أخبار عاجلة

يوسف شاهين السكوت يمكن ان يتحول الى خيانة!

مايزال يوسف شاهين يعتقد بأن من ينتقد أفلامة مدفوع بأسباب شخصية وكيدية، مشيعا حساسية مفرطة تجاه كل ما يقترب ولو بأشارة غير مادحة لأعمالة. ولم يخف تكريمه في "كان" قبل عامين من وطاة النزق الشاهيني الذي قدم للسينما العربية في النصف الثاني من القرن الماضي أغني ابداعاتها.

 "نزوى" التقت صاحب "اسكندرية ليه" بينما كان يستعد لتصوير فيلمه الجديد "سكوت منصور" الذي تقوم ببطولته المطربة لطيفة التونسية، ويتحدث عن مغنية شهيرة تقع في غرام شاب، فتقرر التضحية بفنها من أجل هذا الحب.. وبعد أن تتضح لها بعض الحقائق تتخلى عن قرارها، وتعود الى جمهورها وفنها.

* أفلامك بصورة عامة، والأخيرة منها على وجه التحديد، مسكونة بهاجس التنوير، وقد برز ذلك في "الآخر" على نحو لافت، هل تستعيد بذلك جهود المفكرين الاصلاحيين، وتنسج على منوالهم؟

– ينبغي أن تتضمن السينما عنصر التسلية، ولكن ليس على حساب تخدير الناس، وتغييب وعيهم، لأننا اذا فعلنا ذلك فإننا نخدم أهداف أعد ائنا الذين يعملون على ابقاء العقل العربي نائما، بل إن هؤلاء الأعداء الملاصقين لنا ونظراءهم في الغرب لا يعترفون. أصلا بوجود فكر عربي، وربما يكون في أراء هؤلاء شيء من الصحة، فنحن أبدا، ساكتون، لا نتحرك، لا نقول نعم، ولا نقول لا، والشباب العرب لا يشاركون في اتخاذ القرار الذي ينزل على رؤوسنا كما لو كان آتيا من جهنم، فلماذا لا يسألون هؤلاء حين اتخاذ القرارات المصيرية المتصلة بحياتهم ومستقبلهم؟

من الضروري استثمار طاقات الشباب الابداعية وتفعيلها، وساعدتها على التعبير، لأن صمت هؤلاء يشير الى مصيبة مدمرة لابد أن تنفجر اذا بقي الاهمال والنسيان والاقصاء.

* هذا الخطاب الذي تتحدث من خلاله يصطدم بقوى مضادة تعمل على اجهاضه. الا تعي هذا الأمر، أم أن دورك ينتضي أن تتول (لا) وتشهر راية العصيان وكفى؟

– ينبغي أن نميز بين قول (لا) وبين العصيان، فالأخير أمر مختلف عن قول الـ(لا) والجهر بها. المطلوب الا نصدق تلك القوى، ولا نخاف من أصحابها، لأنهم يكذبون كثيرا. لقد طالبوني أن تكون أفلامي سهلة وبسيطة فسألتهم كيف يمكن أن يتحقق ذلك مع احتفاظها بمضمون يستحق أن يقال.

فوجدت أن الثغرة في أنا، لأنني لم أكن أعرف كيف أبعد من ذلك فإن أعمالي تصطدم بقوى أجنبية تود لو تحرمني من نعمة التفكير، وتستكثر على سينمائي مثلي أن يخترق جدران محليته وقطريته، فهم لا يريدون الاعتراف بي، ولا بالفكر الذي أنتمي اليه، ولا بالحضارة التي أعطيناها لهم.

وأرد على أولئك بالقول: إما أن تكلموني ندا لند، أو أنني استنكف عن التواصل معكم، وكلانا، في النهاية اذا بقينا على هذا الحال، خاسران.

المطلوب أن نتمسك بعزة أنفسنا والا نخاف أو "ننخ" حتى لأمريكا، لأنها لا تملك اجباري على شيء لا أرغب فيه. هل سترمي علي بقنبلة ذرية؟ إنها لا تستطيع فعل ذلك ولن تستطيع ، فلماذا الخوف والرعب اذن

* وهل تعتقد أنك حققت تقدما في اطار دفع الآخر للاعتراف بك، أم أن الحال مايزال مراوحا في

"مكانك قف"؟

– هناك فرق كبير بين الماضي واللحظة الراهنة لجهة كيفية التعامل معنا، لقد كانوا في السابق يعاملوننا في المهرجانات كفلكلور، واحد من هذا البلد. واثنان من تلك واحد يلبس طربوشا والثاني يمشي حافيا، منذ سنتين فقط تغيرت الصورة، فتكريمي في (كان) في يوبيله الذهبي كان أحد أكبر الأحداث السينمائية العالمية، والمكرم كان عربيا، فكيف كنتم تكلمونه من قبل؟ لقد كنتم ضد العرب، وكنتم ترون الى عبدالناصر باعتباره وحشا.

في مهنتنا نحن فحارب جيدا، ونواجه جيدا، وأثبتنا وجودا حقيقيا في المحافل السينمائية في العالم، وهذا الوجود جاء استحقاقه عن جدارة فهو ليس منة من أحد، لقد استحققته بعد رحلة خمسين عاما من الكد والتعب.

* كأنك في هذه الرحلة تتقاطع مع حكاية الفيلسوف العربي ابن رشد الذي رصدت له فيلمك "المصير" ملقيا الضوء علي الاكتشاف المتأخر لهذا العقل الذي أحدث تغييرات عميقة في الفكر العربي.

– نعم، وبلا أدنى شك، فسكة العذاب كانت طويلة جدا، والحمد لله الذي منحني من العمر كي أري سكة النجاح.

ولكن بالرغم من كل ذلك، فإن السلطات العربية تعاملنا بتعال شديد جدا، مما يشير الى أن عقلية أكثر هؤلاء متوقفة ومتحجرة عنذ الستينات وأضيف الى السياسيين بعض النقاد السينمائيين الذين تقتصر وظيفتهم على الشتائم إلا اذا دعوتهم الى مأدبة عشاء!

* برزت شخصيتك بشيء من الوضوح في أفلامك بصورة عامة، ولكنها في عملك الأخير تبدو متوارية، أي الشخصيات تمثلك في "الآخر"؟

– أقرب شخصية الي في الفيلم كانت شخصية (المهندس) الذي كان يسعى لانجاز أشياء متطورة، وكان بمقدور الآخرين أن يضحكوا عليه ويستففلوه بسهولة. لأنه كان يحلم بشيء مغاير لما هو سائد.

* ركزت في فيلمك على الشباب كثيرا، ونظرت اليمم بوصفهم رافعة لأحلام المستقبل. فهل يشكل لك هذا الأمر دافعا معينا، وما هي أسبابه وآفاقه؟

– ركزت عليهم في هذا الفيلم، وساعدهم بالتركيز عليهم في أعمالي المقبلة.

ينبغي أن نعلم هؤلاء الشباب كيف يفهمون واقعهم، وكيف ينظرون بأمل الى المستقبل. وكثيرا ما أسأل أبناء ابن أختي عن أحوالهم في المدارس، ماذا يتعلمون، وهل صحيح أن المخدرات منتشرة بينهم أم لا؟

أنا أعتبر أن كل الشباب أولادي، فالتسعمائة طالب الذين عملوا معي في "الآخر" يهمونني كثيرا، ويهمني أيضا أن أراقب التأثيرات المقبلة عليهم، بماذا يحسون، وبماذا يفكرون؟

صحيح أنهم صغار، ولكن لا يعني ذلك أن يستخف الانسان بهم، فهم جيل خطير جدا، ومعلوماتهم أعلى وأكثر تطورا من المعلومات التي كانت تصلنا ونحن في مثل سنهم فكيف لا أحترمهم؟ وكيف لا أحبهم، ولا أعلمهم كيف يحبون، بدل التفكير في السياسة "النيلة" كما نفعل نحن حين نرهق أعمارنا في التفكير بالكيفية التي يمكن من خلالها الخروج من المأزق، رغم أننا لن نخرج أبدا.

ينبغي تعليم شبابنا الحب، في ظل مناخ تكنولوجي قائم على تشيؤ المشاعر والقيم. خذ مثلا العولمة التي أول ما نادت به هو المنافسة القاسية والشرسة، وهذا ما تقوله أفلام كثيرة جدا. أفلامي ينبغي أن تقول العكس.

* ولكنك رغم دعوتك الى الحب، اخترت في نهاية فيلم ددالآخردد خاتمة تراجيدية تقوم على قتل العاشقين. الا تشعر بالتناقض بين ما تنادي به وبين ما يتبدى عبر الشاشة؟

– أنا أريد أن أقلق وأحذر،ولهذا استعجلت في انجاز الفيلم من أجل ايصال هذه الرسالة، رغم أنني انفقت عامين في كتابته والاعداد له.

لذا اخترت أن تكون نهاية الفيلم تراجيدية ودموية، لأنني أرى أن الحكومات العربية اذا لم تتحرك لانهاء مشكلات الشباب والاقتصاد والسياسة فإن رد الفعل سيكون دمويا، وهذا ما لا أتمناه أبدا.

أنا هنا أتكيء على التراجيديا الاغريقية حيث تبرز صورة "انتيجونا" ويبرز الصراع والرغبة في السيطرة.

* ولكنك حفلت مقتل العاشقين في نهاية الفيلم للسلطة، ولمن تصفهم بـ "المتطرفين" وكأنما الطرفان متواطئان على ذلك.

– بالتأكيد، لأن السكوت يمكن أن يتحول الى خيانة، وقد واجهت التواطؤ في اعقاب فيلمي "المهاجر" وكيف جرى تحريض أناس على حرماني من رأيي. لقد عشت وقتا صعبا في تلك المحنة، وكاد رأسي أن ينفجر من فرط الأسى والغضب. فما الضير في أن أستلهم قصة يوسف، وما الضير في أن أقتدي بفكره فهذا ليس أمرا منكرا ومحرما، فلو لم يكن فكر هؤلاء الأنبياء صحيحا لما عاش كل هذه القرون. فلماذا لا نقتدي بهم، ولماذا حينما نفعل نواجه بجموع غفيرة تقول لنا لا ، وتتهمنا بأبشع التهم، وتنال منا ومن ايماننا؟

* وهل تتشابه حكايتك مع ما جرى لنصر حامد أبوزيد الذي كفروه لأنه فكر؟

– نصر حامد أبوزيد على رأسي، ولكن الأمر أبعد من ذلك، فثمة قوى تدعي الدين مفتي الأزهر أكثر انفتاحا منها، فهو رجل متنور وكل من يريد أن يفكر ويشغل دماغه سيواجه بمن يوقفه ويشتمه ويضربه.

* تعرض فيلمك "الآخر" الى نقد شديد من قبل بعض نقاد السيغما العرب؟

– مقاطعا من هم هؤلاء النقاد؟

* لا داعي لذكر أسماء..

– لا، هنا داع كبير، قل لي من انتقد "الآخر" لأقل لك ما هي دوافعه

* على سبيل المثال أذكر لك الناقد محمد رضا..

– "مقاطعا" من هو محمد رضا؟ لقد فاته الزمن.. هل تعرف لماذا يهاجمني. أنا سأقول لك. لقد أعطاني سيناريو لفيلم كي أخرجه واقترح علي أن يكتب بعض أفلامي، ورفضت ذلك، فبدأ في شتمي، أعطني أي ناقد يهاجم الفيلم لأدلك على دوافعه.

* اذن هل تعتقد أن من يفتقدون الفيلم يفعلون ذلك لأسباب شخصية أم تقنية تتصل بارتباكه؟

– أرجوك..الفيلم ليس مرتبكا، ودوافع الذين ينتقدونه شخصية بحتة فالفيلم حضره خلال اليومين الأولين أكثر من نصف مليون شخص. وهذا بالنسبة لي دليل على نجاحه، وخلوه من الارتباك. وليتني استطيع أن أحقق اطماع نقاد أفلامي وأهدافهم غير الفنية كي استريح. انهم يمارسون معي الابتزاز، واذا اعتقد هؤلاء أن ابتزازهم لي يخيفني فإنهم واهمون. أنا لا أخاف الا من الله.

* ولكنك في فيلمك الأخير كما في أفلامك السابقة تقع في التصوير النمطي للاسلاميين، فعلت ذلك في (المصير) من خلال شخصية الشيخ رياض، وكورتها في(الآخر) من خلال تسطيح شخصية الأصولي الذي يحلم بالتحليق في برج (ايفل).

– أنا لا أعطي لهذه الشخصيات أكبر مما هي عليه. أنا اخترت شخصيات انتهازية من هذا الوسط. ووضعتها في سياق درامي. أنا أخوض معركتي مع هؤلاء باستراتيجية صحيحة. وأنا تحدثت عن الأصوليين في هذا الفيلم بوصفهم هامشا في العمل وليس مركزه. المركز كان التحذير من العولمة ومخاطرها.
 
حاوره: موسى برهومة (كاتب من الاردن)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …