أخبار عاجلة

القلــــــــب

حين قرروا أن الطريقة الوحيدة لتعليم هاري السباحة هي بإلقائه في البحر، كف هاري عن الاشتراك في الفرقة الكشفية البحرية. في وقت بعد الظهر من كل يوم اثنين خلال فصل دراسي كامل، كان يرتدي البدلة النظامية ، ويتدرب على الاصطفاف على الأرض المدرسية، وتعلم كيفية رفع الإشارات وعقد الأربطة . في الفصل الدراسي السابق كفَّ عن المشاركة في المنظمة الكشفية، كي يتجنب الذهاب إلى المعسكر. في دروس الرياضة خلال الفصل السابق ساهم في كل سباقات الأولاد ممَن هم دون سن الحادية عشرة ، ولكن حين آن الأوان داهمه خجل شديد فلم يخلع ثيابه ( كان رمز منزله قد طرزته أمه بصور خيالية على صدريته ) . ولم يركضْ.
كان هاري ولداً وحيداً. في العاشرة، وله قلب ضعيف . نصح الأطباء أن يتجنب هاري الإجهاد الزائد والإثارة ، وكان هو عديم التمرين وبديناً. يتمنى أن يلعب «الكريكيت» ، متخيلاً نفسه لاعباً سريعاً بالبولنج، إلا أنه لم يتمْ ضمه إلى أي فريق من فرق الصف. لم يكنْ يستطيع الجري بسرعة، ولم يكنْ قادراً على دحرجة كرة البولنج، كما لم يكنْ في وسعه أن يضرب الكرة بالمضرب. وكان يرمي الكرة وكأنه فتاة. يتمنى أيضاً أن يصفر، الا أنه لم يكنْ قادراً إلا على إصدار هسيس من شفتيه الصغيرتين الممتلئتين. كان له نوعاً ما ولع صيني بالنظافة والترتيب. كان يكتب وورقة نشاف تحت يده وينشف الحبر من كل سطر يكتبه؛ ويشطب بمساعدة مسطرة. كانت كتبه نظيفة ومرتبة من غير علامات، عدا الورقة البيضاء في أول كل كتاب، حيث كتب والده اسم هاري. كان من الجائز أن لا يلفت الانتباه في المدرسة لو لم يزودْ جيداً بالمال، هذا جعل منه طالباً غير شعبي وجذب المستأسدين. أقلامه الحبر النفيسة تُسرق دوماً. وتعلم هو أن يبتعد عن حانوت الحلويات في المدرسة.
أغلب التلاميذ من مقاطعة هاري الذين يذهبون إلى المدرسة يسلكون شارع جيميسون. كان هاري يحبذ أن يتجنب هذا الشارع. الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها فعل ذلك هو أن يسلك شارع روبرت. وفي أسفل ذلك الشارع، في المكان الذي ينعطف فيه يميناً ، كان ثمة منزل ذي كلاب إلزاسية (1 ) .
كان المنزل يقوم في زوية الجهة اليمنى والسير على الناحية الأخرى يجعل من جبنه جلياً ، للكلاب والمارة على حد سواء. كانت الكلاب الإلزاسية تأتي من الشرفة، تنبح، وتقفز على السياج السِلكي وتجعله يهتز. كانت مخالبها تمس قمة السياج ويبدو لهاري دوماً أن الكلاب تستطيع بقليلٍ من الجهد أن تثب من فوق السياج، في بعض الأحيان تمشي سيدةٌ عجوز هزيلة ذات نظارتين وشعر أشيب وتعبير نزق، تمشي مترنحةً إلى الشرفة وتستدعي الكلاب الإلزاسية بصوتٍ قصير حاد. وفي الحال تتوقف الكلاب عن النباح، تنسى هاري، وتهرع راكضةً إلى الشرفة هازةً أذيالها الثقيلة. كما لو أنها تعتذر عن الضجيج وفي الوقت نفسه تطلب أن تهنأ.
تربت السيدة العجوز تربيتاً خفيفاً على رؤوس الكلاب بينما تواصل هذه الحيوانات تحريك أذيالها؛ أما إذا صفعتها بقوة فتبتعد عنها مطأطئةً رؤوسها، وأذيالها بين سيقانها، وبعدها ترقد على الشرفة، وتحدق بعيون طارفة نصف مفتوحة، وخطومها مستقرة تحت قوائمها الأمامية.
حسد هاري السيدة العجوز على سلطتها تلك على الكلاب. فرح هو عندما خرجتْ العجوز إلى الشرفة. لكنه أيضاً شعر بالخجل من خوفه وضعفه.
كانت المدينة تغص بالكلاب الهجينة غير المرخصة التي تنبح بالتناوب ليل نهار. لم يكنْ هاري يخشى تلك الكلاب. كانت هزيلةً ، جائعةً وجبانة. وكي تقصي هذه الحيوانات ما عليك إلا أن تنحني كما لو أنك تهم برفع حجر من الأرض، إنها إيماءة تفهمها كلاب الشوارع. غير أنها لا تجدي نفعاً مع الكلاب الإلزاسية، بل تثير حنقها.
أربع مرات خلال النهار – يذهب هاري إلى البيت كي يتناول غذاءه – ينبغي على هاري أن يمر بالكلاب الإلزاسية، ويسمع نباحها وأنفاسها، ويرى أسنانها الطويلة البيض، وشفاهها السود وألسنتها الحمر، يشاهد أبدانها القوية، المتلهفة، والتي تبدو أطول منه عندما تثب على السياج. انتقم هو من كلاب الشوارع. رفع عن الأرض أحجاراً وهميةً ؛ أما هذه الحيوانات فكانت تفر دوماً .
عندما طلب هاري دراجةً هوائيةً لم يذكر هو الأولاد في شارع جيميسون أو الكلاب الإلزاسية في شارع روبيرت، تكلم عن الشمس وعن إجهاده. كان لوالديه هواجس حول الدراجة الهوائية ، غير أن هاري تعلم أن يمتطيها من دون حادثة. ومن ثم، وبمساعدة الدراجة الهوائية ، لم يعدْ يخشى الكلاب في شارع روبرت ؛ كانت الكلاب الإلزاسية نادراً ما تنبح على راكبي الدراجات الهوائية المارين مروراً عابراً ، لذا توقف هاري أمام المنزل الكائن في الزاوية وعندما ركضتْ الكلاب من الشرفة تظاهر هو برمي أشياء عليها إلى أن تملكها غيظ شديد وأمست أنفاسها عاليةً، بعدها قاد دراجته الهوائية ببطء مبتعداً ، أما الكلاب الإلزاسية فقد لاحقتْ السياج إلى نهاية قطعة الأرض، وهي تهر بغضب وإحباط. ذات مرة ، حين خرجتْ السيدة العجوز، تظاهر هاري بأنه توقف كي يربط شريط حذائه.
تقع مدرسة هاري في جزء هادئ ومفتوح من المدينة. كانت الشوارع واسعةً فسيحةً ولم تكنْ ثمة أرصفة، بل هنالك فقط حافات عريضة ، جيدة العناية مزروعة بالحشائش. لم تكنْ هذه الحافات مستوية: في كل عدة ياردات كانت ثمة خنادق قليلة العمق تصرف المياه من الطريق. كان هاري يحب قيادة دراجته الهوائية على الحافات، يرتفع ويهبط بتؤدة.
في عصر يوم جمعة كان هاري يركب دراجته عائداً من المدرسة بعد اجتماع لــ ” نادي الطوابع ” ( كان قد التحق به بعد تركه الفرقة الكشفية البحرية ومع المجموعات الكبيرة والألبومات النفيسة التي وهبها إليه والده تمتع هو بالتقدير المتواصل ).
كان الظلام قد حل حينما كان هاري يركب دراجته على امتداد الحافة نازلاً وصاعداً، مخفضاً بصره إلى الحشائش.
في أحد الخنادق رأى كلباً إلزاسياً.
تدحرجتْ الدراجة إلى داخل الخندق ومرتْ فوق ذيل الكلب السميك. نهض الكلب، ومن غير أن يحدق إلى هاري، هز نفسه. ثم رأى هاري كلباً إلزاسياً آخر، وآخر. كان يحاول أن يتجنب الكلاب. إلا أنه كان يصطدم بالمزيد منها. كانت هذه الحيوانات راقدةً في الخنادق وعلى طول الحافة. كانت بألوان شتى، أحدها بلون بني أسود. ما أن رأى هاري أول كلب حتى توقف عن الضغط على دواستي دراجته الهوائية وجعل يسير متباطئاً ، وشعر أنه يفقد توازنه. من ورائه أتى نباح خفيف وقصير، أشبه بالعطاس ، عند ذاك ، عادت إليه القوة. انطلق فوق الإسفلت وحينذاك فقط ، كما لو إنها هي أيضاً صحتْ من دهشتها، نهضتْ الكلاب الإلزاسية كلها ولحقتْ به. ضغط على دراجته، متطلعا إلى الأمام من دون أن ينظر إلى ما وراءه أو جانبه. ثلاثة كلاب إلزاسية، من بينها الكلب البني – الأسود، كانت تعدو أمام دراجته الهوائية. بهدوء، بينما كان يركب دراجته، انتظر هاري هجومها. لكنها كانت تركض بجانبه، من غير نباح. كانت الدراجة الهوائية تبعث طنيناً، أما صوت مخالب الكلاب فكان أشبه بصوت أقدام الحمائم على سقف صفيح. وبعدها أحس هاري أن وحشية الكلاب الإلزاسية كانت غير مقصودة ، خالية من الغضب أو المكر: إنه تجمع مسائي، سعادة مسائية. ثبت عينيه على نهاية الطريق الرئيس ، ذي الاضواء التي أُنيرت تواً، والأتوبيسات الكهربائية المضاءة، السيارات، والناس.
بعدها أصبح هناك. الكلاب الإلزاسية تخلفتْ عنه. لم يتطلعْ إليها. وحين أمسى في الطريق الرئيس، مع أعمدة الأتوبيسات الكهربائية تتلألأ زرقاءَ في الليل الذي هبط ، عندها فقط أدرك كم كان خائفاً ، كم كان هو قريباً من الموت الموجع بأسنان تلك الكلاب السعيدة, تسارعتْ نبضات قلبه بسبب الإجهاد. ثم أحس بألمٍ حاد لم يعرفه من قبل. أطلق أنيناً عميقاً ومكبوتاً وهوى من الدراجة الهوائية.
قضى شهراً في دار تمريض ولم يذهبْ إلى المدرسة طوال المدة المتبقية من ذلك الفصل الدراسي. لكنه تعافى من جديد عندما بدأ الفصل الدراسي الجديد. كان قد تقرر بأن يتخلى هو عن ركوب الدراجة الهوائية، وغيّر أبوه أوقات عمله بحيث يستطيع أن يوصل هاري إلى المدرسة ويعيده منها إلى البيت.
حل عيد ميلاده مبكراً في ذلك الفصل الدراسي، وعندما أعاده أبوه من المدرسة في وقت بعد الظهر سلمته أمه سلةً وقالت له:
” عيد ميلاد سعيد! ” كانت الهدية جرواً.
” لن يعضك – قالت أمه – ألمسه وشاهد”.
” دعيني أراكِ وأنت تلمسينه” ، قال هاري.
” يلزمكَ أن تلمسه ” ، قالت أمه وأضافت :
” إنه ملكك. عليكَ أن تجعله يألفك. إنه واحد من كلاب رجل ما”.
فكر بالسيدة العجوز ذات الصوت الحاد ومد يده إلى الجرو. لعق الجرو كف هاري وضغط عليها أنفاً ندياً. شعر هاري بالدغدغة. وانفجر ضاحكاً، تحسس شعر الجرو بينما كان الحيوان الصغير ينضغط على كفه، مرر يده على خطم الجرو، بعدها رفع الجرو، فراح هذا يلعق وجه الصبي، وأحس هاري بالدغدغة وجعل يقهقه بقوة.
كان للجرو أسنان صغيرة حادة وكان يود أن يتظاهر بأنه يعض، أحب هاري الإحساس بأسنان الجرو، كان فيها مودة ، وفي الحال أمستْ فيها قوة، قوة الجرو.
” إنه أحد كلاب رجل ما ” ، قالت أمه.
جعل والده يأخذه إلى المدرسة مروراً بشارع روبيرت، في بعض الأحيان كان يرى الكلاب الإلزاسية. ومن ثم راح يفكر بكلبه، وشعر بأنه مصان ومنتقَم منه. مر أثناء الذهاب والإياب في الشارع ذي الحافات المعشوشبة التي لاحقته على طولها الكلاب الإلزاسية . لكنه لم يرَ هناك ثانيةً أي كلب إلزاسي.
كان الجرو ينتظره دوماً عندما يعودان إلى البيت. كان والده يقود سيارته إلى البوابة مباشرةً ويطلق صفيراً من جهاز التنبيه. كانت أمه تخرج كي تفتح البوابة، وكان الجرو يخرج أيضاً، مؤرجحاً ذيله، واثباً على السيارة حتى خلال حركتها . ” امسكيه ! امسكيه ” ، صرخ هاري .
صار يخشى فقدان كلبه أكثر من أي شيء آخر .
كان يحب سماع أمه وهي تحكي للزائرين عن حبه للجرو. وقد أعطوه كتباً عديدةً عن الكلاب. وعرف , ويا لحزنه، أن الكلاب لا تحيا سوى اثنتي عشرة سنةً أي عندما يبلغ هو الثالثة والعشرين، أي حينما يغدو رجلاً، لن يكون له كلب. في بعض الظروف يبدو التدريب تافهاً ، غير أن الكتب كلها كانت توصي بالتدريب ، وجرب هاري ذلك، استجاب الجرو بكسلٍ حسبه هاري ساحراً. في المدرسة تترقرق الدموع في عينيه عندما يقرؤون قصيدة شعر مطلعها: ” سمع الراعي نباح كلب”.
ومضى لمشاهدة الفيلم السينمائي ” لاسي ، عُدْ إلى البيت ” .(2)
وبكى في الصالة جالسا ًعلى كرسي الظلام .
من الفيلم أدرك أنه نسي جزءاً جوهرياً من تدريب الجرو وكي يمنع جروه من أن يأكل الطعام الذي يقدمه له الغرباء ، غمس قطع اللحم المتبلة بالفلفل وتركها هنا وهناك في الفناء .
في اليوم التالي اختفى الجرو. كان هاري منزعجاً وشعر بأنه مذنب، إنما كان له بعض السلوى من الفيلم! وعندما عاد الجرو، بعد مرور أسبوع ، قذراً، تعلوه الخدوش، أكثر نحافةً ، طوقه هاري وهمس الكلمات التي وردت في الفيلم : ” أنت كلبي العزيز لاسي – كلبي لاسي عُدْ إلى البيت.”
تفادى كل ضروب التدريب وأمسى معنياً فقط برؤية الجرو يستعيد عافيته. في الكتب الهزلية الأمريكية قرأ أن الكلاب تعيش في وجارات ( جمع وجار ) وتأكل من طاسات معلَّمة بكلمة ” كلب ” . لم يستحسنْ هاري الوجارات لأنها بدتْ صغيرةً وموحشةً ، ولكنه ألح على أن تشتري أمه طاساً معلَّماً بكلمة ” كلب “. أرته أمه طاساً كُتب عليها بالطلاء كلمة ” كلب ” . قال والد هاري إنه في أمس الحاجة إلى تناول الطعام وصعد إلى الطابق العلوي؛ وتبعته أمه. قبل أن يتناول هاري طعامه غسل الطاس وملأها بطعام الكلب. دعا الجرو وعرض الطاس . قفز الجرو ساعياً للوصول إلى الطاس .
وضع هاري الطاس ، أما الجرو فقد تجاهل هاري وركض إليها حالاً . هاري، شاعراً بخيبة الأمل ، قرفص بجانب الجرو، وانتظر علامةً من علامات التقدير أو الشكر. لم تبدرْ منه حتى علامة واحدة. أكل الجرو غذاءه بضوضاء، وقد ظهر أنه يصطاد طعامه في كل مضغة. مرر هاري يده فوق رأس الجرو.
هر الجرو ، الذي قبض على لقمة طعام ، وهز رأسه. جرب هاري ثانيةً .
بهرير أكثر حدةً أسقط الجرو الطعام الذي كان في فمه وعض كف هاري. أحس هاري بأسنان تغوص في لحمه البشري، وكان في ميسوره أن يشعر بالغيظ الذي يُسيّر الأسنان ، وبالتفكير الذي كبحها في الختام. حينما نظر إلى يده رأى جلداً ممزقاً ونقاطاً منتفخةً من الدم. كان الجرو محنياً على السلطانية من جديد، يقبض على الطعام ويلوكه، عيناه تحدقان بإمعان.
أمسك هاري بالسلطانية التي كُتب عليها ” كلب ” ورماها بطريقته الأنثوية خارج باب المطبخ. توقف هرير الجرو بصورةٍ مفاجئة. حين اختفت الطاس تطلع الجرو إلى هاري، حائراً، متودداً، وذنبه يتأرجح ببطء. ركل هاري بقوة خطم الجرو وشعر برأس حذائه يضرب العظم. تراجع الجرو إلى الباب وراح ينظر إلى هاري بارتباك.
” تعال ” ، قال هاري، كان صوته مُثقلاً باللعاب.
مؤرجحاً ذيله برشاقةٍ ، أقبل الجرو، ومرر لسانه الأملس الوردي على شفتيه السوداوتين، اللتين لا تزالا مكسوتين بالزيت ماسحاً آثار بقع الدم. ثم ركل هاري الجرو ثانيةً على بطنه، لكن الجرو فر عاوياً من باب المطبخ ، وفقد هاري اتزانه وهوى على الأرض، ترقرقتْ الدموع في عينيه. أحس هاري بالحرق في تلك النقاط التي غاصت فيها أسنان الجرو، وما يزال هو يشعر بلعاب الجرو على يده يضمد الجلد.
نهض هاري وخرج من المطبخ. كان الجرو واقفاً عند البوابة، يتأمله. انحنى هاري، كما لو أنه يروم التقاط حجر. لم تبدرْ من الجرو أي حركة. التقط هاري حصاةً ورماها نحو الجرو. كانت رميةً غير متقنة والحصاة ارتفعت عالياً، هرع الجرو للإمساك بها، أفلتها، توقف وجعل ينظر من حوله. ذيله يتأرجح، أذناه منتصبتان، وفمه مفتوح. رمى هاري حصاةً ثانيةً. هذه المرة كانت الرمية منخفضةً والحصاة ضربت الجرو بقوة ، أنَّ الجرو وبلغ الحديقة الأمامية. تبعه هاري، ركض الجرو حول جانب المنزل واختفى وسط أزهار السوسن. سدد هاري حجارةً إثر أخرى، وعلى حين غرة عرف الاتجاه ، وراح يضرب الجرو المرة تلو المرة ، انتحب الحيوان الصغيرة وركض حتى أصبح في مركزٍ حرج تحت التعريشة الضيقة التي يتسلق عليها نبات القلب الدامي. وقف هناك بلا حراك ، عيناه قلقتان، ذيله متدلٍ بين ساقيه. من وقت إلى آخر يلعق شفتيه. هذا الفعل أغاظ هاري. بصورة عمياء رمى حجراً بعد حجر والجرو ركض من كتلة متشابكة من نبات القلب الدامي إلى كتلة أخرى ، حاول مرةً أن يندفع مسرعاً من أمام هاري غير أن الطريق كانت ضيقةً جداً وكان هاري مسرعاً جداً. ركله هاري ركلةً انبعث منها صوت أشبه بقرع الطبل وتراجع الجرو إلى الركن، متأملاً يئن بصوتٍ خفيف.
قال هاري بصوتٍ مخنوق : ” تعال “.
رفع الجرو أذنيه.
ابتسم هاري وجرب أن يصفر .
بتردد، انثنت ساقاه، وتقوس ظهره، أقبل الجرو. ضرب هاري رأسه إلى أن وقف منتصباً. ثم أمسك بخطم الجرو بيديه كلتيهما وضغط عليه بقوة. نبح الجرو وأنسحب.
” هاري ” ، سمع صوت أمه.
” أبوك جاهز تقريباً”.
لم يتناول غداءه.
” ليس لي شهية لتناول الطعام ” ، قال هاري. كانت تلك كلمات أبيه المألوفة.
سألته أمه عن السلطانية المكسورة والطعام المبعثر هنا وهناك في الفناء.
” كنا نلعب” ، قال هاري .
رأت يده .” تلك الحيوانات لا تعرف قوتها هي ” ، قالت أمه .
كان قراره هو أن يحصل على الجرو كي يسمح لنفسه أن يضربه أثناء تناول الطعام. كل رفض ينبغي معاقبته ، بالضرب والرجم بالحجارة ، الحبس في خزانة تحت درجات السلم أو الحبس خلف النوافذ المغلقة للسيارة. عندما تكون تلك متوفرة، في بعض الأحيان، يأخذ هاري طبق الجرو، يقود الجرو إلى المرحاض، يفرغ الصحن في تجويف الحمام ويسحب سلسلة الماء الدافق. غالباً يرمي الطعام في الفناء ؛ وبعدها يعاقب الجرو بأن يأكل من الأرض. وفي الحال مد قراره ليشمل كل أفعال الجرو، معاقباً إياه على كل الأفعال التي كان يظنها غير ودية ، متمردة ، أو كريهة. إذا لم يأتِ الجرو إلى البوابة حين يرتفع صوت نفير السيارة ، ينبغي عندها معاقبة الحيوان الصغير، إذا دُعي ولم يأتِ عندئذ يجب معاقبته. كان هاري يحتفظ بـــ ” فاتورة ” دقيقة بالعقوبات التي يجب أن ينزلها بالجرو المسكين لأنه يستطيع أن يعاقب فقط عندما يكون والداه غائبين أو منشغلين، وهكذا يكون هو عادة متأخراً. كان يتوجس خيفة من أن الجرو ربما يفر من جديد، لذا كان يربطه ليلاً ، وعندما يكون والداه على مقربةٍ منه، يكون هو ساخطاً ، مثلما كان ساخطاً عندما لعق الجرو شفتيه الملطختين بالسمن، حيث يرى الجرو يتصرف وكأنه غير مبالٍ بالعقوبات التي سينزلها به: يضطجع عند قدمي أبيه، يتثاءب ، يفتل جسده بأوضاعٍ مريحة ، أو يؤرجح ذيله مرحباً بأم هاري. وأحياناً ، بعدها ، ينحني هاري كي يلتقط حجراً وهمياً ، أما الجرو فيفر من الحجر. إنما ثمة أيام أيضاً نُسيت فيها العقوبات، ذلك أن هاري أدرك أنه سيطر على طاقة الجرو وجعلها امتداداً لطاقته هو، ليس من خلال عقوباته بل أيضاً من خلال سطوة العاطفة المتممة.
وبعدها جاء النصر. الجرو الذي غدا الآن كلباً تقريباً ، هاجم هاري ذات يوم ووجب سحبه من قبل والدي هاري.
” لا يمكنك أن تثق بتلك الكلاب”.
قالت أم هاري وأُوثق الكلب بالسلسلة بصورة دائمة. وعلى مدى أيام معدودات ، كلما سنحتُ له الفرصة، كان هاري يضرب الكلب وذات مساء ، كان أبواه في الخارج، ضرب الكلب ضرباً مبرحاً إلى أن كف عن الأنين. بعدها، حين عرف إنه كان وحيداً ، ود بأن يختبر قوته وخوفه، حل وثاق الكلب. الكلب لم يهاجم، ولم يهرْ، بل ركض كي يختفي وسط نبات السوسن. وبعد ذلك سمح للولد أن يضربه بينما كان يتناول طعامه.
حل ثانية عيد ميلاد هاري. أعطي كاميرا نوع بروني ” 6- 20 ” وأضاع فيلماً في مواضيع عبثية إلى أن اقترح والده أن تؤخذ صورة فوتوغرافية لهاري والكلب. الكلب لم يكفْ عن الحركة، وفي الختام وضعوا الطوق في عنقه ووقف هاري على مقربةٍ من الكلب وابتسم للكاميرا.
كان والد هاري منشغلاً تلك الجمعة ولم يتمكنْ من إعادته إلى البيت في سيارته الخاصة. مكث هاري في المدرسة لحضور اجتماع ” نادي الطوابع ” .
ومن ثم استقل سيارة أجرة عائداً إلى منزله. كانت سيارة والده في الطريق الخاص. دُعي الكلب، فلم يأتِ. عقوبة أخرى. كان أبواه في حجرة الطعام الصغيرة الملاصقة للمطبخ؛ كانا جالسين لتناول الشاي. على طاولة الطعام رأى هاري النشرة المطوية الصفراء ذات الصور السالبة والصور المطبوعة. لم تُطبعْ الصور بشكل جيد.
بدا الكلب متوتراً وأخرقَ، لا يواجه الكاميرا، وخيل لهاري أنه هو نفسه بدا مفرط البدانة . شعر أن والده يلقي عليه نظراته فيما هو يتأمل الصور الفوتوغرافية. قلب إحدى الصور. رأى على ظهرها كتابةً بخط يد والده: ” في ذكرى ريكس”. وتحت الكتابة دوّن التاريخ.
” كانت تلك حادثة”، قالت أمه، وطوقته بذراعيها. ” لقد هرب الكلب عندما كان والدك يدخل السيارة إلى المنزل، كانت تلك حادثة”.
ملأت الدموع عيني هاري. باكياً ، داست قدما هاري درجات السلم بقوة.” تذكر يا بُني ” ، نادت أمه، وسمعها هاري تقول لوالده: ” اتبعه. قلبه. قلبه” .
***
في . أس . نيبول V.S. Naipaul : هو واحد من كتاب القصة القصيرة البارزين، نشأ في الهند الغربية. حقق في . أس . نيبول أوسع شهرة في كافة أرجاء العالم. كانت عائلته واحدة من أسر كثيرة أقبلتْ من الهند للعمل ” كعمال متمرنين وفق عقد رسمي لأجلٍ معين ” قبل مائة سنة خلت.
ولد نيبول في عام 1932، ورحل في 11 اغسطس 2018م التحق بالمدرسة الثانوية. في عام 1950 جاء إلى انجلترا كي يتلقى دروساً جامعيةً في أوكسفورد، وبعدها مباشرةً بدأ الكتابة. منذ البداية كانت كتبه رائجة بين عامة الناس، واستقبلها عموم القراء استقبالاً حسناً. كتابه الأول ” المدلك الغامض The Mystic Masseur ” ، طُبع ونُشر في عام 1957 ونال جائزة ريز التذكارية. بعد ” تضرع إلفيرا The suffrage of Elvira ” في عام 1958 ، نشر أول مجموعة قصصية له في العام التالي ؛ حملت عنوان : ” شارع ميغويل Miguel street ” ، ونالت جائزةً ( جائزة سومرست موم ). هذه المجموعة القصصية تستند إلى شخصيات ارتبطتْ بشارع معين في ترينيداد، وبعض هذه القصص مضحكة جداً فضلاً عن كونها متسمة بالتبصر ولها معانٍ أبعد من الحالات الخاصة التي جرى وصفها.
استمر نيبول بالسكن في إنجلترا، مع أنه يزور الهند الغربية من حينٍ إلى آخر. واستمرت كتبه في نيل الجوائز الأدبية ، وهي مقروءة بشكل واسع. في عام 1967 نشر مجموعته القصصية الثانية ” علمٌ على الجزيرة A flag on the Island ” التي ترجمنا منها قصته ( القلب The Heart ) . كتبه التالية هي : ” ضياع إلدورادو The loss of El Dorrado ” ( 1969 ) ، ” في دولة حرة In a free state ” (1971) ( وهي رواية حازتْ على جائزة بوكر) ، و ” المشاركون في حرب العصابات Guerrillas” (1975 ) .
بدءاً من عام 1960 بدأ السفر، بخاصة إلى الهند ، التي تحدر منها أسلافه. تمخضتْ هذه الرحلات عن ثلاثة كتب هي : ( ” الممر الوسطي “، وهو عبارة عن انطباعات عن المجتمع الرأسمالي ؛ ” رقعة من الظلام ” وهو دراسة تعتمد على سيرته الذاتية ، أما الكتاب الثالث فهو : ” الهند : الحضارة الجريحة ” ) .
يعدّه كثير من النقاد والكتاب واحداً من ” أروع كُتّاب الرواية الأحياء باللغة الانجليزية “. وكل آثاره الأدبية ممتعة، مقلقة، ورقيقة عادة، وشديدة الحساسية.
نال نيبول جائزة نوبل للآداب سنة 2001 .
الهوامش
1 الكلاب الإلزاسية : كلاب كبيرة الحجم ، ذكية ، شبيهة بالذئاب ، تُستخدم للأغراض البوليسية والحراسة – م .
(2) أول فيلم عن كلب الراعي لاسي: أُنتج الفيلم في أمريكا ، العام 1943، تمثيل إليزابيث تايلور- م .


ف . أس . نيبول
ترجمة : علي عبد الأمير صالح *

شاهد أيضاً

جارتي الصينية وبغداد ونائمات كاواباتا

فاروق يوسف * أوحي إلى يدي لتكون يدا أخرى، أصابعها وهي تنظر إلي توحي إلي …