لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5339894)
  تصفح الموقع (9073983)
  طباعة المقالات (1262512)
  إرسال المقالات (3114)
  المتواجدون الأن ( 29 )

العدد الحادي والاربعون
يناير 2005




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> إرادة الحرية للكاتب النيجيري: تشينوا أكيبي

العدد السادس و الاربعون  إرادة الحرية للكاتب النيجيري: تشينوا أكيبي

يونس الحراصي 2009-07-19

إرادة الحرية للكاتب النيجيري: تشينوا أكيبي

  ذات مساء بينما كانت نين جالسة مع  نيميكا في إحدى غرف شقتهما الواقعة في شارع كسنانجا 16 في مدينة لاجوس، سألته: «ألم تكتب لوالدك بعد؟»

«لا. لقد كنت أفكر في ذلك. وأعتقد أن من الأفضل أن أطلعه بالأمر عندما أعود إلى المنزل في الإجازة».

«ولكن لماذا؟ لا يزال أمامك وقت طويل إلى أن تبدأ إجازتك، إن أمامك ستة أسابيع بأكملها. وهو يجب أن يشاركنا ويعيش معنا سعادتنا الآن».

صمت نيميكا لبرهة، وعندما تكلم كانت الحروف تخرج ببطء من بين شفتيه كأنه كان يبحث عما يقوله من الكلمات: «أتمنى لو كنت واثقا من أن هذا الأمر سيسعده بالفعل».

فردت عليه نين وقد اعترتها الدهشة: «بالطبع يجب أن يكون كذلك». وسألته: «لماذا تعتقد بأن مثل هذا الخبر لن يسعده؟»

«لقد عشتِ حياتكِ كلها في لاجوس، ولا تعلمين إلا الشيء اليسير عن حياة الناس وطباعهم في المناطق النائية من البلاد».

«هذا ما تردده على مسامعي دائما. لا أعتقد بوجود أناس يختلفون عن باقي البشر بحيث لا يفرحون لخطبة أبنائهم».

«نعم. هم في الغالب سيكونون غير سعداء إذا لم تكن الخطبة من تخطيطهم. وفي حالتنا نحن فإن الأمر أكثر صعوبة حيث أنك لست حتى من نفس قبيلتي».

خرجت تلك الكلمات من فم نيميكا حاملة معها جدية وصراحة جارحة، حتى أن نين من هول ما سمعته لم تجد ما تقوله في تلك اللحظة.

بدا لنين التي عاشت في جو المدينة الحضري، أن مسألة تدخل القبيلة في تحديد شريك الحياة شيء مضحك وغريب.

وبعد لحظات عاشتها نين صامتة قالت: «أنت لا تقصد ما قلته فعلا بأن والدك سيعترض على زواجك مني فقط للأسباب التي ذكرت؟ كنتُ دائما أعتقد أنكم الإبو تختلطون مع الناس الآخرين وتتعاملون معهم بكل عطف ومحبة». 

«ونحن كذلك بالفعل. ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بالزواج، فإن الأمور لا تكون بهذه السهولة. وهذا الأمر ليس مقصورا على الإبو فقط. فلو كان والدك لا يزال على قيد الحياة ويعيش في قلب أرض الإبوبو؛ لكان موقفه مماثلا لموقف أبي تماما».

«لا أدري. ولكن على أية حال، بما أن والدك يحبك كثيرا فأنا متأكدة من أنه لن يأخذ وقتا طويلا ليسامحك. والآن هيا كن ولدا صالحا وأرسل لأبيك رسالة جميلة...»

«لن تكون فكرة جيدة بأن نعلمه بالأمر من خلال كتابة رسالة. فالرسالة ستصدمه بالخبر. أنا متأكد من ذلك».

«لا بأس يا عزيزي، أفعل ما تراه مناسبا، فأنت تعرف والدك جيدا».

بينما كان نيميكا متوجها إلى المنزل ذلك المساء، قلّب في رأسه عدة أفكار حول الكيفية التي يتغلب فيها على اعتراض أبيه، خاصة بعد أن وجد له أبوه فتاة ليزوجها منه. فكّر نيميكا بأن يري نين الرسالة التي تلقاها من أبيه ولكنه قرر عدم فعل ذلك، على الأقل في الوقت الراهن. وعندما وصل إلى المنزل قرأ الرسالة مجددا، ولم يستطع منع الابتسامة من أن ترتسم على وجه، فهو يتذكر الفتاة أوجوي جيدا، الفتاة المسترجلة (الأمازونية)، التي كانت تهزم جميع الصبية، حتى هو نفسه، في الطريق المحاذية للنهر، وكانت بليدة تماما في المدرسة. 

«لقد وجدتُ لك فتاة ستناسبك تماما- أوجوي نويك، بكرُ جارنا يعقوب نويك. لقد نشأت على أسس دينية جيدة. فعندما توقفت عن الذهاب إلى المدرسة قام والدها (وهو رجل ذو آراء حكيمة) بإرسالها للعيش في منزل رجل دين صالح، حيث تلقت هناك كل ما تحتاج إليه المرأة من تعاليم دينية لتصبح زوجة صالحة. وقد أخبرني معلمُ مدرسة الأحد أنها تقرأ الإنجيل بطلاقة، وآمل أن نبدأ الحديث معهم حول الموضوع عندما تعود إلى المنزل في ديسمبر».

في مساء اليوم الثاني من عودة نيميكا للبلدة قادما من لاجوس، جلس نيميكا مع والده تحت شجرة سَنَا. حيث كان ذلك مكان الرجل العجوز الذي يقصده لقراءة إنجيله عندما تغرب شمس ديسمبر الحارقة، وتهب الرياح المنعشة مداعبة أوراق الأشجار.  «أبي» استهل نيميكا حديثه فجأة، «لقد أتيت لألتمس العذر منك». فسأل العجوز ابنه في دهشة: «العذر؟»، «على ماذا يا بني؟»

«الأمر متعلق بمسألة الزواج هذه».

«عن أية مسألة زواج؟»

«لا أستطيع - يجب علينا- أعني أنه من المستحيل أن أرتبط بابنة نويك».

فرد عليه أبوه مستفسرا: «مستحيل؟»، «لماذا هو مستحيل؟»

فكانت إجابة نيميكا: «لأني لا أحبها».

فسأله: «لم يقل أي أحد أنك تحبها، ولماذا تحبها؟»

فأجابه نيميكا: «إن الزواج هذه الأيام مختلف...»

فقاطعه والده قائلا: «اسمع يا بني»، «ليس هناك أي اختلاف. إن ما يبحث عنه الرجل في الزوجة هو الطباع الحسنة والتنشئة الدينية القويمة».

 أدرك نيميكا عندئذ أن لا جدوى من المناقشة في ذلك الوقت.

«بالإضافة»، وأسترسل نيميكا: «أنا خطبت فتاة تحمل جميع صفات أونجوي الحسنة، وهي...»

لم يصدق والده ما سمعته أذناه، فسأله ببطء وقد اعترته الدهشة: «ماذا قلت؟»

فأكمل نيميكا: «إنها فتاة صالحة». وأردف: «وتعمل مُدرسة في مدرسةٍ للبنات في لاجوس».

«هل قلت مُدرِّسة؟ إذا كنت تعتبر هذا مؤهلا جيدا للزوجة المناسبة، فيجب عليَّ أن أوضح لك يا نيميكا أنه يجب على المرأة الصالحة أن لا تعمل مدرسة. فقد قال القديس سات بول في رسالته للكورنثيين أنه يجب على النساء الصالحات أن يلزمن الصمت». عندها نهض العجوز من كرسيه وأخذ يَذْرع المكانَ جيئةً وذهوباً، فقد كان هذا موضوع جداله، وقد انتقد بشدة القسيسين المسؤولين عن الكنائس الذين يشجعون النساء على التدريس في مدارسهم. وبعد أن عبّر عن مشاعره في خطبة دينية طويلة، عاد في النهاية إلى موضوع خطبة ابنه في مزاج يبدو لطيفا.

