لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5302117)
  تصفح الموقع (9012833)
  طباعة المقالات (1249429)
  إرسال المقالات (3108)
  المتواجدون الأن ( 32 )

العدد الخامس والستون
يناير 2011




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> اللون في السينما والتلفزيون والنهايات السعيدة في السينما

العدد الاربعون  اللون في السينما والتلفزيون والنهايات السعيدة في السينما

قاسم حول 2009-07-24

اللون في السينما والتلفزيون والنهايات السعيدة في السينما

اللون في الفيلم السينمائي وعلى شاشة التلفزيون

في الفضائيات العربية وفي الأفلام السينمائية التي تعرضها الفضائيات سواء الفيلم الملون منها أو الأسود والأبيض، نلمس خللا في هارموني الألوان وفي تدرجات اللونين الأسود والأبيض. وإذا نظرنا إلى فضائية غربية فإن العين تنظر إلى الشاشة بارتياح لا توفره الشاشة الفضائية العربية.

فلماذا لا تبدو الشاشة الفضائية العربية مبهجة للمتلقي؟

في هذا الموضوع نحاول أن نحلل القيمة اللونية في العمل المرئي في محاولة للوصول إلى قيمة فنية جمالية ممتازة للمتلقي الذي لا يعرف أين يكمن الخلل؟

إن القيمة الجمالية في السينما وفي التلفزيون هي مسألة غاية في الأهمية بالنسبة للمتلقي الذي يستقبل الصورة، وأهميتها غير ظاهرة للعيان. فاستيفاء اللقطة والمشهد المرئي للشروط الموضوعية لقيم الجمال يرتقي بالمتلقي إلى شخصية جديرة بإنسانيتها في استقبال أحداث الحياة والوقوف أمامها بوعي. استقبال الصح والخطأ، الحب والكراهية، الظلم والحرية، البناء والهدم وكل معاني المفردات المتناقضة. إن قبول الدكتاتورية في مجتمع ما كمذهب سياسي واجتماعي والتعايش معها والخوف منها وعدم رفضها على سبيل المثال هو تدن في المستوى الجمالي للشخصية الإنسانية. ومن هنا تأتي خطورة الصورة وبشكل خاص الصورة المتحركة إذا أنتجت بدون حسابات للقيم الجمالية، والقيم الجمالية هي مفردات كثيرة في الصورة المرئية هي بالفكرة بالكلمة الحوارية بالقيمة التشكيلية للكادر بالأداء التمثيلي بالمذيع الإخباري وملابسه وأدائه بحركة الكاميرا .. وباللون وهارموني اللون.

 كل هذه المفردات التي لا يستطيع المتلقي معرفتها وتلمسها تؤثر عليه إيجابا بقدر ما تستوفي شروطها الموضوعية وتؤثر عليه سلبا في حال قدمت الصورة بشكل غير مستوف للشروط الموضوعية لقيم الجمال.

لننظر في البداية إلى الفيلم السينمائي (الأسود والأبيض)

هل فيلم الأسود والأبيض هو فيلم غير ملون؟

أم هو فيلم ملون بالأسود والأبيض؟

يسمى الفيلم بالعربية (الأبيض والأسود) الذي هو بالإنجليزية  (Black & white)، أي الأسود والأبيض.

اللون الأبيض هو حصيلة الألوان الثلاثة الأحمر والأخضر والأزرق بنسب متساوية، أما اللون الأسود فهو من الألوان الطباعية وليست الطبيعية، بمعنى أنه خارج ألوان الطيف الشمسي. ولأن التصوير هو الرسم بالضوء فإنه، أي الضوء، يحقق لنا مجموعة من التدرجات اللونية بين الأسود والأبيض.

 ولفيلم الأسود والأبيض موضوعات يصعب تصويرها بالألوان الطبيعية بنفس تأثير اللونين الأسود والأبيض، ولكن الهدف التجاري، وظاهرة الاعتياد في التلقي، بعد ظهور اللون في السينما، ترفضان استقبال الفيلم الأسود والأبيض. والعرض التجاري التلفزيوني يشتري الفيلم الملون بسعر أغلى من الفيلم الأسود والأبيض، كما أن بعض محطات التلفزة ترفض شراء الفيلم المصور بالأسود والأبيض مع أهميته الفنية والتاريخية لأنها لا تلتقي مع ظاهرة الاعتياد لدى المتلقي. وتبتعد شركات الإعلان عن فترة بث الفيلم غير الملون بالألوان الطبيعية. ولذلك عمدت كثير من شركات التوزيع على تلوين فيلم الأسود والأبيض القديم تلوينا كومبيوتريا إن صح التعبير لإقحامه في البث الملون وهو فيلم هجين فلا هو بالأسود والأبيض وتدرجاتهما اللونية ولا هو بالفيلم الملون بألوانه الطبيعية.

نحن نطلق على الأفلام الكلاسيكية في تاريخ السينما (العصر الذهبي للسينما) بمعنى أن هذا العصر قد أصبح تاريخا مذهلا ولم يعد له وجود حاضرا ، لأن السينما كانت صنعة إبداعية هامة تعنى بكل مفردات لغة التعبير السينمائية ومنها المفردات التقنية. عندما تم تصوير أول فيلم روائي طويل بالأسود والأبيض وهو فيلم (ميلاد أمة) للأمريكي (ديفيد وارك جريفث) عام 1915 والذي صور الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب، ومع أهمية التجربة وأهمية التقنية  في طباعة وإظهار الفيلم، والسينما في أعوامها الأولى، فإن المخرج (جريفث) قد خان اللون (خان اللون الأسود في الفيلم مثلما خان اللون الأبيض) فلقد رفض أن يشرك العنصر البشري ممثلا بالممثلين  السود بسبب الموقف العنصري من السود في أمريكا، وعمد إلى صبغ ممثلين بيض باللون الأسود لكي لا يعطي فرصة للممثل الأسود أن يصعد في سلم نجوم السينما (حصلت احتجاجات من المواطنين السود والمثقفين في أمريكا على موقف جريفث).

 منذ ذلك التاريخ، تاريخ هذا الفيلم الروائي (ميلاد أمة)  وفكرة تطوير اللونين الأسود والأبيض بمزيد من التدرجات اللونية تتطور في الإبداع بالإضاءة المستعملة لتجسيد تلك التدرجات اللونية بين الأسود والأبيض، وتبرز أهمية مدير التصوير الذي يرسم اللقطات بإضاءة متقنة، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم يلعب اللون وتدرجاته دورا هاما في شكل العرض السينمائي وفي تأثيره على المتلقي.

عندما ظهر اللون في السينما، بدأت جملة من العوامل التقنية وغير التقنية تلعب دورها في لون المشاهد السينمائية. العامل الأول الذي واجه السينما هو الضوء، فأصبحت الإضاءة الصناعية في المشاهد الداخلية تحتاج إلى إضاءة مختلفة عن تلك التي كانت مستخدمة قبل ظهور اللون وظهرت الراشحات (الفلاتر) لتضفي ألوانا معينة على الأشخاص والأشياء. وهنا صار المخرج بحاجة إلى مدير تصوير له حس الرسام وثقافة المبدع الكبير لأنه بتوزيع الضوء يخلق لوحة مرسومة باللون من خلال الضوء ليحقق هارموني مرئيا  متحركا ، إضافة إلى ما يخلقه اللون من تأثير سيكولوجي على المتلقي بقيمته التعبيرية. أما في المشاهد الخارجية حيث ضوء الطبيعة ومصدره الشمس، فإن المخرج (المبدع) يصور فقط في الساعات الذهبية وهي ساعات السحر والفجر والشروق وأول الصباح وساعات العصر والغروب وأول المساء، لكي يحقق اللمسات اللونية الفضية شروقا والذهبية غروبا، وحتى استعمال العاكسات في الظل أثناء التصوير الخارجي فهناك العاكسات الفضية اللون والعاكسات الذهبية اللون التي تضفي على وجوه الممثلين وعلى المكان ذات الإحساس واللون الهادئ والمريح في الاستقبال.

هذا فيما يتعلق بتحقيق اللون عبر الضوء. ثمة أمر آخر يتعلق بهارموني اللون، فمع ظهور اللون انكشف لون الأشياء فيما كان الأسود والأبيض وتدرجاتهما يخفيان جانبا من هارموني لون الموجودات والمكان. فالمشهد السينمائي هو مكونات كثيرة من ملابس الممثلين والأثاث وألوان الجدران والإكسسوارات من الصحون والثريات واللوحات الجدارية، ومكونات البيوت الشعبية، تحتاج كلها ليس فقط إلى هارموني اللون، بل تحتاج أيضا إلى دراسة عن طبيعة مكونات المشهد، فكيف يمكن خلق هارموني لوني للأشياء في مشهد لعائلة بسيطة وفقيرة تجمع أشياءها كيفما أتفق، وهل المطلوب خلق هارموني لوني لمكونات المشهد الذي كل موجوداته متناقضات لونية بالضرورة؟ أم أن هذه المتناقضات اللونية هي هارموني الفقراء والأحياء الشعبية؟

هذه المتناقضات اللونية هي هارموني طبيعة المشهد، ولكن مطلوب هارموني إضافي لكادر الصورة، إذ قد تسرق كتل لونية ما عين المشاهد عن موضوع الحدث ولذلك فتغيير زاوية الكاميرا أو تغيير قطعة إكسسوار قد يحل جانبا من اختلال الهارموني اللوني.

هارموني لون الأشياء والموجودات مع هارموني الضوء الذي يكمل القيمة الجمالية لكادر السينما يقف وراءه مخرجون رسامون ومديرو تصوير رسامون ومصممو أزياء رسامون، وكل فنان في الفيلم السينمائي هو رسام بالضرورة مثل ما هو شاعر بالضرورة وكاتب رواية ومسرحي بالضرورة .. وهم عين المخرج الذي يدير العمل وهو صاحب الرؤية الفكرية والفنية الجمالية، ولذا نسمي تلك الأفلام المتقنة الصنع تقنية وبناء، نسميها بكلاسيكيات السينما. هذه الظاهرة لا تتكرر بضرورة التغيير الحاصل في طبيعة الواقع السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، والثقافي في عصرنا الحديث، إلا إذا سقطت هذه الحضارة أو انتهت هذه الحقبة من التاريخ البشري لتأتي حقبة لاحقة تكون لها لغتها التعبيرية الجديدة، لأن هناك تغييرا في التقنية، ولكن هذا التغيير لم يستخدم كوسيلة، بل صار هدفا، وصار الفيلم السينمائي عبارة عن مؤثر بصري مبهر وحسب، فيما ينبغي لو كانت الحياة الثقافية الإنسانية المعاصرة هي تطور طبيعي لكانت ظاهرة الاستفادة من تقنيات العصر لصالح القيمة الفكرية والقيمة الجمالية الفنية وليس العكس.

في معارض البث وتقنياته تتسابق الشركات سنويا على تقديم ما لديها من تطور في كافة معدات التصوير والصوت والضوء والبث التلفزيوني. ولقد قدمت الشركات في آخر عروض التقنية أجهزة تعوض المخرج والشركات المنتجة عن مدير التصوير وعن الخبرات الكبيرة التي يحتاجها المخرج للقيمة اللونية للفيلم. هذه الأجهزة وما تقدمه من تقنية عالية في تطوير الصورة تحقق ما عجزت عنه السينما طوال أكثر من مائة عام من عمرها، فالسينما فن صعب وعنيد وغير قابل للتطور لأنه غير قابل للتجزئة كما تقنية الفيديو.

لقد عرضت إحدى الشركات المنتجة لهذه الأجهزة  لقطة بإنارة خارجية لفتاة تجلس في مقدمة يخت يرسو في الميناء في خليج تحيط به الأشجار، ويبدأ العارض التقني يتلاعب بألوان المشهد، وهو يعطينا ليس فقط حالات مختلفة من النهار بل أيضا بتأثير الضوء على المكان وعلى وجه الفتاة حتى يتحول وجهها وهي تتطلع إلى المكان غروبا تتحول إلى لوحة تشبه بورتريه لرسام كبير. هنا تقلصت مهمة مدير التصوير وستتقلص كثيرا، ذلك الرجل المتأمل الذي يرسم المشهد في الأفلام الكلاسيكية بقدرة مدهشة من خلال توزيع الضوء في المكان وعلى وجوه الممثلين ليحتل مكانته تقني يدرك أسرار الكمبيوتر وقدراته غير المحدودة وتطوره اليومي.

ومع أن كثيرا من المخرجين وشركات الإنتاج التي تعتمد ما يطلق عليه الميزانية المخفضة للإنتاج والتي تشكل التوجه للتصوير بالفيديو وتحويل حصيلته النهائية إلى السينما، إلا أن عددا غير قليل من شركات الإنتاج والمخرجين لا يزال متمسكا بتقاليد العمل السينمائي معتقدين بأن الفيديو لم يصبح بعد بديلا كاملا عن السينما .. فماذا يعمل هؤلاء بعد أن قفز شكل العرض السينمائي ليعرض بثا في صالات السينما من غرفة الموزع حيث صار بالإمكان تغطية العروض لعشرات بل لمئات صالات العرض السينمائية بدون شريط سينما وبدون حتى شريط فيديو بل من ذاكرة الكمبيوتر نحو صالات السينما التي تستقبل البث كما يستقبلها التلفزيون؟

هذه التطورات المتسارعة في علم وعالم المرئيات صارت تلعب دورا ما سلبيا أو إيجابيا في قيمة اللون في الفيلم السينمائي. ثمة ثقافة يطلق عليها (معاصرة) أصبح لها منتجوها مثلما لها جمهورها المتلقي، وقد يطلق على الفنان الذي لا يزال متمسكا بقيمة السينما وعمق صورتها وقيمتها اللونية، يطلق عليه كلمة  (تقليدي) وإذا أرادوا الرحمة به فيسمى (كلاسيكيا) ولكن لا يزال النقاد يطلقون على تلك الأفلام العظيمة (العصر الذهبي للسينما) ولعل من اللافت للنظر بأن الأفلام التي تم اختيارها عام 1955 وهي اثنا عشر فيلما كانت أغلبها مصورة بالأسود والأبيض، وعرضت في بروكسل  عام 1985 بمناسبة إقامة المعرض الدولي حيث اجتمع عدد من السينمائيين إضافة إلى مندوبين ينتمون إلى ست وعشرين دولة، لاختيار أفضل اثني عشر فيلما ومخرجا، منذ نشأة السينما في العالم حتى عام 1955.

 نلاحظ أن أغلب الأفلام التي تم اختيارها يعود تاريخها إلى بدايات السينما، فيما عملية التقييم تمت عام 1955، باستثناء فيلم (سارق الدراجة) للمخرج الإيطالي  (فيتوريو دي سيكا) المنتج في عام 1948، وأغلب الأفلام الفائزة مصورة بالأسود والأبيض في وقت غزا فيه الفيلم الملون عالم السينما ويكاد أن يكون الفيلم الأسود والأبيض قد توقف عن الإنتاج بل أن المادة الخام للتصوير بالأسود والأبيض كانت في طريقها إلى التوقف، وحتى الأحماض لإظهار وطبع الأفلام بالأسود والأبيض لم تعد متوفرة في الأسواق.

وبشكل عام فإن الألوان في السينما تسير في اتجاهين، الاتجاه الأول هو كشف لون الطبيعة والأشياء كما تراها العين وكما تكشف حقيقتها الإضاءة الصناعية وإضاءة الشمس، فنرى الفيلم يزهو بألوان الحياة والأشياء، فيما نرى أفلاما ملونة ولكن ألوانها تكاد تقترب من الفيلم الأسود والأبيض. في النوع الأول يدخل الفيلم الفرح في نفس الجمهور المتلقي مثل الفيلم الاستعراضي الغنائي والفيلم الاجتماعي، ولكن في موضوعات تاريخية أو أفلام ذات طابع ملحمي أو تراجيدي نجد أن المخرجين يميلون إلى فيلم ملون أقرب ما يكون إلى الأسود والأبيض، أفلام يطغي عليها اللون الأزرق ويؤثر على باقي الألوان، تكون عموم ألوان هذا النوع من الأفلام هي الألوان الباردة. والمتلقي لا يجد في مثل هذه الأفلام الألوان الصارخة والبراقة أو ما يطلق عليه الألوان الحارة التي يغلب عليها اللون الأحمر، ولذلك فان مخرجي الأفلام ذات الألوان الباردة  يبتعدون عن الشمس في التصوير الخارجي، وهم أكثر ميلا لما يطلق عليه فترة الساعات الذهبية للتصوير ليحققوا ألوانا باردة وهادئة، وكذا الحال أثناء رسم المشهد بالإضاءة وحتى في اختيار ألوان الملابس والمكان والموجودات فإننا نراها في توافقها اللوني أقرب ما تكون إلى الأسود والأبيض وتدرجاتهما اللونية من خلال اللون الأزرق والألوان الباردة .. في مثل هذه الأفلام تشعر برصانة الموضوع.. تشعر بأنك أمام لوحة لرسام مدهش في قدرته على استخدام اللون في التعبير عن واقع ثري في مكوناته.. بل أكثر من رسام لأنه في كل كادر، في كل لقطة، في كل مشهد ومع حركة الكاميرا وحركة الأشخاص داخل الكادر مطلوب أن تبقى الصورة ضمن حركة الكاميرا، تبقى في قيمتها اللونية وفي هارموني اللون ساحرة الجمال ومعبرة عن طبيعة المشهد المتحرك، بعكس اللوحة المرسومة الثابتة التي هي لحظة ثابتة من الزمن.

ومع كل معايير اللون في الكادر المرئي تبقى السينما (حتى الآن) هي التي حلت القيمة التقنية لطبيعة اللون، فيما التلفزيون بكل إمكاناته التقنية لم يتوصل حتى الآن الى تجسيد قيمة اللون وطبيعته بنفس مستوى الفيلم السينمائي، وحتى لو توصل التلفزيون إلى مثل هذا الحل التقني للون فإنه يبقى ناقصا طالما ان الضوء يسقط على العين من الشاشة وبذلك تبقى العلاقة الفيزيائية بين العين واللون علاقة غير نظامية، بعكس السينما حيث يسقط الضوء من البث على الشاشة وفي ذلك استقبال للصورة ولألوانها بشكل يريح العين ويجعل استقبال القيمة الجمالية للون استقبالا سليما ونظاميا.

وفي قيمة الصورة التلفزيونية تعمل الشركات اليابانية على تحقيق إنجاز تقني يرتقي بالصورة التلفزيونية إلى مستوى الصورة السينمائية، وقد طلبت من خبرائها ذلك. وبهذا الإنجاز يمكن أن نحقق صورة تلفزيونية تتساوى مع الصورة السينمائية في العمق والوضوح واللون. عندها يمكن استبدال تقنية السينما بتقنية الفيديو، ولكن المشاهدة ستبقى بدون حل. فالمشاهدة بطريقة (العرض) هي التي تحتفظ بالقيم الجمالية كاملة ومنها اللون، والمشاهدة بطريقة (البث) تبقى ناقصة في قيمها الجمالية ومنها اللون.

 

النهايات السعيدة في السينما

 حتى وإن كانت الحياة ليست سعيدة دائما، ولكن  ينبغي أن تكون سعيدة في السينما . اطمئن عزيزي المشاهد فإن المشكلة قد انتهت، وإن العاشق أو المحارب أو رجل البوليس الطيب أو ابن صاحب المزرعة الأنيق أو البحار الذي حارب القرش الخرافي الحجم في عباب البحر، جميعهم قد عادوا في نهايات الأفلام، عاد كل واحد منهم إلى حبيبته الجميلة والتقاها في بستان أو على شاطئ البحر أو في الفيلا الأنيقة قرب الستارة الرقيقة البيضاء، أو ليلا تحت ضوء القمر الأخضر أو قرب شلال المياه وخريره .. في كل تلك المواقع الساحرة الجمال ومع صوت الموسيقى الرومانسية يطبع كل واحد من هؤلاء قبلة على شفتي حبيبته وترتسم على الشاشة كلمة النهاية.

المطلوب أن تخرج سعيدا عزيزي المشاهد، وأن تعرف بأن ثمن التذكرة الذي دفعته لمشاهدة الفيلم السينمائي لم يعد عليك بالكدر، بل نحن نجعلك تغادر الصالة وأنت سعيد، والأهم من ذلك أن تحدث صاحبك أو تحدث الجيران عن الفيلم وقوته دون أن تقول (كان الفيلم جميلا  ولكن) فمن غير المستحب أن تقول، ولكن البطل قد مات في نهاية الفيلم، فإن ذلك يحول دون ذهاب صديقك أو الجيران لمشاهدة الفيلم.

إن أول مسرحية قدمت في تأريخ الثقافة الإنسانية هي مسرحية (المتذرعات) للكاتب الإغريقي (أسخيلوس)، وكان سبب تقديمها كل عام أمام المعبد في أنها تنتهي نهاية سعيدة يفرح لها الشعب الإغريقي بكامله، ويشاهدها كل الشعب كل عام. ومسرحية المتذرعات تتحدث عن  هروب بنات الملك، لأنه أراد أن يزوجهن من أبناء العم، فرفضن ذلك، وبعد أن تتعقد المشكلة يصار إلى تشكيل مجلس شعبي صار يعرف فيما بعد بالبرلمان حيث يناقشون المشكلة، ويعطي مجلس الشعب رأيه لصالح البنات وحقهن في اختيار من يرغبن الزواج منه، فيعدن إلى الوطن منتصرات. هذه النهاية السعيدة هي التي جعلت الجمهور يحب المسرحية وصارت تقليدا يعرض كل عام.

كل الأفلام الأمريكية والأوروبية ومن ثم العربية والهندية تلتزم بالنهايات السعيدة، فالمجرم لا يفلت من العقاب، واللئيم يندحر، والبطل ينتصر، وأغلب الأفلام تنتهي بالقبلة. الأفلام التي حاول فيها المخرجون أن يخرجوا عن هذا التقليد، اعترفت الشركات المنتجة أنها تورطت في مثل هذه المغامرة الإنتاجية.

عندما حاول المخرج سدني بولاك أن يخرج رواية (إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك(، وكان سعيدا بجائزة الأوسكار مع بطلة فيلمه (جين فوندا) فإن شباك التذاكر لم يكن سعيدا، لأن نهاية الفيلم لم تكن سعيدة.

الفيلم يصور حالة الناس بعد الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم في الثلاثينيات من القرن العشرين، وكان يقام سباق الماراثون، حيث يتسابق الناس داخل حلبة أمام طبقة الأغنياء الذين يلعبون الرهان على المتسابقين، وكانت البطلة (جين فوندا) التي تعاني من متاعب نفسية نتيجة الأزمة الاقتصادية تقبل أن تدخل السباق أمام المتراهنين، وكانت حاملا، وعندما لم تستطع المواصلة لستة أيام وهي مدة السباق وتفشل، فانها تطلب من صديقها أن يطلق عليها النار لتنهي بذلك معاناتها وأحزانها.

اعتقد النقاد بأن المخرج ما كان ينبغي بالضرورة أن يلتزم بالرواية، وكان عليه أن يغيرها لما يتلاءم والتقليد السائد في السينما، كان ينبغي أن تبقى البطلة (جين فوندا) تقاوم الحزن وأن يكون ثمة أمل وأن ينتهي الفيلم بقبلة وليس بموت البطلة كما شاهدت وصديقها صاحب مزرعة في أول مشاهد الفيلم وهو يطلق النار على حصان تمرد ولم يستطع التعايش مع الجياد.

لعل أكثر الأفلام الأمريكية ذات النهايات السعيدة هي ما أطلق عليها في تاريخ السينما (أفلام المجتمع الأمريكي) تلك الموجة من الأفلام التي صورت قصص الحب في صفوف الفئة الغنية والمتوسطة في المجتمع الأمريكي. تلك الأفلام لا تتسم بالنهايات السعيدة فحسب، بل ان كافة مشاهدها والصراع الدائم بين شخوصها يدور في بيوت أنيقة وعلى سطوح البواخر السياحية وفي الحدائق الغناء وعلى البلاج. الممثلون يتم اختيارهم وفق مواصفات جمالية عالية (أفا جاردنر، مارلين مونرو، جيمس دين، دوريس داي، كلارك كيبل، أودري هيبورن  جنيفر جونز، جيمس دين، جريجوري بيك، آستر وليامز، كيرك دوغلاس، ستيوارت جرينجر...)، فأغلب نجوم هوليوود ونجوم أوروبا جميلون، وأيضا أنيقون، والسيارات فارهة وأثاث المنازل أنيق. كل شيء يجب أن يبدو نظيفا وأنيقا وخلابا ويسحر المشاهدين. ولذلك فان منتجي هوليوود لا يرغبون في إنتاج الأفلام التي تصور الأحياء الفقيرة  والأزقة الضيقة، وإذا ما ظهر مثل هذا المشهد في فيلم ما،  فان ذلك قد يحدث بسبب هروب مجرم أو اختطاف فتاة وإخفائها في مثل هذه المواقع البائسة، مواقع الهروب من القانون. ومع ذلك فان تصوير هذه المواقع أمر غير مرغوب فيه. والأفلام التي تحدثت عن مشاهد إنسانية عن الفقراء لم يتم الترويج لها، وكانت الموافقة على إنتاجها تحمل سببين، الأول، الجانب السياسي، في تمرير بعض الأفلام كنوع من التنوع، والثاني نوع من الدراسة لمعرفة مدى استجابة الجمهور لمثل هذه الأفلام. وبالتأكيد فإن الاستجابة كانت ضعيفة، لأن ظاهرة الاعتياد قد تركت أثرها على المتلقي حيث تكونت لديه قيم جمالية أوجدتها السينما الأمريكية وصارت هي الثقافة السائدة. إن القصص الإنسانية القصيرة للكاتب (أوهنري) قد أنتجت ولكنها لم تحقق النجاح التجاري الذي يعتبر معيار نجاح الفيلم بالنسبة لشركات الإنتاج في هوليوود. هذه الفيلم والأفلام الأخرى مثل أفلام (شارلي شابلن - الباحث عن الذهب) و(العصر الحديث) و(الدكتاتور) قد أنتجت في فترة المد اليساري في الثقافة الأمريكية وانتعاشه بعد الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي اجتاحت العالم في نهاية الثلاثينيات. حقا كانت سياسة هوليوود بأن الفقراء ليسوا جديرين بهذا الفن الرفيع. إن الطبقات الأرستقراطية وناسها الجميلين هم الذين ينبغي أن يتحركوا على الشاشة السحرية الخلابة، شاشة السينما.

نفس الشيء حصل في مصر عندما تم إصدار الجريدة السينمائية المصورة، فإنها اقتصرت على نشر أخبار وحياة الطبقة الأرستقراطية، أما الفقراء فما هو مسموح لهم أن يطلعوا على هذه الشاشة فحسب.

هناك نهايات سعيدة من نوع آخر في الأفلام الروسية، فالفيلم الروسي محكوم عليه بالنهاية السعيدة وبالفرح الاشتراكي. فالإنسان الاشتراكي وفق مفهوم الواقعية الاشتراكية يجب أن يكون سعيدا. لقد أنتجت السينما الروسية روائع من الأفلام مأخوذة من روائع الأدب الروسي والعالمي، ولكن إلى جانب هذه الأفلام كانت السينما الروسية وسينما الجمهوريات السوفييتية تنتج أفلاما محلية للاستهلاك الداخلي تتحدث عن أناس سعداء يعملون من أجل غد أكثر سعادة، لكن الواقع لم يكن كذلك، وكانت النظرة ضيقة وغير دقيقة. الأفلام الأمريكية وموجة أفلام المجتمع الأمريكي لم تتحدث عن السعادة بشكل مباشر، لكنها كانت تعرض حياة المجتمع عبر حكايات اجتماعية، وكانت مواقع التصوير والأحداث تدور في بيوت الناس المترفين وعلاقاتهم المثيرة والمشهية، ولكن بكل ما تحتويه تلك العلاقات من مشاكل كان المنتج يريد لأبطال الفيلم أن يلتقوا في نهاية القصة لقاء يترك المشاهد مرتاحا وسعيدا.

يبدو أن طبيعة الإنسان هي كذلك. التقيت منتجا سينمائيا هنديا في مهرجان طشقند السينمائي عام 1984 وسألته لماذا هذا العدد من الأغاني في الفيلم الهندي الذي شاهدناه في المهرجان. قال لي ان الجمهور الهندي عندما يريد أن يذهب لمشاهدة الفيلم الهندي فإنه يسأل سؤالين، السؤال الأول (كم عدد الأغنيات في هذا الفيلم؟) والسؤال الثاني (هل ينتصر البطل في النهاية؟). إن الشعب الهندي الذي كثير منه يمد يده للسائحين من أجل (روبية) يشتري بها رغيف الخبز، يحمل تلك  (الروبية) ليقطع بها تذكرة السينما، بحثا عن السعادة التي يصبو إليها والتي يفتقدها في حياته الإنسانية. إنه يتمثل بأبطال الفيلم السعداء، يتمثل في عشقهم وفي انتصارهم على العذال والحصول على الحبيبة الجميلة التي تعبر عن عواطفها في الغناء وكلمات الحب التي يرتجف لها القلب.

إن أفلام (راج كابور) التي حاول أن ينتصر فيها للفقراء، لم تلق ذات النجاح الذي حققته أفلام (شامي كابور) التي تحدثت عن حياة الأغنياء والطبقة المتوسطة، وامتلأت بالأغاني العاطفية، المغامرات والتزلج على الثلج والفوز بالحبيبة الجميلة التي تسكن في قصر كبير.

الجمهور الهندي الذي يهرب من عالمه الفقير لم يكن يرغب أن يرى هذا العالم مرة ثانية على الشاشة . يريد أن يرى حلمه وليس واقعه الذي أرهقه.

الفيلم العربي هو الآخر ينتهي هذه النهايات السعيدة وهو أيضا يصور حياة الفئات الاجتماعية الثرية والفئات المتوسطة. والأفلام المصرية التي تصور المجتمع المصري قد أنتجت على غرار أفلام المجتمع الأمريكي، ودائما هناك قصة حب وعاذل وخيانات زوجية وفتاة مظلومة، ولكن لابد وأن ينتهي الفيلم بلقاء الحبيبين، واندحار المخبر الاجتماعي (العاذل).

النهاية السعيدة في السينما تقليد أوجدته السينما الأمريكية في هوليوود وأصبح ظاهرة خلقها الاعتياد ورغبة الإنسان في أن يكون له في الحياة ثمة أمل، حتى ولو كان ذلك الأمل مجرد صورة على شاشة سينمائية وسط الظلام !
 

قاسم حول (مخرج من العراق يقيم في هولندا)

   

2468 تصفح 0 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009