لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5322799)
  تصفح الموقع (9046820)
  طباعة المقالات (1257040)
  إرسال المقالات (3112)
  المتواجدون الأن ( 28 )

العدد الثامن والعشرون
اكتوبر 2001




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> النقد من منظور القارئ

العدد الثالث و الاربعون  النقد من منظور القارئ

آن موريل 2009-07-22

النقد من منظور القارئ

  تفترض عملية التواصل لكي تكون فعالة وجود انساق مشتركة بين المؤلف وقرائه، أي نسق اللغة، وأيضا الأنساق الجمالية والايديولوجية. يتعين إذن معرفة "من كان يقرأ – أو من يقرأ، ولماذا": ومعرفة "التكوين الذي تلقاه الكتاب في المدرسة أو خارجها – والتكوين الذي تلقاه كذلك قراؤهم".

 

لا يحيا العمل الأدبي إلا إذا قرئ، و»بدون عملية القراءة هذه ليس هناك سوى تخطيطات سوداء على الورق«، كما لاحظ ذلك سارتر في بداية كتابه »ما الأدب؟«؛ غير أن القراءة عملية صامتة لا تترك أثرا مكتوبا، إلا ما ندر؛ وهي من صنيع أفراد معزولين، وفي غالب الأحيان غير معروفين. كل هذا يفسر بدون شك لماذا بقي القارئ لمدة طويلة مهمل النظرية الأدبية.

لقد قدم ميشال كونتا منذ عهد قريب، في جريدة لوموند، أعمال ندوة انعقدت في رانس سنة 1992، لمعرفة »كيف يفعل الأدب«. وعنوان دراسته »عَقد القارئ« جعل من اهتمام النقد اليوم بشخصية القارئ الحدث البارز في السنوات العشر الأخيرة؛ لكن هذا التغيير في توجه الدراسات الأدبية قد مهد له ظهور نظريات القراءة في السبعينيات. وكتاب فنسان جوف في »القراءة« صدر في سلسلة »معالم أدبية« عن دار هاشيت، سنة 1993، يصفها ويحللها تحليلا دقيقا: فتطور اللسانيات قد أهمل وصف سنن اللغة ووجه اهتمامه إلى »أفعال الكلام« وتحققها الفعلي؛ وبذلك ساهم كثيرا في دراسة موضوعية لظاهرة كانت إلى ذلك الحين صعبة التحليل.

وتصف اللسانيات التداولية - التي تطورت خاصة في انجلترا والولايات المتحدة - تأثير المتكلم في المرسل إليه، وتبين أيضا كيف أن المرسل إليه، إذ يتبنى الملفوظ لحسابه، يحول عبارات لها دلالات في نسق اللغة إلى جمل ذات معنى في حالات معينة وفي سياق بعينه.

لقد حولت التداولية مشهد الدراسات الأدبية بإعادتها الأدب إلى وظيفته التواصلية التي حجبتها البنيوية النصية. ومنذ سنة 1973 أعلن هنري ميشونيك في كتابه »لأجل الشعرية«، عن »نهاية الحماقات التي تعدّ أن فعل الكتابة فعل لازم«. فقد أصبحت الكتابة غير منفصلة عن »قول شيء ما لشخص ما«. ولذلك سننهي مسيرتنا عبر حقول النقد محاولين أن نستوعب كيف استطاع التبئير النقدي على فعل القراءة أن يحول طريقة التفكير في الأدب، ويفسر من الآن فصاعدا اشتغال النص من خلال الدور الذي يلعبه المرسل إليه في تكونه، وأيضا في فهمه وفي تأويله؛ لأن الأدب يشّيد تواصلا مؤجلا بين كاتب ما وقراء ليسوا بالضرورة كلهم معاصرين بعضهم لبعض، ولا حاضرين جميعهم في المكان نفسه.

لقد أهمل التاريخ وسوسيولوجيا الأدب، منذ سنة 1950، تحليل العمل الأدبي في علاقته بمؤلفه، أو بالعالم الممثل، واهتما، تحت التأثير القوي لسارتر، بالتواصل المؤسس بين المؤلف وجمهور القراء - الواقعيين أو المفترضين - الذين يتوجه إليهم. وتفترض جمالية التلقي، بتجاوزها لسوسيولوجيا الأدب، أن العمل الفني هو دائما عبارة عن معنى ممكن؛ فهو سؤال وليس جوابا؛ وترفض »معنى المؤلف«، وتقابله بالمعاني المختلفة التي يعطيها القراء لنفس العمل على مر الزمن.

وبالموازاة مع هذه التحليلات التاريخية للأحداث التجريبية للقراءة، طور ميكائيل ريفاتير نظرية القارئ المثالي، أو »القارئ الجامع«، مبينا الكيفية التي يوجه بها النص الأدبي تلقيه ويبرمجه. لقد تمت إذن مراجعة تحليل البنيويين الشكلي، وأصبح في خدمة نظرية القراءة.

وبالقرب منا، يشتغل المحللون النصيون، مع جان بلمان نويل منذ سنة 1983، على إعادة تحديد مفهومي التناص ولاوعي النص، مبينين إبداعية القراءة، ومغيرين إشكالية المعرفة النقدية. إن الاهتمام بـ»حقيقة العمل الأدبي«. قد تم التخلي عنه لصالح التفكير في فعالية الفعل النقدي، سعيا لحث الناقد وقارئه على إحياء »شحنات المعاني المتعددة، بل الخفية« الساكنة »بين سطور« العمل الأدبي.

تاريخ القراء

»سوسيولوجيا الأدب«

أصدر روبير إسكاربيت تحت عنوان »سوسيولوجيا الأدب«، سنة 1985، مؤلفا - برنامجا يحدد أهداف دراسة الشروط المادية والاقتصادية والاجتماعية ومناهجها لإنتاج الأعمال الأدبية ونشرها واستهلاكها، يستجيب به للأماني التي عبر عنها لانصون، في نص كتبه سنة 1929، عنوانه »برنامج دراسات التاريخ المحلي للحياة الأدبية«، ولوسيان فيبر سنة 1953، في »صراعات لأجل التاريخ«، وكلاهما يتمنى مجيء »تاريخ تاريخي« للأدب (فيبر) يأخذ بعين الاعتبار »القراء، هذا الحشد الملتبس الذي ينبغي معرفة ثقافته ونشاطه، إذا كان المراد كتابة [...] تاريخ شروط الأدب الاجتماعية والثقافية« (لانصون).

وعلاقة العمل الأدبي بالعالم الذي شهد ولادته قد درسها شكل آخر من أشكال النقد السوسيولوجي، هو سوسيولوجيا لوسيان غولدمان على سبيل المثال؛ لكن يجب أن تكتمل بتحليل علاقة العمل بقرائه. ويستعمل كل من روبير إسكاربيت ومدرسة بوردو لأجل ذلك مناهج لم يكن يعرفها لانصون. فهم يشتغلون على شكل مجموعات، ويطبقون على تاريخ الأدب الطرائق والإجراءات الجارية في »التاريخ السوسيولوجي«، »المهتم بالفعاليات والمؤسسات، لا بالأفراد« (بارط في »تاريخ أم أدب؟«، 1960). ويندرج تفكيرهم داخل الإطار النظري الذي رسمه سارتر في كتابه »ما الأدب؟«، الذي صدر سنة 1948.

لقد كان لسارتر دور هام في تحولات النقد الحديثة، إذ وضع القارئ والقراءة في مركز تفكيره حول الأدب. فقد أكد في كتابه »ما الأدب؟«، في الفصل الثالث منه، وعنوانه »لمن نكتب؟« - وهو الذي يتلو الفصلين المعنونين »ماذا يعني أن نكتب؟« و»لماذا نكتب؟« - وهو حجر الزاوية في الكتاب، أننا نكتب دائما لأحد ما، وليس »لذاتنا أو إلى الله«، كما »ابتدع« ذلك كتاب ما بعد سنة 1850، إذ جعلوا »من الكتابة اهتماما ميتافيزيقيا، وصلاة، وامتحانا للضمير، فجعلوا منها كل شيء، إلا أن تكون تواصلا«. فهو يعارض نظريات الأدب المعروضة في الفصول السابقة، أي النظريات التعبيرية المنشغلة فقط بالطريقة التي يعبر أنا المؤلف عن نفسه في العمل، وبالنظريات الشكلانية المستوحاة من كانط والكانطية التي ترى »العمل في ذاته«، باحثة في نص ما عما يقوله، في استقلال عن مقاصد مؤلفه. أما سارتر، فلا تهمه سوى العلاقة بين العمل والقراء؛ فهو يعطي الجمهور الأهمية التي يعطيها تين »للوسط«: »فالوسط قوة تضرب في الماضي؛ والجمهور بخلاف ذلك توقع، وفراغ يجب ملؤه، وتطلع، بالمعنى المجازي وبالمعنى الحقيقي«. إنه يسلم مبدئيا بأن فعالية التواصل تفسر العمل أكثر مما تفسره علاقته المحاكاتية مع العالم الخارجي.

وتفترض عملية التواصل لكي تكون فعالة وجود أنساق مشتركة بين المؤلف وقرائه: أي نسق اللغة، وأيضا الأنساق الجمالية والإيديولوجية. يتعين إذن معرفة »من كان يقرأ - أو من يقرأ، ولماذا«؛ ومعرفة »التكوين الذي تلقاه الكتاب في المدرسة أو خارجها - والتكوين الذي تلقاه كذلك قراؤهم«؛ ويتعين أيضا وصف »تحولات الموضة الفنية والذوق« (لوسيان فيير). فبالبحوث في قراءات مختلف الطبقات الاجتماعية يعرف القارئ من خلال »الجمهور« الذي ينتمي إليه. ولابد أيضا من تتبع المسار الاجتماعي للمنشورات الأدبية ورسم مراحله، لأن أنماط الإنتاج المادي وأنماط نشر العمل تحدد الطريقة التي »يفعل بها الأدب«. وتاريخ الكِتاب يأتي لتكملة تاريخ القراء. ويقدم كلود بيشوا، في مقالة له حول »دكاكين القراءة في النصف الأول من القرن التاسع عشر«، فكرة دقيقة عن النتائج التي يمكن أن تتوصل إليها سوسيولوجيا الأدب. ودكاكين القراءة هذه كانت تطل على الشارع، شأنها شأن المتاجر، وكانت مفتوحة من الثامنة صباحا إلى الحادية عشرة مساء؛ وقد ظلت تتكاثر إلى حدود سنة 1863، وتقوم بإعارة الكتب والجرائد، وفي الوقت نفسه كانت مكان التقاء الكتاب والقراء. لقد ساهمت هذه المؤسسة كثيرا في نجاح الرواية في القرن التاسع عشر، وخلقت جمهورا لهذا الجنس - خصوصا من النساء، من الخادمات أو من نساء البورجوازية الصغيرة والمتوسطة - وقادت كبار الكتاب نحو هذا الجمهور. فلأجل دكاكين القراءة هذه كتب بلزاك في بداية مشواره روايات كان يوقعها بأسماء مستعارة.

تبين سوسيولوجيا الأدب إذن الدور الذي يضطلع به جمهور القراء، من خلال قيمه، وأذواقه، وتوقعاته، في تكون الأعمال الأدبية ونجاحها المباشر. لكن حجتها الوحيدة لتعليل النجاح الدائم أو المتأخر هي مسألة الإعجاب المنتزع. وتحاول جمالية التلقي، التي ظهرت في عقد السبعين من [القرن الماضي] مع هانس روبرت ياوس ومدرسة كونسطانس، أن تجيب عن هذه الأسئلة التي أبعدتها سوسيولوجيا الأدب.

جمالية التلقي عند هانس روبرت ياوس

تفترض سوسيولوجيا الأدب أن الكتاب يكلمون معاصريهم، وأن »الأعمال الفكرية [...] يجب أن تستهلك في حينها«، مثل »الموز، يكون ألذ وقت جنيه« (سارتر). ونعرف مع ذلك أن بعض الأعمال الكبرى لم تلق نجاحا كبيرا وقت صدورها، لكن جمهورها تكَّون بعد ذلك بمدة طويلة. فرواية »التربية العاطفية« كان تلقيها سيئا في سنة 1869، واتهمت بأنها »رواية غير روائية، حزينة، وملتبسة كالحياة« (بانفيل)؛ وأضحت فيما بعد معبودة الأجيال اللاحقة: فقد أعجب بها بروست، وكافكا، ويعدها وودي ألن »من الأشياء التي تجعل الحياة تستحق أن تعاش«.

ولاستجلاء القطائع أو الانزياحات التي تشوب علاقة المؤلف بجمهور عصره، ابتدعت جمالية التلقي مفهوم »أفق التوقع«. ويتكون »أفق التوقع« عند جمهور ما من القراء من خبرته السابقة بالجنس الذي ينتمي إليه العمل الأدبي، ومن تراتبية القيم الأدبية لعصر ما. هذا »الرأي العام الأدبي« يمكن قراءته في نص العمل نفسه، لأنه يحيل ضمنيا على أشياء سبقت قراءتها، وعلى عادات في القراءة يروم تحويلها. فليس موضوع الدراسة إذن هو الموقف الفردي والسيكولوجي لقراء معزولين، بل هو التجربة الجمالية المشتركة التي تؤسس كل فهم فردي للنص.

ويفسر مفهوم »أفق التوقع« أيضا آليات تلقي الأعمال والتطور الأدبي. فإذا كان العمل يعيد إنتاج خصائص إنتاج سابق، فإنه سيعرف نجاحا فوريا، لأنه يثير لدى قرائه لذة التعرف؛ أما إذا كان العمل الجديد يخرق قوانين الجنس، فيغير معيارا جماليا ما، فإنه يفشل، أو لا يفهم في حينه، وذلك لأنه لا يستجيب لآفاق جمهوره الأول؛ لكنه يصبح فيما بعد عملا - نموذجا. ففي سنة 1870، كانت جورج ساند تقول لفلوبير: »ما زالوا يدمرون كتابك. وهو مع ذلك كتاب جيد. لكنه سينصف فيما بعد«. فبمقتضى التقليد الذي يقول بـ»الرواية الروائية«، وبمقتضى نموذج الرواية الكلاسيكية، وهو الرواية البلزاكية - المبنية بناء مأساويا - استطاع الجمهور المعاصر لفلوبير أن يحكم بأن »التربية العاطفية ليست رواية«. وبالمقابل، سيجعل كتّاب »الرواية الجديدة« من فلوبير معلمهم، وبذلك سيعتبرون أن صلاحية »الرواية البلزاكية« قد انتهت: لقد فرضت الكتابة الروائية عند فلوبير بقوة معيارا جماليا جديدا.

ومثال »التربية العاطفية« يبين أيضا أن العمل »يشمل في الوقت نفسه النص باعتباره بناء معطى، وتلقيه أو إدراكه من لدن القارئ أو المتفرج« (ياوس). ففي الواقع يختلف العمل الأدبي الواحد باختلاف النظرة إليه: فباربي دورفيلي مثلا قد رأى فيه »الابتذال صادرا عن مرتعه الوخيم«؛ أما كافكا، فقد أعجبه »التشابه« بين المشهد الأخير من الرواية وبين »أسفار موسى الخمسة«. فكل قارئ يسقط على النص المقروء خبرته بالعالم، ومتخيله، وثقافته.

فمعنى العمل الأدبي ليس خارجا عن الزمن، ولا هو معطى دفعة واحدة لحظة إبداعه، بل يبنى في غضون التاريخ، من خلال التجربة المختلفة التي يؤسسها القراء المتعاقبون على النص نفسه. فلابد للتاريخ الأدبي الحقيقي أن يقوم بتاريخ التلقيات المتعاقبة.

مسألة تأويل الأعمال الأدبية

»العمل المفتوح«

إن تعدد قراءات عمل أدبي بعينه أمر ملحوظ في عملية القراءة؛ وهو اليوم موضوع تأملات نظرية ومناقشات عدة. ويقابل معنى الكاتب في التاريخ الأدبي الوضعي »معنى القراء«، أي تجميع قراءات للعمل الأدبي الواحد شديدة التنوع والاختلاف، بل متباينة، وهو تجميع غير منته من حيث المبدأ.

ومعلوم أن التاريخ الأدبي التقليدي يجمد العمل في تأويل نهائي؛ فالمعنى الوحيد »الصحيح« في نظره هو »معنى المؤلف«، أي »شمولية ميتافيزيقية يُعتقد أنها قد تكشفت برمتها في أول ظهور له« (ياوس). ومن هذا المنظور، لن تكون القراءات الأخرى سوى خيانات. لكن إذا اتخذنا »وجهة نظر« أخرى - هي تلك التي صرح فاليري بأنها »ليست نادرا وجهة نظره« - فإن »ما نسميه عملا جيدا يمكن أن يبدو إخفاقا فظيعا مني به المؤلف«. »العمل الجيد« إذن، أي ذاك الذي يدوم، هو الذي يستمر في مخاطبتنا، و»ينتمي في الوقت نفسه إلى الماضي والحاضر«، كما أشار إلى ذلك لانصون سنة 1910 في »منهج تاريخ الأدب«، مع أنه لم يستطع فك استمرارية الأعمال العظيمة في الزمن.

»إن الكتاب الذي يريد أن يستمر هو ذاك الذي نستطيع قراءته قراءات متعددة. وعلى أية حال هو الذي يجب أن يسمح بقراءة متعددة ومتغيرة« (بورخيص).

ويعرَف العمل الجدي بـ»التباسه« وبـ»مطاوعته اللانهائية« (بورخيص)، وبـ»انفتاحه«:

»كل عمل فني، وإن كان شكلا تاما و»مغلقا« من حيث اكتمال نظامه واتزانه، فهو »منفتح«، على الأقل في أنه يمكن تأويله تأويلات مختلفة، دون أن يتغير من جراء ذلك أس فرادته« (أمبرطو إيكو في: »العمل المفتوح«، 1965).

وتقوم الجماليات المعاصرة على إحدى خصائص الخطاب الأدبي، اكتشفها ياكبسن. فهي تحلل تحليلا مخالفا للقرن التاسع عشر »إخفاق المؤلف« وعدم قدرته على توجيه تلقي عمله ومراقبته، وهو ما عبرت عنه الرومنسية بمجاز »القنينة الملقاة في البحر«. فلم يعد يرجع غموض الرسالة الفنية إلى ظروف نقلها، بل يدرس على أنه خاصية جوهرية في العمل الأدبي، أي »نتيجة مترتبة عن الشعر« (ياكبسن، ذكره أمبرطو إيكو في »العمل المفتوح«). ويترتب على تنظيم الدال في النص الأدبي تنامٍ مستمر لعلاقات داخلية على كل قارئ أن يكتشفها أثناء قراءته. وهذا الفضاء المفتوح »يصنع الصورة [...] التي يتوقف وجودها توقفا كليا على إدراك القارئ أو عدم إدراكه لالتباس الخطاب الذي يقدم إليه« (جنيت: »صور«، في كتابه »صورة«.

والطرائق التقليدية في تفسير النصوص تنشغل بالحَرفية وحدها، وترفض المعاني المجازية، بينما يستكثر منها النقد الجديد. وفي السجال الذي دار بين بارط وبيكار حول مسرح راسين أمثلة من هذا الاختلاف في طريقة القراءة؛ فقد غضب بيكار في كتابه »نقد جديد أم دجل جديد« من التجاوزات التي سمح بها بارط لنفسه عند قراءته نص راسين: ففي رد »نيرون« على »جونية«:

»لولا...

أني آتي أحيانا لأتنفس عند قدميك«

يرى بارط صورة غريق على وشك الاختناق، باحثا عن الهواء بحثا جنونيا؛ ويبرر هذه القراءة المجازية لفعل »تنفس« مستدعيا طبيعة العلاقات بين »نيرون« و»جونية« في التراجيديا برمتها: فـ»ـنيرون« في حاجة إلى »جونية« للتخلص من »كل ما يأتيه من الغير ويخنقه، من سلطة، وفضيلة، ونصائح، وأخلاق«. أما بيكار، فعارض بارط مبينا أن فعل »تنفس« في القرن السابع عشر »يعني هنا الاسترخاء والحصول على شيء من راحة النفس«. والمعنى الوضعي وارد في المعاجم والقواميس في عصر راسين؛ أما المعاني الإيحائية، فيبنيها قارئ تكون هي جوابه، أي »تاريخه ولغته، وهي هنا التحليل النفسي، وحريته«، عما »كان مكتوبا خارج كل جواب« (بارط).

ورغم ذلك قام جدال حول الحرية و»حدود التأويل« داخل النقد الجديد نفسه: ففي كتاب »لأجل جمالية للتلقي« (1978)، ناقش ياوس اقتراحات بارط في كتابه »حول راسين«، وأصدر أمبرطو إيكو سنة 1992 دراسته عنوانها »حدود التأويل«، عدّل بها، بعد ثلاثين سنة، أطروحات كتابه »العمل المفتوح«.

»حدود التأويل«

لقد أعلن رولان بارط بصراحة موقفه لصالح حرية التأويل في افتتاحية كتابه »حول راسين« (1963). وهو يعتبر القراءة النقدية عملا حرا، لكن شريطة أن يعلن الناقد إعلانا جليا عن اختياراته، وأن يأخذ على عاتقه التصور السيكولوجي الذي يصدر عنه في قراءته. فاستمرارية العمل الأدبي نتيجة مترتبة على التأويل اللانهائي؛ قال: »المعاني تُثبت وتقام بينها منافسة، ثم تستبدل؛ تمضي المعاني ويبقى السؤال«.

ولم تنف أبدا جمالية التلقي اللاتحديد الموجود في النص الأدبي، والتباسه الجوهري. وقد جعل فولفغنغ إيزر (أحد المنظرين الأساسيين لمدرسة كونسطانس الألمانية) من اللاتحديد »شرطا لقوة  النثر الأدبي« (لتحليل أكثر تفصيلا لهذه المقالة الصادرة سنة 1970 تحت عنوان »النصوص باعتبارها بنى استدعائية«، نحيل على كتاب »القراءة« لفنسان جوف). ومع ذلك يجزم ياوس بأن التأويلات الجديدة لعمل أنجز في الماضي »تحميها من الاعتباطية المفرطة حدودُ الأفق التاريخي والاجتماعي وشروطه«. فالنص نفسه يدعو القارئ إلى إنجاز العمل مع المؤلف؛ فله نصيب فعال في بناء المعنى، لكن هذا النصيب الفعال ليس في حِل مطلق من القيود: فلا هو ذاتي ولا هو اعتباطي، لأنه مشروط بالتلقيات السابقة. ولمعرفة الأسئلة التي يطرحها عمل من الأعمال الأدبية يجب إرجاعه إلى أفق توقع القراء الأولين. ومن جهة أخرى، فتعاقب المعاني المعطاة للنص نفسه عبر التاريخ له منطقه الخاص: فهو يخلق تقليدا تأويليا لا مناص من أن يقاس عليه كل تأويل جديد.

ويوضح ياوس بأن بارط إنما كشف عن »راسين الفظ« للطعن في الأسطورة البورجوازية القائلة بـ»راسين اللين«. لقد عثر إذن من حيث لا يدري على قراءة الأولين، لأن »السلبية الأصلية« في مسرح راسين قد أدركها النقد الكنسي وبور رويال إدراكا تاما واستنكراها؛ لكنها فيما بعد »تنوسيت شيئا فشيئا مع تحول الأفق، والانتقال إلى وضعية جمالية محض«. فليس من الضروري إذن قراءة كتاب »الطوطم والطابو« لاكتشاف »فظاعة العشيرة البدائية« في تراجيديات راسين، والعنف القديم في علاقة الآباء أو الأمهات بأبنائهم: إنها دلالة مسجلة في ذلك العمل أدركها القراء الأولون، ثم غُيِّبت.

ويمكن اختزال الجدل بين النقدين حول القراءة المعاصرة لمسرحيات راسين في التقابل الذي أقامه أمبرطو إيكو في كتابه »حدود التأويل« بين نمطين من المقاربة التأويلية للنصوص الأدبية، تتعارضان اليوم. فبعض النقاد المنتمين إلى التفكيكية يسلمون مبدئيا بأنه »يجب البحث في النص عن الأشياء التي تعكس رغبات المرسل إليه الخاصة، وغرائزه، وإراداته«؛ وذاك هو موقف بارط سنة 1963 في كتابه »حول راسين«. ويعتقد آخرون أنه يجب البحث في النص عما يقوله بالاستناد إلى انسجامه السياقي، وإلى موقع أنساق الدلالات التي يحيل عليها: فياوس قرأ راسين »بالاستناد إلى الوضعية التاريخية في عصر الكلاسيكية الفرنسية«؛ وتلك أيضا هي المقاربة التي دافعت عنها نظريات سميوطيقا القارئ المثالي. وياوس - مثل ريفاتير - يعتقد أن »التأويل ليس حرا«، وقد بين ذلك بوسائل أخرى، هي وسائل التحليل الشكلي.

التحليل الشكلي ونظرية القراءة

»القارئ الجامع« عند ميكائيل ريفاتير

من سنة 1971 إلى سنة 1979، أي من كتاب »بحوث في الأسلوبية البنيوية« إلى كتاب »إنتاج النص«، يشيد ميكائيل ريفاتير سميوطيقا للتأويل تركز على صورة قارئ مجرد، هو »القارئ الجامع«. فقد عارض ريفاتير مسلمة البنيوية النصية باستقلالية النص، وخالف في الوقت نفسه المقاربة التاريخية للقراءة، لأنها عنده مفرطة في التجريبية. وأكد ريفاتير، خلافا للبنيويين، أن »الظاهرة الأدبية ليست هي النص وحده، بل هي أيضا قارئه ومجموع ردود أفعال القارئ الممكنة على النص - ملفوظا وتلفظا«. فالأشياء الواقعية الموضوعية الوحيدة في التواصل الأدبي هي العمل والقارئ، الحاضران ماديا وجسديا؛ فالمؤلف »يخلق انطلاقا من كلماته«، وهو والعالم الممثَّل ليسا سوى بديلين عن النص. ومن ثم جاء قرار جعل القارئ متلفظ النص عوض المؤلف.

وقارئ ريفاتير ليس كالسابق قارئا واقعيا، تُقيِّد ردودَ فعله وضعيةٌ تاريخية واجتماعية؛ بل هو قارئ مجرد، أي »أداة الوقوف على منبهات النص«؛ وسمي »القارئ الجامع« لأنه »يمثل مجموع القراءات الممكنة، وليس متوسطها«. فهو متضمن في النص، والنص يوجه تلقيه الخاص ويتحكم فيه. وقد عرف ريفاتير »الأدبية« بأنها »التحكم الدقيق الذي يمارسه النص على تفكيك القارئ للرموز«.

»النص ليس عملا فنيا إذا لم يفرض نفسه على القارئ، وإذا لم يحدث بالضرورة رد فعل، وإذا لم يتحكم إلى حد ما في سلوك من يفك رموزه«.

وردود أفعال القارئ على النص هي دائما نتاج لشكله، ولو كانت ردود الأفعال هذه متأخرة أو مؤجلة بسبب تقلبات التاريخ؛ فهي ضرب من التحليل الشكلي، وليست ضربا من التفسير بالتاريخ أو بالسوسيولوجيا. وبالمقابل، يجب ملاحظة البنيات »داخل القارئ نفسه«، لا في النص فقط. ويقابل ريفاتير باستمرار تجربة القراءة بالانحرافات التأويلية عند البنيويين والنصيين. فوحده ما يستطيع »القارئ الجامع« إدراكه له معنى.

وقد أول ياكبسن وليفي ستروس تراجعا طفيفا لحرف »الراء« [ r ] أمام حرف »اللام« [ l ]، في ثلاثيتي قصيدة »القطط«، بأنه »زيادة بيان للانتقال من القط المحسوس إلى تحولاته الخرافية«. فرد عليهما ريفاتير مؤكدا أن »لا أحد سيصدق أن هذا التفاوت الدقيق بين أربعة عشر »لاما« وأحد عشر »راء« له قيمة دلالية؛ بل سيستبعده أكثر إذا نظر إلى الثلاثية الثانية: فحرف »اللام« يرد فيها مرتين زائدتين، ويبدأ المقطع بحرف »الراء« مرتين مقترنتين (في قول الشاعر: leurs reins - كُلاها -)، تلفتان إليهما العين والأذن أكثر مما يلفتهما تفاوت بين الحرفين يخفيه انتثارهما على طول الأبيات«. ويتهم ريفاتير أيضا جان ريكاردو (الذي اقترح في العدد 34 من مجلة »تيل كيل« قراءة جناسية لأقصوصة إدغار ألن بو المسماة »الخنفساء الذهبية«) بأنه وجد فيها »عناصر ليست بمخفية، بل لا وجود لها أصلا«.

»لن تقوم أية قراءة باستخراج كلمة gold (ذهب) من كلمات مكوناتها الحرفية متناثرة، وغير مؤكدة صوتيا، وأحيانا غير منطوقة«.

فالقراءة، كما لا يخفى، تعني التلاوة بصوت مرتفع، وتعني أيضا فك رموز النص. تفترض تجربة القراءة إذن معرفة سنن اللغة و»الميثولوجيا اللفظية« الجارية في كل عصر من العصور، لأن الآراء المتداولة ومعتقدات الحكمة الشعبية كلها مسننة في الأسلوب على شكل صور شائعة، أو صور شائعة مجددة، أو تلميحات ثقافية. ويختلف القارئ الجامع عن القارئ الواقعي الذي سبق الحديث عنه في الفقرات السابقة في أن قراءته لا تستدعي تجربة الواقع - لأنها تختلف دائما من قارئ إلى آخر - بل تستدعي معرفة السنن اللغوي ورمزية الكلمات - ومن المفترض أن هذه المعرفة واحدة لدى أفراد المجموعة الثقافية الواحدة. ولكي يبين ريفاتير ذلك يعيد قراءة مقطع شعري كثيرا ما تم تفسيره، مأخوذ من مجموعة »سأم« لبودلير، هو قوله:

»عندما تستحيل الأرض زنزانة رطبة،

الرجاء فيها، كالخفاش،

ينصرف متخبطا بين الحيطان بجناحه الخجل

ومرتطمةً بالأسقف المتعفنة رأسُه«.

فبالرجوع إلى الواقع يتبين أن تعذر طيران الخفاش بعيد عما هو معروف، »لأن للخفاش رادارا يحميه من هذا النوع من الحوادث«، وأن »ذلك كان معروفا قبل عصر بودلير«. ولا تفسير لذلك إلا بالتعارض الشائع بين دالين: فالخفاش نقيض الحمامة، طائر الأمل الذي ظهر لنوح في سفينته، ورمز الروح القدس. لكن قصيدة بودلير قد عكست الصورة النمطية: لأن »الرجاء يمثله اليأس، وأُقيم الخفاش مقام نقيضه«. فطيران الخفاش إذن ليس متعذرا إلا لأنه الحمامة النقيض، والطائر النقيض.

هذا نموذج من »موقف القراءة المثالية« التي »يطالب بها النص«. ولا تكفي ميثولوجيا أي قارئ كان لفك رمزية الكلمات: وذلك أن »توليفة(1) النص هي التي تبين السياق الثقافي الذي يجب فك رموز النص في إطاره«.

»توليفة« النص

ينفّذ القارئ الجامع »توليفة« ما، ويكتشف تأليفات داخل نصية تحدد »محورا أفقيا للدلالات«، يقابله ريفاتير بالمحور العمودي، الذي يجمع الدال بالمدلول.

»آليات فك رموز التوليفة، أي النص، تعلق الدال بالمدلول تعليقا كليا. فكل شيء يقع في مستواه، وكل شيء مما نسميه دالا يدرك في صيغة صور شائعة، أي تأليفات لفظية، أي دوال. فليست هناك كلمات نقرأها، ثم تأتي الصور الذهنية أو المفاهيم لتكون معناها. هناك كلمات نقرأها، ثم مجموعات من الكلمات تسجلها الذاكرة، تندرج فيها الكلمات المقروءة في وضعيات مختلفة، أي في دالات مختلفة«.

كل دال يجر معه سياقا بكامله من الأفكار الشائعة، ومن التمثلات المشابهة للواقع المطابقة لإجماع عام. ففي المقطع المذكور من ديوان »سأم«، يولّد دال الخفاش »زنزانة رطبة« و»الأسقف المتعفنة«، ثم »قضبانا« و»عناكب«. فالنص يفرض نفسه على القارئ ويقتضي انخراطه، لأن كل كلمة من كلماته »تبدو ضرورية من أكثر من وجه، وعلاقاتها بالكلمات الأخرى إلزامية من أكثر من وجه«. والعلاقات التركيبية بين الكلمات توجد في كل الجمل، وفي النص الأدبي »تنضم إليها علاقات أخرى دلالية أو شكلية«. فالجملة الأدبية »مفرطة التحديد«، وتثير في ذهن القارئ متنا من التداعيات. ويمكن الحديث عن »أثر أسلوبي« كلما »وقع نشاز بين تفصيل ما والمجموع«؛ وذلك أن »وحدة الأسلوب« تتحدد بما فيها من »انزياح« عن المعايير السياقية، فتفرض نفسها بالضرورة على القارئ وتفاجئه.

وهذا التجزئ الجديد للنص الأدبي إلى بنيات أسلوبية مختلفة عن البنيات الصوتية والسردية التي اكتشفها البنيويون له نتائج على مستويين: فلن يبنى بعدئذ تفسير نص ما على كلمة معزولة؛ والتقليد الفيلولوجي الذي بصم القراءة المدرسية للنصوص مردود؛ وما ادعاه الشكلانيون والنصيون من »إفراط في تعدد المعاني« هو أيضا موضوع جدال: وذلك أن الالتباس، أي سلطة الكلمات الإيحائية، مشروط ومقيد بـ»فرز [الوحدات الدلالية الصغرى] بواسطة التداخلات البنيوية«. فطريقة التجميع البلاغي، الموجودة مثلا في الصورة التي صور رابلي فيها شخصية »كاريسمبرونان« تبين أن الكلمات المستكثر منها فيما يشبه التلذذ بها »تصبح مرادفات على الرغم من معانيها الأصلية في اللغة«: ويتم إبطال الوحدات الدلالية الصغرى غير المهيمنة، ووحدها الوحدات الدلالية الصغرى الأكثر تمثيلا تستمر وتتردد من كلمة إلى أخرى.

فالنص الأدبي يضم في ذاته قوانين فك رموزه؛ فلذلك يظهر بمثابة »نص« ثابت. ويؤكد ريفاتير أن »التمثلات الأدبية لا تتأثر بتغير المرجع ولا بتطور الأساطير«. ففي أغلب عماراتنا لم تعد هناك »كوة«: الحيطان دقيقة جدا، والغرف أضيق من أن يبقى معها بإزاء النافذة حيز يسمح بالانعزال؛ لقد اختفت هذه الكلمة تقريبا من معجمنا اليومي، لكنها لم تختف من الروايات، إذ »الكوة« فيها دائما هي المكان الخاص بالملاحظة المنعزلة المفضلة لما يقع داخل الغرفة، أو هي مكان المواعيد والمسارات الغرامية؛ فهي علامة اصطلاحية دالة على »عزلة مفارقة بالنظر إلى وجودها في هامش الرقباء«. ومرة أخرى يؤكد ريفاتير أن الأدب مصنوع أولا وقبل كل شيء من كلمات ومن تأليفات لفظية سجلتها الذاكرة.

لكن الكلمات أيضا تتغير مثل الأشياء والأفكار أو الأساطير. وبما أن اللغة تتطور باستمرار، فإن سنن النص يمكن أن يصبح غريبا عن قراء يقرأونه بعد كتابته بزمن طويل. يقترح ريفاتير إذن تاريخا أدبيا يأخذ بعين الاعتبار تطور اللغة، يكون تكملة ضرورية للتحليل الشكلي. هذه المقاربة الشكلية للتاريخ الأدبي تعيد إدخال القراء الواقعيين في حقل التحليل؛ وبذلك تدرك الصعوبات التي تواجه بناء قارئ مجرد.

قارئ مجرد أم قراء واقعيون؟

فرضية ريفاتير هي أن العمل الأدبي يمكن أن يصبح باطلا بالنسبة لقراء يقرأونه بعد وقت إبداعه بمدة طويلة، ليس لأن الذوق يتغير، بل لأن هناك مسافة تتسع باستمرار حتى إنها تصبح في بعض الأحيان متعذرة العبور، وتتعمق بين لغة النص ولغتهم. ويمثل لذلك بقصيدة »نافاران« من ديوان فكتور هيغو »مشرقيات«، كتبها احتفالا بمعركة بحرية في حرب استقلال اليونان؛ وفي وصف الشاعر للأسطول التركي تظهر »خيزرانات« و»يخوت«. ففي سنة 1829 يمكن أن تشير هذه الكلمات الغريبة النادرة في رنينها وفي كتابتها إلى غرائبية مبهمة؛ لكن قارئا من القرن العشرين يجدها »غير لائقة في تُركيّتها«. وذلك أن تصوراتنا للأجنبي اليوم مختلفة تمام الاختلاف، وكذلك أنساقنا الوضعية: فـ»الخيزرانة« تحيلنا على الصين وعلى جنوب شرق آسيا، و»اليخت« يحيلنا على أوربا وأمريكا الغنية، ولن يحيلنا البتة على تركيا.

والقراء الأولون، أي القراء التاريخيون، يفكون أيضا، وبسهولة فائقة، المتناص، لأنهم »يشاركون المؤلف ثقافته«؛ غير أن ريفاتير حاول حل جزء من المصاعب التي يثيرها جعل القراء الواقعيين في الحسبان داخل نظرية للقراءة مستندة إلى قارئ مجرد، فميز بين المتناص والتناص. فهو يعرف المتناص بأنه »مجموعة من النصوص يمكن أن نقرِّبها من النص الذي بين أيدينا«؛ إذن، يتعلق المتناص بثقافة القارئ الواقعي؛ لكنه عرف »التناص« بأنه »ظاهرة توجه قراءة نص ما«. إذن، تبقى آثار التناص قابلة لأن يدركها قارئ غير قادر على أن يجد المتناص. فالتناص والمتناص يدل أحدهما على الآخر من خلال »انحرافات« صرفية أو دلالية، هي التي تشير إلى »الدلالات المطمورة«.

التحليل النصي والتداولية

»لاوعي النص« والقراءة

ظهر »لاوعي النص« في الوقت الذي هيمنت فيه نظريات النص، وادعى فيه النقد وصف الاشتغال المستقل للشيء الجمالي؛ وهو اليوم يعاد تحديده على أساس ما أتت به التداولية. وقد كان جان بلمان نويل أحد مؤسسي مفهوم »لاوعي النص« في عقد السبعين ]من القرن العشرين[؛ فقد كتب مقالة - تكريما لديدي أنزيو، صدرت في »نشرة علم النفس« - يؤرخ فيه لهذا المفهوم، ويؤكد فيها أنه »أصبح شيئا فشيئا شعارا يمكن أن يجتمع حوله أولئك الذين يريدون الإنصات إلى ما يقع وما يقال في اللاوعي من وجهة نظر القراءة«.

ولم يكن »منظور القراءة« هذا غائبا عن تعريفات السبعينيات: ففي سنة 1972، في »النص وما قبل النص«، كتب جان بلمان نويل ما يلي:

»لاوعي النص [...] يتوجه، بنوع من التواطؤ لا نعرف طبيعته، إلى الخطابات اللاواعية الممكنة التي تدركه من خلال القراءة وتجبره على أن يربط ويترابط«.

لكن التداولية جعلت استكشاف ضفة القراءة أمرا ممكنا من خلال نقد يريد مساءلة »الاجتياح اللاواعي للنص«. ولم تكن المشكلة قد طُرحت إلى ذلك الوقت سوى من ضفة الكتابة.

وعملية إعادة تحديد مفهوم »لاوعي النص« هي أولا وقبل كل شيء اشتغال على الكلمات. فمن الأفضل أن نكف عن قول ما قاله أندري غرين سنة 1973 من أن النص »له« لاوعي ما، بل من الأجدر أن نقول بـ»عمل لاواع للنص«:

»هذا [...] يسمح [...] بعدم إفساح المجال للاعتقاد بوجود واقع مستقل يثوي« خلف »النص، يرجى من القراءة إظهاره«، مع أن هذه القراءة في الواقع يفترض أن تؤسس شبكة من المعاني »في ارتباط مع« كلمات النص» (جان بلمان نويل، في »بين السطور. بحوث في التحليل النصي«، 1988).

وما سميناه، ربما في عجالة، »لاوعي النص«، ليس شيئا، بل هو »قوة«، أي »صيرورة كامنة« ينشطها وينعشها تدخل القارئ.

وقد رد بلمان نويل جزئيا على النقد اللاذع الذي وجهه المحللون النفسانيون إلى مفهوم »لاوعي النص«: فبعضهم، مثل جان لابلانش، امتنع عن تصور وجود - أو إمكان وجود - لاوعي آخر غير اللاوعي الفردي؛ فلذلك لم يقبل التخلي عن مفهوم لاوعي المؤلف؛ وذلك أن »العمل اللاواعي للنص« لا يكون فعالا إلا إذا نشطه اللاوعي الفردي. لكن جان بلمان نويل يرى أن اللاوعي الوحيد الذي يمكن استحضاره هو لاوعي القارئ، وليس هو لاوعي المؤلف. وتحليل السمات المميزة للتواصل الأدبي يؤدي هنا، كما في السابق، إلى إحلال القارئ محل المؤلف.

فوحدها لغة التحليل تغيرت. وجان بلمان نويل لا يقول عن النص الأدبي ما قاله إيزر وإيكو، من أنه »لا محدد« أو »مفتوح«، بل »خصب«. وكثيرا ما كان يعرف الكتابة الأدبية بأنها كتابة »خصبة«، مليئة بالحضور، »أي بالاهتمام بالآخر الذي لأجله وجد ذاك الحضور«؛ فهي كتابة »تشير« إلى الآخر (وهو ما قاله بارط في مقدمة كتابه »بحوث نقدية«). والنص الأدبي، على عكس الرسالة المكتوبة إلى مرسل إليه، موجه إلى جماعة من القراء؛ فهو لم يُصَغ لكي تُفك رموزه هنا والآن، بل ليراجع مرة ثانية، وتعاد قراءته و»ليقبل شحنه من جديد بمعان مبدئيا لامنتهية«. لقد تغيب المؤلف عن نصه وتركه »يحيا حياته على طريقته«. »لا أحد يتكلم داخله«، و»الكل يجد ذاته فيه«. فتأثير التداولية في التحليل النصي جلي، وقد أوضح ذلك بيار بايار إيضاحا دقيقا في مقالة له بمجلة »جسد مكتوب« في سنة 1987:

»ما تم فقدانه سابقا مع المؤلف يتم استرجاعه لاحقا مع القارئ، باعتباره مشاركا في التنظيم، أو على الأقل طرفا في القوى التي تفعل النص ويضمن لها هو استمرار عملية التلفظ«.

لقد أخذ لاوعي القارئ في التحليل النصي المكان الذي تركه شاغرا لاوعي المؤلف.

وأكد جان بلمان نويل بوضوح اليوم أكثر من أي وقت مضى أن القراءة - التحليل تتطلب إسهام اللاوعي الفردي للناقد - القارئ، أي »الاستثمار الشخصي في النص« (»الاجتياح اللاواعي للنص«، مقالة نشرت في »نشرة علم النفس«). وقال إن نص قراءته المساهِمة في الكتابة يتكون من »توليف يتماوج فيه مسلسل حياتي مع نسيج جمل رصفها المؤلف رصفا وانتهى منها«.

إن القارئ، حسب جان بلمان نويل، ما هو بمجرد ولا بمحايد، بل هو قارئ يقرأ بذاته وثقافته ولاوعيه.

مفهوم »تداخل القراءة« أو إبداعية القراءة

إن الإحالة الدائمة على المؤلف قبل أي شيء، ثم تقديس النص، قد استلزما معا حياد الناقد. ولإعادة الحرية والخصوبة إلى القراءة - إذ يرى جان بلمان نويل أنها حُرمت منهما لمدة طويلة - صاغ مفهوما جديدا، فاقترح على الندوة التي انعقدت بمدينة رانس سنة 1992 حول القراءة، بأن يكون هناك »تداخل القراءة«، مثلما هناك »تداخل النصوص« (التناص):

(تداخل النصوص يعني نية الكاتب وعزمه على أن يكتب بمتناص بعينه؛ فتداخل قراءتي، من حيث أنا قارئ، سيكون هو إمكانية تعرّف المتناص المعلَن واستدعاء المرجعيات الكامنة - وقد لا تنتمي صراحة إلى هذا المتناص  »الظاهر مبدئيا«).

لقد تم التأكيد على المبادرة المتروكة للمؤوِّل باستعماله المقابلة الفرويدية بين الظاهر والباطن. وإلى أشكال المتناص المعروفة في المعتاد - وقد أحصيناها في الفصل السابق، وكلها ظاهر - ينضاف صدى »صعبة رؤيته«، سماه بلمان نويل »الاستحضار«، وهو مأخوذ من لغة السحر، وهو في معجم »ليتري«: »عملية إظهار الجن أو الأشباح أو أرواح الموتى«. وقد عرفه كالتالي:

»الاستحضار: هو أن تظهر في العمل الأدبي، أثناء القراءة، عناصر قابلة لإحداث تقارب تلميحي مع ملفوظ ينتمي إلى كتاب أدبي آخر. والفرق بينه وبين التلميح هو أنه لاشيء يشير إلى أن المؤلف أراد الإحالة على تلك العناصر، ولا أن أغلبية القراء سيكتشفونها. فهو إذن نوع من التلميح يعتمل بغموض في سجلات اللاوعي الجماعي وفي اللاوعي الفردي«.

والمثل المقترح لتوضيح مفهوم »تداخل القراءة« هو تقريب بين بعض سطور من رواية جوليان غراك »شرفة في الغابة«، وأول قصيدة من ديوان »إشراقات« لرامبو. فبطل الرواية يتأمل مصيره قبل أن يجرح، ويحس بأن روحه »تطفو بخفة على مياه الكارثة«، و»الأرض [...] تبدو له جميلة صافية، كما (تكون) بعد الطوفان«. كان جان بلمان نويل يفكر أثناء قراءته لنص جوليان غراك في رامبو، وفي »الطفو الخافت« للمركَب الثمل، وفي عنوان أول قصيدة من الديوان، وهو »بعد الطوفان«. وفي »الاندهاش« الذي أحس به وقت التقريب بين النصين، أدرك الناقد فجأة ما »ينقص نقصانا صارخا« للإنصات إلى الرواية: وهو »الأمّ المالكة زمام الأسرار والسحر والموت«، الحاضرة في القصيدة في صورة الملكة - الساحرة. فقراءته قد »بعثت معطيات مكبوتة«، و»استحضرت« هذه الأم العتيقة من أعماق »اللاوعي الجماعي واللاوعي الفردي«. و»تجنيد« الناقد - القارئ لحقل قراءاته السابقة هو الذي أنتج صدى من ذاك القبيل. ولا يجب البحث عن قيمة »الحقيقة« لهذه القراءة في النص، ولا عند المؤلف، إذ لا شيء يثبت أنه فكر في رامبو أثناء كتابة تلك السطور؛ بل ينبغي البحث عنها في القراءة. إذن صارت القراءة خصبة من جراء ذلك. وقد »نجحت العملية«: فتقريب نص غراك من نص رامبو أظهر بين سطور الرواية »صورة خفية في أول وهلة، لكن ظهورها يكسبها قيمة الحقيقة الفعالة« (جان بلمان نويل، »القراءة بين السطور«، في مجلة »جسد مكتوب«، 1984).

لقد أشار بيار بايار (في العدد نفسه من »جسد مكتوب«) إلى »الانشقاق عن مورون (وعن فرويد أيضا) - ويبدو أن كتاب بلمان نويل يدعونا إليه -؛ وهو انشقاق لم يعد يتعلق باستعمال السيرة أو تقنية بعينها مثل تقنية التنضيد، بل بتصور »الفعل النقدي نفسه«. ومازلنا نذكر أن مورون ادعى إدراك حقيقة اللاوعي بنظرة موضوعية؛ وكان دائما يسعى إلى إبعاد أي »عامل شخصي«، وأي تسرب لذاتية الناقد، لاعتقاده أن ذلك قد يشوش على الفعل النقدي. وكان دائما ينص على »علمية« منهج النقد النفساني التامة؛ فتبين أن هوس اليقين الوضعي والمعرفة الموضوعية كان يسكنه كما يسكن التاريخ الأدبي. أما التحليل النصي، فعلى العكس يضع الذاتية - أي حق القارئ في أن يقرأ من خلال ثقافته ولاوعيه - في مركز الفعل النقدي، ويدافع - بعد بارط - عن حرية القراءة وإبداعيتها؛ لكنه يرفض ما رافق أحيانا تلك الحرية المستعادة من إفراط؛ فلذلك قيدها: لا بالتاريخ، كما رأينا ياوس يفعل، ولا بالمراقبة التي يمارسها النص على فك رموزه، كما هو الشأن عند ريفاتير، بل بالتزام الناقد مع قارئه.

التزام الناقد مع قارئه:

نحو تعريف جديد للفعل النقدي

يختلف الفعل النقدي عن القراءة العادية في أنه فعل تواصل. ويختلف القارئ الذي يقرأ لنفسه بنزوته واستيهامه عن الناقد الذي (يكون كذلك [...] حين يشتغل في حالة حوار مع نفسه، ومع الكتاب الذي يتحدث عنه، ومع القارئ الذي يتوجه إليه »لأن عليه مثلا أن يأخذ بعين الاعتبار المستوى الثقافي والاهتمامات المعاصرة لجمهوره«) (جان بلمان نويل).

فآخر مبادرة لنقد اختار أن يتخذ »منظور القارئ« هي أن »يعي وجود قارئه ووجود وظائفه التداولية«.

وقد حدد جان بلمان نويل بوضوح، في مقالات كتبت ما بين سنة 1987 واليوم، القواعد المفروضة على العمل النقدي. وقد أتاح هذا »النقد الواصف« فرصة لنقاش (سبق أن أشرنا إلى بعض جوانبه سابقا) بين نوعين من الأشكال المهمة في التحليل النفسي المطبق على قراءة النصوص الأدبية، هما: النقد النفساني والتحليل النصي. ونرى فيه عودة سؤالين أساسيين: سؤال الحقيقة وسؤال أسلوب النقد.

ومع أن المحلل النصي يحرص على كل تفاصيل العمل الأدبي، و»يفكك« النص المقروء، فإنه ظل مرغما على »تجميع« قراءته؛ بل هو مضطر مبدئيا إلى إعادة النظر في معطيات جزئية وبنائها: فتلك »فرصتها الوحيدة للانفلات من صفة الواقع والوصول إلى صفة الحقيقة«. وإذا كان »فعل القراءة« الذي بيناه في الفقرة السابقة ليس مجرد نزوة ولا »محض هذيان«، فذلك لأنه يتيح له أن يجمع وينسق »مكتشفات متناثرة« وجدها أثناء »إنصات طاف« إلى نص رواية جوليان غراك؛ فيصير الناقد قادرا على »تحويل انطباعاته المتخيلة إلى عبارات رمزية«. فالتحليل النصي لا يبعد مسألة الحقيقة، ولا مسألة مصير المعرفة التأويلية والمذهبية في القراءة النقدية؛ بل يصوغهما صياغة جديدة. والصورة التي ظهرت بين سطور رواية »شرفة في الغابة« بعد تقريبها من نص قصيدة رامبو قد أطلق عليها »الاسم الذي يطلق على مثيلاتها من التشكلات اللاواعية التي أحصاها المذهب«؛ وإذا كان ذلك »مرضيا« فإن جان بلمان نويل لا يرى أنه أول معيار لصحة قراءته؛ وذلك أن صورة »الأم المالكة لزمام الأسرار والسحر والموت« ليست صحيحة بالقياس إلى النظرية، بل بالنظر إلى فعاليتها الخاصة: »يُكسبها ظهورُها قيمة الحقيقة الفعالة«؛ وهي تؤلف القوى اللاواعية الفاعلة في نص الرواية؛ وتثير في الناقد »اندهاشا« يتصور أن قارئه سيشعر به. فالتحليل النصي يباين النقد النفساني ويتحاشى أن يُسقط على نص العمل الأدبي المعرفة النظرية - بل يعطلها أيضا أثناء »الإنصات الطافي«. لم تعد المسألة إذن مسألة حقيقة »موضوعية« في العمل الأدبي، بل مسألة علاقات الناقد وقارئه بالحقيقة، لأن التحليل النصي تعلم من أحدث تطورات التحليل النفسي أنه لا وجود لفكر منفصل عن انفعالات الذات ونشاطها النفسي. نعاين إذن ما سماه بيار بايار »الانتقال من إشكالية العمل الأدبي إلى إشكالية الفعل النقدي«. فالأهم عند الناقد هو »أن يبتكر لنفسه أسلوبا« لكي »يستحث« عند قارئه »الاشتغال اللاواعي للنص«، عوض أن ينقل إليه عن العمل الأدبي حقيقة علمية ثابتة، بلغة شفافة باردة.

وعند جان بلمان نويل أن الأسلوب ضروري لكل عمل نقدي - لأن هذا »أشبه ما يكون بالافتتان«، و»يفترض إرادة تنشيط خيال فاعل، لا الانحصار في إحدى زوايا المعرفة الموضوعية وحسب«؛ وأنه لا مناص عنه عندما يلجأ الناقد إلى التحليل النفسي؛ وذلك أن الكلام عن اللاوعي ومعه »يتطلب كتابة غير مباشرة، بل مبهمة، تفسح المجال للتناقض ولانتشار الفروق«. فالأسلوب، هذا »الطريق الوسط بين دمدمة ما يتعذر التعبير عنه وهذر النظرية المتعالي«، وحده يبرئ (النقد التحليلي النفسي) من تهمة القيام بقراءة اختزالية«. ويعترف التحليل النصي اليوم بضرورة الاشتغال على اللغة، وهو ما نسيه النقد النفساني، وقد أُخذ عليه مرارا تحذلقُه واختزاليته، كما تشهد على ذلك، على سبيل المثال، التهم العنيفة التي وجهها إليه نفسانيان اثنان، هما بونتاليس وميشيل دي موزان، في أحد أعداد »مجلة التحليل النفسي الجديدة«، وعنوانه »كتابة التحليل النفسي«. لكن هذا النقاش الدائر حول الأسلوب ليس حكرا على المدارس التي تريد تطبيق التحليل النفسي على قراءة النصوص الأدبية، بل يندرج ضمن تطور حديث عرفه النقد.

٭ ترجمنا هذا المقال عن كتاب

  Ed. Hachette 1994   Anne Maurel »LA CRITIQUE«

1- »التوليفة« مجموع الرموز والعلامات المستعملة لتدوين أصوات التأليف الموسيقي، لبيان ارتفاعها ومدتها ووتيرتها واتجاهها وغير ذلك. (المترجم)
 

آن موريل
ترجمة : إبراهيم أولحيـان (ناقد من المغرب)

   

1818 تصفح 0 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009