«على أية حال، ابنة من هي؟»

« إن اسمها نين اتانج».

«ماذا؟» كل ذلك اللطف تلاشى مجددا. «هل قلت نيناتانجا، ماذا يعني هذا؟»

« نين أتانج من كلابار. وهي الفتاة الوحيدة التي أريد الزواج منها». كانت هذه إجابة جلفة شديدة الوقع على والده. فتوقع نيميكا أن تنفجر العاصفة حينها، ولكن شيئا لم يحدث، فقد توجه والده إلى غرفته دون أن يفعل أي شيء. كان هذا التصرف غير متوقع وأوقع نيميكا في حيرة. فقد كان صمت والده يحمل في طياته بحرا لا شواطئ له من التهديدات، أكثر بكثير من سيل عارم من التهديدات التي قد يطلقها والده لو أنه قد تكلم. ولم يتناول العجوز طعامه في تلك الليلة.

عندما أرسل العجوز لنيميكا في يوم لاحق، قام باستخدام جميع الطرق الممكنة للحوار معه ليقنعه بالعدول عن الأمر، ولكن قلب الشاب كان صلبا مصرا على موقفه، وفي النهاية أقلع والده عن مناقشته في ذلك الموضوع.

«يتحتم علي يا بني أن أريك وأوضح لك الصواب من الخطأ. إن هذا العمل هو عمل شيطاني، وأيا كان من زرع هذه الفكرة في رأسك، فإنه سيقودك حتما إلى هلاكك ».  فلوَّح العجوز بيده لابنه طالبا منه الخروج.

فخاطبه نيميكا قائلا: «ستغير رأيك يا أبي عندما تتعرف على نين».

وكانت الإجابة: «لن ألتقي بها». ومنذ تلك الليلة كان الوالد نادرا ما يتحدث مع ابنه. وعلى الرغم من ذلك، فإن العجوز لم يتوقف عن الأمل بأن يدرك ابنه خطورة الأمر الذي هو مقدم عليه. وقد كان يدعو للابن في صلواته صباح مساء.

وبالمقابل كان نيميكا هو الآخر متأثرا بالحزن العميق الذي يكتنف والده، ولكنه طوال الوقت كان يرجو أن تنتهي هذه الزوبعة بسرعة. ولو اتضح لنيميكا أنه لم يسبق أبدا لرجل في تاريخ قبيلة أن تزوج من امرأة تتحدث لغة مختلفة، لربما كان أقل تفاؤلا. وبعد عدة أسابيع لاحقة قال رجل عجوز مخاطبا كل أفراد قبيلته: «لم يسمع أحد بمثل هذا من قبل». وكان هذا العجوز من ضمن الناس الذين أتوا ليواسوا أوكيكي بعد انتشار الأخبار عن فعلة ابنه. وفي ذلك الوقت كان نيميكا قد رجع إلى لاجوس.

«لم يسمع أحد بمثل هذا من قبل»، ردد العجوز عبارته مرة أخرى وهو يهزُّ رأسه يمنة ويسرة حزنا.

فتكلم رجل آخر قائلا: «ماذا يقول السيد المسيح؟»، «الأبناء عندما يكبرون سيكونون ضد آبائهم، أترون إنه موجود في الكتاب المقدس».

فقال رجل آخر: «إنها بداية النهاية».

وبدا النقاش يأخذ منحىً دينيا. ولكن كان من بين الرجال الموجودين هناك رجل يدعى مودوبوجوا وكان رجلا واقعيا جدا، فأعاد النقاش إلى مستواه الطبيعي بعيدا عن الدين، وسأل أوكيكي بصراحة وبدون أية مقدمات: «هل فكرت باستشارة أعشابي عن حالة ابنك؟»

وكانت الإجابة: «ابني ليس مريضا».

 «إذا ماذا حلَّ به؟ إن عقل الفتى عليل ولن يعيده لصوابه إلا أعشابي ماهر. وإن الدواء الذي يحتاج إليه ابنك هو أماليلي، وهو نفس الدواء الذي تستخدمه النساء ليجددن دماء الحب لدى أزواجهن».

فقال رجل آخر: «إن مودوبوجوا على حق»، ثم أردف: «إن هذه الحالة تحتاج إلى العلاج».

فرد والد نيميكا: «لن أستدعي أي طبيب». كان والد نيميكا معروفا عنه أنه ضد جيرانه الذين يؤمنون بالخرافات في مثل هذه الأمور.  ثم أضاف: «لن أكون مثل السيدة أوتشوبا. إذا كان ابني يريد أن يقتل نفسه، فليفعل ذلك بيديه، وليس عليَّ أن أعينه على فعل ذلك».

فرد عليه مودوبوجوا: «ولكنها كانت غلطتها هي»، وأردف: «كان عليها أن تذهب إلى أعشابيّ صالح. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت امرأة ذكية».

«بل كانت قاتلة بارعة». قال هذه الكلمات جونثان الذي نادرا ما يناقش جيرانه؛ وهو غالبا ما يقول بأنهم عاجزون عن المجادلة بالحجة والمنطق. وتابع جونثان حديثه: «كان الدواء معدا لزوجها، فقد كانوا يتلفظون باسمه أثناء تحضير الدواء وأنا متأكد من أن الدواء لو أعطي له لكان ذا فائدة عظيمة. كانت حيلة بارعة منها أن تضع الدواء في طعام الأعشابيّ، وتقول بأنها كانت تتأكد من مدى فاعليته وصلاحيته».

بعد مضي ستة أشهر، كان نيميكا جالسا مع زوجته يريها رسالة قصيرة من والده: «لقد أدهشني أن تكون عديم الإحساس إلى هذه الدرجة لترسل لي صورة حفل زفافك. ولقد فكرت بإعادة الصورة لك مرة أخرى ولكني بعد تفكير مليٍّ قررت أن أقطع صورة زوجتك وأرسلها لك؛ لأنها لا تعني لي شيئا. وكم أتمنى عدم وجود أي شيء يربطني بك أنت أيضا».

عندما قرأت نين رسالته وشاهدت الصورة المبتورة، اغرورقت عيناها بالدموع وأخذت تجهش بالبكاء.

فقال لها زوجها: «لا تبكي يا عزيزتي».  وأردف: «أنه طيب القلب ويوما ما سينظر إلى زواجنا بعطف أكثر وسيتقبله». ومرت السنون ولم يأت هذا اليوم الذي طال انتظاره.

ولمدة ثماني سنوات، لم يكن أوكيكي على اتصال مع ابنه، ماعدا ثلاث مرات، كانت عندما يطلب نيميكا من أبيه السماح له بقضاء الإجازة عنده في المنزل، فكان يرد عليه، وكان رد أبيه في إحدى المرات: «لا أستطيع استضافتك في منزلي، لأني لا أهتم في أي مكان تقضي إجازتك أو حياتك كلها من أجل ذلك الأمر». 

لم يكن التحامل على زواج نيميكا محصورا في قريته الصغيرة فقط، ففي لاجوس كانت أشكال التحيز والتحامل مختلفة، خاصة بين أفراد قبيلته الذين يعملون هناك. فقد كانت زوجاتهم أثناء اجتماع القرية غير ودودات مع نين. وبالأحرى كن يعاملنها معاملة مختلفة لدرجة كبيرة؛ ليشعرنها بأنها ليست واحدة منهن. ولكن مع مرور الوقت، أخذت نين تتخلص من بعض هذا التحامل شيئا فشيئا، حتى أنها كونت صداقات مع بعضهن. تدريجيا وعلى مضض بدأن يعترفن بأن نين كانت تحافظ على منزلها مرتبا وجميلا أكثر منهن.

في نهاية الأمر انتشرت القصة في قلب بلدة الإبو، أن نيميكا وزوجته الشابة هما الأكثر سعادة من بين العديد من الأزواج. ولكن والد نيميكا كان من الأشخاص القلائل في القرية الذين لا يعرفون شيئا عن هذه القصة. فقد كان يظهر حنقا كبيرا عندما يذكر اسم ابنه في حضرته لدرجة أن الناس يتحاشون ذكر ابنه أمامه. بمجهود جبّار حاول أوكيكي مقاطعة ابنه حيث يرى أنها الطريقة التي من خلالها سينجح في معاقبته. وكاد هذا الضغط والمجهود العظيم الذي بذله أن يودي بحياته ولكنه ظل صامدا، وقد نجح في ذلك.

ذات يوم استلم أوكيكي رسالة من نين وعلى كره أخذ يرمق الرسالة بطريقة تنم عن عدم الاكتراث بمضمونها، حتى تغيرت ملامح وجهه فجأة وأخذ يقرأ الرسالة باهتمام أكبر.

«...مذ أن علم ابنانا أن لديهما جدا وهما لا يكفان عن المطالبة بزيارته. وقد صعُبَ علي أن أقول لهما بأنك سترفض مقابلتهما، لذا فأنا أناشدك بكل ما هو عزيزٌ لديك بأن تسمح لنيميكا أن يحضرهما معه إلى منزلك خلال إجازته الشهر القادم، وأنا سأبقى هنا في لاجوس... ».

فشعر الرجل العجوز لوهلة أن كل ما بناه من قرارات خلال السنوات الماضية يتلاشى أمام عينيه. وكان يحدث نفسه بعدم التراجع عن قراراته ومواصلة ما بدأه، وحاول جاهدا أن يحجب النداءات العاطفية التي أخذت بالصراخ في داخله من أن تصل إلى قلبه. وكانت هذه عبارة عن محاولة جديدة لسن قوانين أخرى لذلك الصراع. أستند العجوز على النافذة ونظر إلى الخارج، فرأى السماء ملبدة بالغيوم السوداء، وبدأت الريح بالهبوب محملة الجو بالغبار وأوراق الأشجار اليابسة. كانت هذه من المناسبات النادرة التي حتى الطبيعية تشارك فيها في صراعات البشر. وما هي إلا لحظات قليلة حتى بدأ المطر بالهطول بكميات كبيرة، وهي المرة الأولى التي تمطر فيها خلال تلك السنة. كانت حبات المطر كبيرة وحادة مصحوبة بالبرق والرعد الذي يشير إلى تغير الفصل. حاول أوكيكي جاهدا عدم التفكير في حفيديه ولكنه كان يعلم بأنه يخوض معركة خاسرة. حاول أن يرتل ترنيمته المفضلة، ولكن صوت تساقط حبات المطر على السقف كان أقوى وقطع عليه ترتيله، فراح مباشرة يفكر في الطفلين، كيف سيستطيع إغلاق الباب في وجهيهما؟ وتخيلهما واقفين يملأهما الحزن قابعين تحت وطأة الطبيعة الهائجة الغاضبة، مطرودين من منزله.

في تلك الليلة بالكاد أغمض العجوز عينيه، فقد كان يحس بتأنيب الضمير، ويعتريه خوف غامض من أن يفارق الحياة دون أن يتصالح معهما ويجالسهما.
 

 ترجمة: يونس الحراصي

   

901 تصفح 3 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009