أخبار عاجلة

وهي مستريحة

اختارت حصير وحدتها في البيت الكبير، رائحة الطين تختلط مع عبق زيت الورد حيث تجلس عند ظل النخلة العجفاء تمشط شعرها الهامد مفجوع البياض غادره جنون الشباب . لا أذكر المقطع الأخير من تلك الأهزوجة الشعبية التي ترددها عن زمن الغوص ولا .. لم هي صامتة الآن ؟ أسمع صخب العصافير فوق سعف النخلة ويغيب صوتها الحنون هذه اللحظات، أمرها عجيب جدتي ! لا عجب في الأمر إنه سكون الحزن والفقدان وسواد خسارة الرجل الذي أحبته، رحمك الله يا جدي . خمسة أشهر ولا زال جرحك طرياً يسكن إحساسها، خمسة أشهر ولا زال خيالك ماثلاً في أحلامها، دائماً ما تحدثني أن جدي يزورها في البيت ويردد على مسمعها سؤال مخيف .. يسألها بوجه مُزرّق، لماذا لا تأتين ؟! وفي كل خاتمة حلم يمد يديه وهو يبكي ! 
لا شيء غير حزن الفؤاد على هذا السبعيني الطيب، إن هي إلا فوضى حواس مضطربة ينتهكها الحلم مع وسوسة إبليس الرجيم . في كل مرة كنت أواسيها ولا أدري إن كانت تقتنع بكلامي، فأكثر ما يفسد عليّ الزيارة أن تكرر ذلك الحلم المخيف الذي يستحضر سيرة الموت . 
تمشط شعرها في صمت والبيت شبه مهجور وهي لا تعرف بوجودي، كنت ألملم عباءتي أرفعها عن تراب «الحوش» وفي يميني هاتفي الجوال أصورها على غفلة . لكن هناك من اصطادني وكشف أمري حينما باغتني صوت جارة جدتي وصديقتها وهي تستفسر .. ( حورية ماذا تفعلين ) ؟ فوقعت في مصيدة الإحراج، التفتت جدتي إليّ ثم عادت تمشط شعرها وكأن شيئاً لم يكن ! خفت أن تكون قد خاصمتني أنا أيضاً بسبب الخلاف الناشئ مع أمي وعلى إثره انقطعَت منذ وفاة جدي . 
أذكر أن أمي قد حذرت أبي مراراً وتكراراً عن أهمية الاحتياط في مسألة التركة، فالبيت كبير ولكن أربعة رجال وثلاث نساء يجعل القسمة صعبة وحرارة المنافسة في الهجوم بالوقت المناسب تضمن اللحم والشحم لمن يبادر بالأسبقية ! أبي ما كان راغباً بكل هذا الطحن في سبيل متاعٍ زائلٍ، وبما أن أمه «جدتي» وحيدة في البيت، فضل أن يكرم مثواها ويؤجل موضوع التركة تفادياً لنار المشاكل وانتشار دخانها وسط العائلة . 
لا شأن لي بمشاكل الكبار، لكني اليوم أخاف من صمتها .. جدتي التي تنوء بأحمالها من تعب العمر ومشاكل الأبناء والبنات، بدت لي وحيدة عند تنورها الدنيوي تخبز أرغفة قلقها في استراحة النهار حيث لا تستريح . ما عاد أحد يحن إلى رائحة هذا البيت، نشبت المشاكل وتفجرت النزاعات فحسمت جدتي ذاك اليوم صراخهم المتصارع على التركة وهي تحلف في لحظة غضب، رأيت كيف احتقن وجهها الطيب بالإحباط والخيبة، هي كلمة واحدة قالتها .. «البيت سيبقى على حاله حتى أموت، لا تُعتِبوا هذا البيت قبل أن تنظفوا نفوسكم المريضة، أخرجوا لا بارك الله فيكم « . وطردتهم جميعاً يومها، نعم أتذكر .
أيقظتني جارة جدتي من سهومي وكررت سؤالها لي عن تواجدي في هذا الوقت . امرأة فضولية حقاً، تسأل عن ما لا يخصها، أوضحت لها أني جئت لزيارة جدتي، بعصبية هكذا قلت. فخرجت هذه الجارة الثرثارة وهي منزعجة وبقيت أنا وجدتي . ها هي ثانيةً في هدوء الظل تمشط شعرها غير عابئة بشيء من ضجيج هذه الدنيا . اقتربت منها وقبلت رأسها، فاضت رائحة زيت الورد وامتدت أكثر وسَافَرت بي بعيداً إلى طفولة شقية كنت قد .. 
أتذكر .. نفس الرائحة وهي كانت هنا في ذات المكان الذي تحب، تمشط شعرها وأنا شقية العينين أعبث بأغراضها . دعتني للجلوس إلى قربها وصبت في راحة يدها اليسرى شيئا من ذاك الزيت العطري وسرحت شعري على شكل ظفيرتين صغيرتين في تألقهما وهي تقبلني بحنان .
تهلل وجهها فرحاً لما رأتني، أحسب أنها عندما جئت إلى البيت لم تدركني حواسها كما يجب، أخذتني إلى حضنها الدافئ وهي تقول :
– ابنتي حورية، أصبحت امرأة، ما شاء الله، أمك تمنعك من زيارتي هــه ؟ الله يسامحها. الناس تركض وراء الدنيا، أبوك كيف حاله ؟
فقلت لها بأني مللت كثرة المشاكل بسبب نصيب الكل في تركة البيت الكبير . لم أرغب في إشعال الوضع أكثر مما هو عليه، عمي الأكبر يهدد برفع قضية حجز على البيت ويتهدد بالوقوف ضد جدتي في المحكمة !!
لا يمكن طبعاً أن أفعلها، أحب جدتي وكم أتمنى أن تزول هذه المشاكل ويعود البيت الكبير إلى هدوءه الذي كان .
رأيتها تمسح شعري وكأنها تريد أن تقول شيئاً، فانتظرتها حتى سألتني ..
– تتحنين حورية ؟
بدت الفكرة معقولة، شعري الأسود الفاحم تصبغه حمرة الحناء لأول مرة، سيكون رائعاً، فوافقت وسلمتها فرحتي وشبابي العشريني المشتاق للتجربة الآن، أريد سحر هذه الحناء ولتأخذني جدتي إلى شيءٍ من أشيائها القديمة .
أشياء خرجت من صندوقها القديم، طاسة معدنية مزخرفة، كيس حناء مطبوع فوق سطحه النايلوني فتاة هندية جميلة، قنينة ماء ورد . ثم بمهارة عجنت مزيج سحرها وخضبت شعري بحكايات قديمة تحمل رائحة الأمس الذي لا يعود، خضبته بكفها الحنونة وأنا أحدق في مرآتها العتيقة، سطحها الفضي مبقع بصدأ الأعوام التي شاخت .
يا جدتي .. أحسبك أيضاً كنت تحدقين بنفس المرآة، أنثى جميلة تتزين لرجلها بالحناء والبخور ويطير من يدها حمام وعصافير وأطفال وأرغفة خبز وحبات سكر وتمر ! أنتشي بهذه اللمسات الجميلة من يدها ولا أدري كيف أوقظتني من غفوتي وانتهت بسرعة كما بدأت وهي تلف شعري بقطعة قماش وتبتسم .
زيارتي هذه المرة مختلفة، شعور بالفرحة جعلني أتجاهل هاتفي الضاج بموسيقاه الالكترونية ومكالماته المؤجلة الرد .. فجدتي اليوم تدللني وكأني لا زلت طفلتها كما الأمس . دخلت المطبخ وحَضَّرت وجبة الغداء، لم ترض مني مساعدتها، وكأني أميرة مرفهة في قصري الزمردي . جدتي تحبني كل هذا الحب ! أأذكرها الآن بشبابها في يومٍ ما ؟
تذكر أمي بشيء من الضيق أنني ورثت هيئة وجه جدتي، عينين طيبتين فيهما سذاجة وعناد وبشرة صفراء دهنية وأنف نصف معقوف وشفاه مختفية تحتاج إلى حُقن «البوتكس» لتليق بفتاة مقبلة على الزواج .
وجودي عندها بث فيها كل هذه الحيوية والسعادة .. كبيرة في السن الوحدة تنهش عمرها وتجلب عليها الحزن . لست مبالية الآن بما قد يصدر عن أمي، أنا أزور جدتي وأتزود من طيبتها وسط عالم تتناهبه مخالب القسوة والمصلحة والنكران .. جدتي هنا مثل جزيرة في بحر البشر الموّار بالتناقضات التي تطغى على حيواتهم . سآتي كلما أحببت لأتزود من اخضرارها قبل أن أصاب بيباس الروح .
وساعدتها في تحضير مائدتها الصغيرة، سفرة خصوصية مزركشة، حاكتها أصابعها المجعدة وعرقها ذات صيف .. الله، ما أطيب سمكاتها المقليات، مستلقيات فوق بخار الرز الأبيض، المخلوط بالزبيب والهيل، تبسمل قبل أن تضعه في الصينية أمام جوعي المنتظر . وتغدينا في استراحة الظهيرة وكم اندهشت بانقضاء الوقت ونفاد الرز والسمك .. أكلت بشهية أكثر مما آكل عادةً، خجلت من نفسي حينما وجدتُ تلقائياً أصابعي في فمي، ألحس طعم السمك وجدتي تسألني .. لا زلت جائعة ؟
طمعي في الاستزادة ليس إلا، وجبة لذيذة من يد جدتي الطيبة، شكرتها وحملت عنها سفرتها الخصوصية ونظفنا المكان، وهي قالت أنها نسيت اليوم «غُسل الجمعة» ثم غابت عني وراء باب الحمام .
اتصلت إلى أمي حتى لا تقلق عليّ . ثرثرت مع صديقتي أخبرها عن رائحة حناء جدتي تختلط بشعري أكثر روعة من أفضل صالون في المدينة، ثرثرت وثرثرت وضحكت وأنا عند النخلة . ختمت المكالمة، حل في المكان هدوء كريه، فأقرأ ساعة الهاتف وأرتاب من بقاء جدتي كل هذا الوقت في الحمام، أسرعت إلى الحجرة أطل من الباب .. كانت تستريح على مرقدها القطني، تُسند ظهرها مغمضة العينين ومسبحتها سقطت نحو الأرض .
أيقنتُ أنها الآن نائمة بعدما انتهت من أداء غُسل يوم الجمعة والصلاة، فكرة .. الآن سيكون تصويرها رائعاً، هاتفي جاهز للعمل وأنا سأجرب لمساتي الفنية الشقية وأعرضها لصديقاتي، غالباً ما نتبادل مقاطع الفيديو والتعليقات والضحكات . وها هي عين الكاميرا تتجول فوق تضاريس وجه جدتي هادئ غير مكترث بهذا العالم . توقف التصوير، تومض الشاشة بصورة أبي ..
– أهلاً أهلاً أبي، نعم اليوم أنا في ضيافة جدتي، تريد أن تكلمها . يعني أنك لم تشتق إلى ابنتك الحبوبة، حسناً .. سأوقظها أولاً لحظة .
أمد يدي نحو هدوئها، أعرف أني سأُفسد قيلولتها الآن وهي مستريحة في جلستها ولربما انزعجت ولكني ناديتها مرة، مرتين، ثلاث وقلبي ينقبض خوفاً، أحدق في مسبحتها وأتحسس يدها باردة كحال وجهها الطيب سافر بعيداً في ملكوتٍ آخر و ..
تنفلت صرختي مني، تسقط القطعة القماشية التي تلف شعري، وتتوزع رائحة الحناء هنا عند جسدها لا زال طاهراً بماء غسل الجمعة، يصعد نحو سماوات الله . 

أحمد المؤذن
كاتب وقاص من البحرين
 

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …