقة أيضاً، لا يملك المرء إلا التوقف بمزيد من الاهتمام عند كتاب الباحثة دوريس جي. بارجن بعنوان «سلاح المرأة: تلبس الروح في حكاية جينجي»، حيث لا تتردد في الذهاب إلى القول إن موراساكي في مشاهد التلبس، على امتداد الرواية، تضفي طابعاً درامياً عليه بطرق تخرب وتنسف بشكل حاذق وبارع بنية السيطرة الذكورية، وتغير بصورة مؤثرة هيكل «الجندر» (الجنس) في العصور الهايينية.
يهمنا أيضاً أن نشير إلى رفض الكثير من الباحثين لمفهوم العبقرية الجماعية في تأليف «حكاية جينجي» بكاملها أو حتى الفصول الأخيرة منها، حيث من المعتقد أن موراساكي هي التي انجزت العمل بكامله، غير أن البعض يعزو نسبة فصلين أو أكثر من الفصول الأربعة والخمسين التي تشكل الكتاب لابنتها.
أياً كان الأمر، فإن موراساكي توضع، بصفة عامة، جنباً إلى جنب مع ساي شوناجون على قمة الإبداع النثري لعصرهما، وذلك على الرغم من الحقيقة الواضحة، وهما أن كتابات ساي شوناجون أقل أصالة وجرأة بكثير من منجز موراساكي، وأكثر قرباً بكثير منها إلى العرف الرئيس الغنائي، وربما ليس من قبيل الصدفة أن موراساكي اصبحت في العصور الوسطى شخصية أسطورية، على وجه التقريب، وهكذا فإننا على سبيل المثال، في مسرحية النو الشهيرة «جينجي كايو» يكشف النقاب عنها باعتبارها تجسيداً للبوذيساتفا إيشياماديرا، وهو راع لمعبد لا يبعد كثيراً عن كيوتو، يسود الاعتقاد أنها بدأت فيه تأليف «حكاية جينجي».
يكاد الإجماع ينعقد بين النقاد والباحثين على أن قدرة موراساكي على التفوق والتميز علي كل المحاولات، التي ظهرت في أواخر العهد الهاييني وبعد ذلك، لتقليدها والنسج على منوالها ترجع إلى أن إبداعها يضرب جذوره في اهتمام استثنائي من جانبها بتعقيدات الروح البشرية وقدرتها على إبداع الإيهام بالحرية الفردية على امتداد الصفحات المكتوبة.
لقد كانت كاتبة درامية، بمعنى أنها كانت قادرة على تحقيق تأثيراتها ونقل رسائلها عبر الشخصية، وليس من خلال التشبيه والاستعارة، وهما الأداتان الأكثر بروزاً، اللتان درج التقليد الغنائي الياباني على توظيفهما أكثر من غيرهما.
من هذا المنظور فإن الباحث هارو شيرين يعبر عن رأي الكثيرين من النقاد في كتابه «جسر الأحلام: جماليات حكاية جينجي» الصادر عن دار نشر جامعة ستانفورد، عندما يذهب إلى القول إن «حكاية جينجي» نتاج تراكمي للمحاولة والتغيير، وإبداع مؤلفة تطورت مواقفها واهتماماتها وأساليبها الفنية بصورة يعتد بها في الزمن والتجربة.
يشدد شيرين على أن الخصائص التي تتسم بها «حكاية جينجي» وفي مقدمتها إبداع شخصيات ذات طابع فردي إلى حد كبير في اطار مشهد اجتماعي واقعي والطرح الحساس للفكرة والعاطفة والدراما، التي يتم الحفاظ على استمراريتها، تميز هذا العمل السردي عن الأعمال التي سبقته، وهي التي شجعت النقاد على وصفه بأنه أول رواية نفسية في العالم.
رابعاً: هذا العمل يقدم للقراء والباحثين ثروة هائلة من المعرفة الانثروبوليجية والروحية والاجتماعية لا حدود للثراء الإبداعي والجمالي الذي تقدمه «حكاية جينجي» على الصعيد الأدبي والإبداعي والجمالي، ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد أنها أول عمل نثري على هذا المستوى، وهي في الوقت نفسه تضم ما لا يقل عن 795 قصيدة، طالما شغلت بال القراء والباحثين.
غير أن «حكاية جينجي» ليست كذلك فحسب، وإنما هي أيضاً كنز معرفي، من جوانب أخرى لا حصر لها، منها ما هو اجتماعي وأنثروبولوجي وروحي وغير ذلك كثير.
دعنا نتخيل معاً أن مخطوطاً عربياً يضم ثلاثة أرباع مليون كلمة قد ظهر، بمعجزة ما، من قلب المجهول، ليحمل لنا رؤية داخلية بالغة الدقة لما كان يجري وراء الستر المنسدلة في قصور الأمراء والخلفاء وقادة الجند، في العصر العباسي الأول، على سبيل المثال.
أي قفزة معرفية هائلة هي التي ستتحقق لنا عبر مثل هذا العمل، أي دقة هائلة في تفاصيل العمل والحياة اليومية والاحتفالات والزيجات والمشاحنات سنحققها، ألا يعني مثل هذا العمل استحضاراً مذهلاً للتاريخ بالصوت والصورة واللون والتفاصيل الدقيقة إلى حد التناهي؟
هذا هو على وجه الدقة ما تقدمه لنا «حكاية جينجي» ولكن تحت سماء يابان العصر الهاييني، الذي كان عصراً مفعماً بالسلام، يعد فيه الامبراطور الشخصية الأبرز والمركز الذي يستقطب كل تفاصيل الأنشطة المراسيمية، على حين يحكم قادة قبيلة فوجيوارا القوية قبضتهم على السلطة، ويمثلون القوة التي وقفت وراء العرش على مدار خمسة قرون.
إن المجتمع الذي نطل عليه عبر «حكاية جينجي» هو مجتمع يضم مجموعة نخبوية، ربما لا تتجاوز في مجملها قرابة خمسة آلاف نسمة، وهي لا تهتم بأي شيء إلا بما تعيشه من ترف، وبالإمبراطور الذي يشكل محور عالم هذه المجموعة، التي تهتم على نحو استحواذي بالرتبة والثراء الطائل، وتعكس حساسية فائقة حيال جمال الطبيعة ومباهج الموسيقى، والشعر، والملابس البديعة، وقطع الأثاث الفاخرة.
ولا يكاد رجال البلاط الهاييني يدرون شيئاً عما يجري خارج العاصمة، وهم لا يكترثون به، ولا يسافرون إلا نادراً، ويتبنون رؤية غير حميدة لعامة الناس.
في «حكاية جينجي» سنجد كل شيء يتعلق بهذه المجموعة النخبوية المثيرة للجدل، سنجد الرومانسية، السفر، اللقاءات مع ما هو فائق للطبيعة، وبطلاً، يبلغ من الكمال حداً ينتمي معه، في نظر الكثيرين، إلى عهد أوغل في الابتعاد حتى عاد لا يسكن إلا في الخيال، هكذا تتعدد المستويات التي يمكن للقارئ العربي أن يقارب عندها هذا العمل الفريد.

غير أنه قد يكون من المهم الالتفات بشكل خاص إلى قراءة العمل على المستوى الاجتماعي والفلسفي، وهذا ليس ترفاً فكرياً، وليس حماساً للنزوع إلى التأمل، فالكثير من الجوانب التي نتلمسها على هذا المستوى لاتزال ضاربة الجذور في المجتمع الياباني اليوم، ولكن عبر تجليات أخرى.
من شأن القارىء المدقق أن يلاحظ، في الفصول التي تعقب وفاة جينجي. نزوعاً إلى التشاؤم، وكأنه يجد نفسه، في مواجهة كاورو ونيئو، مع رجلين أقل قدراً بكثير من جينجي وتونو تشوجو، وهذا النزوع يعود، في أحد أبعاده، إلى الجانب الاجتماعي المتعلق بالعلاقة بين العائلة الإمبراطورية وبين قبيلة فوجيورا، وفي البعد الآخر إلى المفهوم الفلسفي المتعلق بالزوال والعبور، وهو المفهوم الذي يضرب جذوره في صميم الوعي الياباني حتى اليوم.
هكذا فإن «حكاية جينجي» يمكن أن تُقرأ، عند أحد المستويات، باعتبارها رواية النذير من التردي النهائي، الذي ساد الاعتقاد بأنه كان سيبدأ في منتصف العصر الهاييني.
بمعنى آخر، فإن المحيط الهائل المتمثل في «حكاية جينجي» يتجلى حكاية رمزية، أو إن شئت يبين سرداً أو وصفاً لهذا التردي النهائي، هذا الانبهار الكاسح للمجتمع، عندما تترك الشابة الوديعة «أوكيفوني» وحيدة في مواجهة قدرها، فإنما تُرك القانون الأخلاقي نفسه للمجتمع الهاييني وحيداً ليذوى.
ومن المؤكد أن ترجمة النص الكامل لـ«حكاية جينجي» يُعد مؤشراً لاهتمام حقيقي بإعطاء دفعة قوية للعلاقات الثقافية العربية اليابانية. وعلى الرغم من أن حركة التثاقف هذه لا تمضي بالقوة ولا بالزخم ولا بالسرعة التي يتمناها من يتحمسون لها، إلا أن الآمال معقودة على تسارع خطاها، في المستقبل القريب. ومع الانتهاء من ترجمة عمل بهذه الضخامة، فإن الباب يُفتح أمام التطلع إلى قطع أشواط أبعد.
وإذا شئنا أن نضرب أمثلة عملية لما نقصده هنا، فإننا نشير إلى أن ترجمة أعمال أخرى مهمة، لم يكن الحديث وارداً عنها طالما أن ترجمة «الحكاية» لم تصبح عملاً منجزاً بعد.
لو أننا أردنا إيراد قائمة بمثل هذه الأعمال، لامتدت طويلاً بما يتجاوز أغراض هذا المقال، فلنكتف إذن بمثالين محددين على الأعمال التي نعتقد أن ترجمة «حكاية جينجي» فتحت المجال لترجمتها إلى العربية:
أ- كوكين واكا شو: هذه هي المجموعة الإمبراطورية الأولى في الشعر الياباني، وكما بوسع القارئ إدراكه من نظرة واحدة على هوامش «حكاية جينجي»، فإنها من عيون الشعر الياباني العريق، ومن المهم الالتفات إلى ترجمتها من الأصل الياباني، أو على الأقل التعريف بها من خلال الترجمة الإنجليزية التي أنجزتها هيلين كريج ماكلو، والصادرة عن دار نشر جامعة ستانفورد.
ب- حكاية آيسي: هذه الحكايات النثرية الغنائية العائدة إلى القرن العاشر الميلادي تعد من كنوز الأدب الياباني، وهي تنافس «كوكين واكا شو» في الإطلال من هوامش «حكاية جينجي»، ومن المفيد حقاً ترجمتها عن الأصل الياباني، أو التعريف بها عبر طبعة جامعة ستانفورد، التي أنجزت ترجمتها هيلين كريج ماكو أيضاً.
ومن المهم أن نشير إلى أننا قد أنجزنا ترجمة «حكاية جينجي» نقلاً عن طبعة فايكنج الصادرة عام 2001، التي نقلها عن اليابانية بروفسور رويال تايلر، مع المراجعة المستمرة، على امتداد النص، لترجمة إدوارد سدنستكر الصادرة عن دار بنجوين عام 1981، وكذلك مراجعة ترجمة آرثر ويلي المبكرة، وذلك من خلال طبعة دار دوفر الصادر عام 2000، كما حرصنا على ترجمة الهوامش والملاحق الكاملة التي أنجزها تايلر، لقيمتها الكبيرة في إضاءة بعض جوانب غموض هذا النص الفريد.
هنا قد يبادر القارئ إلى طرح سؤال أحسبه لا يفتقر إلى الأهمية، وقد طرحه على بعض الأصدقاء والزملاء، الذين اطلعوا على مخطوطة هذه المقالة قبل نشرها: هل صدور ترجمتنا للنص الكامل لـ«حكاية جينجي» هو السبب الوحيد وراء تلويحة الوداع هذه التي بادرنا بها للأدب الياباني؟
في معرض الرد على هذا السؤال بادرنا، وها نحن نبادر هنا، إلى القول إن الذروة الرفيعة التي لا سبيل إلى تجاوزها، على الأقل بالنسبة لي، التي تشكلها ترجمة «حكاية جينجي» ليست إلا السبب الأول ضمن خمسة أسباب تكمن وراء وداعنا للأدب الياباني.
وإذا كنا قد فصلنا القول في هذا السبب الأول، فدعنا نتطرق، بإيجاز بالغ، إلى الأسباب الأربعة الأخرى، على النحو التالي:
2- لقد تابعنا، يحب وتعاطف، الجهود التي رأت النور خلال السنوات الماضية لترجمة بعض روائع الأدب الياباني عن اليابانية مباشرة، وعلى الرغم من أن هذه الجهود ما تزال في بدايتها، ولم تأخذ مداها الكامل، إلا أننا نرى أن من الطبيعي والمنطقي أن تكون هي الأصل، وغيرها الفرع، بل إن تحجب غيرها، أو هذا هو على الأقل ما يجب أن يكون.
وإذا كنت قد ساهمت، وساهم كثيرون غيري معي، في التعريف بالأدب الياباني، من خلال لغات وسيطة، هي بصورة أساسية الإنجليزية والفرنسية، فإنني آمل أن تتصدى الترجمة عن اليابانية إلى العربية مباشرة لتحقيق الهدفين العتيدين، اللذين لا يزالان بعيدي المطال، وهما التعريف بأحدث إنجازات الأدب الياباني من ناحية وتقديم كتب الأمهات والأصول اليابانية العريقة التي لا يزال الكثير منها بعيداً عن أيدينا.
3- في اعتقادي أن حركة النشر العربية، في وضعيتها الراهنة، ليست كفيلة بدفع الكتاب والمترجمين إلى توديع الأدب الياباني وحده، وإنما إلى توديع أي جهد فكري أصيل من أي نوع، وهذه القاعدة لا تنصرف إلى الناشرين في القطاع الخاص وحدهم، الذين من الطبيعي أنهم يستهدفون الربح في المقام الأول، شأن أي مشروع خاص، وإنما نراها تمتد إلى مؤسسات النشر الحكومية أيضاً، أو التي يرعاها القطاع العام.
شأن الكثيرين من أبناء جيلي من السبعينيين،لم يستطع مرور الأيام الجهمة أن يجردني من الحس بالفكاهة، ولكنني في أحيان كثيرة لم أستطع أن أحدد هل بالضحك أم بالحزن ينبغي أن تقابل بعض المواقف من جانب الناشرين العرب وما زلت أتذكر في هذا الصدد أن المسؤول عن النشر في سلسلة عربية شهيرة للترجمات بادر، رداً على اقتراح لي بترجمة «حكاية هايكي» التي تقدم صورة أدبية عريقة لصعود قبيلة تايرا الحربية اليابانية القوية وسقوطها، بالاعتذار عن عدم نشر ترجمتي لهذا العمل، وهو اعتذار كان يمكن أن أتقبله بروح رياضية، شأن العديد من الاعتذارات المماثلة، لولا أن المسؤول برر اعتذاره بآخر سبب يمكن تصوره، وهو أن هذا العمل طويل وممتد إلى حد مبالغ فيه، حيث يقع في 489 صفحة من القطع المتوسط.
إذن فقد جاء الزمن الذي يقبل فيه عمل ما للنشر أو يرفض بناء على طوله أو قصره، وليس بناء على قيمته وأهميته وجدارته بأن ينقل للقارئ العربي!
أنا لا أعرف هل يثير مثل هذا الرد الضحك أم البكاء، وكل ما أعرفه أن «حكاية هايكي» لن ترى النور مترجمة إلى اللغة العربية قبل سنوات طويلة، وقد لا تراه أبداً، على الأقل ليس في حياتي.
4- على الرغم من أن التعريف بالأدب الياباني كان اهتماماً أصيلاً، بالنسبة لي، على مدار الثلاثين عاماً الماضية، وهو الأمر الذي انعكس بوضوح في قائمة الأعمال التي صدرت بها هذا المقال، إلا أنه لم يكن الاهتمام الأول ولا الأكثر أصالة وجذرية، فقد كان اهتمامي، منذ أول كتاب قدمته للقارئ العربي في أواخر السبعينيات، هو المساهمة في تأصيل عدد من المفاهيم التي اعتقدت أنها تخدم الفكر العربي، وتقدم أدوات عمل مفيدة للباحثين، وهو ما حدث بالنسبة لمفاهيم وأفكار في مقدمتها الاغتراب، الموت، الشجاعة، التراجيديا والحرب.
وكما تعود القطرة إلى بحرها، فإنني أعتقد أنني لا بد لي من العودة إلى جهودي التي قدمتها لتأصيل مثل هذه المفاهيم، خاصة في مرحلة نشهد خلطاً واضطراباً وضبابية وغموضاً لم يعرف تطور الفكر العربي الحديث مثيلاً لاحتدامها، وما أحوجنا إلى نقطة نور في نهاية النفق، في زمن معتم ومظلم، لم يعد المرء لشدة ظلمته يتبين فيه كفه.
5- السبب الخامس والأخير لا ينفصل كثيراً عن السبب الرابع لتلويحة الوداع هذه للأدب الياباني، فكما يعرف الكثير من الأصدقاء والزملاء مرت عليَّ سنوات طويلة لم أنقطع خلالها عن الاشتغال على مشروع بالغ الطموح، هو إعداد أول معجم من نوعه في اللغة العربية، وهو «معجم مصطلحات الموت».
منذ البداية كان واضحاً لي أنه ليس من قبيل الصدفة، على الإطلاق، أن اللغة العربية لم تعرف معجماً من هذا النوع على امتداد تاريخها قط، ذلك أن أي محاولة لتصنيف مثل هذا العمل لا بد لها من أن تصطدم بمشكلة المنهج، وهذه بدورها تقود إلى معضلة حقيقية، وهي طبيعة المنظور الذي يتم من خلاله رصد المصطلحات المتعلقة بالموت، والتي سيضمها المعجم.
مثل هذه المشكلات أكثر خطورة مما يبدو على السطح، وفي اعتقادي أن عدم حسمها، على مر القرون، هو الذي أدى إلى عدم ظهور معجم من هذا النوع في اللغة العربية، واستمرار عدم الحسم هذا من شأنه أن يجعل من محاولة تصنيف مثل هذا المعجم جهداً مروعاً للإمساك بغابة من الأوراق، في مواجهة رياح غياب النمط الخط لمثل هذا العمل الصرحي الهائل.
دعني أضرب مثالاً محدداً على ما أقصده هنا، فعدم حسم مشكلة المنهج والمنظور الذي يتم من خلال رصد مصطلحات الموت يمكن أن يؤدي من بين أمور كثيرة إلى رصد المصطلحات الأنثروبولوجية المتعلقة بالموت في جميع ثقافات العالم، وهو ما يعني ببساطة موت المشروع وهو لا يزال فكرة، لأن المعجم في ضوء تصور كهذا ليس إلا مهمة مستحيلة.
كان الحل، منذ البداية ذاتها، هو قصر مصطلحات المعجم على الرؤية الفلسفية للموت من منظور فلاسفة الشرق والغرب، في أبرز جهودهم وأكثرها عمقاً وتأثيراً في فهم البشرية للموت وتعايشها معه.
لكن ذلك ما كان ليعني إنقاذي من غابة الأوراق التي أشرت إليها، فعلى مدار السنين تجمعت مصطلحات هائلة، من دون أن يقدر لها الاكتمال أو البلورة بالشكل الذي أردته، والذي يجعل من المعجم عملاً يقع في حدود معقولة، يمكن أن يقنع ناشراً ما، لا يزال في رحاب المجهول حتى الآن، بنشره، ولو في عدة مجلدات.
وهكذا فإن تلويحة الوداع من جانبي للأدب الياباني، وهي تلويحة لا أملك إلا أن أجدد القول بأنها مفعمة بالأسى والشجن المؤرق بالنسبة لي، قد تكون بداية لعطاء يجمع بين الأصالة والعمق، أقدمه للمكتبة العربية في السنوات المقبلة، أو هكذا آمل.
1

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …