لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5315446)
  تصفح الموقع (9033447)
  طباعة المقالات (1254502)
  إرسال المقالات (3112)
  المتواجدون الأن ( 30 )

العدد السادس والستون
ابريل 2011




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> وجها لوجه

العدد السادس والعشرون  وجها لوجه

انجمار برجمان 2009-07-13

وجها لوجه

أعزائي زملاء العمل...

سنقوم بعمل فيلم يدور بشكل ما حول محاولة انتحار.. عمليا هو يتعلق كنت سأقول(كالمعتاد) بالحياة. والحب والموت. لأنه في الواقع لا يوجد ما هو اهم من ذلك لنشغل بالنا به ونفكر فيه. أن نقلق بسببه وأن نسعد من أجله.. وهكذا.

لو سألني انسان صادق عن سبب كتابتي لهذا الفيلم لما استطعت أن أجيبه اجابة واضحة ومباشرة وأظل محافظا على مصداقيتي.

أخذت مذ فترة من الزمن أعاني قلقا غير مبرر. كان يتعبني مثلما يتعب ألم الضرس الذي لم يجد له طبيب الأسنان سببا لا في تركيبة الضرس نفسه ولا في المريض المتألم.

أعطيت قلقي بضعة عناوين كل واحد منها أقل إقناعا من الآخر. قررت أن أبدأ البحث بطريقة منهجية.

شخصية أخرى بتقلباتها جاءت لتساعدني. وجدت تشابها بين تجاربها وتجاري غيرأن ظروفها كانت أبرز وأوضح من ظروفي واكثر مدعاة للألم.

وهكذا بدأت الشخصية الرئيسية في فيلمنا تأخذ شكلا: شخصية ذات مركز جيد" إمكانياتها كبيرة منظمة، ورفيعه المستوى في مهنتها. ومتزوجة زواجا مريحا من أحد زملائها. محاطة بكل ما ندعوه "أشياء الحياة الخيرة". إن انهيار هذه الشخصية المحترمة الصاعق السريع وولادتها الجديدة المؤلمة جدا هما ما حاولت أن أصفه.

ولقد استطعت، باستخدام ما لدي من مادة كأساس. أن أظهر أسباب الكارثة، وكذلك الإمكانيات المتاحة لهذه المرأة في المستقبل. بالنسبة لي فقد استفد ت استفادة كبيرة من هذه العملية، العذاب. الذي سبق أن تفشى، أصبح له اسم وعنوان. وبذلك فقد حرم من اشعاعه ويقظته. فإذا كانت هذه الأنشودة بإمكانها أن تكون ذات فائدة أيضا لإنسان آخر فلن يضيع جهدنا.

عندما نتابع بالنظر أحد معارفنا المقربين أو البعيدين بابتسامة شريرة أو شفوقة فهذا ليس شيئا سيئا أيضا. لأنه يمكن أن يتضمن مقارنات تقوينا حين نقيس تمايزنا ببؤس الآخرين.

في الواقع  ليس هنالك أيضا أي ضرر في أن نسلي أنفسنا بضع ساعات. الممثلون الوسيمون الموهوبون الذين يصورون بشكل معقول المواقف الحزينة. والمأساوية والمسلية, هم دائما يسعدون الآخرين مهما كانت تلك التعقيدات مؤلمة.

من جهة ثانية، فالسأم واللامبالاة يؤثران على صاغ الفيلم بطريقة رهيبة، وعندئذ يكون من العدل في تلك الحالة أن يلحقه العار, ويسخر منه علانية فيصبح ضحية خسارة مالية ضخمة.

ماذا أقول أكثر من ذلك؟ آه نعم، فكما ترون حجم هذا الكتاب فإن الفيلم سيكون طويلا في النهاية. بضعة كيلومترات تقريبا. حاولت عبثا أن أكثفه ولكن لكل شئ حجمه، وقد تعلمت أن أكون حذرا بشأن التدخل في حركات شخصياتي وحوارهم و الأ أقودهم في ذلك. عندما نقوم بالتدريب نجد نقاطا يتضح أنها أوضح من اللازم أو غير ضرورية.

الجزء، الأول (في الفيلم واقي بشكل متحذلق ملموس. الجزء الثاني محير غير ملموس: "أحلام" واقعية أكثر من الواقع. فيما يتعلق بذلك دعي أضيف تعليقا غريبا. "أنا أشك كثيرا بالأحلام والروى والتخيلات في الأدب والأفلام والمسرحيات". لأن العقلانية الزائدة لهذه الأمور تزخر باللاعفوية والترتيب المسبق. لذلك فعندما أنقل سلسلة من الأحلام. رغم معارضتي وشكي، والتي هي بالاضافة الى ذلك ليست أخلاقي. فإنني أحب أن أفكر بأن هذه"  الأحلام هي امتداد للواقع كذلك فهذه سلسلة؟  الأحداث الواقعية التي تصيب الشخصية الرئيسية خلال فترة هامة في حياتها. هناك شيء ذو دلالة يحدث. فبالرغم من أن جني هي طبيبة نفسية فهي لم تأخذ هذا الامتداد الواقعي بجدية. رغم معرفتها الواسعه، فإنها الى حد كبير أمية في تفكيرها داء منتشر بين الأطباء النفسانيين يمكن اعتبار هذا المرض مرضا وظيفيا. كانت جيني مقتنعة بشدة بأن الجبن هو الجبن والطاولة هي الطاولة، وطبعا ليس أقلها أهمية أن الانسان هو الانسان. هذه القناعة الأخيرة هي أحد الأشياء التي سوف تضطر الى تعديلها بطريقة مؤلمة عندما تدرك بومضة عين أنها هي نفسها مجرد مزيج, الآخرين ككل. وبصراحة لست أدري إذا كان بمقدورها أن تتحمل إدراكها هذا.

في تلك الحالة يبقى بديل ضعيف جدا ووحيد: أن تعود الى ما نسميه، من أجل البساطة والأمان. جيي ايزاكسون، مزيج خانق ساكن من الصفات المرسومة والنماذج المختلفة للتصرفات.

ومن ناحية ثانية، فإذا ما قبلت معرفتها الجديدة فإنها تترك نفسها تنساق بعيدا وبعيدا نحو مركز عالمها يقودها ضوء حدسها الى رحلة اكتشاف سوف تكشفها في آن الى الناس الآخرين في تصاميم لا نهاية لها.

هنالك بديل يؤكد: اللانهائية تصبح غير محتملة، الآلية تتكسر تحت  صعوبات الرحلة، يصيبها التعب من تزايد اتساع بعد نظرها ومن الملل الذي تسببه مثل هذه البصيرة. تتعب وتطفئ النور في اليقين الذي تجله بأنها إذا ما أطفأته النور فسيحل الظلام على أي حال - والهدوء.

أعتقد أنه من المهم أننا قلنا كل هذا نظرا لما له من أهمية إزاء موقفا من الفيلم الذي سنصنعه إنسانيا وفنيا.

أقصد أن نوع الفيلم الذي سنباشر عمله يقدم احتمالات خطيرة فنيا لا مكانية تدفق الأفكار في نوع من الإسهال الفكري - فأن نقرر في كل لحظة ما هو صواب وصادق وملائم يمكن أن يكون نوعا ما خداعا.

وكذلك فالجهد المبذول لا يجوز أن  يكون  ملحوظا. كل شئ  يجب أن يعطى انطباعا بأنه طبيعي  ومع ذلك يكون ممكنا أن نخلقه من مصادر مادتنا المحدودة. لننطلق إذن في مغامرة جديدة.:

المشهد هو العيادة النفعية في المستشفى العام. بعد الظهر من منتصف شهر يونيو / حزيران.

آخر مريضة عند جيني ذلك اليوم هي ماريا. واضح أنها كانت تبكي. تجلس محدودبة وذراعاها متدليتان على الجانبين. شعرها الأسود ينسدل على كفيها كثيفا ومتشابكا.. ووجهها الجميل وارما تكسوه البقع. تحملق جيني في عنصر الزينة الوحيد في الغرفة البيضاء العارية: لوحة زيتية بغيضة، ربما تكون هدية من أحد المرضى ذوى الميول الفنية، وهى تزيد من خواء الغرفة.

جيني: (بعد انتظار طويل) نحن نجلس هكذا منذ نصف ساعة. يجب أن أذهب سريعا وستكون لدينا فرصة أخرى للكلام يوم الاثنين.

ماريا: آه، تعالى.

جيني: لا أدري ما تعنين.

ماريا: أنت تعلمين جيدا أنني قد فقدت حشوة ضرس.

جيني: كلا، لا أعلم.

ماريا: البارحة حضرت الممرضة  و اخبرتني أنه يتوجب على الذهاب إلى طبيب الأسنان.

جيني: حسنا.

ماريا: أنت التي رتبت هذا الأمر اليس كذلك؟

جيني: صدقا، لا أدري ما الذي تتكلمين عنه. تنهض ماريا ببطء. وجهها شاحب جدا وعيونها يسكنها غضب كامن. تبصق في وجه جيني. تبقى جيني جالسة وتبدو عليها سيماء المفاجأة أكثر من الاضطراب.

جيني: اجلسي ودعينا نقلب هذا الموضوع.

(بسرعة البرق تمسك ماريا ملف أوراق موضوعا على الطاولة وتهوى به على رأس جيني بكل ما أوتيت من قوة. ترفع جيني يديها في الوقت المناسب لتبعد عن نفسها هذه الضربة).

جيني: (بغضب) لا تكوني غبية.

تتناثر محتويات الملف في مختلف أرجاء الأرضية. تمسك جيني بقبضتها كتف ماريا وتدفعها نحو أحد الكراسي.

جيني: ( بغضب) اهدئي واجلسي يا ماريا !

(تهدأ ماريا وتريح ظهرها على الكرسي وهى تنظر إلى جيني بتعبير جريح "تجلس جيني بقربها على كرسى أصفر خشبي).

جيني: إنك دائما تتذرعين بأسباب.

(ولكن نبرتها لم تعد عدائية. ترفع ذراعها وتريحها أولا على جبهتها ثم تصلب ذراعيها فوق رأسها كطفل مكتئب).

جيني: اعتقد انني أرسلتك إلى طبيب الأسنان كي يعطيك حقنة اليس كذلك؟ مسكن. أليس كذلك يا ماريا.

ماريا: سألت الممرضة فقالت لي قد اضطر لأخذ حقنة، وعندما قلت انني اعتقد أنها ليست ضرورية لأن الجذر كان تم حشوه، قالت من الأفضل أن اهيئ نفسي لحقنة على أي حال.

جيني: انت التي اختلقت كل هذا. لقد وعدتك الا تعطي أية حقن أو حبوب وأنا سأحافظ على كلمتي.

ماريا: اتريدين أن تعرفي ما هو خطؤك الخادع. حسنا، سأقول لك لأنني استنتجه. أنت غير قادرة على الحب! وما أعنيه بالحب هو الحب وليس ممارسة الجنس، ولو انني أشك بقدرتك على ممارسته.

هل تعلمين ما انت؟ انت تقريبا إنسانه غير حقيقية. حاولت أن أحبك كما انت لأنني اعتقدت انني اذا ما أحببت جيني باصرار عندئذ ربما سوف تصبح أكثر حقيقية، وأعني أقل اضطرابا وأكثر ثقة بالنفس. حسنا، ان الناس تفعل ذلك، أليس كذلك، عندما يعرفون أنهم محبوبون وحتى لو كان الذي يحبهم كلب. لكن لا أمل يرجى !

تنظر جيني بعيونها الكبيرة الزرقاء الرائعة الجمال، أجمل عيون في العالم، وكل ما أراه هو اضطرابها. ألم تحبى أحدا في حياتك ياجيني؟ (تضحك وتمد يدها وتضعها على فخذ جيني) ماذا تقولين اذا ما رفعت يدي وصفعت خدك؟ ماذا تقولين اذا ما خفضت يدي وبدأت بمداعبة صدرك؟ ماذا تقولين إذا.... إذا خفضت يدي أخر وبدأت بمداعبتك بين الساقين؟

جيني: انت لطيفة حقا ومقنعة جدا. ولكن عليك أن تتذكري أن على الطبيب فى معالجة هذه الحالة بعينها. المشكلة الكبيرة والتي لم يوجد لها حل حتى الآن هي كيف نتجنب التورط بين الطبيب والمريض.

ماريا: (بعد وقفة قصيرة) هل تحبين أن تكوني قاسية أثناء تأدية  المهنة.

جيني: الآن بدأت وضع الأمور في نصابها. انت تعرفين كما أعرف أنا ان العلاقة لن تفيد كلينا.

ماريا: على أي حال في النهاية ستخونينني.

جيني: ماذا تعنين " أخونك"؟ أنا طبيبتك وأنا أحاول أن أشفيك. أنها مسؤوليتي أن أجد الوسيلة لذلك.

ماريا: (مسرعة) هل انت متأكدة من ذلك؟ اعني أليس من الضروري أن نتشارك في تحمل المسؤولية.

جيني: هذا كلام لا يوصل إلى نتيجة.

ماريا: اعني اليس علينا تقاسم المسؤولية والمخاطرة في آن؟ لماذا اتحمل أنا المخاطرة وانت تأخذين على عاتقك الشئ الغامض غير المؤذى الذي يسمى المسؤولية؟

جيني: هذا غير ممكن عمليا.

ماريا: لم لا؟

جيني: مثل هذه الاختبارات جربت من قبل وكان نجاحها محدودا.

ماريا: نجاحها محدود. انت رائعة !

جيني: ماذا تفعلين الآن؟

ماريا: (بهدوء) إذا لن تمارسى فعل الحب معى؟

جيني: (مبتسمة) كلا، طبعا لن افعل. ولكن إذا ما كنت ترغبين في الاستمرار بمحاولتي علاجك فأنا سأفعل كل ما في وسعى بسعادة.

ماريا: انظري إلى لمدة دقيقة. كلا. انظري فعلأ. انظري في عيوني يا جيني. ماذا ترين؟

جيني: أرى انك تحاولين تمثيل دور ما.

ماريا: ماذا أمثل؟

جيني: الكرب. الخوف. الكرب على ما اعتقد.

ماريا: وماذا امثل الآن؟ انظري جيدا.

جيني: لا اعرف.

ماريا: كنت اقلدك.

(ضحكات)

جيني: لا استطيع أن أقول ذلك.

ماريا. كلا لا تستطيعين. (تتوقف) مسكينة ياجيني.

جيني: ليس هنالك ما يدعو للشفقة على.

ماريا: كلا، طبعا لا. انني أنا المدعاة للشفقة. الا تعتقدين أن الطقس رطب وحار؟

جيني: كان يبدو وكأن عاصفة تلوح في الأفق بعد الظهر.

ماريا: الا تشعرين أحيانا انك عاجزة، فاقدة الأمل والقوة بسبب عجزك.

جيني: ماذا تعنين.

ماريا: اعني كطبيبة نفسية.

جيني: لا اعتقد ذلك.

ماريا: أنا متأكدة أنه على الصفحة الأولى من كتابك الدراسي الأول قيل أن الطبيبة النفعية لا يجوز إطلاقا أن تشعر بالعجز واليأس، وأن تكون ضعيفة خائرة القوى. وإذا ما شعرت خلافا لأية قواعد بأنها عاجزة خائرة القوى فعليها الا تعترف بذلك. الا يوجد هذا على أول صفحة من كتابك الدراسي الرئيسي؟

 جيني: نعم، أنها تقول ذلك فعلا.

(تحاول ماريا تقبيل جيني ولكنها تدفعها بعيدا. ثم تبدأ ماريا بالضحك. تهز رأسها وتضحك. تنحني لتلتقط الأوراق المبعثرة على الأرض. تدفعها جيني جانبا وتلتقطها بنفسها. فجأة تغادر ماريا الغرفة وتفلق الباب دون إحداث أي صوت. تجلس جيني على الكرسي الأصفر وهى ترتجف).

في تلك الأمسية العاصفة من شهر يونيو تنتقل جيني إلى منزل جديها. أنهما يسكنان شقة فسيحة من طراز قديم في شارع هادئ بالقرب من حديقة عامة تحدها مياه فسيحة ولها ممرات مورقة بالقرب من المياه. وعلى الجانب الآخر هنالك كنيسة من العصر الفكتورى يرسل برجها العالي النحيل ظلاله على طول الشارع في الصباح الصيفي المبكر.

وفى هذا المساء بالذات تبدو البلدة مهجورة، فلا تجد جيني عناء في إيجاد موقف لسيارتها مباشرة عند المدخل المزخرف لبناء المنزل.

تدخل إلى الرواق بأناقته الرصينة التي أصبحت رثة بفعل الزمن: درج رخامي " سياج سلم نحاس، بساط أحمر سميك، زجاج شبابيك معشق لوحات على الجدران، موزاييك على الأرضية، حاملات مصابيح جدارية مميزة الشكل ترسل ضوءا موحشا على كل هذا البهاء.

قفص المصعد يرسل صريرا وهو يهبط ويتوقف متنهدا. يفتح باب المطعم جانبا وتظهر امرأة ضخمة متدثرة كليا بالسواد تتلمس طريقها إلى الخارج. تحمل بمقبضها عصاة بيضاء. توقف جيني فجأة اندفاعها لتساعد السيدة العجوز، فهي تبدو وكأنها في منزلها. بعد أن وقفت على أرض ثابتة "سارت بسرعة مذهلة نحو السلالم، تمسك باسياج بلا تردد وتبدأ نزولها نحو باب الشارع.

تدور إلى الخلف وكأنها تدرك أن هنالك من يراقبها. وجهها قوى وشاحب جدا. محجر عينها اليمنى محملقا أجوف. عندما تشاهدجيني تبتسم ابتسامة خابية وتدور باتجاه الباب الذي تفتحه دون أدنى صعوبة.

(الجدة امرأة مليئة بالحيوية وسيمة ذات عينين صافيتين وخدين لا يزالان أملسين موردين. تعانق حفيدتها بسعادة). الجدة. لو تعلمين كم أنا سعيدة برؤيتك ! أنا وجدك أصابتنا نشوة مفاجئة طوال اليوم. تعالى معي لأريك. وضعتك في غرفة كارين. لن تنزعجي هناك. والآن وفى فصل الصيف لا يصدر أي صوت عن الشارع. هل تفضلين وسادة أقسى؟ على ما أتذكر أنك..

جيني: كلا، شكرا يا جدتي هذا جيد.

الجدة: دعيني أرى الآن... لقد اخليت لك المكتب وإحدى الخزائن. استطيع أن أخلى الأخرى أيضا اذا لم يكن لديك متسع من المكان. أنها ملابس صيفية قديمة فحسب. لا أدري لم هي مازالت هنا. من الأفضل أن....

جيني: جدتي الحبيبة خزانة ومكتب أكثر من كاف. الجدة: اذا كنت بحاجة الى طاولة كتابة أكبر استطيع إدخال تلك الموجودة في غرفة كارل. من المستبعد حضوره هذا الصيف، وربما انت...

جيني: استطيع أن اتدبر أمري بهذه الطاولة.

الجدة: عديني أن تقولي لي إذا ما احتجت شيئا. أنا وجدك كنا ننتظر حضورك.

جيني: وأنا كذلك.

الجدة: والآن دعينا نذهب ونحيى جدك.

جيني: كيف حاله.

الجدة. اعتقد أنه أحسن ( تضحك ضحكة صغيرة) تعلمين أنه قد أصبح ظريفا جدا.

(دخول غرفة استقبال الجد والجدة مثل دخول العالم الذي مات بانتهاء الحرب العالمية الأولى. الستائر، كل ما هو معلق " البسط، المفروشات، الصور، حاملات المصابيح الجدارية الدائرية. الأبواب الفرنسية العالية، الساعة النحاسية، المدفأة المفتوحة، المرايا، التماثيل النصفية الصغيرة، أعداد لا تحصى من صور الأولاد والأحفاد والأصدقاء والأقارب. أواني الزهور وأصص النباتات.. كل شىء هنا يعيش حياته الهادئة الوديعة في ضوء النهار المريح للنظر وغسق الأماسى الطويلة. يجلس الجد في كرسى كبير مريح، الدلالة الوحيدة على مرضه السابق شحوبه. وهو نظيف الثياب حليق الذقن. الى جانب الكرسي طاولة منخفضة تتراكم عليها الكتب والجرائد والألبومات، وكذلك كأس من الشراب الصافى. مد الجد يده وأخذ يقرب جيني اليه، وبينما هما يتعانقان تنزلق نظارته الى الأسفل بصورة معوجة. تبدو على الاثنين علائم التأثر).

جيني: مرحبا يا جدي ! جئت لامكث فترة شهرين. ايريك يهديك السلام. انه في شيكاغو يتابع أعمال مؤتمر. لقد تكلمت معه على الهاتف وقال أن لديه الكثير ليخبرك به. جدتي تقول إنك تشعر بتحسن وهذا يبدو عليك. سوف تشرب فنجانا من الشاي معنا، أليس كذلك؟

(تعطيه الجده الشاى على صينية صغيرة تضعها على ذراع الكرسي. وعلى صحن شريحتان من الخبز المحمص مدهونتان بالمربى).

الجدة: وكيف حال أنا الصغيرة؟

جيني: ذهبت البارحة الى مخيم فروسية وما لبثت أن وقعت في حب فتى يكبرها بثلاثة أعوام. يخبرها عن ثورة العالم. والأمور على أحسن ما يرام.

الجدة: هل الولد في نفس المخيم أيضا؟

جيني: جدتي العزيزة لا تحملي هما. أنا اتمت الرابعة عشرة وتستطيع أن تعتني بنفسها.

الجدة: هل تأخذين سكرا؟

جيني: نعم شكرا. ثلاث قطع. جدتي ! هل صنعت الفطائر المستديرة: في الوقت الذي قررت اتباع نظام غذائي خاص.

الجدة: لم اسمع شيئا أغبي من هذا.

جيني: على أي حال بعد مخيم الفروسية ستذهب أنا لتمكث مع صديقتها المفضلة سكاين، ولن تعود للمنزل حتى بدء المدرسة.

الجدة: ومتى سيكون البيت الجديد جاهزا للانتقال اليه؟

جيني: أتمنى أن يكون ذلك عند بداية أغسطس. لقد أقسم البناؤون بالكتاب المقدس. لا أحد يعرف على أي حال. الجدة: وستنشغلين طوال فترة الصيف.

جيني: نعم.

الجدة: ألن تأخذي أية اجازة إطلاقا؟

جيني: آه، اريك وأنا قد نذهب إلى تيورمينا في أكتوبر. سوف نرى.

الجدة: فقط ما نوع هذا العمل؟

جيني: أنا أخذت مكان المشرف الطبي للعيادة السيكولوجية في المستشفى العام.

الجدة: أرجو أن يكون المردود المالي مرتفعا؟

 جيني: نعم، شكرا يا جدتي، المردود المالي جيد. الجدة. كيف ترين عملك؟

جيني: أنا من نوع البشر الذين يحبون ما هم فيه. أنا اشبهك. (الجدة التى انهت شرب شايها بدأت ترخو الجوارب، تلقى النظر على حفيدتها من فوق نظارتها)

الجدة: ما بالك؟

جيني: بالنسبة لي؟ أنا جيدة.

الجدة: هل هناك من خلاف بينك وبين أريك؟

جيني: (تضحك) كلا، قطفا كلا !

الجدة: هنالك شئ على أي حال.

جيني: أنا فقط مضطربة قليلا. لم أشف حتى الآن من تلك الانفلونزا التي أصابتني في الربيع. ربما أكون بحاجة إلى فيتامينات أو ما مشابه ذلك.

يسمع صوت نخير من كرسي الجد. تقف الجدة  فورا وتذهب اليه ثم تنادى جيني.

فتح الجد ألبوم صور قديما. هنالك صور من صيف بعيد عندما كانت جيني فتاة صغيرة وكان المنزل الكبير في الأرخبيل، مليئا بالأولاد والكبار.

الجدة:.اعتقد أن هذا كان صيف الثمانية والأربعين. نعم، لا ريب أنه ذلك الصيف لأن جريتا كانت حاملا وراجني كان مولودا في. بداية سبتمبر. كما كان عددنا كثيرا عندئذ! وذلك القارب البائس الذي كان لدينا والذي كان دائما يتحطم. كم كنت ازدريه.

(تقول الجدة هذا على سبيل الإغاظة بينما يبتسم الجد ابتسامة ساخرة. ثم يشير بأصبع طويل نحيل إلى صورة لجيني وهى في الثامنة من العمر.

تقف صغيرة نحيلة جدا ضئيلة تتطلع بسرورإلى الكاميرا، وتمسك رجلا بيدها).

جيني: آه كانت هنالك أسباب لذلك.

الجدة: يحب جدك أن يتذكر هذه الصور القديمة، باستطاعته الجلوس لساعات يتأملها.

(تربت على خده قليلأ وتتابع رفو الجوارب. تبقى جيني واقفة بجانب الكرسي تاركة جدها يغوص في الماضي). في ساعات متاخرة من نفس المساء وجيني لا تستطيع النوم. أخيرا تقوم وتمشى بخطي خافتة نحو المطبخ. تسخن قليلا من الحليب، تأخذ باتيه الكبد ومخلل الخيار من الثلاجة وتضر الزبدة على قطعة من الخبز الطازج، ثم تجلس على طاولة المطبخ الكبيرة. تفتح الراديو الصغير المحمول الموضوع على الرف قرب النافذة فتهدأ نفسها بالاستماع إلى سوناتة لموزارت. وحتى تبعد نفسها أكثر تلتقط مجلة قديمة وتفتحها على الطاولة.

الشباك مفتوح قليلأ على الليل الدافئ. بدأت تمطر وبين الفينة والأخرى يسمع صوت الرعد عن بعد.

يفتح الباب والجدة تختلس النظر إلى الداخل. تلبس ثوبا للخروج أخضر غامقا طويلا. شعرها الذي تتخلله مسحات حمراء جمع بضفيرة كثيفة.

جيني: مرحبا، هل تريدين سندويتشا وبعض الحليب؟ الجدة: كلأ اعتقد انني سوف أصنع لنفسى بعض القهوة. لا شئ يدفعني إلى النوم أكثرمن فنجان من القهوة القوية في مثل هذا الوقت من الليل.

جيني: هل جدي نائم:

الجدة: لمدة خمسين عاما خلت لم اتمكن من التخمين إذا كان جدك نائما أم لا. يذهب إلى السرير ويضع يديه على صدر" ويبدو كالملك في عظمته. وعندئذ من العبث مخاطبته. فهو يدخل إلى داخل نفسه ويفلق الباب.

جيني: ظننت أنه كان يبدو شديد التعب.

الجدة: الشلل تحسن، وفى بعض الأحيان أصبحنا نستطيع المحاورة. ولكن انت تعلمين كم هو قليل الصبر يغضب كثيرا إذا لم تفهمي ما يعنيه.

جيني: كيف تتأقلمين مع كونك ممرضة طوال الوقت؟: آه لا يستطيع أن يصدر الأوامر إلى لمجرد أنه مريض. جيني " الا تتمنين أبدا أن تكوني أكثر حرية؟

الجدة: أن يموت جدك، تعنين؟ أن يكون لدى من أرعاه وأغضب منه وأربت على خده أو مجرد اتكلم معه... شئ مهم.

جيني: اعتقد كذلك أيضا.

الجدة: سأخبرك أمرا. جدك لم يصبح ذلك العالم المشهور كما توقع الجميع. كان عديم الصبر الى أبعد الحدود ومتعاليا. خلال تلك السنوات كنت متعبة من أدائه. في الواقع كدت أن أترك البيت مصطحبة كل الأولاد. كان لا يحتمل.

جيني: ولكنك لم تتركي فعلا؟

الجدة: كلا لم افعل.

جيني: هل حدث شئ خاص؟

(تحتسي الجدة ما تبقى من القهوة وتنظر إلى جيني. تضحك ضحكة قصيرة وكأنها خجلي. جيني التي شعرت لأول مرة منذ سنين بالدفئ والاسترخاء بدأت تضحك أيضا. أخذت يد جدتها)

جيني: اخبريني الآن.

الجدة: واستمررت في الغضب من جدك يوما بعد يوم لأنه كان لا يتوقف عن التذمر من كل شئ من المال وإدارة المنزل وثياب الأولاد ومظهري الخارجي ولا أدري ماذا غير ذلك. كنت متعبة جدا - كان على القيام بمهنة التدريس، وكنا في بداية انتقالنا إلى ايسالإ، وكل شي" في غير موقعه. حسنا، في يوم من الأيام كنت أجرى مسرعة في شارع حاردن إذ كان على أن أذهب إلى المنزل خلال فترة الغداء لسبب ما... آه" نعم " ليندا كانت مصابة بالحصبة وكانت ابنة أمها المدللة.

جيني: وبعد ذلك؟

الجدة:حسنا، تصادف أن نظرت إلى أعلى فوجدته هناك يسير على الجانب الآخر من الشارع. كنت آتية من المدرسة " وكان هو في طريقه إلى شارع كوين " وهكذا كان ظهره إلى ثم استدار عند الزاوية.

جيني: هل كان هنالك شيء خاص في طريقة نظره اليك؟ الجدة: الجد؟ كلا " إطلاقا. كأن يسير برشاقة، ظهرا مستقيم وانفه مرتفع في الهواء كالعادة. نشيط جدا وأنيق وقبعته بزاويتها المتعالية العادية. آه كلا، كان يبدو متشامخا مثل العادة. اتوقع أن تفهمي هذا أكثر منى حيث أنك نلت درجة الدكتوراه بكل التواءات العقل. قد يكون لكل منها اسم لاتيني.

جيني: ليس هنالك أي شئ عن الحب في كتبنا الدراسية.

الجدة: فهمت. همم.. حسنا لا استطيع أن اسميه حبا بالضبط. أنه نوع من التفاهم. فجأة ادركت معنى مختلف الأشياء: حياتي وجدك وحياته ومستقبل الأولاد والحياة) الثانية ولا أدري ماذا؟

جيني: عرفت كل هذا منذ ذلك الحين؟

الجدة: على أن أبذل مجهودا كبيرا لأتذكر كيف شعرت حينئذ.

جيني: كان قديسا من قال، " الحب نعمة إلهية. من يعيش فيها لا يدرك أنه من المختارين. الحب يؤثر في أفعالهم بشكل طبيعي تماما كما تعطى الوردة أريجها والعندليب أغنيته،". اعتقد كان هذا القديس فرنسيس.

الجدة: حالة من النعيم الإلهية؟ نعمة من؟

جيني: للقديس فرنسيس بدون شك.

الجدة: (باحترام) حمنا، هذا فقط معنى للتظاهر. بالنسبة لي الحياة كانت دائما اعتبارات عملية.

جيني: آه، نعم.

الجدة: حسنا، أنه وقت النوم. من الأفضل أن أغلق الشباك خوفا من الرعد والمزيد من المطر.

(تقوم الجدة بسرعة وتقفل النوافذ. يطفئان ضوء المطبخ، ويقبلان بعضهما قبلة التمنيات بليلة هنيئة ويذهبان كل في طريقه. يزداد المطر انهمارا، ويسمع  قعقعة على أعالي السقف).

تتمدد جيني على السرير الكبير المريح. تتناول كتابا ولكنها تجد نفسها في غاية النعاس. توقف محاولة القراءة وتطفئ النور. تتثاءب وتستدير على بطنها وتذهب فورا في النوم. تستيقظ ولديها شعور بالشلل، مقابل سريرها في الضوء المتغير الليلى، الذي لا ظلال له تستطيع أن تتبين كتلة لا شكل لها رمادية متدحرجة. الآن أخذت مشكلا، ترتفع وتجمع نفسها. أنها امرأة- مرتديه لونا رماديا. إحدى العينين مقلوعة ومكانها فجوة سوداء وببطء موجع تدير وجهها الرهيب نحو جيني وتحملق فيها. ثم تأخذ بالكلام. الشفتان الرقيقتان السوداوان تشكلان كلمات لا تفهمها جيني، والتعبير المرسوم على وجه السيدة يتبدل إلى تململ قاس. بجهد كبير تبدأ برفع نفسها عن المقعد وهى تنظر نظرة ثابتة إلى جيني التي تبادلها النظرة رغم أنها مازالت مشلولة عن الحركة. الآن تقف المرأة على الأرض وجهها يشوهه الغضب. تقترب من السرير بحركات متدفقة غير حقيقية. تحاول جيني الصراخ ولكنها لا تستطيع أن تخرج أي صوت. عندئذ فقط تختفي الرؤيا وتستيقظ. تضيئ النور، وتجلس لفترة طويلة مقيدة إلى السرير. تمطر بشدة وضوء رمادي يتشكل على مصراع النافذة. الوقت الثالثة والنصف صباحا. تنهض من السرير ويأخذ تخطو ذهابا وإيابا في الحجرة. تشعر بالبرد فتضع عليها ثوب الحمام. تخرج إلى غرفة الجلوس، تجلس في كرسي جدها وتحاول تهدئة نفسها. " ما بالى، لم أكن هكذا طوال حياتي، ماذا أصابني؟ "

يبزغ النهار قاسيا ورماديا خارج الشبابيك الكبيرة. ينساب المطر على درف الشبابيك. ترسل الساعة النحاسية أربع ضربات سريعة- النوتات العميقة لساعة الجد.

دكتوره جيني ايزاكسون  و دكتور هلموت و انكل  يجلسان في مكتب جيني في عيادة الطب النفسي في المستشفى العام يراجعان برنامج اليوم.

يرسل وانكل الدخان حلقات متتالية بعصبية، يضع نظارات سميكة ويتكلم بلهجة قوية ولكن بشىء من الفأفأة.

جبني: الا تستطيع إيقاف التدخين لفترة؟ أكاد أموت من تسمم النيكوتين.

وانكل: جيني، عزيزتي، اغفري لي ! لنفتح الشباك. آه أنه مفتوح.

جاهز. سوف افرغ صحن السجائر و... على فكرة كيف حال ماريا؟ سمعت أنك عانيت من مشاكلها.

( بشكل احتفالي يبالغ في حركاته، يلتقط صحن السجائر ويفرغه في المزبالة).

جبني: كانت تحت رعايتي لمدة شهرين. عندما جاءت لم تكن تستطيع بناء علاقة بأي شكل. كانت تقريبا مصابة بالإغماء التخشيبي، يرافقه هجوم عنيف من التوتر والعدائية. الآن تستطيع على الأقل تبادل الكلام. (تتوقف) آه نعم! اوقفنا العلاج من أي نوع - لم تعد تتجاوب مع...

 وانكل: اعرف. انت اخبرتني.

جيني: أنه شىء لا يصدق. أنا على أي حال لم أصادف مثل هذه المقاومة

وانكل: تعلمين كما اعلم أنا أيضا أننا لا نستطيع أن نستبقى الأشخاص شهرا بعد الآخر دون معالجة. علينا أن نفعل شيئا لنخرجها.

جيني: ماريا إنسانة موهوبة. حساسة، ماهرة ومجهزة تجهيزا عاطفيا جيدا.

وانكل: ما فائدة كل هذه الصفات الممتازة إذا ما عتم الاضطراب عقلها.

جيني: على أي حال اعتقد انني احرزت تقدما بسيطا.

وانكل: يمكنك التخلى عنها لي إذا ما اكتفيت بما فعلت. وتدركين أنه من العبث معالجة معتوهين من أمثالها. حتى الآن لا يوجد سوى حلول ميكانيكية.

جبني: وهل تستحق هذه أن تسمى حلولا؟ وانكل. عزيزتي جيني.. إن أحد الأطباء النفسانيين المجانين المشعوذين كتب مرة أن الأمراض العقلية  البلاء الأعظم على هذه البسيطة وتليها سوءا معالجة هذه الأمراض. أنا ميال للموافقة معه.

جيني: ( تضحك) انت فعلا عالم مشجع.

وانكل: منذ عشرين عاما ادركت القسوة غير المفهومة لأساليبنا وإفلاس التحليل النفسي التام.. اعتقد أنه بمقدورنا شفاء إنسان واحد فعلا. واحد أو اثنان يتحسنان رغم مجهوداتنا.

جيني: الإنسان آلة.

وانكل: بالضبط ! نغير قطع غيار ونستأصل اعراضا.

جيني: على أي حال، سأبقى ماريا فترة أخرى. إذا لم يكن لديك مانع؟

وانكل: أنت الرئيسة. الآن على الأقل. (يبتسم) هل تأذنين لي بالمغادرة الآن: سأتناول الغداء مع وزير الإسكان (مدمن مخدرات عادى صعب شفاؤه) بالإضافة إلى ذلك، فأنا أكاد أموت توقا لتدخين سيجارة.

جيني: إلى اللقاء.

وانكل: إلى اللقاء. وكما قلت اعطني ماريا عندما يصيبك التعب منها. ويفضل أن يكون ذلك قبل عودة ايرنمن من رحلته إلى استراليا. يهيأ له أن هذا مصنع عليه أن يسدد تكاليفه وهو يحب أن يرى المعتوهين يتدفقون عليه. ولهذا فهو محبوب من جميع اسياسيين ويستطيع أن يتسكع حول العالم ناشرا انجيله. ( يتنهد بلطف، يجمع أوراقه، ويكدسها في حقيبة اليد التى تبدو على وشك الانفجار. ثم يشعل سيجارة ويشفط منها بشكل مسعور).

جيني: حسنا مع السلامة ( تهوى نفسها)

وانكل: آه على فكرة، متحضرين حفلة زوجتي الصغيرة، اليس كذلك؟

جيني: كما ترى، أنا ألبس أحسن ما عندي، ثوب يوم الأحد، حتى إذا ما ذهبت أكون جاهزة. هل ستذهب أنت؟

وانكل: سيكون شيئا غير لائق حيث إنها ستقدم حبيبها الجديد سترومبورغ الصغير.

جيني: الممثل !

وانكل: هو بعينه.

جيني: اعتقد أنه...

وانكل: أنه بالضبط يصغر زوجتى بستة وثلاثين عاما. إن هذا كله مؤثر(بجدية لم اعني مؤثر بدون أية سخرية.

جيني: ولكن اليس سترومبورغ الشاب...

وانكل: نعم هو كذلك. اليزابيث تحب أيضا أصدقاء سترومبورغ من الممثلين. أنها بمثابة والدة لهم جميعا.

جبني: إذن على أن أذهب.

وانكل: يمكنك أن تقولى لها عن لساني أنني اتكهن شيئا ما يمكن أن يحدث بالنسبة لسترومبورغ الشاب. وانني أحبها رغم كل شئ.

(يتابع إشعال سيجارة جديدة) تفتح السيدة وانكل الباب بنفسها. عندما تلمح جيني تنفجر بالضحك.

(وإذا ما كان أحد يرغب في معرفة ما شكلها، أنها امرأة صغيرة حيوية، دافئة، وصدوقة ذات شعر قصير رمادى ووجه دائري طفولي وعينين بنيتين طريتين)

اليزابيث: جيني! حسنا هذا وقت مناسب لظهرك

جيني: ( مرتبكة) ألم تكن الساعة الخامسة؟

اليزابيث: كلا، لقد كانت الساعة الثانية وقد غادرا لجميع تقريبا. ولكن ادخلي. كم أنا سعيدة لرؤيتك. ما أظرف لباسك. هل هو جديد! وكم أنت جميلة ! يا ألهى، يا ليتني اشبهك! يا عزيزتي

أنا سعيدة برؤيتك. ( قبلة) أين زوجك؟ آه، طبعا هو في أميركا. كم ذلك لطيف.

لم تضحك الاثنتان بفعل الصداقة وبسبب إسرافهما في الشراب. تأخذ جيني من ذراعها وتقودها نحو الاسترديو الكائن طابقين إلى الأعلى والملىء بالمفروشات والأشياء حديثة الموضة. الحيطان مليئة بلوحاتها التي تعبر عن شئ من حب الحياة. وتخيم على كل هذا شمس الصيف المبكرة. أبواب حديقة السطح مفتوحة على مصراعيها تسمح بدخول النسيم القادم من الميناء.

تأخر ضيف أو اثنان وتسرق اليزابيث لتقديمهما).

اليزابيث: هذا هو مايكل. أنا أحبه فعلا بجنون.. لطيف جدا معى. أنه شئ غير حقيقي. وهذا أفضل أصدقائه واسمه لودثيج لا يحب أن يدعوه أحد لودى. وهذا توماس قد تكونين سمعت عنه، أنه الشخص الذي يسافر حول الدول النامية ليعلم الفتيات كيف يستعملن موانع الحمل. إنه شئ مسل بشكل مخيف بالإضافة إلى أنه أظرف دكتور في الدنيا إذا كنت تشكين من الحب، تعرفين ما اعني. وهذا... كلا، لا أملك أية فكرة، ميك لعبتي، هل تعلمين من هو هذا، حسنا، دعينا لا نزعجه، أنه يأخذ إغفاءة، واعتقد أنني سأفعل ذلك بدورى بعد أن تهجم علينا الآن هو دائما متورط جدا كما تعلمين. وهاتان زوج من الفتيات الفاتنات الماهرات جدا واللتان افتتحتا دكانا عند الزاوية. (تهمس) هنالك شىء حول هؤلاء الفتيات الشابات في قمصانهن ذات القصة المنخفضة. تخيلي إذا ما كنا سوف - تخيلي لو أنت وأنا - لم تنفجر في قهقهة كالشخير وتحضن جيني اليها وهى تشدها نحوا لباب الذي يمتد على كامل الجانب البعيد للطابق الأرضى)

جيني: والآن أنت سعيدة.

اليزابيث: أقولها لك فقط ياجيني، لأنك تفهمين هذا النوع من الأشياء.. من الطبيعي أن تكون عندنا مشاكل.

جيني: آه؟

اليزابيث: وداعا ياجيني.

جيني: وداعا يا اليزابيث.

اليزابيث: مايكل معقد جدا. أحيانا أكاد أخاف منه. تعرفين أن لودثيج حقيقة شئ. ولكن عليك أن تأخذي القسوة مقابل السلاسة. وبشكل عام اعتقد - أننا ما يمكنك أن تسميه - سعداء.

جيني: كيف كان ذلك، يا اليزابيث؟

اليزابيث: أدركت أخيرا أنني ممتنة. ممتنة بتواضع لو تعلمين ما أعني. ليس فقط ما حدث مع مايكل ولكن لأنني مازلت احتفظ بنفس. اعلم أنها أحاسيس ومشاعري، لأنه لا فجوة تفصل بين نفسي وما تعانى من تجربة. يا الهى كم أعبر عنها بطريقة سيئة.

جيني: أكاد أحسدك.

(عندما كانت اليزابيث على وشك الإجابة تظهر الفتاتان شديدتا المهارة ببلزوتهما الديكولتيه. حضرتا للوداع. فتنشغل هي نفسها بمرافقتهما إلى الباب. تترك جيني وحدها لبرهة. تجلس في زاوية منزوية وتعلق عينيها).

(فجأة تشعر بأن أحدا يراقبها. تلتفت الى الوراء. خلفها بشكل غير مباشر يجلس الدكتور توماس جاكوبى وقد غرق في كنبة وثيرة. يبتسم مشجعا. تبادله جيني الابتسامة).

توماس: كيف حالك؟

جيني: حسنا شكرا. وكيف حالك يا ترى؟

توماس: أنا دائما جيد.

جيني: إذن عماذا سوف  تتكلم الآن؟

توماس: لدينا موضوع ممتاز.

جيني:آه؟

توماس: لديك مريضة تصادف أنها اختي غير الشقيقة.

جيني: ماريا.

توماس: نعم.

جيني: من غير اللائق مناقشة وضع مريضة في مثل هذا الإطار. توماس. (بمرح) لسنا مضطرين لذلك.

جيني: ماذا تعني؟

توماس: باستطاعتنا تناول الغداء معا. هنالك مطعم صغير عند الزاوية تماما.

جيني: حسنا، كنت أريد أن...

توماس: حسنا، مرة أخرى إذن. أنا في البلدة حتى منتصف أغسطس. وداعا يا جيني.

(يقف مبتسما ويتركها. ترى الآن أن ساقه اليسرى عرجاء: تبدو متيبسة ويصعب تحريكها. يتبادل مع اليزابيث بضع كلمات، ثم يقبلها على خدها ويعرج باتجاه القاعة يبحث عن عصاه. وكرد فعل عفوى تنهض جيني بسرعة وتسير مهرولة اليه).

جيني: انتظرني في المطعم. سوف أجرى مكالمة هاتفية، هذا إذا ما كان المعرض لا يزال قائما؟

(ينظر توماس اليها بابتسامة ثم يومي برأسه علامة التأكيد، ويفتر الباب الأمامي. تذهب جيني بحثا عن اليزابيث الموجودة في المطبخ مع الولدين الاثنين. منهمكة في تنظيف المكان لأنها إنسانه نظيفة).

جيني: هل استطيع استعمال هاتفك !

اليزابيث: حتما يا عزيزتي. استخدمى هاتف غرفة النوم حتى لا يزعجك أحد. اعتقد أن المكان يبدو مقلوبا، فالأولاد بدأوا يجربون ملابس الداخلية جميعها مباشرة قبل حضورالضيوف          ( ضحكات) أصابونى بالخوف - وهددونى بأن يظهروا وهم يجرجرون وراءهم فساتين السهرة الخاصة بي. لم تدخل جيني إلى غرفة النوم. حتما إنها في حالة من الفوضى. تجد التليفون على الأرض ملقى تحت الأريكة).

جيني: أهلأ مارتن ! كم أنا محظوظة لأنني وجدتك. آسفة الموعد هذا المساء قد ألغى. ماذا؟ نعم، أنه مريض. نعم؟ هل قابلت: شخصا أظرف؟ لا تكن سخيفا الآن، يا مارتن. الغيرة شئ لا مكان له بيننا. (يضحك) نعم، اعرف أنك كنت تمزح. مع السلامة يا عزيزي لم تضع السماعة مكانها) يا ألهى ! يا ألهى الموجود في السماء.

(في هذه الحالة تشق اليزابيث الباب وتختلس النظر إلى المداخل وص تبتسم بسعادة غامرة. ثم تدخل)

اليزابيث: هل ستتناولين الغداء مع توماس؟

جيني: هل كنت تستمعين؟

ايزابيث: يا عزيزتي يبدو عليك الشعور بالذنب بشكر مخيف وهذا شئ مثير.

جيني: (تضحك) هل أنا كذلك؟

اليزابيث: توماس مهووس بالنساء ولكنه مشوش جدا. يسعدني سماع ذلك.

اليزابيث: أيام زواجي من كارل توماس كان شابا سيىء السلوك ومزاجيا جدا. وحساسا جدا. حساس لدرجة أنى... حسنا لا داعى لذلك. مع السلامة يا عزيزتي. اعتنى بنفسك. سوف ادعوك الأسبوع القادم لأرى كيف سارت الأمور.

(تتعانقان بحرارة وتقبلان بعضهما البعض)

ترافق اليزابيث جيني حتى الباب. مايكل سترومبورغ العاشق الشاب يهيم شاردا بجانب عشيقته. يضع ذراعيه حولها ويقبلها قبلة قوية على أنفها المتعالى قائلا أن عليه القفز إلى أسفل لشراء سجائر قبل أن يقفل الدكان الكائن عند الزاومة. تضع اليزابيث يديها على وركيه وتهزه بلطفه وبحنان بالغ سائلة إياه إن كان يملك نقودا. نعم لديه.

تهبط جيني ومايكل الدرج بسرعة).

مايكل: انت إنسانة منكمشة اليست كذلك؟

جيني: نعم، ولماذا؟

مايكل: عندي صديقة قد تحتاج نصيحتك.

جيني: أغلب الظن أن هذا سيكون صعبا. فأنا لا أمارس العمل الخصوصي.

مايكل: لسوء حظ صديقتي. كنت أراقبك. تبدين ظريفة.

جيني: هل أنا كذلك؟ شكرا لك.

مايكل: هل لديك وقت للكلام؟

جيني: خمس دقائق.

مايكل: لنذهب إلى ساحة الدار. نستطيع أن نجلس هناك. (ساحة الدار مزروعة بالأشجار والشجيرات وبها ينبوع صغير اخلد الى النور مساء. ترتفع البنايات القديمة المقسمة إلى شقق حولها. هنالك مقعد حديقة أبيض صغير. قدم مايكل لجيني سيجارته الأخيرة. ترفض. يأخذها لنفسه ويدخن لفترة من الزمن بصمت. تسترق جيني النظر إلى ساعتها).

جيني: حسنا؟

مايكل: أنا منشغل بشئ ما.

جيني: هل هو بخصوص صديقك لودثيج؟

مايكل: كلا ! لا اعرف أحدا أقل خوفا من الموت من لود.

جيني. إذن صديقك خائف من أن يموت.

مايكل: بالضبط.

جيني: وهل هذا يشغل بالك؟

مايكل: هل تعتقدين أن بعضهم يمكن أن ينتحر لخوفه من الموت؟ يلوح إلى أن هذا نوع من الجنون ولكن هل هو شئ ممكن؟

جيني: أنه ليس شيئا غير مألوف.

مايكل: أي إنسان يخاف الموت بشكل دائم لا يمكن له أن يسعد في الحياة.

جيني: كلا.

مايكل: أنه كالمرضى.

جيني: الا تعتقد أن صديقك يجب أن يستشير طبيبا؟

مايكل: بحق يسوع نعم. أنه يذهب من مشعوذ حذق إلى آخر ويتكلم بحماقة عن خوفه من الموت.

جيني: حسنا؟

مايكل: آه، يستمعون اليه بلطف ومسفون له المهدئات. (ينظر اليها) بجدية، جيني،أليس هنالك من علاج لعذابه الجهنمي.

جيني: إذن الصديق هو أنت.

مايكل: نعم، يا عزيزتي. أنت ذكية جدا أخيرا.

(يبتسم بفمه الجميل والعيون الزرقاء، الكبيرة يغمق لونها بفعل الخوف)

جيني: باستطاعتك الاتصال بي يوم الاثنين في المستشفى. هاك الرقم. من الأفضل أن تتصل بعد الثامنة صباحا. عندئذ سأرى ما استطيع أن أفعله.

مايكل: ولكن ماذا على أن أفعل حتى ذلك الحين؟

جيني: هل الأمر بهذا السوء؟

مايكل: نعم. فجأة يتوقف الزمن، والثواني تصبح لا نهائية. أنها مثل الجلوس في طائرة توقف  محركها. كل خطوة آخذها - كل كلمة أقولها - كل برهة... شىء مضحك اليس كذلك؟ أنا أكثر الناس حظا في العالم. أنه الصيف. اليزابيث ألطف أم صغيرة يتخيلها الإنسان. أنا موهوب جدا. توماس الديناصور الهرم - رأيته بأعلى - كنا أصدقاء لفترة من الزمن، أنه نوع يائس من الناس. قد يقوم بعمل يأس وهو بالفعل أيضا حاول أن... حسنا إنه يقول إن الطريقة الوحيدة للتخلص من الخوف، من الموت، هي أن تحب الحياة وكأنك لن تموت أبدا. كل هذا يناسبه أن يتكلم عنه. هكذا هو الأمر يا جيني! أخاف أن أذهب للنوم عشيا لأني قد لا استيقظ مرة ثانية. واعرف أن هذا لابد منه. أنا، أنا، أنا مايكل مترومبورغ سوف أموت في أية لحظة بطريقة أو بأخرى. لا فائدة من البكاء أو الركض أو الاختفاء. لو كنت أؤمن بشىء عظيم فالأمر يبدو مختلفا. أحيانا أعرف كيف هي رائحته.

جيني: كيف هي الرائحة؟

مايكل: رائحة الموت. نتانة الجثث. انظر إلى يدي أضعها على أنفي واستطيع أن أشمها، حلوة بشكل مرض ومثير للاستفراغ. (العيون الزرقاء المكروبة، وجه الممثل الجميل، الصوت المدرب جيدا)

جيني: اتصل بي يوم الاثنين.

مايا: جيني.

جيني: نعم؟

مايكل: الا تخافين أبدا من الموت؟

جيني: كلا، لا اعتقد ذلك. أنا مثل معظم الناس، الذين يعتبرون أن الموت شىء يحدث للآخرين ولكن ليس لهم بالذات.

مايكل: هل عليك الذهاب الآن؟

جيني: ستكلمني يوم الاثنين. حتما.

مايكل: حتما.

(يرسل ابتسامته الساحرة ويهدئ الكرب الساكن في عيونه الزرقاء الكبيرة. فجأة تشعر جيني بالقلق)

جيني: ألن تقوم بفعل مجنون.

مايكل. مجنون؟ آه، عرفت: كلا، كلا لا تخافي يا عزيزتي. في اللحظة أنها دورة مجنونة. لن أكون وحيدا للحظة واحدة. ( تنهض) الن تكن تريد شراء، سجائر؟

مايكل: نعم، ولكنني سأجلس هنا لبرهة من الزمن حتى ارتاح. أريح أذني من حوار القرود في الطابق الخامس. أنا أحبه - آه حتما أحبه - ولكن في بعض الأحيان- بالمرض، إذا كنت تعرفين ما اعني.

جيني: إلى اللقاء.

مايكل: احترسي من توماس !

جيني: آه، لماذا؟

مايكل: إنه 00" أليس " في بلاد العجائب بشكلها الحقيقي، وان بصورة أكثر بلادة إذا كنت تدركين ما أعني.

مايكل: اعطه قبلة منى !

جيني: (ضاحكة) اعطه إياها أنت، إلى اللقاء.

(يضحك الاثنان وتترك جيني الممثل ليرتاح بعد مشهده الكبير) هي الآن واقفة في الشارع. أنه ضيق وملتو وعلى جانبيه بيوت قديمة عالية. الهواء مازال دافنا بفعل الشمس، رغم تجمع الغسق. تدق ساعة الكنيسة المجاهرة الثامنة. يسير الناس متجاوزينها. تسير بضع خطوات ثم تقف. تراودها فكرة أن تدور وتختفي حول الزاوية. ولكن توماس كان قد شاهدها. كان ينتظر خارج المطعم- جزئيا خلف المظلة المنخفضة).

توماس: هل ندخل إلى الداخل أو أنك ستتبعين جدتك فتهربين؟ يمكنك أن تفعلي ما، تريدين.

سوف أصاب بخيبة أمل قطعا يمكنك أن تفعلي ما تريدين. سوف أصاب بخيبة أمل قطعا ولكنني لن اتكسر. أنهم يقدمون فيليه صول شهية جدا.

جيني: أنا شديدة النهم.

توماس: حسنا إذن عينا نأكل ونرى ما يحدث. حسنا؟

(مطعم السمك الصغير تقريبا بسبب غياب معظم الناس بعيدا خلال فترة الصيف. توماس وجيني، بروح عالية، تناولا العشاء المؤلف من سمك الصول الشهير والنبيذ المعتق. وهما الآن يتناولان القهوة. توماس يدخن سيجارا فاخرا. وجيني منغمسة بتناول كأس صغيرة من البراندي).

توماس: وماذا تريدين أن تفعلي الآن. هل آخذك إلى المنزل أو أنك ترغبين في دورة صغيرة بالسيارة خارج البلدة؟ منزلي يقع في مكان جميل ولكنه متهدم. نستطيع الجلوس في الشرفة والاستماع إلى الموسيقى. اعدك أيضا بسكون كامل إذا وجدت ذلك مناسبا أكثر لك.

جيني: تتكلم وكأنك كتاب.

توماس: إنها فقط طريقة ما في الكلام. أنا خجول قليلا كما ترين.

جيني: (تبتسم) أنت خجول؟

توماس: صدقى أو لا تصدقي ولكنني تقرينا خجول. أنا أعيش كثيرا لوحدي كما ترين ماذا عنك؟

جيني: أنا لست معتادة الكلام. لأنني أنا أيضا اعتبر خجولة. بالإضافة إلى ذلك. أنا غير معتادة أن أكون في مثل هذا الوضع.

توماس: أي وضع؟

جيني: تناول العشاء مع رجل غريب. وإذا تكلمت بصدق فأنا أشعر أنني جسورة. والأكثر من ذلك لم اخرج- إذا ما كنت امتلك ضميرا شيئا أم لا.

توماس: (بمرح) بعض الناس يعتبرون قضية الضمير السيئ، كنوع من البهارات الإضافية على الاستمتاع.

جيني: (تحمى نفسها): الا تخبرني عن ماريا؟

توماس: ( بتنهد) من أين أبدأ؟ بشكل عام كانت تعتبر موهوبة. عملت في الكتابة على سبيل الهواية وكذلك التمثيل، وكانت لها علاقة حب أو اثنتان مأساويتان انتهتا إلى انفصال مأساوى أيضا عندما تعب الشابان منها. وبيني وبينك أقول سرا انني لا ألومهما.

جيني: آه؟

توماس: والدة ماريا ماتت في ظروف تراجيدية - قتلت نفسها. ماريا التي كانت شابة صغيرة في ذلك الوقت " جاءت لتعيش معنا. نحن من نفس الأب. في ذلك الوقت كانت الأمور جهنمية.

جيني: فهمت.

توماس: آه، أنا لا استطيع الشكوى. فقد كنت معظم الوقت بعيدا عن البيت، في البداية كنت في الكلية ثم في الخارج " ولكن ماريا أثارت غضب والدي وشقيقي الأصغر حتى كادا أن يفقدا عقليهما.

جيني: ماذا تعني بـ "أثارت " غضبهم؟

توماس:  الحب وكأنه داء الفيل. واللطف وكأنه قسوة، والتضحية بالنفس وكأنها أنانية. والاهتمام البالغ الذي يتحول إلى أخطبوط. لا أعرف. في بعض الأحيان اتساءل إذا ما كنت أنا المخطئ وماريا الطبيعية. وهذا يشغلنى ربما أكثر، طبعا.

جيني: هل تشعر بحزن تجاهها.

توماس. لا أعرف. عندما كنت طفلا رأيت كلبا يقتل. اطلقوا الرصاص عليه عدة مرات. لم يمت. بقى يصرخ وينظر الينا. أخيرا أخذ أحدهم يصب الجازولين عليه وأشعل به النار. ( يبتسم) هل نذهب؟

(يعيش توماس في منزل قديم البناء متداع يحيط به بستان مهمل بحاجة إلى تقليم)

توماس: البيت متداع بفعل الزمن وقلة الصيانة. بين الفترة والأخرى يخطر لي الأنتقال إلى مكان آخر أكثر عصرية , ولكن هذا هوا لحد الذي استطيع الوصول اليه. ماذا تحبين أن تشربي.

جيني: لا شئ شكرا.

توماس: ربما بعض القهوة؟

جيني: كلا. كلا بعد قليل ربما.

توماس: رجاء اجلسي. هذا أكثر المقاعد راحة. أنه مقعدى. ويمكنك تجاهله فأنا الوحيد في العالم الذي يعتقد أنه مريح

جيني: هل تعزف؟

(تشير إلى البيانو الكبير)

توماس: كلا كانت زوجتي هي التي تعزف.

جيني: هل هي ميتة؟

توماس: همم؟ أوه كلا. تم طلاقنا منذ بضع سنوات.

جيني: وكان هذا نجاحا أكثر من أي شىء آخر؟

توماس. الطلاق الفعلي كان أكثر الأجزاء نجاحا.

جيني: زوجي بعيد لمدة ثلاثة أشهر.

توماس: هكذا أوحيت صمتا عند الغداء.

جيني: فعليا أنا افتقده كثيرا جدا.

توماس: آه، أنا متأكد أنك تفتقدينه.

جيني: كل الأمور متشابهة، فقد اتخذت عشيقا لا يكاد يصل إلى نصف ظرفه. هل تدرك هذا؟

توماس: نعم، إلى حد ما.

جيني: لأضع الأمور بوقاحة، فإنه ممل جدا.

توماس. إذن تخلصي منه.

جيني: كلا سوف ينفع - حتى منتصف أغسطس. عندئذ اريك سيعود للمنزل.

توماس: اليس لديك أي علاج آخر لكدرك؟ هنا - وهناك.

(يشير إلى الصدر والبطن)

جيني: سوف ننتقل إلى منزل جديد في الخريف.

توماس: كم هو لطيف.

(يأخذ شكل المضطرب)

جيني: إنك مؤدب جدا. هل أصابك الضجر؟

توماس: كلا بتاتا. أنا فقط اتساءل عن صدرك. اتصوره جميلا جدا.

جيني: حتى أرضي فضولك أقول لك أنه فعلا كذلك. وعليك أن تكتفي بذلك.

توماس: ( حزينا) أنت تسيئين فهمي ولكن لا بأس. (يسود صمت طويل اخرق. يتبادلان الانخاب. تذهب جيني إلى النافذة وتنظر إلى الحديقة في ضوء الشفق)

توماس: اتزغبين في سيجارة؟

جيني: كلا شكرا. أنا لا أدخن.

توماس: عاقلة. عاقلة جدا.

جيني: عاقلة أم لا. أنا ذاهبة إلى البيت.

توماس:جيني. انتظري !

جيني: أنا تعبة جدا.

توماس: اتسمحين لي أن أقود سيارتك؟

جيني. لم تكن هذه هي الفكرة. رجاء اطلب لي تاكسيا. هل لك أن تصغي الي؟ فقط لبرهة من الزمن.

جيني: (تعبة ومبتسمة) حسنا ماذا تريد؟

توماس: الا يمكن أن نكون أنا وأنت صديقين؟ كلا لا تنخري باستهزاء.

أنا جاد، واعني ذلك.جيني ! هل تسمعينني !

( توماس مازال مبتسما ولكن وجهه معذب.جيني غاضبة جدا، تعبة وغاضبة. تبادله التحديق. هي تبتسم أيضا)

جيني: آه نعم ! أريد أن أعرف فقط كيف نصل من هنا إلى غرفة نومك.

وأيضا أريد أن أعرف ما هي الطريقة الخيالية التي تمتلكها حتى تتخلص من سخافة التعرية. ثم حتما أريد أن يقال لي ما هو التكنيك الذي ستستعمله لتكفيني - وتكفى نفسك. وما الذي تنتظر منى أن أفعله - فقط كم ستسمح لي أن أكون تقدمية وخلاقة حتى إذا ما أصابني الهوى فجأة لا أخيفك.

توماس: أنت مسلية جدا.

جيني: من المؤسف، لأنني أحاول أن أكون جدية. آه نعم ! أرجوك أخبرني كيف علينا أن نلفلف الموضوع كله عندما ينتهى مشهد الجنس. هل ستكون هنالك رقة وصمت - سيجارة تتوهج في ضوء الصباح الرمادي - أو سوف يكون هنالك كلام بسيط عصبي عن المرة الثانية بينما نتبادل أرقام الهاتف؟

توماس: أحقيقة لن تدعيني أوصلك إلى البيت بالسيارة؟

جيني: كلا شكرا. أريد أن أخذ تاكسيا. بالإضافة إلى أنك كنت تشرب الخمر.

توماس: وداعا، يا عزيزتي جيني. وأشكرك على هذه الأمسية المليئة بالسرور. أتأمل أن اراك ثانية في وقت ما.

جيني. نستطيع أن نذهب إلى السينما.

جيني: أوالى حفلة موسيقية. هنالك حفلات موسيقية جيدة جدا في الصيف.

جيني: هذا سيكون لطيفا.

توماس: سوف أكون على صلة بك.

جيني: قد اتصل بك.

توماس: هذا سوف يفاجئني.

جيني: إذن ربما سوف اتصل بك لهذا السبب بالذات.

توماس: التاكسي هنا.

(يخرجان نحو السلالم. أنه الآن ضوء نهار ولكن الشمس لم تبزغ بعد)

(تضع الشمس شكلا بالغ التعقيد على ورق جدران غرفة الجلوس الذي يتقدم نحو شيخوخته بلطف. الساعات تدق. الزمن الثالثة والربع، الهدوء شامل في الغرفة الكبيرة المليئة بالأشياء، الغريبة غير الحقيقية. العصافير تغنى في الحديقة بصوت عال متحد. تجلس جيني بمقعد جدها دون أن تخلع المعطف. ببساطة وجدت نفسها هناك فتابعت الجلوس. لا تشعر بالنعاس إطلاقا ولكنها تعبة. عيناها تؤلمانها قليلا، ولكنها لا تستطيع إغلاقهما. يداها قابضتان على السطح الأملس لكراساتها. يفتح الباب إلى غرفة الجد بدون أي صوت وكأن شبحا فعل ذلك بعد بضع دقائق يجر الجد قدميه ببطء إلى الداخل. يلبس ثوب الحمام والخف وشعره الرمادي المنفوش يشكل سحابة حول رأسه الهرم.

جيني لا تعلمه بوجودها وهى مختفية تماما في الكرسي الكبير. يقف الجد قرب الشباك لبرهة من الزمن وهو ينظر إلى الشارع. ترسم خيوط الشمس البرتقالية بروفيلا له ولرقبته النحيلة على الحائط الغامق.

ثم يرفع نفسه وكأنما يترك أفكاره الحزينة وراءه. يخترق طريقه نحو ساعة الجد في الخارج في غرفة الطعام، ويأخذ في التحسس بحثا عن المفتاح. ثم يبدأ في إدارة الساعة. في تلك اللحظة يفتح باب غرفة الجدة وتخرج بخطي خافتة.

 الجدة: (بغضب) ماذا تفعل في مثل هذه الساعة؟

الجد: الساعة...

الجدة: عزيزي لقد ادرناها جيدا الليلة الفائتة. لا يفيد- إطلاقا ادارتها كثيرا.

الجد: إنها دائمة التوقف.

الجدة: كلا إنها لا تفعل. جاءنا ساعاتي ففحصها بدقة وقال إنها أفضل ساعات جدي التي راها حتى الآن.

الجد: تفوت الوقت.

الجدة: تقيس الزمن مثل باقي الساعات ولكن إذا اصررت على العبث بها فهي ستقف حتما.

(يجلس جامدا حذرا على كرسى الطعام مطأطئ الرأس تحت عار الرضوخ. تجلس الجدة قربه وتنتظر. بعد أن تنهد الجد لبرهة من الزمن وعبر عن توتره بطرق مختلفة تأخذ يده بين يديها بمنتهى الرقة)

الجدة: لن أضعك في منزل من منازل السنين. إنها مخيلتك فقط، هل تسمعني؟

الجد: ولكننا لا نملك أن...

الجدة: يا للتفاهة الا تذكر أن المحامى كان هنا الأسبوع الماضي وأخبرك أن وضعنا المالي جيد جدا

الجد: إنه يفوقني خرفا.

الجدة: آه كلا هو ليس كذلك.

الجد: أليس كذلك؟

الجدة: كلا هو ليس كذلك.

الجد: تعنين أنه صافى الذهن.

الجدة: نعم.

الجد. (يتنهد بعمق) أنا خجل خجلا ملعونا.

الجدة: ليس هنالك ما تخجل منه.

الجد: ليس معك ولكن مع جميع الضيوف.

الجدة: الآن تتصرف بثقل دم، فجيني ليست ضيفة.

الجد: هنالك اضطراب شديد في المنزل.

الجدة: أنت متوتر فقط لأنك كنت مريضا، هذا كل شىء. إنه الصيف الآن. في شهر أغسطس سوف نذهب إلى الريف. وهذا سيفيدك.

الشيخوخة هي جهنم.

(يبدأ الجد بالبكاء، يبكى بيأس كالطفل، في نفس الوقت يحاول السيطرة على انفجار، خجلا من دموعه. تجلس الجدة بلا حركة ممسكة بيده بين يديها).

الجدة: هاك هاك لا تهتم الآن. أنا لك وسأبقى دائما معك وأنت تعرف ذلك. ليس هنالك ما تضطرب من أجله. (يستمر الجد في البكاء لبعض الوقت. ثم يتوقف ويركن رأسه إلى كتف الجدة. تربت على رأسه وخدوده).

الجد: سامحيني.

الجدة: تعال واستلق في سريري سوف تشعر بالراحة وتنام بشكل أفضل.

الجد: سوف اشخر وابقيك مستيقظة.

الجدة: أخذت كمية كافية من النوم. تعال معى الآن. سأجعلك تشعر بالراحة والمتعة.

الجد: أنا أغضب بشدة.

الجدة: ليس لديك ما تخجل منه. هل حاولت التبول؟

الجد: لا احتاج لذلك.

الجدة: من الأفضل أن تحاول على أي حال. وإلا فستضطر للقيام فور نومك مباشرة.

الجد: لا استطيع أن أقرر أي شئ لنفسي؟

الجدة: لا تصرخ هكذا. سوف توقظ جيني.

الجد: سوف اذهب للتبول على أي حال. وسوف أفعل ذلك لأسعدك. كما هو الحال دائما.

الجدة: انتبه لكيفية وقوفك. لننطلق الآن.

الجد: تستمر ساعة الجد في التأخير.

الجدة: سوف استدعي الساعاتي عدا.

الجد: لا داعى للعجلة. فأنا لا أسير بسرعة كما كنت أفعل. (يختفيان في غرفة الجدة وهما يتمتمان. بعد فترة نسمع صوت الماء في المرحاض. تدريجيا يعود الهدوء الشامل) ترتفع الشمس أعلى ثم أعلى. الشكل الرسوم على الحائط يتغير ويصبح أكثر عمقا ويتحرك إلى جنب، الطيور في الحديقة صمتت. اصبح الهدوء شديدا.

جيني بدأت تغفو وهى تجلس على الكرسي. فجأة تستيقظ على صوت الجرس. التليفون يدق. تنظر إلى الساعة فتجدها تشير إلى السادسة. عندما ترفع السماعة كل ما تستطيع سماعه هو رجل يتنفس. قالت هاللو، ولكنها مازالت لا تسمع إجابة من الجانب الآخر. تسمع الموسيقى في الخلفية. فجأة يقهقه أحدهم بصوت خافت. صوت رجل يقول شيئا لها ثم يضع السماعة مكانها.

تقف جيني برهة أو اثنتين محتارة في أمرها تتلمس شعورا مقيتا يزحف اليها، عيناها تؤلمانها من التعب، ثم تصل فجأة إلى قرار.

في مثل هذه الساعة من الصباح لا تزال الشوارع فارغة. الجو أصبح دافئا. ترتجف الشمس فوق البلدة. تقود جيني سيارتها بسرعة وتصميم. تصل إلى البيت المهجور خلال عشرين دقيقة، تضع المفتاح في القفل، تفتح الباب، وتدخل. تفتش أولا في الدور الأرضى. أنه خال وساكن: بعض الذبابات ترسل ازيزا بموازاة النوافذ القذرة. في الخارج، أوراق الصيف - كثيفة ووقائية. تسرع إلى أعلى الدرج. تجد ماريا على أرض ما كانت تسمى غرفة نوم - على جانبها وملتفة على نفسها كالجنين. عيناها نصف مقفلتين ولا تحملان أية علامة من علائم الوعى.

بعد فحص سريع تنهض جيني وتذهب إلى الغرفة الثانية حيث يستقر التليفون على مقعد منزو في الخلف. تجلس على المقعد وتضع التليفون في حضنها وتطلب رقم المستشفى. عندئذ تكتشف أنها ليست لوحدها. رجل في الخمسين يقف في الممر. ويلمح رجل آخر في الخليفة. أنه أصغر بكثير، يكاد يكون ولدا.

الرجل: من تطلبين.

جيني: على أن آخذ ماريا إلى المستشفى بأسرع ما يمكن.

الرجل: علام السرعة؟

جيني: أنها فاقدة الوعى. ماذا فعلت بها؟

الرجل: إذن أنت متأكدة أننا نحن الذين أعطيناها ما جفاها مكانها.

جيني: كائن من يكن فيجب إخراجها من هنا.

الرجل: نستطيع أن نساعدك. لا تحتاجين عربة إسعاف.

جيني: أفضل أن أعالج الأمر بطريقتي الخاصة. (يذهب الرجل اليها، يأخذ التليفون، ويضع السماعة جانبا) الرجل. لا تخافي فلن أؤذيك.

جيني: لدي اقتراح. اخرج من هنا فورا وسآخذ ماريا معى. لن أبلغ عنك بسبب اقتحامك المنزل ولن يعرف أحد أنى رأيتك. (يقرفص الرجل أمامها. يبتسم. دخل الولد إلى الغرفة واقفل الباب وراءه)

الرجل: استمعي إلى دقيقة واحدة.

جيني. لا اعتقد أن هذا يهمني.

(يصل الرجل اليها ويرفع يده إلى وجهها بحركة وحشية) الرجل. كلا أنت غير مهتمة. ولكن على أي حال فإن الأمر كذلك، سواء أردت أن تعرفي أو لا. ماريا جاءت إلى منزلنا متأخرة الليلة البارحة. خلال الليل مرضت وبدأت تصرخ في طلبك، وقالت إن علينا أن نأخذها اليك حالا أينما كنت. وهكذا وجدنا رقمك في دفتر التليفونات وجئنا بها إلى هنا. لم يفتح أحد الباب: ولذلك زحف الشاب الواقف هناك إلى الداخل عبر شباك المخزن. عندما وجدنا المنزل خاليا اتصلت بالمستشفى وبعد مشاحنة جهنمية حصلت على رقم سكنك.

(فجأة يدفع الرجل الأصغر جيني أرضا، تحاول أن ترفع نفسها ولكنه يتمدد عليها. تحامل أن تقاتل ولكن الرجل الأكبر يمسكها بقوة.

يدفع الولد تنورتها إلى أعلى ويمزق سروالها. يبدأ الرجل بالضحك لأنه يجد محاولات الولد الشديدة التهيج مسلية. يتابع ضغط ذراعيها وكتفيها بشدة على الأرض. فجأة تتوقف جيني عن المقاومة وتستلقى بلا حراك. فوقها وجه الولد الأحمر المجنون يقطر عرقا، ونيكوتينا وقذارة. امسك بصدرها الأيسر وبدأ في مصه بنوع يائس من الجوع وهو يقوم بمحاولات مجهضة مرة تلو الأخرى للدخول اليها. تنظر جيني إلى الوجه الوحش المشوه المضغوط على صدرها. الشعر كثيف الفئراني، الجبهة، الخد الأملس، الفم الطفولي. تحملق في وجهه لبرمة طويلة غير حقيقية.

الصبي: كلا أنها محكمة الإغلاق.

(ينهض ويقفل سحابه. تبقى جيني متلقية على الأرض. يدخل الرجلان إلى الغرفة الثانية. يتمتمان مع بعض لبضع لحظات، ثم يعود الأكبر وهو يحمل دفترها. يفتحه ويبحث في داخله. يجد بعض الفواتير التي يكدسها في جيوبه: ثم يسقط الحقيبة على الأرض).

الرجل. بعض النساء عليهن أن يدفعن مقابل النوم معهن. أنت لا تعرف هذا. هل تعرف؟ (ينحنى فوقها ومنظر اليها نظرة طويلة قاسية)

الآن تستطيعين أن تستدعى سيارة الإسعاف.

(يحرك الهاتف حتى يصبح في متناول اليد ثم يذهب إلى الغرفة الثانية. يصفق الباب، وبعد لحظات قليلة يصفق أيضا باب المطبخ).

تدار سيارة خلف المنزل وتشق طريقها إلى أسفل على الحصى المسحوق باتجاه الطريق.

تصل جيني الى الهاتف وتطلب سيارة الإسعاف. تذهب إلى الغرفة الثانية حيث ترقد ماريا بلا حراك على جانبها. ثم تذهب جيني إلى الحمام وتغسل وجهها وتنشفه بمنديل وجدته في حقيبتها. تقف لبرهة من الزمن منحنية الى الأمام وذراعاها مسندتان الى الحوض. المكان مكتظ بالأشياء؟ الشمس تتلألأ عبر الزجاج الملئ بالضباب حيث تئز بضع ذبابات لا حيلة لها ولا قوة. تشعر بصداع نصفى.

عندما تنطلق عربة الإسعاف بعيدا تجلس على الكرسي الوحيد بالقرب من التليفون. تأخذ كتابا أحمر صغيرا من حقيبتها وتمر عبر صفحاته بحثا عما تريد. ثم تجد رقم التليفون). هاللو. هل لي بمخاطبة دكتور جاكوب؟ رجاء قولى له انني دكتورة ايزاكسون. جيني ايزاكسون. نعم.

(بقيت منتظرة لوقت طويل. أنها تحارب هياجا عنيفا وهى تشعر ألم رمادي ينطلق منتشرا في أحشائها. يشدو بغضب وتهاجمها حاجة ماسة للصراخ. تتأرجح قليلأ على الكرسي، تدعك وجهها بيديها عدة مرات وتجلس على الأرض وتغمض عينيها ثم تفتحهما، وتبحث عن تنهدات ثقيلة وهى تتنفس. رغم كل هذه العواطف تتمكن من ضبط صوتها عندما يأتي توماس أخيرا إلى التليفون)

جيني: فكرت أنه يتوجب على الاتصال بك.ماريا في حالة سيئة لا أدري ربما تناولت كمية زائدة من المخدرات ولكنني غير متأكدة. لقد هربت من المستشفى. وجدتها في مكاني. نعم داخل المنزل. الا استطيع أن أراك؟ عندئذ سوف استطيع أن اخبرك بالمزيد. ماذا؟ هل نحن ذاهبان الى حفلة موسيقية هذا المساء؟ نعم هذا سيكون جميلا. تستطيع أخذي من المستشفى. آه كلا شكرا على أي حال.

(قاعة الحفلة الموسيقية كائنة في قصر بني في نهاية القرن، وهو مستخدم الآن كقاعة عرض للفنون. الغرف محشوة باللوحات والتماثيل التي تعود إلى تلك المرحلة. البقع الخضراء والأشجار في الحديقة يمكن مشاهدتها عبر النوافذ الكبيرة، وبقعة هادئة ممتدة في المياه تتلألأ في ضوء الغسق، في أماسى الصيف.

الحضور لا يملأون فقط قاعة الحفلة نفسها ولكن أيضا الغرف المجاورة والممرات والسلالم. وصل توماس وجيني متأخرين ولذلك وجدا نفسيهما يصعدان الدرج المهوجانى الخشبى إلى الطابق الثاني. يجلسان على مقعد صغير خشبي وضع على منبسط الدرج وظهرهما إلى الحائط. جلسا مضغوطين إلى بعضهما البعض مثل باقي الذين تأخروا في الحضور وعصروا أنفسهم في أي مكان.

(يقوم عازف البيانو بعزف فانتازيا في E ماينور لموزارت).

يمتزج ضوء الغسق بالضوء الشاحب المنسكب من الثريا الكبيرة ليضئ برفق الوجوه العديدة حول جيني التي يفاجئها أن العديد من الناس يستمعون متململين وبدون تركيز: يوجهون نظراتهم هنا وهناك، يمسكون بوجوههم، يتأففون بحركات عصبية: يعبثون أشياء غير مرئية، وكأن نبضات وحركات اليوم لا تزال تأسرهم. من الأفضل أن تنظر الى هؤلاء الذين أغمضوا أعينهم توجهوا إلى دواخلهم، والذين يسمعون، وهم يسترخون، وتريحهم أفكار سعيدة أو لا أفكار بتاتا. هنالك شابان ذائبان في بعضهما البعض، وهنالك رجل عجوز يجلس لوحده منحنيا ومشوها , ولكنه رفيع في أسلوب استماعه. هنالك امرأة متوسطة العمر تحيط بها وحدة هائلة وحزن هادئ مرسوم على وجهها، وهنالك ولد داكن البشرة يلبس نظارة سميكة وعيناها متجهتان نحو الغسق المنسكب من الشباك الكبير، وجهه ملئ بالتوق. فتاة صغيرة سقطت نائمة على ذراعي سيدة شابة ربما تكون والدتها. وهى بدورها تسند رأسها على كتف رجل، يلفهما توافق حميم، راضيين ببعضهما البعض , وبنفسيهما وباستمرار تدفق الموسيقى. سيدة كبيرة تضع مساحيق لكثيفة على وجهها وشعرها مصبوغ باللون الأزرق، من الواضح أنها سائحة أميركية، تجلس جامدة، مضغوطة في زاوية، بعيدة كل البعد عن الراحة ولكنها تبتسم باستمرار لنفسها، وعيناها الكبيرتان الرماديتان تشردان بهدوء من شخص إلى آخر.

على جيني أن تغلق عينيها. عليها أن تدخل إلى نفسها. ولكنها سرعان ما تكتشف فورا أن هذا ليس هو المكان الملائم، ففيه ما يدور فيجعلها تخاف وتصاب بالدوار. كلا، ليس هناك. لا تستطيع أن تذهب إلى هناك. طالما هي هادئة لا تتحرك وتراقب يد توماس بعينين نصف مغلقتين فكل شيئ  يكون حسنا. طالما عودت نفسها الا تنظر إلى داخل نفسها فكل شىء على ما يرام. أنها الآن مسألة دقيقة بدقيقة أو ساعة بساعة.

تعرف بغريزتها أنها بالقدر الذي يمكنها أن تبعد ما قد يحصل في أية لحظة تكون فرصتها أكبر في التعلق بالحقيقة التي تتلاشى تدريجيا. تعرف أن هذا هو أهم ما في العالم الآن. ثم نجدهما ينتقلان بسيارة توماس. مازال هناك ضوء السماء بيضاء وحمراء، وضباب قليل الكثافة مزرق معلق مثل وشاح فوق الأشجار والطريق والمياه المتلألئة. قبل دخول المنزل تحذره جيني بحركة عكس اتجاه اليد التي تفتح الباب.

جيني: دعنا لا نتكلم كثيرا.

توماس: تماما كما تشائين.

جيني: إنك متفهم اليس كذلك

توماس. (برفق) كلا، ليس حقا.

جيني: إن الأمر هكذا: على الإنسان أن يعبر بعض ساعات الحياة.

(تعتبره متقبلا ما تقول، وكأنها تتوقع أن يفهم، ولكنه يبادلها بابتسامة صديق متسائلة)

توماس: حسنا، وماذا في ذلك؟

جيني: هنالك ساعات ما أو ربما دقائق فقط.

توماس: هل الأمر كذلك؟ الآن؟

جيني: قد يكمن كذلك، على أي حال أنا سعيدة لكوننا معا.

(يدخلان القاعة. تصاب جيني برعشة خفيفة: يمسكها توماس من كتفيها)

توماس: أنت بحاجة إلى مشروب، لا شك في ذلك.

(يسكب واحدا ويعطيها اياه. تقف بجانبه مراقبة)

جيني: عندما تقابلنا المرة الماضية كنا سخفاء. الا تعتقد ذلك؟

توماس. نادرا ما أفكر انني سخيف.

(تتحرك جيني حول الغرفة. تمسك عدة أشياء. بين الفترة والأخرى تقف وتنظر إليه وكأنها تريد أن تتأكد أنه مازال هناك ولم يتلاش في الهواء)

جيني: هل عندك بعض الحبوب المنومة الجيدة؟

توماس: نعم إلى حد ما جيدة. هل تريدين واحدة؟

جيني: سوف أخبرك ماذا أحب أكثر من أي شئ.

توماس. قلت أننا لن نتكلم.

جيني: اعطني الحبة، أو حتى اثنتين إذا اعتقدت أنني سأنام مرتين جيدا.

توماس: وبعد ذلك؟

جيني: ثم دعنى أنام هنا معك في سريرك. دون أن نمارس الحب. ولكن عليك أن تمسك يدي إذا كان هذا ضروريا. هل تفكر بشئ كهذا.

(يذهب توماس رأسا إلى الحمام ويعود بكأس من الماء وبعض الحبوب المنومة يوازنها على صفحة كفه. يأخذ منها كأس البراندي)

توماس: إذا كنت ستأخذين كمية كبيرة كهذه فعليك الا تشربي.

جيني: كلا. هذا صحيح.

توماس: هاك نصف ميلي جرام من الثاليوم وحبتين من غادون. أنها خليط جيد. أنا آخذها عادة وليس لها أي تأثير فيما بعد. إذا شربت قهوة قوية في الصباح فسوف تتابعين نشاطك جيدا.

جيني: حسنا.

توماس: هاك.

جيني: شكرا.

توماس: متى أوقظك؟

جيني: مباشرة قبل السابعة، فعلى أن أكون في المستشفى حوالي الثامنة والنصف.

توماس: الا تستطيعين أن تتصلي بالتليفون وتقولي أنك مريضة؟

جيني. (تهز يديها) إذا فرض على أن تكون الأشياء كالمعتاد فسوف تكون عندئذ كالمعتاد. الا توافقني؟ (تنظر اليه) هذا هو الحال معى على أي حال.

توماس: هل تعالجين مرضاك بهذه الطريقة؟ كيف: كلا هم مرضى أما أنا فلا.

يستلقى كل منهم على أحد جانبي السرير المزدوج. يطفئ توماس فانوس القراءة. في البداية تبدو الدنيا عظمة. ولكن بعد بضع دقائق يبدأ ضوء الفسق بالظهور منعكسا على ستارة النافذة، وبسرعة تبدأ جيني بالتعرف على موجودات الغرفة. تستلقى ساكنة بعض الوقت وعيناها مغلقتان.

جيني: شىء غريب اصابني اليوم (تستدير على جنبها وذراعها تحت خدها وتثبت نظرها على المستطيل المشرق من النافذة) عندما ذهبت لأحضر ماريا كان هنالك رجلان في المنزل. أحدهما حاول اغتصابي. في البداية كنت خائفة ثم بعد ذلك فكرت أن الموضوع سخيف، ثم.

توماس: (لافتا رأسه) وبعد ذلك؟

جيني: كان وجهه يعبق بالاحمرار. استلقى ضاغطا فمه على صدري ومحاولا الدخول إلى.

توماس: ثم؟

جيني: فجأة رغبت رغبة جامحة في أن يفعل ذلك.

توماس: هل تعتقدين أن ذلك كان غريبا؟

جيني: كلا الشئ الغريب كان عدم استطاعتي قبوله بنفس الشدة التي رغبت فيه. وجدت نفسي مقفلة، مشلولة وجافة. (فجأة تبدأ في الضحك الذي ينفجر إلى الخارج وكأنها كانت تحاول خنقه، ضحكة ميتة تماما. تهتز ضحكا، تحاول السيطرة على ضحكها، يبدو للحظة وكأنه أصبح تحت سيطرتها ولكنه يعود فينفجر مرة ثانية. يبدو توماس مذهولا في البداية.

يبتسم ليحافظ على رفقتها. عندما يتبدى له أنها لا تضحك على الجانب الكوميدي من الموقف ولا لمجرد متعة الحياة ولكن لأن هذا شيء مخيف، عندئذ يضئ النور ويجلس في السرير. تستلقى جيني على ظهرها وظاهر يديها مضغوط على وجهها. وشعرها الطويل منكوش على الشرشف وسقطت المخدة على الأرض، جسدها متعب من نوبات المضحك المكبوتة.

جيني: أنا آسفه. لا أدري... لا استطيع أن... ماذا بي..

توماس: حاولي الجلوس.

(تجلس جيني، ظهرها محني، اكتافها مرخية وذرعها متيبستان)

جيني: لا استطيع أن أفكر بما....

توماس: حاولي التنفس بهدوء الآن. خذى نفسا عميقا..

(تحاول جيني طائعة أن تفعل ها طلب منها. ولكن نوبة قوية من الضحك تنفجر من خلال تنفسها العميق. ثم يتحول الضحك الوحشى إلى نشيج متقيأ).

جيني: كلا. كلا. لا أريد أن أفعل. لا أريد أن أفعل.

(يحاول توماس أن يحملها بين ذراعيه ولكنها تقاتل لكي تتحرر منه وتحدق به طالبة النجدة هازة برأسها. وخلال كل هذا الوقت تعذبها تأوهات متشنجة)

جيني: أريد أن أذهب إلى المنزل. رجاء اطلب تاكسيا. كلا لن تحضر أنت معى. استطيع تدبر الأمر لوحدي. سوف تمر هذه الحالة.

(تنهض من السرير، ترتعش وكأنها مصابة بحمى. وبمجرد أن تنفجر فجأة باكية يعاودها الضحك مرة أخرى) توماس. هل استدعى طبيبا؟

جيني: ماذا ! مع وجود كل هؤلاء الخبراء هنا. أنا تعبة فقط ولست مصابة بأي شئ. سوف أصل إلى البيت وادخل السرير. لم يصبني أي ضرر على الإطلاق.

(تجلس جسدها بجهد عنيف ثم تقف بهدوء للحظة أو اثنتين وكأنها تتأمل وتستمع إلى داخلها)

توماس: كيف تشعرين الآن؟

جيني: أفضل.

توماس: قولى ما تشائين ولكني سوف أقودك إلى المنزل.

(خلال ركوبهما السيارة يتكلمان قليلا. عندما يقفان خارج باب جيني يحاول توماس النزول لمساعدتها ولكنها تمنعه من ذلك)

جيني: أنا أفضل بكثير الآن. شكرا لك. أنا آسفه انني... سامحني .. سامحني على تصرفي السمج. سوف أسرق بضع ساعات من النوم وغدا سأكون أفضل، وبعد ذلك سيكون عندي يوما عطلة ( تنحني إلى الأمام وتقبل خدوده) في المرة القادمة سوف نتكلم عنك فقط.

(تخلع ثيابها بسرعة وتربط ساعة المنبه. أنها مسيطرة تماما على نفسها ومزاجها جيد تقريبا. تفتح الترانزستور الصغير بقرب السرير وهو يرسل موسيقى ناعمة. يتلألأ ضوء الصباح خارج الشباك. تدخل السرير طلبا للدفء وتغرق في نوم بلا أحلام. ينسل الوعى متبخرا. تتنفس بعمق. تستيقظ لتجد الجدة تجلس على حافة السرير وصينية الفطور إلى جانبها. تحذق جيني بها مذهولة ودائخة تحت تأثير النوم.

جيني: ماذا بك؟

الجدة: لقد نمت بعمق طوال يوم أمس وطوال الليلة الماضية.

بدأت انشغل عليك.

جيني: ما هو اليوم بين الأيام.

الجدة: السبت. أنها الساعة التاسعة. اتصلت تليفونيا بالمستشفى وقلت لهم أن معدتك مضطربة.

جيني: يا للسماوات، لقد نمت على قدر دوران عقارب الساعة.

الجدة: لقد احضرت لك بعض الفطور.

جيني: هذا لطف منك، ولكنني لا أريد أي شئ.

الجدة: خذى شيئا من القهوة وقطعة من الخبز المحمص. ستفيدك.

جيني: رأسي يؤلمني.

الجدة: قد تكون حرارتك مرتفعة.

جيني: سوف تختفي إذا بقيت في السرير اليوم وغدا.

الجدة: أنا خائفة لأنني لن أكون في المنزل لاهتم بك الجد وأنا مدعوان للذهاب والبقاء مع ايحيرمانز في هوجساترا، ولا نستطيع رفض دعوتهم. جدك يتلهف كثيرا للبقاء في الريف لبضت أيام.

جيني: ولكنني يا جدتي الحبيبة سوف أكون على ما يرام وأنا بمفردي.

الجدة: هل ستكونين على ما يرام؟ هل أنت متأكدة؟

جيني: سوف استمتع بذلك.

الجدة: كل ما تحتاجينه موجود في الفريزر. هنالك شريحة لحم وطبق دجاج. ولقد اشتريت حليبا وخبزا و....جيني. (بجهد) جدتي العزيزة ! ارجو لك وقتا طيبا في هوجساترا، وبحق الله لا يشغلك الشعور بالذنب بسبي. يمتعني الاهتمام بنفسي عندما لا أكون بحالة جيدة.

الجدة: هل تعدينني بأن تتصلي بي إذا ما ساءت حالتك؟ ( بجهد) اعدك. بحق الله.

(تقبلها الجدة على خديها وتربت على رأسها وتنظر إليها بعينين حادتين واضحتين)

الجدة: اليس هنالك أي شىء آخر؟

جيني: كلا

الجدة: هل أنت متأكدة؟

جيني: متأكدة جدا.

الجدة: هل اتصل بالعمة ايريكا لتأتي منا وترى أحوالك؟

أي شىء آخر ولكن ليس العمة ايريكا.

جيني: حسنا، إذن.

(تغادر الجدة. بعد بضع دقائق تفرق جيني في نوبة إغماء. تستيقظ على ضوء ذهبي ينسكب على الغرفة بضياء مبهر. اليوم صباح الأحد وأجراس الكنائس ترسل صداها في الشوارع الفارغة، تدعو الناس إلى صلاة الصباح. تجلس وهى تشعر بخفة جسدها رأسها. الغرفة تومض بالضوء وعيناها تؤلمانها قليلا).

لا ريب أن اليوم الأحد - صباحا - واضح جدا - أجراس الكنائس. على أن استيقظ وربما آكل شيئا. اشعر بأنني غريبة ولكن القلق قد زال وهذا هو الشئ المهم. خطوة تلو الأخرى وسأكون كلى بخير غدا، قليل من الطعام. تمشية أقدام. كتاب لطيف. وربما اذهب إلى السينما.

(تخرج من سريرها وتتمكن من تدبر أمرها أكفر مما تخيلت. تذهب إلى المطبخ تضع ابريق الماء الساخن، تخرج البيض والجبن والخبز، تجد علبة القهوة - تسير الأمور أفضل كثير مما تجرأت وأملت به.

ترن الأجراس، وتحوم الشمس المتلألئة على الستائر، والبسط والثريات، والصور والتماثيل النصفية. تتماوج المخضرة على الجانب الآخر من الشارع بشكل مكفهر. لا يرى كائن ولا سيارة ولا مخلوق على مرمى النظر. تسحب بلوزة خفيفة وبنطلونا فضفاضا رثا وصندلا مريحا. الطقس أصبح دافئا تقرينا. جلدة رأسها تتعرق في حافتها بينما يدب البرد في يديها وكتفيها.ما عدا ذلك فهي تشعرانها على ما يرام وحتى أكثرمن ذلك فهي مبتهجة قليلا. تضحك لنفسها وتأخذ بالتمطى.

جيني: ساتصل بتوماس. لا أدري لماذا لا يصطحبني إلى السينما الليلة.

(تسرع خارجة إلى المطبخ وترفع البيض المسلوق عن الطباخ. تضع القهوة وترتب المائدة ثم تتصل بتوماس. يجيبها فورا لم هاللو توماس، أناجيني. أريد فقط الاعتذار لأنني كنت مزعجة المرة الماضية. اشعر اننى رائعة فكرت أنك قد تحب أن تدعوني إلى السينما هذا المساء. ما هذا اوه كم هو لطيف.

(تنظر جيني إلى أعلى. في المرآة  تبدو غرفة الجلوس تستحم بالضوء. المرأة الطويلة واقفة عند مصدر تدفق الشمس، تحملق في جيني بعينها الواحدة. محجر عينها اليمنى عبارة عن حفرة سوداء.

تضع جيني السماعة ببطه وتتجه نحو غرفة الجلوس. الشكل  بين الشبابيك مازال هناك. تذهب إلى غرفتها وتجلس على السرير محاولة التحرك بهدوء وتماسك. ثم تعود إلى غرفة الجدة والتي هي أيضا خالية. ليس هنالك شكل مرعب له محجر عين خالية في غرفة الجد كذلك. السكون، أشعة الشمس المشرقة. ضربات قلبها تتسارع. تقف على طاولة المطبخ، يداها على قطعة قماش الزيت. ساعة المطبخ تتكتك منهمكة، صوت موسيقي مرحة ينبعث من راديو فى مشقة مواجهة للباحة، تأن صغيرتان تلعبان لعبة الحجلة على الأسفلت الأسود. السماء بيضاء بفعل الضوء.

تعود اليس غرفتها، تجلس على كرسى قرب النافذة: تخرج مسجلتها الصغيرة من تحت كومة الكتب ذات العناوين الأجنبية. أنا الآن هادئة تقريبا. تأخذ نفسا عميقا بين الفترة والأخرى. تبدأ بتشغيل المسجل.

جيني: عزيزي أريك، يا عزيزي. من الأسهل أن أخاطب مسجلأ. أخر من أن أكتب رسالة. لقد كان هذا حالي دائما. فبمجرد أن أبدأ في وضع أفكاري كتابة تهرب منى الكلمات. بعد فترة قصيرة سأتناول خمسين حبة نيمبوتال. بعد ذلك سأذهب إلى السرير وأنام. اعتقد أنك ستغضب منى بسبب ذلك. حسب ما أذكر فنحن لم نناقش إمكانية أن ينتحر واحد منا - لم يكن هنالك ما يستدعى ذلك. على أي حال ادرك فجأة أن ما أريد أن افعله بعد برهة قصيرة كان يكمن في داخلي منذ بضع سنوات. لا يعنى هذا أنني صممت إراديا أن أنهى حياتي. تفكر بذلك. أنا ليست مخادعة إلى هذا الحد. الأمر أكد من هذا. انني كنت أعيش في عزلة كانت تزداد سوءا. الخط الفاصل بين سلوكي الخارجي وضعفي وجدبي الداخلي أصبح أكثر وضوحا. اذكر عيد العنصرة الماضي مثلا ذهبت أنت وأنا وأنا في نزهة في الغابة. أنت وأنا استمتعنا تماما. تظاهرت أنا بأن الأمر كان رائعا أيضا وقلت كم كنت سعيدة، ولكن هذا لم يكن صحيحا. لم استطع أن اتملى أيا من الجمال المحيط بنا. حواسي أشارت بوجوده ولكن الموصلات كانت كلها مقطوعة. ازعجني هذا وفكرت أن أحاول البكاء ولكن الدموع لم تأت.

هذا مجرد مثال واحد اخترته اعتباطا، ولكنني كلما عدت بالذاكرة إلى الوراء تذكرت أكثر. توقفت عن الاستماع إلى الموسيقى حيث انني أشعر بأنني مغلقة تعافا ولا مبالية. حياتنا الجنسية - لا أشعر بأي شيئ، أي شيئ إطلاقا. تظاهرت بأنني اشعر حتى لا تضطرب أو تبدأ بسيل من الأسئلة. ولكنني اعتقد أن اسوأ ما في الأمر هو انني بدأت افقد الصلة بابنتنا الصغيرة. بدأ ينمو حولي سجن بلا نوافذ. وحوائط سميكة جدا لا يتخللها أي صوت، حوائط من العبث التهجم عليها لأنها بنيت من مواد أنا مصدرها.

اعتقد أن عليك أن تشرح كل هذا لابنتنا. عليك أن توضحها تفصيليا، عليك أن تكون صادقا بلا احجام أو ورع. نحن نعيش، وبينما نحن نعيش نختنق تدريجيا دون أن نعرف ما يحدث. أخيرا لا يبقى سوى لعبة تتجاوب تبعا للحاجات والمثيرات الخارجية. وفى الداخل لا يوجد شيئ سوى رعب هائل.

أريك، عزيزي، أنا لا أشعر بالخوف ولا بالحزن ولا بالعزلة. رجاء لا تشعر بالأس من أجلى - أنا جد راضية ومتحمسة تقريبا مثلما كنت أشعر وأنا صغيرة ذاهبة في رحلة. وربما يكون شفاء من مرض ملازم طوال العمر.

صدق ما أقوله لك.

(ما تريد أن تعد به جيني لا تستطع تذكره، ولذلك فبعد تفكير لبرهة تقفل المسجل وتخرج الشريط وتضعه في ظرف تختمه. تكتب على الوجه الأول " إلى ايريك "، وتضعه على الطاولة قرب

السرير.

ثم تذهب بسرعة إلى المغسلة وتحضر الحبوب المنومة وكأس الماء. توضب السرير، تسدل الستارة إلى ثلاث أرباعها، تقفل الباب، تنظم أشياءها، تنظر حولها - كل شئ مرتب جدا. تجلس على حافة السرير بعد أن وضعت ثوب حمامها على رأس الكرسي.

تبدأ في بلع الحبوب المنومة بشكل منهجي. في البداية واحدة واحدة ثم مجموعة في نفس الوقت. تفقد القدرة على التنفس وتضطر لأخذ راحة لبضع دقائق. تنظر إلى نفسها في مرآة الخزانة الكبيرة الضبابية: وجهها هادئ ومبتسم تقرينا، بؤبؤ عينها كبر عن حجمه الطبيعي، جسدها مضموم ومرتعش. الآن تأخذ باقي الحبوب. لقد مرت نصف ساعة، تجلس برهة وعيناها مغمضتان. وباطن كفها يضغط فخذيها) أنا لست خائفة. أنا لا أشعر بالوحدة، حتى ولست حزينة. في الواقع الشعور المصاحب لذيذ.

(ثم تستلقى وتشد اللحاف فوقها. تغرق بسرعة في دوامة مظلمة من الأحلام والرؤى.

جيني مسرعة، ومتأخرة، تجرى في ممر طويل له حيطان عالية تصل حتى السقف حيث يخرج ضوه شاحب يرشح عبر لوح الزجاج المكسور. الأرض مؤلفة من ألواح خشنة وقذرة جدا: فتات طعام، جرائد قديمة، علب صغير، بقع من الزيت اللزج، أكوام من الزبالة. هي في عجلة من أمرها إلا أنها في نفس الوقت عليها الحذر أين تضع قدمها.

وعليها أن ترفع عاليا ثوبها الطويل الغامق الأحمر الذي يلفها - الحاشية والتخريم المزين.

ترى نفسها في مرآة كبيرة مرقشة. تلس ثياب وليمة ولكن وجهها شاحب يكاد يقارب لون خشب الصفصاف، وعيناها محمومتان. شعرها مرفوع إلى داخل قلنسوة مطرزة من العصور الوسطى تلتصق تماما حمل أذنيها وخديها. جبهتها تلمع من شدة العرق. ومع ذلك فهي باردة. ترى أسطح الألواح المحيطة بالغرفة وما حفر منها، والأرضيات كلها مغطاة بصقيع- مجمد وندف ثلج قذر كان قد مسح بعيدا عن الطريق بلا اهتمام.

يفتح الباب الذي تبدو وكانها تتذكره فتجد نفسها في غرفة كبيرة تبدو مألوفة بشكل غير مؤكد: أنها غرفة استقبال الجدة والجد. ومع ذلك فهي مختلفة تماما. كل شىء فيها قذر. مهدم، متحلل، نصف ضوء مظلم يتسرب إلى الداخل عبر الخيش الممزق المعلق أمام الشبابيك.

في منتصف الغرفة يجلس رجل كبير في كرسى كبير متخلخل. يلبس فراكا من طراز قديم لا يناسب مقاييسه، ورأسه دائم الاهتزاز.

عند ركبته تقف فتاة صغيرة تلبس فستانا أحمر تنظر آنا اليه وآنا آخر تتابع بنظرها شمعة تترجرج داخل حامل قصير على طاولة صغيرة يمين الرجل (الذي يزداد باطراد شبها بجد جيني) الشمعة تتسرب من طرفها وهى تقريبا قد ذابت كليا: هذا يخيف بوضوح الفتاة الصغيرة وجدها.

برد عفن رطب يسود الغرفة. بقع بيضاء مثل الثلج والصقيع ترى على الأرض والحيطان.

عندما تعتاد عينا جيني القتامة ترى أن مجموعة كبيرة من الناس متجمعة. على الأرائك، خلف المرآة في الزاوية عند المدفأة القرميدية، نصف مخبأتين في الممرات، تلتقط لمحات للوجوه والأجساد: رجال يرتدين الفراك الشديد القدم، نساء يرتدين أزياء غريبة، ملابس الحفلات الراقصة التي خبا لونها وتبدلت مقاييسها. خلف الا سكنيات المحفورة حفرا غنيا والمغطاة نصف تغطية بالثلج، تستطيع حتى أن تتلمس وجها هزيلا تالفا له عينان كبيرتان تظللهما قبعة أعلى الرأس. تدور جيني إلى الوراء، خلفها يقف هيلموت وانكل. يبدو شديد العصبية ومضطربا: يقضم ظفرا بلا توقف. مصابا أيضا ببرد سيىء وسعال.

جيني: أنا آسفة أنا متأخرة ولكن الطقس سيىء جدا. بعض الشوارع اقفلتها الثلوج.

وانكل: لا بأس. أحسن الناس دائما يتأخرون.

جيني: أن الجو هنا صقيع. اليس كذلك.

وانكل. العديد من الناس يشكون من أنه دافئ زيادة عن النوم.

جيني: سامحني ولكن ما هذه الرائحة الكريهة؟

وانكل: إنه التسارع في الموت الموضعي الذي يحل بالنسيج الحى.

كل هؤلاء الناس... ( متفحصا نفسه) تماما.

جيني: إذن فقد تأخرت بالحضور.

وانكل: للأسف. انتهت الحفلة. ولكن لم يفتك شيء ذو بال.

لا استطيع أن أرى سببا يجعل الناس تصرعلى مثل هذه " الحفلات التنكرية ".

جيني: هل هي حفلة تنكرية؟

وانكل: (مهددا) ألم تكوني على علم بذلك؟

جيني: (بتلهف) نعم، حتما.

وانكل: وماذا ستفعلين الآن.

جيني: لا أعرف. ( بلهفة) هل أدركت أن هذا حلم:

وانكل. (يسعل) هل انت متأكدة؟

جيني: نعم، هذا حلم. كل هذا المشهد السخيف برمته وليد

 مرضي: لا تنسى أنني طبيبة على جانب كبير من التجربة، أنه حلم.

وانكل: الإنسان يستيقظ حتما من الحلم عادة.

جيني. هذا بالضبط ما انوي فعله.

وانكل: يمكنك أن تحاولي.

جيني: استيقظ عندما أريد أنا.

(يفتح باب ويخطو خارجا من الظلام رجل ضخم يلبس ثيابا غريبة. وجهه طويل ملئ بالمندوب ومنخاره ضخم وفمه كبير، إحدى عينيه اقتلعت من مكانها. يضع على رأسه قبعة نابليون عليها مربعات.

هذا الشكل المزخرف والذي يبدو احدب تقريبا يلف نفسه بنوع من ثياب مهرج. يسير نحو الغرفة على أرجل ملتوية. الجميع يحيونه باحترام ملئ بالرعب. يدور نحو الجد والفتاة الصغيرة التي تتعلق خائفة بالرجل العجوز.

يسيل الشمع على وشك أن ينطفئ. تزداد الحالة هدوءا. المهرج الكبير يبتسم للفتاة الصغيرة في الفستان الأحمر ولكن ابتسامته على ما يبدو تزيد رعبها. الجد يقوم بحركات ضعيفة وكأنما ليدفع أذاه بعيدا).

جيني: (تهمس) ماذا يحدث

وانكل: ذلك الذي لا تستطيعين فعل أي شئ تجاهه.

جيني: لا أريد أن أرى.

وانكل: لست مضطرة لذلك. خلال بضع دقائق سيطفأ ذلك الضوء.) تلك اللحظة ينطفئ الضوء. خلال ثانية استطالت استطالة لا نهائية ترى جيني المهرج- ذا العين المقلوعة يقوم بحركات نحو الفتاة الصغيرة التي تضغط نفسها نحو جدها، ولكن بلا جدوى.

جيني تسمع نفسها تنادى. تستدير بعيدا - تركض بضع خطوات في الممر و تقف أمام باب صغير. وانكل ما يزال معها)

وانكل: انصحك الا تفتحي ذلك الباب.

جيني: دائما تحاول إخافتي.

وانكل: حسنا. هذا خطؤك.

جيني: إذا فتحت ذلك الباب، سوف استيقظ.

وانكل: لا يمكنك الاستيقاظ.

جيني: استطيع إذا حاولت.

وانكل: حاولي.

جيني: فجأة اتذكر شيئا (تتوقف) لقد خربت انتحاري.

وانكل: ليس تماما.

جيني: ماذا تعني؟

وانكل: تلف في المخ بسبب نقص الأوكسجين. ألم تسمعي بمثل هذه المصيبة؟

(يجلس على كرسى , يخلع نظارته ويحملق بحزن في جيني)

جيني: لا يمكن أن تكون الأمور بهذه الفظاعة.

وانكل: نعم يمكن أن تكون ! انعدام شفقة مطلق ويمكن أن تكون إنزال عقوبة بالنفس.

جيني: هل سأعيش دائما بهذا الشكل؟

وانكل: يبدو أن هذا هو المحتمل.

جيني. ألن استيقظ أبدا؟

وانكل: لا تخافي سوف يبقونك حية بكل الوسائل المتاحة لديهم. سواء كنت مستيقظة أو فاقدة للوعي.

جيني: إلى متى؟

وانكل: حتى تموتي. بشكل كامل.

جيني: وكم من الوقت قبل ذلك؟

وانكل. ثوان، دقائق، سنين. كيف لي أن أعرف.

جيني: لا يحزن ذلك.

وانكل: نعم يجوز.

جيني: إذن لا يهم إذا فتحت ذلك الباب.

وانكل: (بابتسامة متعبة ساخرة) منطقيا، مناقشتك لا يمكن دحضها.

جيني: على فكرة هل تعرف انت ماذا هناك؟

وانكل: كلا كيف لي أن اعرف.

جيني: إذن لماذا تحذرني؟

وانكل: نحن نرضى عادة بما اعتدناه من رعب. أما المجهول منه فهو اسوأ.

جيني: ولكن قد يكمن شيئا أفضل.

وانكل: ليس هنا.

كيف تستطيع أن تكون متأكدا جدا؟

وانكل: (يبتسم) هذا ليس فقط حلمك انت ياجيني. أننا نتشارك به.

جيني: سوف افتحه على أي حال.

وانكل: حتما. لك دائخا حرية اختيار ما تريدين.

جيني: ستغادر؟

جيني: (يبتسم) لا أريد أن أصل إلى مأزق أسوأ من الذي أنا فيه حاليا. (فجأة يستدير ويمشى باتجاهها. وجهه مشوه، عيناه الشاحبتان تحملقان بها بشكل خبيث. نفسه له رائحة شريرة يهز أصبعه لها) لقد كنت صبورا جدا معك يا عزيزتي جيني. لقد أجبت على أسئلتك المجنونة وساعدتك في رؤية ما حولك. كنت لطيفا وكريما. ولكن هل كنت للحظة واحدة مهتمة بمن أكون؟ هل قلت كلمة واحدة اظهرت فيها سرورك لرؤيتى؟ هل حاولت بأية وسيلة شكري على تحذيراتي اللطيفة لك؟ على فكرة، وجهك أصفر وهذه علامة سيئة. الآن سأخرج من حلمك وادخل فيما هو لي. مع السلامة.

(تفتح جيني الباب وتخطو نحو شقة الجدة والجد. تبدو تماما كما هي دائما ما عدا اضاءتها التي هي الآن رمادية وبلا ظلال ( مثل الضوء في يوم ممطر من أيام الخريف). تنادي الجدة وقد استردت أنفاسها بشكل كبير. عيناها تملأهما دموع الفرح. تنادى مرة ثانية وهى تذهب من غرفة إلى أخرى. أخيرا تغوص إلى أسفل على طاولة الطعام السوداء المشرقة. بشرتها الصفراء، كخشب الصفصاف، وفستانها الأحمر الغامق ينعكس بشكل طفيف في وجه الطاولة وكأنه ينعكس في مياه راكدة عميقة).

جيني: فقط لو استطيع أن استيقظ.

(تنظر حولها، كل شئ) مألوف ولكنه بعيد ومظلل. تدير رأسها نحو غرفة الاستقبال المفتوحة عبر الباب الفرنسي. هنالك في الداخل يبدو المكان أكثر إضاءة.

في منتصف الغرفة تقف المرأة ذات العين الكبيرة الواحدة بشكلها الواضح الملموس في الضوء السائل وتنظر اليها)

السيدة: أنت باردة.

جيني: نعم.

السيدة. يمكنك استخدام سترتي.

جيني: شكرا.

(تذهب المرأة نحوها وتلفها بسترة سوداء كبيرة تغطى الفستان الأحمر وأكتافها العارية. تشدها جيني حولها. تجلس أسيدة على كرسى بقربها)

السيدة: إذن انت الآن لم تعودي خائفة.

جيني: لا اعتقد ذلك.

(تمد السيدة ذراعها وتقرب جيني منها بإيماءة أم: جيني لا تقاوم فيغوص رأسها في صدر المرأة العجوز. السترة الطويلة الحالكة تغطيها كليا. في نفس اللحظة يمسكها أحدهم من ذراعيها بقسوة ويهزها ويشتمها. ضوء معذب متماوج يزداد توهجا وتوهجا فيثقب جفونها المغلقة).

جيني: اتركني لوحدي. لا أريد ذلك. لا أريد ذلك. الا تستطيع أن تتركني بسلام. لا أريد ذلك.

(الآن باستطاعتها أن ترى شباكا. يضرب ضوء الشمس وجهها ويحرق عينيها. يظهر أمامها وجه مألوف التقاطيع. أنه توماس.

تبدو مبلله بالعرق ورائحتها نتانة شديدة وقميص المستشفى رطب ومبقع. باستطاعتها أن ترى أرجلها العارية في مكان بعيدة عنها.

جيني: (تحاول أن تبتسم) اعتقد أن ساقي قد بترتا. الا يستطيع أحدكم أن يحضرهما من تلك الزاوية هناك ويعيدهما إلى موقعهما.

توماس: هاللو.

جيني: ماذا تفعل هنا؟

توماس: كنا سنذهب إلى السينما معا. أتذكرين؟

جيني: (وهى تهز رأسها) كلا.

توماس: لقد صمت فجأة ووضعت السماعة جانبا. لم أكن أدري ما أفكر به رغم أن الأمر بدا غريبا.

جيني: آه (متعبة) حسنا.

توماس: وهكذا أخذت اتصل بالهاتف ثم أضعه جانبا ولكن لم يكن هنالك أي جواب. ظننت أن لصا ما هاجمك. إنني لم أعد أعرف بما أفكر. كان الأمر مزعجا. هل أنت عطشى. ألا تحبين أن تشربي شيئا؟

جيني: نعم إذا تفضلت.

توماس: خذى هذا سوف أساعدك. انتظري لحظة، لا يمكنك أن تفعلي ذلك لوحدك. انتبهي الآن.

جيني" ( تشرب) شكرا (بخدر) أنا شاكرة جدا.

توماس: أخيرا انشغل بالى كثيرا لدرجة انني ذهبت وقرعت جرس منزلك. وعندما لم يجبني أحد أخذت البواب ليفتح لي الباب.

جيني: يا إلهي إنه شئ  ممل. أنا شديدة النعاس. (تستعلم للاغراء، وهى عاجزة عن المتابعة أكثر من ذلك. الضجر القاتل يغرقها. "أيها المسيح" تتمتم مبحوحة وتغيب عن عالم الأحياء تاركة توماس على الشاطئ الذي تضيئه الشمس. وتعود إلى الأرض حيث الضوء يشبه الرماد الخفيف والهواء رطب، فج وبارد جدا.

تعود هى إلى شقة الجدة والجد تلبس الثوب الأحمر. تنتقل من غرفة إلى أخرى وهى تنادى أهلها بصوت صاف منفعل) جيني. ماما ! أين انت؟ أنا في المنزل الآن. لم انت مختبئة؟ إذا كانت هذه لعبة فهي ليست لعبة جميلة. اخرجي حالا ولا تخيفيني هكذا..

رجل في منتصف العمر يلبس معطفا رماديا يأتي باتجاهها تتبعه سيدة أصغر منه نسبيا. يظهران فجأة بدون توقع ويبدو ان مهمتين في أن يهرعا إليها ويرمياها أرضا.

الرجل طويل إلا أنه محدودب. عيناه زرقاوان صافيتان وشعره خفيف رمادي. تعبير وجهه قاس. المرأة المرافقة له جميلة جدا ذات تقاطيع متناسقة وعينان كبيرتان غامقتان. هي أيضا تعبير وجهها منفعل ومتسائل.

يقفان قريبا من جيني وينظران إلى الخلف وكأنهما يبحثان عن شخص ما أو كأنهما أخطا طريقهما.

جيني: ماما هذا أنا. بابا هذا أنا ! ألا تعرفانني؟

(تناديهما جيني ولكن انفعالهما هائل ولا يسمعان همسها. تعرف هي أن الأمر ملح جدا وأن عليها أن تقول الكلمات الصحيحة)

جيني: أنا مغرمة بكما أنتما الاثنين , لقد كنتما دائما طبيين معي.

كان أمر اختفائكما الفجائي غير طبيعي. لقد رأيتكما وأنتما ميتين وموضوعين في قاعة الجنازة. لم أعرفكما. أمي حبيبتي لماذا أنت منفعلة هكذا؟ ليس هنالك ما يجعلك مضطربة. لم أعد فتاة

التاسعة من العمر الآن. لقد كبرت وأخذت حبوبا منومة لم يختف تأثيرها بعد وهم في المستشفى يبذلون جهدا كبيرا من أجلى.

لا تستطيعين أن تتمالكي اضطرابك في كل شئ. يا أمي العزيزة الصغيرة، كل شئ كان يجب أن يكون صحيحا ومناسبا ونظيفا ومرتبا تماما. واولدى العاطفي جدا والدي كان يحب العناق والذي كان حزينا جدا وعصبيا جدا. كنا نجرح بعضنا البعض دون أن أقصد ذلك. فكرى بشكر مجرد في كل حياتنا، كل الأيام وكل الكلمات والأشياء الصغيرة. قضينا أوقاتا حلوة أليس كذلك؟ كنت طفلة ولم أكن أعرف ما سبب كل هذا (بغضب) كلا، أنت... لقد دفعت الباب وبقينا نحن مع ذنوبنا. دائما ضمير سيئ ودائما ملام ! (تبكى) اذهبا ولا تعودا أبدا. سوف أنساكما تماما حتى لا أرى عيونكما المضطربة ثانية، ولا اضطر لسماع صوتكما الجبان.

(يشعر والداها بالخجل والمهانة. ويبدآن بالهمس بصوت خفي لبعضهما البعض، وفى النهاية يصلان إلى اتفاق. تزرر والدتها معطفها وتشد الحزام حول خصرها النحيل، يضع والدها القبعة التي كان يحملها طوال هذا الوقت في يده اليسرى على رأسه، وتحت ذراعه اليمنى يحمل  شنطة أوراقه).

جيني: (متعبة وييأس) الأمور دائما تسير على نفس المنوال. في البداية أقول أحبكما ثم أقول أكرهكما، ثم تتحولان أنتما إلى طفلين خائفين خجلين من نفسيهما، ثم أعود وأشعر بالأسى من أجلكما وأحبكما مرة ثانية. لا استطيع أن استمر بعد الآن. (تضربهما في نفس الوقت الذي تحاول أن تعانقهما وتقبلهما. يدافعان عن نفسيهما دفاعا اعرج وبحركات غير حقيقية. تتمزق ملابسهما بصوت هش، حشن. تحاول جيني أن تتسمك بهما رغم أنهما يتراجعان بسرعة باتجاه الغسق الذي يتدرج نحو الظلام).

أخيرا تتعثر بفستانها الأحمر وتسقط أرضا.

توماس: جيني !

(تفتح عينيها وتنظر حولها. أنه المساء). ضوء السقف مشتعل. ومصباح الليل، بوهجه غير المباشر، أيضا يحترق)

جيني: يا لها من رائحة كريهة هنا وأنا نتنة وقذرة.

ألا تمتطين أن تطلب منهم أن يغسلوني؟

توماس: زوجك هنا.

جيني: (ببسامة ووضوح) ليس الآن!

(فات الأوان. فتح الباب بتنهيدة خافتة وتظهر ممرضة ولكنها تخرج خارجا فورا تاركة مكانا لأريك زوج جيني. يخرج توماس بلباقة ويترك الزوج والزوجة لوحدهما. ينظران إلى بعضهما البعض بخجل. عينا أريك يشوبهما الإحمرار من التعب بعد رحلة الطائرة الطويلة أو من الحزن، يصعب القول. ولكنه أنيق الملبس ببذلته الخفيفة الصيفية الحديثة الشكل وشعره المنمق. فمه الضعيف يرتجف قليلا ووجها شاحب جدا. يحمل في يده الشريط الذي يحتوى على رسالة جيني).

إيريك: ( يبتسم) حسنا، انت تملكين موهبة في الخروج بالمفاجآت.

جيني: نعم، الست كذلك.

ايريك: جئت مباشرة من المطار.

جيني: يا ايريك المسكين. لا ريب أنك متعب جدا. ايريك. كلا، ولا بأي شكل..

جيني: الا تجلس؟

ايريك: اوه نعم. نعم، حتما.

(عندما يجلس ويقترب كثيرا منها يشكل خجلها أكثر من حاجز).

جيني: رائحتي كريهة. أنا آسفة.

ايريك: كلا، كلا يا عزيزتي هذا لا يهم.

جيني: الا تستطيع الحضور غدا؟ عندئذ نكون نحن الاثنان قد استعدنا نفسينا قليلا.

ايريك: نعم، حتما. رغم إنني غدا مضطر للعودة بالطائرة. هذا شئ لا أمل يرجى منه ! على أن أكون رئيس لجنة...

جيني: يا للمسكين، انت !

ايريك: آوه أنا لا بأس بي.

جيني: أنا أسبب المشاكل دوما.

ايريك: كان شيئا رهيبا لو انك... لم أكن لأستطيع أن... كل حياتي لم أكن كثيرا...

جيني: سامحني!

ايريك: لماذا فعلت ذلك؟

جيني: سامحني. سامحني.

(نفس نبرة الصوت. العيون السوداء الواسعة، الشعر المسدول بالتعرق  يتدلى فوق الحاجب الأبيض. الشفاه ملتهبة - طفلة اصطادتها عذابات الموت المريرة. هذا كثير على ايريك. يخفض عينيه وينظر إلى يده البيضاء بخاتم الطبيب والأظافر المنسقة)

يريك: (بهدوء) ادركت انني مسؤول بشكل كبير عما حدث. رغم إنني لا أعرف كيف. حاولت أن استخرج اسبابها...

جيني: مرة ثانية يا ايريك.

ايريك: هل تعتقدين أن بإمكانك الاستراحة الآن؟

جيني: نعم اعتقد ذلك. رجاء لا تضطرب. لا حاجة لذلك.

ايريك: توماس هذا يبدو إنسانا محترما.

جيني: نعم.

ايريك: هل عرفتما بعضكما منذ فترة طويلة؟

جيني: كلا.

ايريك: من الواضح أنه طبيب ولكن ليس منا في هذه المستشفى، طبيب امراض نساء ليس كذلك؟

جيني: نعم.

ايريك: ماذا تريدين أن أقول لجدتك؟ ستسأل حتما.

جيني: قل لها الحقيقة.

ايريك: ولأنا.

جيني: على أن اتكلم معها بنفس. تستطيع أن تتصل بها وتسأل كيف تسير الأمور معها في المخيم.

ايريك: نعم سوف افعل.

(يتحول السكون بينهما إلى حائط صلب بشفاف. هما الاثنان انهكتهما العاطفة والحزن)

جيني: وداعا يا عزيزي. سنبقى على اتصال ! أيه؟

ايريك: وداعا الآن.

(ويغادر هو).

تدير جيني وجهها جانبا وتقفل عينيها. فجأة تجد نفسها في غرفة مقوسة منخفضة. خارج الشباك الشتاء والثلج يسقط كثيفا. تضاء الغرفة. بمصباحين كبيرين معلقين في السقف. أنهما يرسلان نصف ضوء أصفر قذر يساعد في كشف الدهان المتقشر على الحائط والأرض القذرة، وقطعة القماش المبقعة التي لا لون لها وموضوعة على طاولة المؤتمرات. امرأة عارية تجلس في كرسى الولادة مغطاة بشرشف متربا. هي ميتة وبضعة أطباء بمعاطف بيضاء تجمعوا حولها يتبادلون الرأى همسا.

تجلس جيني على أحد جانبي الطاولة بفستانها الأحمر وعلى كتفيها العاريتين معطف طبيب. ترى الآن أن السيدة الميتة على كرسى الولادة هي ماريا.

يجلس الأطباء على المائدة. ينظرون عبر أوراقهم, يشعلون السجائر، يشربون المياه المعدنية، يهمسون فيما بينهم. دكتور وانكل ينظر إلى جيني معبرا عن اهتمامه ويومئ برأسه مشجعا.

جيني: قالت إنها تحبني. اعترف انني لم أفهم معنى هذه العبارة. بالإضافة إلى ذلك، فهي نفسها فعلت ما بوسعها للخبطة الموضوع، ارجوك اسمع ! من حقي أن ادافع عن نفسي قبل إحالة القضية.

يحملق الرجال فيها متفاجئين وكأنما تعنيفها لا لزوم له.

جيني: (بعنف شديد) لا أرى سببا لذلك كله.

إذا ما حطمت أيا من القوانين سواء العلمية أو الأخلاقية التي أقسمنا أن نحترمها، عندئذ تقاضيني.

(لا يتحرك أحد أو يثير ردود فعل. لا أحد يحملق أو يتفهم الأمور سرا. يمسك وانكل رأسه بين يديه ويرسم عابثا على ورقة. تعكس نظارات الرجل الجالس بجواره، الضوء.

تتضايق جيني. تقف على قدميها فتتدحرج الكرسى أمامها ويفرد المعطف الأبيض على الفستان الأحمر. تقف لحظة ويداها مقفلتان بإحكام تنظر إلى أسفل على الطاولة)

جيني: ذلك الجسد الناعم، تلك الذراعان الناعمتان وهذان الثديان الضخمان الناعمان. ثم ذلك الفم الذي كان دائما ناعما ومبللا ونصف مفتوح. شعرت بقرف جمدي حاولت مقاومته، وعندما لمستنى حاولت أن أقاتل لأسيطر على نفسي لأوقف نفس عن ضربها.

(تسكت ثم تنحني إلى أسفل، تلتقط الكرسي وتجلس)أنا متأكدة أن هنالك شيئا يسمونه الحب. أنا اعتقد انني قابلت اناسا يحبون أو أحبوا. (تقفل عينيها وببطء تضع يديها على وجهها. بعد بضع دقائق من الصمت الكثيف تخفضهما وتتكلم بقسوة) حاولت أن أعيش مثل أي شخص آخر. وفشلت. هل تعتقد إنني لا أرى نفسي؟ (تصرخ عاليا)

لا أملك الكلمات لأقول ما اعني. عبث الأمر (تتوقف) هذا صعب جدا. أنا لست قادرة عليه (تتوقف)مرة واحدة في حياتي استطعت أن أفهم إنسانا آخر. لبرهة قصيرة. أفهم إنسانا ! هل ترى.....

(الوجوه استدارت نحو وجهها، العيون، الأفواه، الأيدي. الجسد الإنساني العاري يتلألأ هناك خلف ابتسامات الرجال المهذبة، الوجه المقفل الميت. خلف النوافذ المقوسة الغسق الرمادي والثلج. كل هذا.

وانكل: هل عندك شئ آخر تقولينه؟

وانكل: إذا انتهى الاستماع.

جيني: ما الذي سيحصل لاحقا؟

وانكل: القضية سوف تعرض على اللجنة تبعا للأخلاق الطبية.

 جيني: ثم ماذا؟

وانكل: بعدئذ؟ لا شئ.

جيني: لا شئ.

وانكل: كلا، حتفا لا. ذاك أكثر الأمور غرابة.

جيني: لا شئ؟

وانكل: ماذا توقعت؟

جيني: عقابا.

وانكل: هكذا تفترضين. حتى ولو كنا نحتقر بعضنا البعض خلف المظهر فعلينا أن نتمسك ببعضنا ظاهريا. أنت تعرفين ذلك كما اعرفه أنا.

جيني: لا شئ... لا شىء... لا شئ....

(عندما تستيقظ جيني من حلمها يكون قد حل الليل. ترى شخصا جالسنا في كرسى الزوار. تضئ الضوء بقرب السرير لترى من يكون...

ربما هو شبح. أنه توماس. يلبس سترة صوفية ويلف ساقيه بحزام صوفى ويرفع رجليه على الكرسى الآخر. بالقرب منه. يوجد ترموس قهوة وبعض الجبن وشطائر من السجق. عندما تفتح جيني النور ينظر بطرف عينيه ناعسا)

جيني: ما الوقت؟

توماس: سأنظر لأرى. واحدة ونصف.

جيني: ما هو اليوم؟

توماس: الثلاثاء. سوف يبزغ النور قريبا. الثلاثاء الثاني عشر من يونيو.

جيني: آه.

(ببطء وببطء يبزغ الفجر على جيني. من الغريب حقا أن يكون توماس في غرفة التمريض التي تقيم فيها في الساعة الواحدة والنصف. الساعات الأولى ليوم الثلاثاء الثاني عشر من يونيو. توماس: كيف تشعرين؟

جيني: لا أدري (تتوقف) توماس !

توماس: نعم.

جيني: لماذا تجلس هنا لتراقبني؟

توماس: لدي أسبابي.

جيني: آه.

توماٍس: على أي حال أنا طبيبك.

جيني: لا أعرف ذك.

توماس: كلا. ولكنك الآن تعرفين.

(يتوه الاثنان كل في أفكاره. تغرق جيني مجددا في حالتها الثانية، التي تنتظرها خلف الحائط. تبذل مجهودا لتوقف نفسها)

جيني: هل لديك قهوة في هذا الترموس؟

توماس: نعم.

جيني: هل تعتقد أن بإمكاني تناول قليل منها؟

توماس: كلا اعتقد أنك سوف تشعرين بمرض حقيقي إذا ما بدأت بتجرع كمية كبيرة من القهوة القوية. ولكن بإمكانك تناول عصير الفاكهة.

جيني: كلا شكرا.

توماس: من المفيد لك تناول شئ

(يساعدها على الشرب، يقلب المخدة، يعود الى كرسيه. صمت)

جيني: كيف ستقوم بعملك إذا ما جلست هنا ليلأ ونهارا؟

توماس: أنا في إجازة.

جيني: آه. الم تجد طريقة ألطف من أن تقضيها وأنت تراقب انتحارا متعثرا.

توماس: كلا.

جيني: اخبرني عن نفسك.

جيني: عندما كنت في التاسعة تعلمت أن اتجشأ. أخي الأكبر علمني. في يوم من الأيام وأثناء تناول الغداء وجدت أنه من المناسب استعراض موهبتي التي اكتسبتها أمام العائلة المجتمعة. انتظرت فرصتي ما بين كريات اللحم وفطيرة التفاح

جيني: (باهتمام) حسنا؟

توماس: لم تكن ناجحة. لشدة رعبي أثناء الأداء " أخرجت ريحا" في نفس اللحظة التى تجشأت فيها. وبالإضافة إلى ذلك كان " اخراج الريح " أعلى صوتا من التجشؤ الذي صدر عنى دون اتقان حرفي.

جيني: ( تبتسم) يا لتوماس المسكين.

توماس: عملت محاولة ولكنها فاشلة. أبعدت عن المائدة وحرمت من فطيرة التفاح والكسترد. نشأتي كانت صارمة جدا ولا أريد أن أقول متزمتة.

جيني: اخبرني أكثر. أحب أن اسمع.

توماس: لا أعرفا أن هنالك الكثير مما يستحق القول. حياتي كانت تقرينا خالية من الأحداث. والقليل الذي جربته حاولت أن أنساه.

جيني: أي شئ مقبول. ربما تكون قد قرأت شيئا أو قابلت إنسانا متمتعا أو ذهبت إلى سينما أو في رحلة.

توماس: بصراحة لقد مر عام منذ أن حدث أي شئ لي

جيني: وماذا حدث عندئذ؟

توماس: بعضهم تركني.

جيني. حقيقة طبعا. أنت الآن مطلق.

توماس: كلا. لا علاقة لذلك بزوجة ما.

جيني: آه.

توماس: كان صديقا من تركني.

جيني: آه

توماس: كنت مغرما به. ( يتوقف) كلا، هذا ليس صحيحا. أنا أحببته. عشنا معا لمدة خمس سنوات. قابلته في تلك الحفلة السخيفة التي أقامتها زوجة وانكل. أعتقد أنك عرفت من أعني.

جيني: الممثل.

توماس: نعم. هذه الأيام نحن "مجرد أصدقاء".

جيني: لماذا انفصمت هذه العلاقة؟

في سرقنا القاسي يا عزيزتي جيني تسود الخيانة والمنافسة لا ترحم. السيدة وانكل اعطت شروطا أفضل: قبلت صديقه الجديد وقبلت بأن ترعاهما الاثنان. وكما تعلمين عندها الإمكانيات.

جيني: ألم يكن مغرما بك بتاتا؟

توماس: اوه نعم. اعتقد ذلك. ولكنه جميل المظهر وعديم الذكاء وإلى حد ما محزب. ولذلك فقد فكر بأن يقوم بأي تغيير. عواطفي وغيرتي نحوه كانت أكثر مما يجب. (يقوم توماس بسكب القهوة لنفسه من الترموس ويختار قطعتين من السكر بعناية فائقة ويستمر في التقليب. وهو يبتسم كل الوقت) هل تحبين أن تنامى؟

(تدير وجهها إلى الحائط. يطفئ توماس الضوء الجانبي للسرير. في حديقة المستشفى ضوء النهار ساطع والعصافير تغنى. أنها تحدث صوتا رهيبا.

تقف جيني في مكتبها في المستشفى العام تلبس فستانها الأحمر.

هنالك مجموعة من الناس. تنقر جيني بقلمها على المكتب لتجعل نفسها مسموعة. تتوقف الهمهمة حالا وتدور كل العيون متوقعة، متلهفة نحو وجهها. تسأل بصوت خافت من هو أول مريض هذا اليوم؟ فيرفع واحد بين الجموع يده الجريئة، تشق طريقها نحوه وتسأل كيف هوا لآن. لا يجيبها، ولكنه يضع يده على وجهه ويبدأ في شد الجلد الذي يقتلع. كان يلبس قناعا ماهر الصنع - ولكن تحت هذا القناع وجهه مشوه بجروح نازفة وتروع مقيمة. ينظر إلى جيني نظرة استكشاف وهى بالكاد تحاول إخفاء قرفها. عندما يدرك أن جروحه تسبب لها الدوار يأخذ بوداعة منديلا كبيرا من جيبه ويثبته أمام وجهه)

جيني: يمكنك أن تعود بعد شهر. اطلب موعدا من الممرضة. لا تنس أن تأخذ دواءك.

(جيني تدور مباشرة نحو المريض التالى. امرأة ذات صدر ثقيل واكتاف مدورة. عيناها متسعة رعبا وخدودها مشدودة بشكل غيرطبيعى. قصاصة من الورق تبرز خارج فمها, تمسك جيني بنهاية القصاصة وتشد بحذر. شىء مكتوب على الورقة. تشد جيني القصاصة أكثر و أكثر خارج فم المرأة).

جيني: (تقرأ) ساعدوني ! لقد احدثوا قطعا في رأسي وازالوا اضطرابي، ولكن بعد أن اعادوا خياطة رأسي تركوا الخوف اليومى خلفهم.

(فجأة تقف جيني وجها لوجه مع جدها. ينظر اليها بتعبير مجروح. ثم يهمس شيئا ما. لا تستطيع سماع ما يقوله وعليها أن تنحني أكثر)

الجد: أنا أخاف أن أموت.

جيني: وكذلك أنا.

الجد: ماذا استطيع أن افعل.

جيني: عد حتى العشرة. إذا ما كنت لازلت حيا عندما تصل إلى عشرة عندئذ أبدأ ثانية.

الجد: وبعد ذلك؟

جيني: فقط استمر. عليك بالعد فحسب.

الجد: هل تعتقد أن هذا يفيد.

جيني: عليك أن تضع شيئا مهما بينك وبين الموت كل الوقت. وإلا فسوف لا تحتمله.

الجد: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة (ينقطع العد) مازالت خائفا.

جيني: نعم , أنا أفهم تقريبا. سامحني.

(تدور جيني  بعيدا. ثم ترى ابنتها أنا تقف بعيدا قرب الحائط، تلبس قميصا رماديا ترابى اللون، تبكى بصمت، كتفاها محدبتان. أخيرا تصل جيني اليها وتمد ذراعيها لتدفئها وتحميها وتعانقها ولكن أنا تتجنبها. ينظر توماس اليها بصرامة. تتمسك بيده التي يلبس فيها قفازا.

جيني: لو فقط ولمرة واحدة امتلك الكلمات المناسبة. مجرد مرة واحدة.

توماس: تماما ياجيني. أنهم يجلسون هناك في الظلمة، مرضاك، يتشوقون للكلمة الصحيحة. ولكن يجب أن تكون كلمتهم هم، إحساسهم هم وليس كلمتك وإحساسك.

جيني: اعرف تلك الوحدة - وحدة الناس في عزلتهم - أنهم شجعان في تلك الوحدة. كالأطفال في الظلام الذين صمموا الا يرفعوا الصوت عاليا حتى لا يخافوا أكثر إذا لم يأت أحد إليهم. يبكون بصمت وكبت في وحدتهم (تتوقف) الرأى البشرى هش ضعيف. أن تمسك رأس واحد ما بين يديك وان تشعر بتلك الهشاشة بين يديك... وداخلها كل الوحدة وقابلية التطوير والفرح والضيق والذكاء وإرادة الحياة و... (تتوقف) يد إنسان هرم... كان اليوم طويلا ومتعبا ولكن المساء جاء، اليد التي تفتح. (تتوقف) لا أستطيع أن استمر، كلا.

توماس: في أحد الأزمنة كان هنالك أمير قوى عذبته رغبة عامة للعاطفة. خرج وامسك برعاياه في شبكة صيد كبيرة ثم أخذهم في قافلة من البغال المحملة إلى قصره. وهناك عذبهم وعندما أخذوا يئنون من الألم حاول أن يريحهم معبرا عن ذلك بالعواطف والهدايا. ما بالك؟

جيني: لا استطيع التحمل بعد الآن.

تدير رأسها فتنظر إلى حائط المستشفى الأبيض. تستلقى في سريرها بينما يمتد ضوء النهار النافذة.

جيني: ما هو اليوم بين الأيام؟

توماس: مازال اليوم الثلاثاء.

جيني: وما هو الوقت؟

توماس: لقد نمت لعدة دقيقتين.

جيني: (تبكى) لماذا يخيفون الأطفال ويقتلونهم؟ كيف نستطيع أن نتظاهر بأن هذا لا يحدث؟

توماس: ماذا تعنين.

جيني: أن الأطفال يموتون. أن الأطفال يعاملون معاملة سيئة. أن الأطفال يموتون جوعا. لا حياة بوجود هذه الأشياء.

ماذا نفعل ببعضنا البعض؟ كيف اتظاهر بأن هذا لا يحدث.

توماس: اعتقد أنك تدفعين بدل هذه اللامبالاة ألما نفسيا بالغ الأثر.

جيني: ماذا سيحدث؟

توماس: لا اعرف. عندما هجرني صديقي، دخلت إلى سيارتي وقدتها نحو واد صغير. جلست هناك مسجونا لبضع ساعات والمياه تصل إلى أنفي. ثم اخرجني أحدهم خارج الخربة وقد سحقت قدمي.

جيني: هذا ليس بجواب.

توماس: أنت تشتكين من أن الإنسان ذئب في مواجهة انسان آخر. بموضوعية، لا تستطيعين فعل أي شىء تجاه هذا الموضوع. الشفقة هي نوع من العبث في الحب وغالبا ما تنتهي باخفاق عصبي تام. أو: هستيريا سياسية. أنها مسألة ذوق في اختيارك (يتوقف توماس عن الكلام وينظر خارج الشباك. في ضوء النهار الساطع يبدو شاحبا وبائسا، عيناه تعبتان ومحتقنتان بالدم وذقنه غير حليقة) يتبادر إلى ذهنك أنك محاطة بأطفال كبار؟ لا يجوعون بأجسادهم ولكن بعقولهم. يموتون. ليس بسبب إطلاق الرصاص ولكنهم يطاردون ببطء ومنهجية نحو الموت في مجتمع قاس بشكل عام كقسوة مجتمعات العصر الوسطى. في كل الاتجاهات يعذب الأطفال الكبار والصغار ويتألمون ويموتون. لسوء الحظ لا تستطيعين فعل شئ تجاه هذا.

(خلع نظارته وواصل النظر بعينين طارقتين. تتابعه جيني ناظرة اليه من زاوية عينيها)

توماس: هكذا الأمر.

جيني: هل تؤلمك عيناك؟

توماس: عندما كنت شابا وسكران سبحت مرة في أحدى قنوات فينيسيا. كان على أن أعرف الأمور أكثر. التقطت التقطت التهابا فيروسيا مزمنا في قرنية العين. يؤلمني أحيانا إيلاما شديدا فتطرف عيني.

جيني: على أي حال. لا أعرف ماذا أفعل.

توماس: منذ ملايين السنين تراكضت بضع خلايا من النخاع الشوكي مسعورة إلى رأس سعدان وبدأت تنقسم كالسرطان.

وفجأة وجدت هناك.

جيني: من، ماذا؟

توماس: العقل البشرى. أداة مجنونة ليس لها نسخة مماثلة في بقية علم الحيوان. هكذا وجد مثل قبعة صوفية كبيرة رطبة معلقة على الحاجات البسيطة للعقل العجوز وغرائزه. هكذا هو كائن يرسل الرسائل شمالا ويمينا وفى كل اتجاه. مركز قيادة جيش تحركه الكومبيوترات وله مشات الآلاف من الجنرالات المبرمجين والذين يفترض بهم أن يقودوا قبيلة صغيرة محلية عبر مخاطر الحياة والأدغال. من الطبيعي أن تكون النتائج مترنحة , وهى كذلك.

جيني: تعال واجلس هنا. على حافة السرير.

توماس: حسنا هأنذا. ماذا تريدين:

جيني : لا شىء محدد. ولكن هذا أمر لطيف.

توماس: (بعد توقف طويل لم أنا أرى فعلا أن للمياة فترات من الروعة. وينوع من الموضوعية اعترف أنها حتى جميلة بشكل غير عادى. وكريمة. وعقلانيا استطيع أن استوعب أنها تقدم جميع أنواع الأشياء. ولكنني آسف فقط أن أقول انني شخصيا اعتقد أنها كومة من "الخراء".

(يتوقف عن الكلام وينظر إلى الحائط. ثم ينظر إلى جيني بعينيه الطارقتين، المحاطتين بالإحمرار الذي ربما زاد من حجمهما. تقابل جيني حملقته بعد أن قررت أن تنظر إلى داخل عينه اليمنى التي تبدو أفضل من اليسرى.

ثم تلاحظ أنه يبكى. بدون صوت، دون أن يحرك وجهه، تسقط الدموع واحدة اثر الأخرى مترددة بشدة، على خده. يتناول منديلا نظيفا فيمخط أنفه ويجفف عينيه)

جيني: (متأثرة) هل أنت تبكى يا توماس؟

توماس: كلا، كلا بحق المسيح. أنه فقط ذلك الالتهاب في العين. سامحيني اذا ما ذهبت إلى حمام الرجال لبرهة من الزمن.

جيني: توماس !

توماس: كلا، كلا لا تتصرفي بسخف الآن. أنها توخزني. بشكل جهنمي.

سأخرج وآخذ سيجارة وآخذ مزيدا من القهوة (بحركة اعتذارية يتجه نحو الباب) سأعود فورا.

(بلحظة يتمكن من مغادرة الغرفة. خارج النافذة يسود الصباح. تمطر مؤقتا. تسقط جيني نائمة في نفس اللحظة. ترى نفسها مستلقية في تابوت أبيض. وضع في غرفة جلوس الجدة. الشبابيك والخيطان مغطاة بالشراشف وكذلك العفش مغطى هوا لآخر. حزم الزهور البيضاء في كل مكان. في كل هذا البياض هنالك مجموعة من الناس ترتدى لونا أسود. والسيدة الميتة تلبس اللون الأحمر، فستان واسع جدا فضفاض لدرجة أنه ينتفخ خارجا فوق حافة التابوت بطريقة داعرة. في قدميها تلبس جوربا أحمر وحذاء، ذراعاها عاريتان مضمومتان على جانبيها وباطن الكف ملوى إلى أعلى. رأسها مستلق بشكل مسطح والشعر مسترسل ومزين بزهور بيضاء. عيناها مفتوحتان على اتساعهما وهى تتابع المجريات بدهشة مرعوبة.

ترى جيني أن أحد رجال الدين خطا إلى الأمام نحو التابوت. يلبس غفارة واسعة وصلينا فضيا كبيرا في سلسلة. ينحني فوق جيني في التابوت. تقابل عينيه برعب.

رجل الدين: ربما كانت حية منذ فترة وجيزة ولكنها الآن ميتة واستطيع تأكيد ذلك. لذلك دعنا نسير في المراسيم. لم يقترب الجميع من التابوت ويبدو عليهم الاعتداد بأهميتهم. تقف جيني متجهة نحو توماس الذي يقف في إحدى الزوايا حبني: هذا ليس بالأمر الذى يستدعى الحزن.

توماس: ليس هذا هو الموضوع الذي أبكى من أجله. (لقد تقدم رجل الدين بعلبة صغيرة من الرمل أحضرها من تحت غفارته الفضفاضة. يأخذ بضع قبضات ويرميها إلى داخل التابوت.

رجل الدين: احضر الغطاء لقد بدأت تنتن، اعتقد أنهم كالعادة أفسدوا عملية التحنيط.

(يتوجه كل واحد نحو زاوية، حيث يغالب أهل جيني غطاء التابوت الذي يبدو ثقيلا عليهم. يترنحون وهم يقتربون به. تقوم جيني في التابوت بحركة مذعورة مفاجئة وكأنها تحاول الجلوس ولكنها تسقط إلى الخلف وهى تصرخ صرخة احتجاج خافتة. الغطاء ينخفض. الأيدي المنمقة تقتحم لتدخل الثوب الأحمر المنتفخ إلى داخل حواف التابوت. بالرغم من ذلك فإنه عندما يوضع الغطاء أخيرا في موضعه يبقى العديد من المواد خارجا. هنالك همسات مضطربة. يذهب رجل الدين إلى طاولة العمل الخاصة بالجدة قرب النافذة. يأخذ من أحد الأدراج مقصا كبيرا ويناوله لأحد الذين يلبسهن ثوب الحداد فيأخذ فورا في قص قطع القماش المتالاة.

قرع خافت يسمع من داخل التابوت ولكن لا أحد ينتبه. يبدأون في شد براغي الغطاء. يبدأ رجل الدين وبعض الذين يلبسهن ثوب الحداد يغنون شيئا يفترض أن يكون ترنيمة. فجأة يبدأ التابوت بالاحتراق. زحفت جيني وأوقدت النار فيه ! نلتقط نظرة خاطفة للثوب الأحمر وزوج من الأذرع المتماوجة بهلع وفم فاغر. ثم كل شئ يتحول إلى شلة ضخمة. تستيقظ جيني. يعود توماس ومعه ترموس قهوة طازج. يجلس محاولا إغلاق فمه المتثائب على مصراعيه دون أن ينجح جيدا. فيبتسم معتذرا).

جيني: ( بعد وقفة طويلة) عندما كنت طفلة كنت أخاف من الموت. كان يبدو حولى من كل جانب. عندما دهس كلبى البودل وكان هذا اسوء  شىء  بالنسبة لي. أمي وأبى ماتا في حادث سيارة. اخبرتك ذلك ألم أفعل؟ (تتوقف) ثم ابن عمي مات من شلل الأطفال. كنت في الرابعة عشرة عندئذ. كنا نجلس تحت طاولة الطعام نقبل بعضنا يوم السبت. الجمعة الذي يليه كان ميتا.

أجبرتني جدتي على الذهاب إلى الجنازة. توسلت ورجوت لأعفى من ذلك ولكن جدتي لم تلن. كان ممددا في تابوت مفتوح 0 وكان هنالك عدد كبير من الناس وأمه لم تتوقف عن البكاء. وكان يبدو مضحكا. طلبت جدتي منى الذهاب نحوه والنظر إليه وأن (أودعه) حسبما وضعت العبارة. تخيلت أنه يتنفس وأن جفونه ترتعش. قلت ذلك لجدتي. قالت هذا تخيل نظري عادى وانني  يجب أن أسيطر على نفسي. عندما اقفلوا براغي الغطاء تأكدت أن جوهان سوف يستيقظ هنالك في الظلام بعيدا تحت الأرض. عندما وصلنا إلى البيت بعد الجنازة قلت لجدتي انني أكرهها. ضربتني على اذني بقبضتها بقسوة وطلبت منى الا أكون هستيرية. كانت آسفة بعد ذلك واعتذرت ولكنني لم أغفر لها.

توماس: لقد اعتبرك الجميع دائما معجزة في التعقل. اليس كذلك.

جيني: اتبعت المبدأ القائل انني سأعزم على أن أشعر هكذا فأشعر هكذا. وقررت ألا أخاف الموت بعد الآن ولا الموتى. وقررت أن اتجاهل حقيقة أن الناس تموت كل يوم وكل لحظة. لم يعد الموت موجودا بعد الآن إلا كفكرة غامضة وهذا كل شيئ " (تتوقف) قبل أن اتزوج سكنت لفترة من الزمن مع فنان مجنون. مرة عندما كان غاضبا منى قال لي أن برودتى كاملة لدرجة أنها مثيرة للاهتمام. غضبت أيضا وقلت أنا باردة معك فقط.. أما مع الرجال الآخرين فأحصل على المتعة الجنسية. عندئذ قال في الملاكمة فقط يمكن أن تحصلى على ضربة قاضية (تتوقف) في إحدى الأمسيات في حفلة ما , ليس منذ زمن بعيد، قرأ بعضهم بصوت عال قصيدة عن الحب والموت وكيف أن الحب والموت يختلطان وهما يتضمنان بعضهما البعض.

توماس: حسنا؟

جيني: اتذكر انني كنت ساخرة تقريبا من تلك القصيدة. غباء منى. الا تعتقد ذلك؟

توماس: نعم، ربما.

جيني: نمثل المسرحية. نتعلم الأسطح الخاصة بنا. نعرف ما يريد الناس أن نقول. نكذب. في النهاية الأمر ليس مدروسا. ترويض النفس (تتوقف) ارتباك. كبرياء. اذلال. ثقة بالنفس، نقصانها. الحكمة التي هي البله والشكل المعاكس. العجرفة والحساسية المفرطة. يسهل جرحها، اواه أنه، يسهل جرحها بشده. سريعة الغضب، سيئة المزاج ولكنها مكبوتة في كل مكان مكبوتة صموتة مشلولة قادرة. ضميرها حي. تستطيع الاعتماد على جيني. كأنما هي شيئ حقيقي ! محرك طيارة أو قارب تجديف. والدي كان لطيفا جدا وكان يشرب. كان يحب التدليل. كنا متوافقين معا هو وأنا. ثم تقول والدتي وهى تسير متجاوزة، يكفينا هذا القدر من العاطفية. ثم تمر

الجدة متجاوزة فتقول: قد يكون والدك شخصا عزيزا ولكنه كسول. ووافقت والدتي على ما قالت جدتي. كانتا تدعمان بعضهما البعض في ازدراء والدي، وفى النهاية وقفت الى صفهما. كان الأمر بهذه السهولة. وفجأة أخذت اخجل من معانقات والدي وقبلاته. اعتقدت جدتي أنه سخيف وكسول وقد كنت متحمسة لإسعادها. ثم أصبحت لي طفلة خاصة بي. كانت لأنا صرخة مضحكة لم تكن مثل باقي الأطفال. لم تكن تبكى غضبا أو لأنها جائعة أو مبللة. كانت أميل إلى النشيج. كانت تمزق القلب، وفي بعض الأحيان كنت أريد ضربها لبكائها بهذا الشكل وأحيانا أخرى كنت رغما عنى حنونة. ولكن كل الوقت أجد نفسي تعترض الطريق. خوف أناني من أغرب ما يكمن: لا أستطيع أن أدع نفسي تتركني. وعندئذ يخرج الفرح من كل شيئ. (وقفة طويلة) أذكر أول مرة سمعت ماما تبكي. كنت في غرفة الأطفال وسمعت جدتي ووالدتى يتكلمان وكانت نبرة جدتي جافة ومضحكة في آن. ثم صرخت والدتي. لم يكن عندي أية فكرة حول سبب الصراخ. شعرت بخوف شديد غالبا بسبب أن صوت جدتي كان يبدو كريها. ركضت الى غرفة الجلوس. كانت والدتي تجلس على كرسي منخفض بقرب النافذة تبكى. وجدتي واقفة في منتصف الغرفة. عندما دخلت أدارت وجهها ونظرت الي. وكان وجه جدتي ومع ذلك لم يكن وجهها، كانت تبدو كالكلب المجنون الذي كان على وشك أن يعض ! وازداد خوفي وركضت نحو غرفة الأطفال وصليت إلى الله لأن تستعيد جدتي وجهها الحقيقي وأن تتوقف والدتي عن البكاء. شيئ رهيب تلك الوجوه التي تتغير لدرجة أنك لا تعود تعرفها. في بعض الأحيان تلصق في حلقي. وفى البعض الآخر اعتقد أنها مقرفة.

توماس: ما هو؟

جيني: العالم يذهب إلى الكلاب وأنا طبيب أمراضي العقلية. هذا شيئ مخز.

توماس: منطقك يبلغ حد الروعة.

جيني: آه

توماس: أولا تأخذين حياتك بسبب الرعب، الحواجز والعزلة. ثم تزدرين جهودنا عندما نكسر طوق نفس هذه الحواجز والرعب والعزلة.

جيني: حينما يصل العالم إلى نهاية؟

توماس: العالم يبدأ ومنتهى بنفسك. هذا كل ما في الأمر.

جيني: (تنفجرلا أستطيع الكلام عن ذلك !

توماس: يجب أن تحاولي.

جيني: لا استطيع. لا أريد.

توماس: لا مجال لتجنب هذا. يجب أن تحاولي.

جيني: اتركني لوحدي. دعنى. رأسي يؤلمني. الا تستطيع أن تعطيني حقنة ما أو أي شيئ؟ (تضرب رأسها في الحائط) أن هذا أمحو من قدرتي على التحمل. لا استطيع الاستمرار.

توماس: يجب أن تحاولي. لا شىء أكثر أهمية !

جيني: اتركني. أنت تؤذيني ( تبكى) اتركني بسلام. دعنى اذهب وحق يسوع ! لا دخل لك في. أن اذهب بعيدا.

توماس: جيني، ارجوك.جيني، هذا مهم بالنسبة لي أيضا. لا تستطيعين أن تنسلي خلسة وتذهبي بعيدا.

جيني: اشعر بالمرض.

توماس: استلقى. تنفسي بعمق.

جيني: لا استطيع العيش بهذا.

توماس: تنفس عميق وبطئ.

جيني: لا تستطيعين أن تلبسي ذلك الفستان اليوم. أنه فستانك الأفضل ليوم الأحد. لمن تتمكني من فعل ذلك يا عزيزتي. دعيني أساعدك. تستخدمين حمرة الشفاه اليس كذلك؟ شيئ غير مناسب وأنت تعيشين في بيتنا. كلي ما لديك في طبقك. أنت متأخرة للمرة الثانية. ألن تتعلمي كيف تكونين دقيقة في مواعيدك. أنت كسولة ومفسودة. وإذا استمررت هكذا سنرسلك جدك وأنا الى مدرسة داخلية وسريعا ما تتعلمين أن تصلحي أساليبك هناك يا فتاتي.

في هذا البيت يا جيني يسكن اناس محترمون، اناس حاولوا أن يعيشوا في نظافة وصدق. عليك أن تتصرفي بشكل لائق إذا ما كنت تنوين أن تتابعي العيش هنا مع جدك ومعى. عليك أن تكوني ممتنة ولو أنك ولو لمرة واحدة تستطيعين إظهار شيئ من الامتنان. ( تصرخ بشكل يفطر القلب) لا تضربيني هكذا. لا يجوز أن تضربي وجهي. لا استطيع تحمل ذلك. (صوت آخر) سوف اعلمك حسن التصرف. ما هذه التفاهاتا؟ توقفي عن البكاء. لا أصدق هذه الدموع.

(تصرخ) سوف افعل ما أريد. لن تواصلي إصدار الأوامر لي. أنت عاهرة غبية ملعونة. أكرهك وأستطيع أن أقتلك. (تهمس) من الأفضل لك أن تقرري أخيرا. نعم، اعرف انك تحبينني. اعتقد. أنك حسنة النية. اعرف أنه على أن أفعل ما تقولين. لماذا، (شاكية) لماذا على أن أحمل ضميرا سيئا: (بكراهية) سوف استجدى غفرانك. اغفري لي. آنا اعتذر. اعرف إنني أخطأت. أنا دائما أخطئ. سوف أكون فتاة جدتي الطيبة الصغيرة. أنا حيوان جدتي الأليف. نستطيع أن نتكلم حول كل  شيئ أنت وأنا. معك كل شيئ لطيف وهادئ وأمين. (تصبح شاحبة، عيناها تدوران نحو الداخل) أستطيع أن أرى كل الأثاث، كل الصور، أستطيع أن أرى صحن عصيدة والانعكاسات من الشباك في الزجاج المشع. كان لوالدتي رائحة حلوة، وكانت لها يدان صغيرتان مستديرتان ورؤوس أصابع مفلطحة وكانت يداها دائما دافئتين. (تهمس) إذا حبستني في الخزانة سوف أموت. (ينخفض الهمس أكثر) سأكون طيبة إذا لم تحسيني في الخزانة. أرجوك، أرجوك يا جدتي، سامحيني على كل شيئ ولكنني لا أستطيع أن أعيش إذا كان لابد أن أحبس في الخزانة. (حركات مشلولة بيديها. تتوقف. ثم بصوت صاف) هل تتخيلين حبس طفل يخاف الظلام في خزانة؟ اليس هذا مذهلا؟ توماس نعم أنه مذهل.

جيني: هل تعتقد إنني سأبقي مشلولة بقية حياتي.

هل تعتقد أننا جيش جرار من البؤساء المشلولين عاطفيا نتجول دائرين ونصرخ لبعضنا البعض بكلمات لا نفهمها تزيد من خوفنا؟

توماس: (متمتما) لا أدري.

(تحنى جيني رأسها وتجلس لوقت طويل صامته وحزينة.

ينحنى توماس إلى الأمام مترددا، يمد يده اليسرى ويربت على رأسها بحياء.

توماس: هنالك تعويذة لنا نحن الذين لا نؤمن.

جيني: ماذا تعني؟

توماس: بين الفترة والأخرى أرددها لنفسي بصمت.

جيني: ألا تستطيع أن تقول لي ما هى؟

توماس: أتمنى أن يؤثر في شخص ما أو شيئ ما حتى أصبح حقيقيا. أكثر وأعيد: اسمح لي أن أصبح حقيقيا يوما ما.

جيني: ماذا تعني بحقيقي؟

توماس: أن اسمع صوتا إنسانيا واتأكد أنه يصدر عن شخص مماثل لي. أن ألمس شفتين وفى نفس الجزء من الألف من الثانية أعرف أن هذه شفتان. ألا اضطر للعيش عبر اللحظة المرعبة التي احتاجها لتجربتي حتى أتأكد أنني حقا أحست بالشفتين. الحقيقة سوف تكون أن تعرف أن الفرح هو الفرح وفوق كل هذا أن الألم يجب أن يكون ألما.

(بصمت)

جيني: أرجوك تابع.

توماس: الحقيقة قد لا تكون كل ما اتخيله، قد لا تكون موجودة في الواقع. ربما تكون موجودة بفعل الشوق اليها. (يفتح الباب على مصراعيه وتحملق الممرضة فيرونيكا المسؤولة عن الطابق - بدهشة محبوسة حتما - على الشكلين الموجودين هناك بقرب النافذة.

فيرونيكا: آسفة لإزعاجك.

توماس: أنت هنا في منتصف الليل، ايتها الممرضة.

فيرونيكا: (بمرح) في منتصف الليل؟

توماس: ساعتي تقول الرابعة والخمس دقائق فقط.

فيرونيكا: حسنا، لا اعرف، ولكن في الخارج أنها العاشرة والخمس دقائق.

توماس: ولكن اليوم هو يوم الثلاثاء أليس كذلك؟

فيرونيكا: اوه حسنا. اردت فقط أن أقول لك أن ابنتك تجلس خارجا هناك وتريد أن تردك.

توماس: آه !

(تتوقف جيني مرعوبة للحظة وتنظر حولها وكأنها تبحث عن وسيلة للهرب. وقف توماس وأخذ يطوى حرامه. يدور نحوها وهو على وشك أن يقول شيئا عندما تقاطعه جيني.

جيني: أود أن اتكلم معها. ولكن ليس هنا. ربما نجلس في غرفة ´الزوار؟

فيرونيكا: طبعا. السيدة العجوز التي رتبت هذا اللقاء موجودة في الخارج تمشى في الحديقة.

جيني: يجب أن اجمل نفسي.

توماس: حتما، يا عزيزتي جيني، سوف اذهب.

فيرونيكا: دكتورة ايزاكسون, ما رأيك بصينية فطور في غرفة الزوار؟ الا تريدين فنجانا من القهوة. ربما ابنتك أيضا تريد ذلك؟

جيني: ( من الحمام) نعم، ارجوك.

توماس: اعتقد أنه باستطاعتنا أن ندع السيدة ايزاكسون تمضى إلى البيت اليوم. هذا إذا ما أرادت ذلك.

فيرونيكا: الا يجب أن اسأل الاكس وانكل؟ توماس. لا اعتقد أن هذا ضروري.

(جيني تخرج رأسها من وراء الستارة. لقد غسلت وجهها توا وهى تحمل منشفة)

جيني: هل سأراك.

توماس: سيكون هذا لطيفا ولكن بعد فترة من الزمن.

جيني: بعد فترة من الزمن ماذا تعني؟

توماس: أنا ذاهب إلى جامايكا غدا.

جيني: لم تقل لي.

توماس: اعتقد أنني نسيت.

جيني: هذا يعنى أنه على أن اتدبر أموري بنفسي؟

توماس: أنا هو الشخص الذي عليه تدبر أمره بنفسه.

جيني: ما رأيك أن أذهب معك إلى جامايكا؟

توماس: كلا شكرا.

جيني: ماذا ستفعل هناك؟

توماس: سمعت أن الإنسان يستطيع أن يعيش حياة رائعة من الرذيلة في جامايكا.

جيني: ولكنك ستعود.

توماس: لا أعدك.

جيني: مع السلامة يا توماس.

توماس: مع السلامة. اعتن بنفسك وبمن يحبونك. ( يخرج سريعا، تجلس جيني على حافة السرير تشعر بالغثيان بسبب نهوضها السريع متأثرة بالوداع المفاجئ. ثم، بعد أن تستجمع نفسها، تتابع زينتها الصباحية وتضع رداء المستشفى وخفى حمام وتجر قدميها خارجا الى الممر بحثا عن ابنتها. تقف آنا وظهرها نحو الباب وتنظر خارج الشباك. أنها طويلة ونحيلة. مشعرها طويل وأحمر وعيناها كبيرتان رماديتان. وجبهتها عريضة وما عدا ذلك تقاطيع ناعمة، فم طفولي وذقن وحاجبان مندهشان. عندما تسمع خطوات والدتها تستدير نحوها)

أنا: هاللو ماما.

جيني: هاللو.

آنا: (بسرعة) اتصل بي والدي تليفونيا واخبرني أنك مريضة. بما أنه جاء مسرعا من أميركا إلى البيت فكرت أن الأمر جدي ومن الأفضل أن أحضر وأراك وغم أن والدي قال إنني يجب ألا أفعل.

جيني: يا للسماء.

آنا: تعرفين كم يبالغ والدى أحيانا.

جيني: هل أخبرك لماذا أنا هنا.

آنا: قال أنك قد أصبت بالمرض فجأة وأنهم احضروا لك سيارة إسعاف لتنقلك إلى المستشفى.

جيني: ألم يخبرك عن السبب؟

آنا. كلا لم يخبرني.

(تنظر آنا نحو أمها مؤنبة. تجلس جيني على كرسي رث. تأتى ممرضة تحمل صينية الفطار التي تضعها على طاولة قرب جيني، ثم تختفي)

جيني: هل تحبين تناول.

 آنا: كلا. ( تتوقف) كلا، شكرا.

جيني: تستطيعين الجلوس؟ آنا: نعم.

جيني: هذا لن يكمن سهلا يا آنا.

آنا: آه؟

جيني: بالنسبة لك ولى.

آنا: آه.

جيني: فعلت شيئا غبيا منذ بضعة أيام.

آنا: ( تنظر اليها) هل فعلت؟

جيني: حاولت أن انتحر.

آه: (تنظر اليها) هل فعلت؟

جيني: من الصعب تفسير كيف يمكن لذلك أن يحدث. ربما يتهيأ لك انني لم أحبك أنت ووالدك وانني حاولت أن اتسلل بعيدا هكذا. ولكن يجب الا تفكري بهذه الطريقة ابدا. (تتوقف) أنا أحبك أكثر من أي شخص آخر. أنت وجدتك. والدك. ( تتوقف) ألم تفعلي شيئا في لحظة ما دون أن تتوقفي للتفكير؟

آنا: (تنظر إليها) نعم. ربما.

(الوجه الواضح السريع التأثر، الكتفان المستقيمتان النحيلان، الفم الناعم القلق، اليدان الجميلتان العريضتان بأظافرهما القذرة المتبلدة).

جيني: حاولي أن تغفرى لي.

آنا: لا أدري ما تعنين.

(المسافة، المسافة الصعبة التخطى. جيني خرساء ومهزومة)

جيني: هل ستعودين إلى المخيم اليوم؟

آنا: هنالك قطار بعد ساعة.

جيني: هل تملكين المال الكافي؟

آنا: نعم شكرا.

جيني: هل تتمتعون جميعكم بالوقت؟

انا: أوه لا بأس.

جيني: بلغى لينا وكاوين حبى.

آنا: نعم.

جيني: هل ينتهى المخيم يوم الجمعة؟

آنا: ( بتنهيدة) نعم.

جيني: ألا نستطيع تناول العشاء معا أنت وأنا في طريقك إلى سكاين؟ سوف تصلين إلى البلدة بعد الظهر وقطارك لا يغادر حتى التاسعة والنصف مساء. نستطيع أن نتناول العشاء ثم نذهب إلى السينما. ألن يكون ذلك لطيفا؟

آنا: نعم لطيف جدا.

جيني: حسنا، من الأفضل آن تذهبي الآن حتى لا يفوتك القطار.

(تنهض آنا طائعة. تنهض جيني نحوها. تأخذ وجهها بين يديها وتقبلها. تستعلم الفتاة ولكنها تبدو محرجة. ثم تذهب نحو الباب، تتوقف، وتستدير).

جيني: (مازال لديها أمل) نعم؟ (تنظر آنا نحوها نظرة طويلة، قاسية ووميض من الكرب ينبعث من عينيها الرماديتين).

آنا: هل ستفعلين ذلك ثانية.

جيني: كلا.

آنا: كيف استطيع أن أتأكد؟

جيني: عليك الاعتماد على في قول الحقيقة.

آنا: ولكن هل تدرين معنى ما تقولين ,

جيني: اعتقد ذلك.

آنا: ولكنك لست متأكدة.

جيني: (بعنف شديد) فقط لو اعرف ما تريدين؟ الا يمكن لك أن تفهمي شيئا؟

أنا: لم نجيبيني في يوم من الأيام.

(تقف جبني وذراعاها تتدليان وتنظر إلى الفتاه الواقفه بعيدا قرب الباب، الأصابع ذات الأظافر القذره المفضومة والتي لا تكف عن العبث بعصبية  الموضوعة في الإطار الذهبي التي تضعه حول عنقها. صمت طويل).

آنا: لم تفعلي أنت وتعرفي ذلك. (تتوقف) حسنا يجب أن أذهب الآن. (تتوقف) لا تضطربي. أنا قادرة على إدارة أمورى بنفسى. باي باي.

(وتخرج  آنا، تقفل الباب بهدوء خلفها. تنظر ممرضة إلى الداخل وتسأل إن كان بإمكانها أن تأخذ الصينية)

جيني: نعم إفعلي. شكرا.

تعود جيني في نفس عصر ذلك اليوم إلى المنزل الكائن في الشارع الهادئ. تقابلها الجدة في القاعة. يتعانقان.

الجدة: هل أنت أفضل الآن؟

جيني: أفضل بكثير.

الجدة: لماذا لم تقولى شيئا؟

جيني: ليس هنالك شيئ, نقوله.

اجدة : سألت ذلك الدكتور جاكوبى الذي اتصل بي وقد قال أنك تعانين إجهادا شديدا.

جيني: نعم.

الجدة: واريك الذي جاء مسرعا إلى البيت هكذا.

جيني: لقد عاد اليس كذلك؟

الجدة: اوه نعم عندما أدرك أن الأمر ليس خطيرا.وانكل ليس إلا إجهازا.

جينى: هل تكلمتما معا؟

الجدة: بقى هنا فترة وجيزة , نعم. (هما في غرفة جيني، والجدة تساعدها على إخراج ملابسها. شمس بعد الظهر حارقة. النوافذ مفتوحة على مصراعيها والستائر مقفلة حتى منتصفها. تجلس جيني على السرير. تتوقف المجدة عما تفعله)

الجدة: أنت متعبة. هل ارتب السرير؟ حتى تستطيعي الاستلقاء جيني: كلا، شكرا. لا حاجة لذلك.

الجدة: إذا كنت تفرطين في عمل الأشياء فمن الضرورى أن تذهبي بضعة أسابيع وتستريحى.

جيني: من المستحيل الآن. ايرنمان لن يعود قبل شهرين من الآن. بعد ذلك ربما نأخذ اجازة أنا وايريك. في الواقع كنا قد صممنا رحلة إلى إيطاليا.

(تضبط جيني نفسها وتنظر الى الجدة. تبدو وكأنها تراها للمرة الأولى. تجلس السيدة العجوز على كرسى بالقرب من الحائط والشمس تشرق على وجهها. تكتشف جيني الآن أن جدتها هرمة جدا وأن العينين الزرقاوين - الرماديتين الصافيتين حزينتان، وأن الفم الصارم لو يعد صارما، وانها لا تستطيع أن تستقيم في جسدها كما كانت تفعل، وانها بشكل ما قد أصبحت أصغر، ليس كثيرا، ولكن بشكل ملحوظ. وعندما تدير وجهها لجيني وترسل لها ابتسامة تساؤل يهتز رأسها بشكل غير ملحوظ ومع ذلك فهو يهتز، واليدان القويتان العريضتان، اليدان القادرتان المليئتان بالحيوية تسقطان متعبتين بلا حراك في حضنها.

جيني: (بعاطفة مفاجئة) ماذا هنالك يا جدتي.

الجدة: جدك لم ينهض اليوم. أخذت أضايقه وأعنفه ولكنه كان يبدو غير سعيد. ربما تكون سكتة دماغية خفيفة. مع جدك لا تستطيعين أن تعرفي. الدكتور كان  كما تعلمين دكتور ساميولسون العجوز. قال لي الآن أن أدع جدك يرتاع بضعة أيام

جيني: وماذا تعتقدين؟

الجدة: أشعر حتى العظم أن جدك لن ينهض ثانية. يبدو تعبا جدا

(الجدة لا تستطيع الكلام لبرهة من الزمن. تنظر نحو جيني بعجز تام والى يديها ثم خارج النافذة) حسنا، هذه هي حال الدنيا (تتوقف) كنت أتوقع هذا منذ بضع سنوات. ولكن عندما تأتى الأشياء تبدو مضحكة. (تتوقف) حسنا، هذا حال الدنيا.

(ترسل الجدة تنهيدة عميقة وابتسامة صغيرة متعبة)

جيني: سوف أدخل لأحييه.

جيني: الا تريدين شيئا؟

الجدة: كلا شكرا. أكلت شيئا قبل أن أترك المستشفى.

(تمسك الجدة الباب وتفتحه. الجد مستلق في السرير المزدوج الكبير ويبدو صغيرا جدا. عندما تقترب الجدة وجيني، يفتح عينيه وينظر نحوهما بلهفة).

الجدة: لا تكن عصبيا سوف اجلس معك. أنا هنا طوال الوقت.

(العينان الملهوفتان تهدآن تدريجيا ويحني رأسه انحناءة خفيفة ثم يمسك بيد الجدة، تجلس قرب السرير وتربت عليه. مرة تلو الأخرى تربت على يده.

تقف جيني وقتا طويلا على الباب تنظر إلى الشخصين العجوزين. كم هما مرتبطان ببعضهما البعض، يتحركان ببطء نحو النقطة الغامضة الرهيبة حيث يجب أن يفترقا. تنظر الى تواضعهما ونبلهما. وفى ومضة عين أدركت - ولكنها نسيت بنفس السرعة - أن الحب يعانق كل شىء، حتى الموت.

جيني: (برقة) اعتقد أنني سأذهب في نزهة قصيرة.

الجدة: عندما تعودين سوف نتناول قطع اللحم الموجودة في الثلاجة. هنالك أيضا بعض البطاطا المثلجة التي تستطيعين قليها. إذا كان الدكان الموجود على ناصية الشارع مفتوحا يمكنك أن تشتري خسة.

(تومئ جيني برأسها وتخرج على أطراف أصابعها)

اشترت حاجتها من الدكان في الشارع الذي تكسوه الأشجار على الجانبين. ازدحام في السير، المكاتب مغلقة في نهاية اليوم وهنالك العديد من الأشخاص حول المكان. الشمس تشرق ساطعة بعد الظهر الحار والمياه تتلألأ في الترعة. ترسل أعالي الأشجار حفيفا، وعناوين جرائد المساء سوداء تصرخ عاليا.

تقف على مفترق طرق مع خمسة أو ستة آخرين. ترى امرأة طويلة القامة تلبس معطفا أبيض وقبعة بيضاء؛ شعرها الرمادي يخرج من تحت الحافة. تحمل عصا بيضاه تتحمس دربها بها مقاومة ما يعترضها. تلبس نظارات شمس.

جيني: ربما استطيع مساعدتك في اجتياز الشارع؟

(تستدير المرأة وفى لحظة مفاجئة تتعرف جيني على الوجه الشديد الانفعال الشاحب وعلى الابتسامة التهكمية. العين الميتة المقلوعة.

السيدة. هذا لطف شديد منك، يا عزيزتي، أشكرك.

(تأخذها جيني من ذراعها وتقول، "حسنا، لنذهب إذن" يبدآن في المشي ببطء فوق العلامات البيضاء لتقاطع الشارع، بينما يسير باقي الناس مسرعين متجاوزينهما دون الالتفات إليهما).

انجمار برجمان
مها لطفي (كاتبة ومترجمة من لبنان) 

   

1183 تصفح 0 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009