أخبار عاجلة

وطــن المستقبـــل

الوطن الحلم

«بالكلمات التي
نستطيع
نستطيع أن نكون
بالقدرة والرغبة
الأمكنة والمسافات
بيد المعرفة
ولنقول تحيا..
الحياة بنا»
الحراك ضرورة كما التجديد، ولولا صمامات القلب العتيدة لانفجرت الدماء في الشرايين والأوردة. بالدماء ينبض القلب وتسري الحركة في الجسد، هنا – تنتعش الروح، تخفق بالأمل بأن الحياة، حياتنا، نستاهل أن نعيشها كما نريد ونرغب، ليس بالكيفية المطلقة، ولكن بالممكن الجميل، الخاص والمشترك. الحياة التي تجعلنا في مواجهة صعابها، صعوباتها، ومصاعبها،
الحياة التي تدفعنا لنعمل من أجل غدٍ أفضل لنا ولغيرنا، الحياة التي ندافع عنها حياة أن نكون ويكونون، أن نعيش ويعيشون؟
الحياة التي نذهب إليها، تلك الحياة التي في كنفها نحيا ونعيش بكرامة وعزة وشموخ وهي ليست بالمطلب الأسطوري.
الحياة التي يجب أن تعاش حياة شراكة أخذ وعطاء، حقوق وواجبات، ومسؤوليات تقع على الجميع يتقاسمها ويتحملها الجميع، ويسأل عنها الجميع كما الوطن للجميع.
ليس الوطن أرضا أسفل سماء زرقاء (أحيانا.. رمادية) الوطن قبل كل شيء روح.. أينما يكون نكون، وكما الأديان فوق الأمكنة، عابرة وأزلية.
الكرامة تلك الكيمياء العجيبة التي تفرق الانسان عن بقية الكائنات، هي فوق كل شيء.
إذن – الحريات المدنية، وأفق تقبل الآخر والكثير الكثير من هذا القول، هو انعكاس أولي وأساسي للكرامة. مصداقاً لقوله عز وجل (ولقد كرمنا بني آدم..) أولويات الحياة تبدأ بأن يكون الانسان مُكرّما ففي هذا الموقف الانساني المبدئي يخلق الانسان وجوده بوجود عدالة، يتلمس ويعيش بعض حقائقها من روح الدين والأخلاق (إن كانت..).
وإذا وجد ما استطاع منها (العدالة) فعليه أن يجتهد ليجعلها عدالة رحمة ومساواة كما أرادها رب السماوات والأرض، وكما أوصانا وحدثنا عنها الأنبياء والرسل.
وبما أن العدالة طريقها صعب، ومنالها شائك وأصعب، فقد رُضي بها روحياً بمعوض عما يمكن أن تكون تجسيداً لحقائق على الأرض، وهنا، تلاعبت الكلمات بالمفاهيم.
لكن الحياة دون كرامة وعدالة في مستوياتها المختلفة هي حياة دون معنى ولا تستحق أن تعاش.
هي – هنا- أشبه بوجود أسد في قفص في بيت فاخر يتسلى به مالكه.
مع أن الأديان جميعها جعلتها من أساسيات حياة البشر على الأرض، للأسف لم تروع الانسان عن ارتكاب حماقات في تغييب الكرامة والعدالة، بل، سوغت بعض القوى مبررات للحكم والدولة بالقول بأن وجود الفرد كوجود مهما كانت وضاعة هذا الوجود ودناءته هو عدالة وكرم منها – وهذا للأسف- أيضا هو السائد.
ظل الإنسان يعيش التخبطات والتظلمات والظلمات بحثاً عن مخرج لحياة كريمة في متاهة الحياة التي لا نهاية لها.
لا شمعة تنير، ولا من كوة تبتسم لضوء شمس مشرقة، حتى جاء القرن السادس عشر الميلادي بحراك مبدئي وبأن الشمعة الخافتة في ذلك النفق المظلم بدأت تنير مهما كانت تلك الإنارة، وبأن الفكر الانساني بدأ يولد من تلك الظلمات، وأن الشمعة (شمعة المعرفة والانعتاق) مهما أحرقت حاملها بدموعها الساخنة على يديه فانها أيضا ستنير طريقه الصعب وطريق الآخرين، بداية ليست هينة على الإطلاق، لشمعة لا تريد أن تنطفئ بأفواه كثيرة تحب الظلام.
جاء القرن السابع عشر الميلادي ليفتح قوسين (بالمفهوم الغربي) بأن الانسان محور كل شيء وتبعه القرن الثامن عشر بالكتابات المعّمقة والتأطيرات لهذه المحورية الانسانية، وتجسد ذلك بالإصلاحات الدينية في ألمانيا – خصوصا- والثورات العمالية والدستورية في بريطانيا والثورة الفرنسية، والاستقلال الأمريكي.
كل هذا الحراك بمسمياته العديدة قاد إلى إنسانية الانسان وحتى لا يتم التلاعب بما تم تحصيله من جهد إنساني فاعل وخلاّق في الكتابات التنظيرية والفعل القائم على التطبيق العملي، بوضع أطر ومحددات تفصل السلطات الثلاث (التنفيذية، القضائية، التشريعية) وبهذا الفصل تكونت الدولة عندهم (الغرب) في القرن التاسع عشر بشكل واضح وجليّ، ولم تتكون الدولة في الشرق العربي / الاسلامي بمثل ما عندهم ونحن نعيش أيامنا هذه، والأحداث التي يعيشها العرب اليوم، هي ما قبل الدولة بالمعنى الحديث للكلمة أي الدولة المدنية.
قد يستهجن بعضهم هذه المقارنة.. لكن الوقائع (والنار مشتعلة أو تحت الرماد) تقول ان الدولة العربية/ الاسلامية ما زالت دولة أبوية.
الأب يأمر والأبناء يطيعون.. مع أن تشكلات الدولة الحديثة (العمرانية) موجودة وظاهرة الى العيان، وهنا مدونات لدساتير أو قريبة منها وكل أو معظم موادها تقريبا من الدساتير الغربية إلا أن هناك فرقا كبيرا وكبيرا جداً بين النظرية (المدونات) والتطبيق (الواقع) وهي كما العبارة الشهيرة التي قالها الشاعر الانجليزي الاستعماري «كابيلنج» (الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا..).
ربما التقيا، يدركها «كابيلنج» لكن التقاء المصالح والمنافع لا الالتقاء من أجل خير الانسان والانسانية، وكما هي التي يتبناها الغرب منذ أزمانه الاستعمارية للآخر وحتى اليوم.
نحن اليوم أبناء اليوم، أبناء الغد. نعيش زمن التغيير، زمن الولادة والتشكل الجديد، زمن الوطن للجميع، متساوون، متحابون، متسامحون، ومن أفق عدالته نحيا ونعيش بكرامة في سرائه وضرائه، ومن تحت شمسه وسمائه ومطره الغاسل لأرواحنا، نطمح للأفضل له ولنا، وبأن يستوعب هذا الوطن بقلبه الواسع متطلبات أفراده بالحرية والعيش الكريم.
الحرية (من كثرة هشاشتها) تشبه قطعة «آيس كريم» على مقبض خشبي في صيف حارق لطفلٍ فرح بها قبل أن تذوب بين حرارة الصيف وفمه العَطِش.
 

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …