أخبار عاجلة

وله بوينس ايريس

100 سنة انقضت على ميلاد خورخي لويس بورخيس الكاتب العالمي الكبير، وبهذه المناسبة تستعد الأوساط الثقافية المهتمة بالآداب العالمية لتكريمه اعترافا منها بإسهاماته الواسعة في إغناء الحقل الابداعي العالمي في مجالات الشعر والقصة والدراسة والسيرة… لقد قال اكتافيوباث عن بورخيس: "إنه المؤلف الكامل هو الاتقان المحكم " لقد كان بورخيس شيخا مهذبا ومتعاليا، كان دائما يفكر بأن الجنة تختفي بين رفوف مكتبة، نظرته الغائمة اجتازت حدود مملكة بابل، كشفت عن أسرار ملايين الصفحات البيضاء، سبرت أغوار الكوكب المسكون بأهل الأدب، من برج كلماته تزعم الثورة الفكرية والأدبية ما قبل الأخيرة في أمريكا اللاتينية، مشيدا جسرا ما بين اللغة الاسبانية واللغة الانجليزية، وحلم بصوت عال لأنه كان يمتلك طاقة سحرية خارقة، تجسس بورخيس على ميتافيزيقا الكتب، واستطاع أن يبدع عالما أدبيا متخيلا يحتوي كل العوالم الأخرى تقريبا، وكان مغامرا أدمن الحبر شرايينه، لقد ولدت أعمال بورخيس وفكره المتعالي – وما زالت تولد – شغفا مشتعلا، كما خلقت لدى البعض مقتا احشائيا، عندما سأل أحد الصحفيين صديق بورخيس الكاتب الارجنتيني أدولفو بيوي كاساريس عن الكاتب العالمي أجاب متمثلا ما قاله أعداء الشاعر الاسباني فرانسيسكو كيبيدو (القرنين 16و 17) مع تعديلات جوهرية،فقد قالوا عن كيبيدو بأنه "معلم أخطاء، دكتور في الوقاحة مجاز في التهريج متشدق وشيطان أول بين الرجال " وقال بيوي كاساريس عن بورخيس: "كان معلما في الاجادة والاتقان، دكتورا في التخيل، مجازا في التمييز والاختلاف، حامل بكالوريا وشيطانا أول بين كتاب القرن الأخير".

الآن بعد مضي ثلاث عشرة سنة على وفاة بورخيس، وبينما ما يزال هواة أدبه يجهلون أسباب عدم منحه جائزة نوبل للآداب يجرؤ كاتب إسباني كبير حققت مبيعاته أرقاما خيالية هو ارتو رو بيريز ريبيرتي على نعته بأنه "غبي ومتحذلق" بقية العالم ستستسلم لاقتراحات وتنبؤات مؤلف كتاب: "ألف "Aleph"  " ستحول الفضاء الى العشرات من حفلات التكريم والتقدير للكاتب في الذكرى المئوية لميلاده، وأعلنت مؤسسات عديدة السنة القادمة سنة للاحتفاء ببورخيس، سينطلق الهوس البورخيسي بالعروض الأولية لفيلم "ضريبة لبورخيس " للمخرج الارجنتيني باتريسيولويثاغا، وسيقيم المعهد النمساوي لأمريكا حلقة دراسية حول الكاتب وأعماله بالمكتبة الوطنية في فيينا، وستهيمن على معرض الكتاب ببوينس أيريس عشرات الأنشطة المخصصة لبورخيس ولكورطاثار الكاتب الأرجنتيني المحبوب جدا من طرف مواطنيه وسينتقل الى اسبانيا معرض متنقل (لم يحدد بعد مكانه، ويحتمل أن يكون في المكتبة الوطنية) سيكون عنوانه "خورخي لويس بورخيس 1899- 1999. ويضم المعرض صورا وأمتعة ومخطوطات ونسخا من الطبعات الأولى… ويعتبر البعض هذه المعرض المتنقل مرجعا أساسيا لفهم واستيعاب حياة بورخيس وشخصيته المعقدة وأعماله.

ولد بورخيس قبل 0 10 سنة في بوينس ايريس، وبالضبط يوم 23أغسطس 1899، عاش طفولته الأولى في المدينة التي شهدت ميلاده ولذلك ليس من الغريب أن يخلد صورتها في ديوانه الأولى "وله بوينس ايريس " تنقل مع أ

سرته عبر أهم العواصم الأوروبية: لندن، باريس، جينيف، مدريد، روما..ولكن بوينس ايريس ستبقى مهد أحلامه الأولى يقول بورخيس:

"وزعت في العمق

أوراق اللعب القاتمة الألون

وأحسست بوينس ايريس

هذه المدينة التي ابدعت فيها ماضي

هي مستقبلي وحاضري

السنوات التي عشتها في أوروبا وهمية

 

لقد كنت دائما (وساكون) في بوينوس ايريس ".

في سنة 1949 أصدر بورخيس أهم عمل ابداعي له وأحد أهم الكتب في تاريخ الأدب الحكائي العالمي ويتعلق الأمر بمجموعته القصصية المعنونة بـ "ألف " , Alph التي يقول عنها الروائي الاسباني الشهير أنطونيو مونيوز مولينا: "توقظ الحماس المستعاد عبر كل أسلحة الأدب، دونما استثناء لاحداها، ملكة في صياغة الحبكات، في ابراز العجائبي ضمن المألوف واليومي، ملكة تبرز من خلال كتابة هي في الآن ذاته شفافة ومنمقة صارمة وساخرة الى أقصى الحدود، مكاشفة ومعتزة بذاتها لم يتم الاعتراف رسميا لبورخيس بعبقريته ككاتب مبدع ومتميز في الأوساط الثقافية والأدبية بالأرجنتين إلا سنة 1955، إذ سيحصل على الجائزة الوطنية للآداب، وسيعين مديرا للمكتبة الوطنية وسيتم اختماره عضوا في الأكاديمية الأرجنتينية للآداب، وسيمنح الدكتوراة الشرفية في جامعة كوير، وخلال فترة السبعينات سيتمكن من حصد العديد من الجوائز العالمية وستقام له العديد من حفلات التكريم، ومن بين الجوائز التي سينالها بورخيس خلال هذه الفترة جائزة سيرفانتيس التي تعتبر أكبر وأهم جائزة في الأدب المكتوب باللغة الاسبانية إذ سيحصل عليها سنة 1979، وقد صرح خلال حفل تسليمه الجائزة: "أحس أنه قد تم انصافي الى أقصى الحدود، لأنني حصلت على الجائزة التي تحمل الاسم.. الاسم الذي يمثل الحدود القصوى، اسم ميغيل سيرفانتيس "… استمر بورخيس في الكتابة – أو على الأصح في الاملاء – الى آخر أيام حياته حتى بعد فقدانه للبصر نهائيا… وتوفي يوم 14 يونيو 1986بجينيف… دون أن يمنح جائزة نوبل للآداب ليدخل قائمة الأدباء الذين ربما لم تنصفهم الأكاديمية السويدية.. من أهم الكتابات التي خلفها خورخي لويس بورخيس في مجال الحكي القصصي: "ألف " "خيالات " "التاريخ الكوني للرذالة " "كتاب الرمل " وغيرها أما في مجال الشعر فله العديد من الدواوين الشعرية من بينها:

"وله بوينس ايريس " "قمر من الامام " "دفاتر سان مارين " «الوردة العميقة وقطعة النقد الذهبية " "قطعة النقد الحديدية" "المتآمرون وغيرها… إن العبقرية البورخيسية التي أدهشت العالم من خلال تلك القدرة الخارقة على مزج الشعر بالميتافيزيقا، وتذويب صرامة الرياضيات مع الخيال العجائبي، وازاحة الحدود بين الآدب والحياة مازالت حية بعد مرور 100 سنة على ميلاده من خلال كتبه وكتاباته… وبمناسبة الذكرى المئوية لميلاد هذا الكاتب الكبير والشاعر المتبين نقدم لقراء "نزوى" قصائد مترجمة من ديوانه "وله بوينس ايريس ".

 
   
الجنوب

آن أرى النجمات القديمة

 من أحد فناءاتك

أن أرى من مصطبة الظل

 هذه الأنوار المتناثرة

التي لم تتعلم غباوتي تسميتها

ولا تنظيمها في أبراج

أن أحس دائرة الماء

في الحوض السري,

عطر الياسمين والزهر

صمت عصفور نائم

 قوس الدهليز, الرطوبة

 تلك الأشياء لعلها تكون هي القصيدة
شارع مجهول

 ظليل حمامة

سمى العبريون بداية المساء

عندما لا يعوق الظل الخطوات

ويتم استشعار مجيء الليل

 مثل موسيقى قديمة ومشتهاة،

 مثل انحدار لطيف ,

 في تلك الساعة التي يكون فيها للضوء

دقة الرمل

صادفت شارعا مجهولا،

 ينفتح في اتساع أصيل على شرفة

 تبدي آفاريزها وحيطانها

ألوانا خفيفة تشبه السماء ذاتها

التي تثير الأعماق

كل الأشياء: وطاءة البيوت

بساطة الدرابزينات ومقرعات الأبواب

وربما آمال طفلة على الشرفات

الكل اخترق قلبي الفارغ

مع شغوف دمعة

أواه لو تمنح تلك الهنيهة من المساء الفضي

حنوها للشارع

فتحوله الى حقيقة تشبه بيت شعر

منسي ومستعاد

فقط بعد ذلك فكرت

أن ذلك الشارع المسائي كان غريبا

 

 

وأن كل بيت هو شمعدان

تحرق فيه حيوات أناس

ومثلي شموع معزولة

وأن كل خطوة متهورة منا

تسير باتجاه الجلجلة
ساحة سان مارين

عبثا مضيت أستنفد الشوارع

بحثا عن المساء

الدهاليز كان الظل قد أخمدها

وعبر التماع خفيف للمنغوليا

كان المساء قد تحول راكدا بكامله

الساحة

أصبح هادئا وناضجا

منعما ودقيقا مثل مصباح

ساطعا مثل جبهة

رصينا مثل حركة رجل في حداد

كل الأحاسيس تغدو ساكنة

تحت عفو الأشجار

– جكر ندات وأقأقيا

 تلاطف تقوساتها الحنونة

صلابة التمثال المستحيل

وتطري أشراكها

مجد الأضواء المتساوية الأبعاد

للأزرق الخفيف

وللأرض المحمرة

ما أجمل مرأى المساء

من السكون الهين للمصطبات !

وفي الاسفل

يحن الميناء الى امتدادات بعيدة

وتنفتح الساحة الواطئة

المساوية بين الأرواح

مثل الموت مثل النوم .
التحايل

أربعون ورقة لعب شغلت حيز

الحياة

تميمات مرسومة على الورق المقوى

تجعلنا ننس مصائرنا
   

وخلق باسم

يمضي مستوطنا الزمن المسلوب

بالشيطنات البديعة

لأساطير مدبرة بشكلي بدائي

على جنبات المائدة

تتوقف حياة الأخرين

وفي الداخل هناك بلاد غريبة :

مغامرات عرض الرهان

والاستجابة

سلطة آسر السيوف

حاكم مطلق مثل دون فحوان

مانويل

والسبعة الذهبية ترن أملا

تمهلي مر

ينحو الى المماطلة في الكلمات

التي تتكرر وتتكرر

مثل بدائل اللعب

مقامرو هذه الليلة

يحاكمون الأحاديث القديمة :

الحدث يبعث قليلا , قليلا جدا

أجيال الأسلاف

أولئك الذين خلفوا للزمن بوينس

ايرس

نفس الأبيات الشعرية , نفس

الشيطنات .
فناء

مع المساء

تعب اللونان أو الألوان الثلاثة

للفناء

في هذه الليلة القمر الدائرة المضيئة

لا تهيمن على فضائها

 الفناء , سماء موجهة

الفناء هو الانحدار

الذي عبره تنسكب السماء في

البيت

وهادئا

ينتظر الخلود في متاهة النجوم

كم هو مفرح أن تحيي في الصداقة

 
   

القاتمة

لدهليز, لدالية ولحوض.

نقش على قبر

الى جدي الأول العقيد

اسيدورو سواريس

 بسط شجاعته فوق الانديز

قاوم جبالا وجيوشا

الجسارة كانت عادة سيفه

فرض في سهل "جنين " نهاية معركة موفقة

ولرماح البيرو منح دما اسبانية

 سجل بطولاته المتعددة

في نثر صارم يشبه الأبواق

ذوات الأصوات الجميلة

اختار شرف المنفى

هو الآن قليل من رماد ومجد.
الوردة

الوردة

الوردة خالدة التي لم تغن

تلك التي هي وزن وأريج

 تلك التي تنتمي للبستان الأسود في الليلة

المتعالية

 تلك التي تنتمي لأس بستان وأي مساء

تلك التي تنبعث من الرماد الدقيق

عبر فن الكيمياء

وردة الفرس ووردة أريوستو

تلك التي تكون دائما وحيدة

تلك التي هي وردة الورود

الزهرة الأفلاطونية الشابة

الوردة المحترقة العمياء التي لم تغن

 الوردة البعيدة المنال.
قاعة فارغة

الأثاث المصنوع من خثسب المغنى

 يخلد سمره المألوف

وسط حيرة الاستبرق

الصور الشمسية على ألواح النحاس

تشي بخدعة قربه الزمنى

المحتجز في المرآة

 

وأمام اختبارنا يتلاشى

مثل تواريخ عديمة الجدوى

 لأعياد ميلاد مشوشة الملامح

 منذ زمن بعيد

تبحث عنا أصواته المكروبة

وهي توجد بالكاد الآن في

 الصباحات

البدئية لطفولتنا

ضوء نهار هذا اليوم

 يبج زجاج النافذة

 تجاه شارع الصخب والدوار,

ويهمل الصوت اللين للأجداد

 ويطفئه .
نهاية سنة

 لا التفصل الرمزي

لاستبدال ثلاثة باثنين

ولا تلك الاستعارة الفاسدة

التي تستدعي موت برهة وانبثاق

أخرى

ولا استكمال النظام الفلكي

سوف يصيبنا بالذهول

ويحفر هضبة هذه الليلة

 ولن يجبرنا على انتظار دقات

الأجراس

الاثني عشر اللاتعوض

السبب الحقيقي

هو الارتياب العام المشوش للغز

الزمن

هو الاندهال أمام معجزة أنه

بالرغم

من الحظوظ اللامتناهية

بالرغم من أننا قطرات من نهر

 هيراقليديس

يستمر في دواخلنا شيء ثابت

 شيء لم يصادف ما كان يبحث

 عنه .
ضاحية

الضاحية انعكاس لسأمنا

 
   

خطواتي أصابها العرج

لما كانت ستطأ الأفق

 فبقيت بين البيوت

عمارات موزعة في أشكال مربعة

مختلفة ومتساوية

كما لو كانت كلها ذكريات

رتيبة ومعادة

لعمارة واحدة

العشب غير الثابت

 يلطخ أحجارالشارع

 مشيدا آماله في يأس

 وزعت في العمق

أوراق اللعب القاتمة الألوان

وأحسست بوينس ايريس

 هذه المدينة التي أبدعت فيها ماضي

 هي مستقبلي وحاضري

 السنوات التي عشتها في أوروبا وهمية

 لقد كنت دائما (وسأكون ) في بوينس

ايريس
العودة

بعد سنوات المنفى

 عدت الى بيت طفولتي

 ومازالت أجواؤه غريبة عني

 لامست يداي الأشجار

 مثل من يداعب شخصا نائما

ومشيت في

الطرقات القديمة

 كما لو كنت استعيد بيت شعر منسيا

ورأيت مع تبدد المساء

 القمر الجديد الهش

يدنو من الكنف المعتم

للنخلة ذات السعف المتعالي

مثلما العصفور يحتمي بعشه

أي شرذمة سماوات

 سيحتضنها الفناء بين أسواره ,

كم غربا باسلا

سيحارب في عمق الشارع

وكم قمرا جديدا هشا

 
   

سيبث البستان حنانه

قبل أن يتعرفني البيت

ويتحول من جديد الى شيء مألوف!
غياب

على أن أعيد بناء الحياة الفسيحة

التي ما تزال حتى الآن مرآة لك

 في كل صباح يجب علي أن أعيد تشييدها

منذ أن هجرتني

كم من مكان صار مقفرا

 ودون معنى

مثل الأضواء في عز النهار

 مساءات كانت محرابا لصورتك

موسيقى كنت تأسرينني دائما

 في أجوائها

كلمات ذاك الزمان

التي يجب أن أحطمها بيدي

في أي منخفضي سوف أخفي روحي

 لكيلا ترى غيابك

الذي يشبه شمسا رهيبة لا تعرف الغروب

لمعان حاسم عديم الاشفاق .

 غيابك يلفني

مثل حبل في الحلق

مثل البحر للذي يصارع الغرق.

العناوين الأصلية للقصائد باللغة الاسبانية

1-    الجنوب                            EISUR

2-    شارع مجهولCalle desconocida    

3-    ساحة سان مارتنLa plaza San Martin

4-    التحايلEl truco                                 

5-    فناء Un patio                                 

6-    نقش على قبرInscripcio sepulchral    

7-    الوردةLa rosa                                

8-    قاعة فارغةSala Vacia                     

9-    نهاية سنةFinal de a no                   

10- ضاحيةArrabal                               

11- العودة  La vuelta                          

12- غيابAusencia                            

المصدر

 

Borges 0bra – Alianza Editorial 1999 Madrid poetica, 1 /Biblioleca

 
ترجمة : خالد الريسوني(مترجم من المغرب)

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …