لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5332628)
  تصفح الموقع (9063867)
  طباعة المقالات (1260142)
  إرسال المقالات (3114)
  المتواجدون الأن ( 31 )

العدد الخامس
يناير 1996




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> اضواء على مصادر التاريخ العماني الحديث

العدد الحادي عشر  اضواء على مصادر التاريخ العماني الحديث

محمد صابر عرب 2009-06-26

اضواء على مصادر التاريخ العماني الحديث

العمانيون في مواجهة الوجود البرتغالي:  (دراسة في مصادرالتاريخ العماني)
لقد شغلت عمان مساحة تاريخية وحضارية في عمر التاريخ الانساني عموما والتاريخ العربي على وجه الخصوص.

وبكل تأكيد فقد كان للموقع المتميز الذي احتلته عمان أهمية كبيرة، حيث وفر لها كل مقومات الدولة الحضارية، ولذا فقد كانت مطمعا عبر عصور التاريخ للكثير من الشعوب وفي مقدمتها الفرس. ومع مطلع العصور الحديثة كانت عمان في مقدمة البلدان العربية التي وقعت فريسة للاحتلال البرتغالي (العقد الأول من القرن السادس عشر).

لقد أخذ الاستعمار البرتغالي يدعم من وجوده على السواحل العمانية بعد أن كان قد عرف طريقه من قبل الى شرق افريقيا والمحيط الهندي.

وعلى الرغم من تناقض التيارات السياسية في الخليج بدءا من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن الثامن عشر. بسبب تعارض المصالح وتباين الاتجاهات واختفاء ممالك كان لها دور أساسي وظهور قوى لم يكن لها تأثير على مسرح الأحداث. على الرغم من كل ذلك فإن ما كتب في تاريخ عمان عن تلك الفترة لا يتناسب بأي حال مع ثقل الأحداث وأهميتها. وليس من قبيل المصادفة أن يتوافق غروب العصر الاسلامي الذهبي الذي بدأ بمنتصف القرن الثامن الميلادي وانتهى بنهاية القرن الخامس عشر. وليس من قبيل المصادفة أن ينتهي هذا العصر مع مقدم البرتغال. وانما كان الوجود البرتغالي بمثابة النهاية التي عجلت بالقضاء على الكيانات السياسية العربية والاسلامية، التي بقيت ما يزيد على سبعة قرون وهي في أوج قوتها.

ولعل القوى الاسلامية سواء في الخليج العربي أو في المحيط الهندي قد شغلتها المصالح الاقتصادية من جانب بينما أنهكتها الخلافات السياسية بشكل عجل بنهايتها مع مقدم البرتغاليين من جانب آخر.

لقد امتزجت الدوافع الاقتصادية والدينية والسياسية ببعضها البعض لكي تدفع بالبرتغاليين وهو شعب لم يكن قد تجاوز المليون ولم يسبق له أن لعب دورا مؤثرا على مسرح الأحداث السياسية في أوروبا، لقد قدر لهذا الشعب الذي تشرب الروح الصليبية التي خلفتها العصور الوسطى لكي يلعب دورا عجزت عن تحقيقه البابوية بنفوذها وتراثها متضامنة مع الامبراطورية الرومانية المقدسة بما تملك من نفوذ سياسي على كافة الدول الأوروبية.

ومن أجل تحقيق الطموحات الكبرى التي سيطرت على الملكية البرتغالية فقد تهاوت ممالك اسلامية عريقة وسقطت قلاع وحصون، سواء في شرق افريقيا أو في الخليج العربي.

واللافت للنظر أنه على الرغم من خطورة الموقف، حيث انكشفت الدوافع الصليبية منذ الوهلة الأولى، على الرغم من كل ذلك فإن الممالك الاسلامية لم تحاول التنسيق فيما بينها مع أن الجميع كان مستهدفا، بل والأكثر غرابة أن بعض الممالك الاسلامية قد أبدت تعاونا ملحوظا مع البرتغاليين والبعض الأخر قد استعان بالبرتغال في محاولة لسحق غيرها من الممالك الاسلامية بسبب خلافات سياسية أو عرقية أو مذهبية في أحيان كثيرة.

وبينما كان المماليك في مصر والشام وقد أرهقتهم السياسة الاحتكارية التي فرضها البرتغاليون على الخليج العربي والبحر الأحمر ولذا فقد أدركوا حجم المخاطر الاقتصادية والدينية في الوقت الذي كانت شبه جزيرة ايبيريا تشهد صراعا اسلاميا مسيحيا نجم عنه سقوط آخر المعاقل الاسلامية، ناهيك عن المذابح الجماعية التي تعرض لها المسلمون والتي تمت بتنسيق تام بين لبابوية والامبراطورية الرومانية المقدسة، بل وامتدت ضراوة هذه الروح الصليبية الى تتبع المسلمين الهاربين بعقيدتهم الى ساحل شمال افريقيا.

لقد قدر المماليك الضرر الاقتصادي الذي لحق بهم لدرجة أن البحر الأحمر لم يعد يؤدي دوره الاقتصادي المنوط به طوال فترة التاريخ الوسيط، وبينما كل تلك الأخطار قد أحاطت بدولة المماليك، سواء في مصر أو الشام الا أنهم قد جانبهم التوفيق فلم يحاولوا التنسيق مع أي من القوى الاسلامية، سواء في الخليج العربي أو في شرق افريقيا بل راحوا يبحثون لهم عن صديق أوروبي أضير من كشف طريق رأس الرجاء الصالح ووحدت المصالح الاقتصادية بين المماليك والبنادقة ونشط السلطان تنصوه الغوري وذهب في تحذيره الى حد التهديد بتدمير الأماكن المقدسة المسيحية في فلسطين.

وتحركت حملة عسكرية من ميناء السويس حيث وصلت الى الساحل الغربي للهند في منتصف 1508  أوائل 1509 تلقت القوات المملوكية هزيمة لم تكن متوقعة عند ميناء ديو على الساحل الغربى للهند (1).

ولذا فقد انسحب المماليك تاركين البرتغال لمزيد من التفوق والسيطرة. بينما تطلع المسلمون لقوة فتية كانت قد حظيت بشهرة واسعة بعد أن بسطت سيطرتها على العالم الاسلامي مع مطلع القرن السادس عشر وهم العثمانيون. وفسر البعض أهدافهم من السيطرة على العالم الاسلامي بأنهم ينوون تلقين البرتغال درسا قاسيا وتضاعفت الطموحات الاسلامية كلما حقق العثمانيون نصرا اسلاميا في شرق أوروبا وترقبت كافة القوى الاسلامية، حيث كان من المتوقع عقب الفتح العثماني لمصر 1517 أن يبدأ العثمانيون صراعهم ضد البرتغاليين في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

لكن دلت الأحداث فيما بعد وحتى وفاة السلطان سليم 1520 على أن قضية الوجود البرتغالي في المياه الاسلامية لم تلق أهمية كبيرة في السياسة العثمانية. وفي سنة 1534 فتح العثمانيون العراق وهكذا امتد النفوذ العثماني الى سواحل الخليج العربي في المنطقة الشمالية، حيث دخل أمراء البصرة والبحرين والقطيف في طاعة العثمانيين وتطلع العثمانيون الى هرمز محاولة لالحاقها بالبصرة على اعتبار الأهمية الاقتصادية والأمنية لتلك الجزيرة، في وقت كانت هرمز قد سقطت تحت النفوذ البرتغالي وأصبحت قلعة عسكرية حصينة يصعب اختراقها.

ويمكن تأريخ العمليات البحرية العثمانية ضد البرتغاليين في عام 1550، حيث استخدم العثمانيون البصرة كقاعدة للخروج بأسلوبهم الى مياه الخليج وتجاوب عرب الخليج احتماء بزعامتهم الاسلامية.

وعلى الرغم من أن العثمانيين قد حققوا قدرا من الانتصارات في البداية الا أن القطيف قد استعصت عليهم، بل تضاعفت خسائرهم بشكل لم يكن متوقعا وتأكد لهم أنه لا قبل لهم بالمعارك البحرية وأن المواجهة البرتغالية سواء في الخليج العربي أو في المحيط الهندي في حاجة الى المزيد من الاستعدادات واقترح عرب الخليج القيام بعمليات بحرية غير نظامية ضد القواعد البرتغالية. ويبدو أن هذا الاقتراح على الرغم من أهميته الا أن المواجهة الاسلامية ضد البرتغاليين قد افتقدت في مجملها الى أي نوع من التنسيق.

وفي الوقت الذي اتخذ فيه العثمانيون البصرة قاعدة لمواجهة البرتغال (1550) في نفس الوقت أقلع أسطول مصري من السويس بهدف انقاذ مسقط، التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي منذ 1507، وبعد قصف لمدة ثمانية عشر يوما استسلمت الحامية البرتغالية الا أن البرتغاليين قد استعادوا سيطرتهم عليها عقب إمدادات وصلتهم من هرمز (2).

وبناء على تعليمات من الباب العالي أعدم بيري باشا (قائد الأسطول العثماني في الخليج).

الجدير بالذكر أن كثيرا من المصادر لم تستطع أن تعلل السبب الحقيقي لاعدام بيري باشا والأكثر احتمالا أنه تجاوز التعليمات الصادرة اليه إذ أن السلطان سليمان القانوني قد أمر بيري باشا في الا يجد في أخذ هرمز قبل أن يذهب أولا الى البصرة لكي يستعين بحاميتها غير أن بيري باشا نتيجة لما وجده من ضعف البرتغاليين في مسقط اعتقد بأن الحالة في هرمز ستكون متشابهة وتصور أن بإمكانه بعد أن استولى على قدر لا بأس به من الأسلحة من قلعة البرتغاليين في مسقط أن يخضع هرمز ولكن فشل بسبب الحصون والمقاومة العنيفة من قبل البرتغاليين.

وتجـددت المحـاولات العثمانية سنة 1581 تقديرا منهم لوقوع البرتغال تحت النفـوذ الأسبانـي (1580) وجاءت المحاولة على يد مغامر تركي يدعى مير علي بك، حيث قدم من عدن بأربع سفن شراعية، وفي ديسمبر 1581 وقعت المباغتة حيث أطلقت السفن مدافعها بكثافة شديدة مما أوقع الارتباك في صفوف الحامية البرتغالية ودخلت قوات علي بك مدينة مسقط. وقد سلب علي بك كل ما أمكن الحصول عليه من غنائم شحنها على أسطوله الصفير وتجددت محاولات علي بك على ساحل شرق افريقيا معلنا دفاعه عن المضطهدين والمظلومين من العرب والأفارقة متعهدا باسم السلطان التركي أن يخلص المنطقة من الأغلال المسيحية(3).

والغريب في الأمر أن أكثر الكتابات الأجنبية في هذا الموضوع (4) لم تفرق بين القرصنة بمفهومها التقليدي والتي كان يمارسها بعض الأفراد والجماعات في البحار والمحيطات وبين الدفاع المشروع ضد السياسة الاستعمارية الصليبية، التي بدت بشكل واضح في محاولات البرتغاليين تلك المحاولات التي اتسمت بقدر كبير من العنف والقسوة وفي سنة 1585 حاول علي بك أن يثير السكان المسلمين في شرق افريقيا ضد البرتغاليين وأخذ يطمئنهم بأن ثمة أسطولا عثمانيا كبيرا في الطريق اليهم وعلى الرغم من نجاح علي بك في اعلان السيادة العثمانية على كثير من مقاطعات شرق افريقيا كممبسة ومقديشو الا أن الأسطول العثماني الكبير الذي وعد به لم يصل وقدم بدلا منه أسطول برتغالي بقيادة كوتنهو تمكن من قمع الاضطرابات الناشبة ونجح في القبض على علي بك حيث أرسل الى لشبونة وأجبر على اعتناق المسيحية ومات هناك.

لعي كل المحاولات الاسلامية بدءا بقنصوه الغوري وانتهاء بعلي بك قد تركت أثرا نفسيا سيئا على المسلمين عموما الى أن شاءت الأقدار أن يخرج من بين صفوف العثمانيين قيادة جديدة أدركت منذ الوهلة الأولى حقيقة الخطر القائم، لذا فقد كان الدرس الأول الذي وعيه الامام ناصر بن مرشد ( 1624) هو العمل من أجل قيام وحدة كاملة لكافة القوى العمانية ومن أجل تحقيق هذا الهدف فقد خاض حروبا ضارية ادراكا منه لحقيقة الصراع ضد البرتغال والاقدام على مغامرة من هذا النوع قبل توحيد عمان يعد خطأ تكتيكيا خطيرا.

وعلى الرغم من خطورة القرار الا أن ناصر بن مرشد قد وعى القضية برمتها ولعله قد أسقط من حساباته كافة القوى الاسلامية الأخرى بدءا بالعثمانيين وانتهاء بالصفويين، ولعل العداء المتنامي بين العثمانيين والصفويين قد بدد أي أمل في التنسيق بينهما لدرجة أن كلا منهما راح يبحث له عن حليف خارج الدائرة الاسلامية.

فهاهم الفرس على عهد الشاه عباس الكبير قد أبرموا اتفاق "ميناب" مع الانجليز 1622 بهدف طرد البرتغاليين من هرمز، وهاهم العثمانيون يضربون بالمشاعر الإسلامية عرض الحائط حيث خول حاكم البصرة من قبل العثمانيين للتنسيق مع البرتغال لضرب القوى الإسلامية عن فارس.

لقد أدرك أئمة اليعاربة حقيقة التيارات السياسية كاملة وراحوا يخوضون حروبا ضارية على المستويين الداخلي والخارجي ولعلها كانت معادلة غاية في الصعوبة، فكلما حققوا قدرا من الانتصارات في سبيل توحيد عمان راحوا يواجهون عدوهم القابع في المناطق الساحلية وبقدر ما كانت الجبهة الداخلية تشهد هدوءا نسبيا كانوا يواجهون عدوهم في كل من صور ومسقط ومطرح وفي كافة الحصون والقلاع على السواحل العمانية.

القيمة العلمية للمصادر العمانية:

على الرغم مما كتب في إطار الصراع العماني البرتغالي إلا أن الحقيقة الكاملة ما تزال في حاجة الى جهد كبير من الباحثين والمؤرخين نظرا لندرة المراجع والمصادر التي عالجت تلك الفترة الهامة من تاريخ الشعب العربي العماني.

واذا كانت وزارة التراث القومي والثقافة في سلطنة عمان قد أقامت على خطوة قومية رائدة. حيث قامت بطبع وتحقيق عدد كبير من المخطوطات العمانية اسهاما منها في تجسيد الوعي القومي والوطني لدى المواطن العماني من جانب وتقديم خدمة علمية للباحثين والمؤرخين من جانب آخر.

ولعل تحقيق ونشر كل هذا الكم الهائل من التراث وخصوصا عن الفترة من 1507 وحتى 1650 قد يزيل ما اكتنف تلك الفترة من غموض. الا أنني أرى أن أهمية ما طبع سواء في شكل مخطوطات لجيل الرواد من العمانيين أو دراسات عربية أو أجنبية كل ذلك لا يتناسب والدور الكبير الذي بذله اليعاربة في مواجهة الوجود البرتغالي.

لعل عامل التقادم قد ألقى قدرا كبيرا من الغموض على تلك الفترة الهامة من تاريخ عمان بحكم أن أحداث تلك الفترة قد وقعت خلال القرن السادس عشر ومنتصف السابع عشر الميلاديين ولم تسجل الأحداث يوما بيوم على نمط كتابات ابن اياس مثلا ولم تحفظ الأوراق أو المذكرات أو الرسائل من جانب الجانب العماني ولذا فقد جاءت المصادر البرتغالية بما تحمل من مبالغات وافتراءات مصدرا لا يستهان به في تحقيق هذا الصراع.

ولا يخفى على باحث خطورة الاعتماد على وجهة نظر واحدة ناهيك عما اذا كان هذا المصدر يمثل وجهة نظر رسمية شاركت كطرف مباشر في صنع الأحداث، وهكذا بقيت وجهة النظر العمانية غائبة الى أن ظهرت عدة كتابات بأقلام جيل الرواد من العمانيين بدءا بسرحان بن سعيد الازكوي في مخطوطه الشهير "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" (5) ومرورا بما كتبه نور الدين السالمي في كتابه "تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان" (6).

ثم ظهرت كتابات حميد بن رزيق وخصوصا: "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" ثم "الشعاع الشائع باللمعان و ذكر أثمه عُمان"(7).

وطبع العديد من الكتابات الأخرى التي تتفاوت أهميتها العلمية الا انها في مجملها تلقي بقدر كبير من الوضوح على جوانب الصراع العماني البرتغالي وتعد مصادر هامة للباحثين العرب والأجانـب.

وعلى الرغم من أن تلك الكتابات لم تشف نهم الباحث فيما يتعلق بقضية الصراع العماني البرتغالي لأنها أغفلت موضوعات هامة تعتبر أساسا للحكم على طبيعة الصراع الا أنها على الرغم من تواضعها فهي وبكل المقاييس تعد وجهة نظر على درجة كبيرة من الأهمية بعكس المصادر البرتغالية، التي اعتمد عليها عدد كبير من المؤرخين العرب والأجانب وهي عبارة عن تقارير لسير الأحداث وأوراق يومية وتقارير قناصل ورحالة أجانب وهي في مجملها مليئة بالمتناقضات التي أفقدتها أهميتها العلمية.

إن تلمس الحقيقة من خلال كتابات المعاصرين الأجانب لا تخلو غالبا من الفرض والهوى حتى فيما يتعلق بالوثائق البرتغالية ذاتها، وهي عبارة عن تقارير يومية لسير العمليات العسكرية، سواء في الخليج العربي أو في المحيط الهندي وهي تحمل قدرا كبيرا من المبالغة والتهويل مما أفقدها قدرا من أهميتها العلمية لبسبب بسيط وهو أن كاتبها لا يمكن أن يتجرد من دوافعه الشخصية والوطنية لأن القائد الذي يتصدى لمواجهة عدوه قد يبالغ في حجم قوته بهدف أن تسارع دولته الى امداده بالجند والعتاد أو قد يهدف الى أن يرفع من شأن نفسه اذا ما حقق أي نوع من الانتصار، على اعتبار أنه حقق انتصارا على عدو يفوقه عددا وعدة أو قد يحاول تبرير هزيمة لحقت به كما أن المسؤولين عن سير المعارك لا يمكن أن يكتبوا لقيادتهم بما يدينهم أو يحملهم قدرا كبيرا من المسؤولية.

ولعل هذا القول لا ينطبق على الوثائق بشكل عام بحيث تختلف طبيعة الوثائق من حيث موضوعها ومن حيث عامل الزمن.

فالوثائق التي تتناول الحقائق مجردة كالتقارير الاقتصادية مثلا تختلف عن التقارير السياسية التي قد يحكمها عامل نفسي يخطف من شخص لآخر وهذا ينطبق على الوثائق القديمة والحديثة معا، أما عامل الزمن كعنصر أساسي في الوظيفة فان له أهميته الكبيرة فوثائق القرنين السادس عشر والسابع عشر تختلف من حيث أهميتها العلمية عن وثائق القرن العشرين وكذا العقد الأول من القرن العشرين يختف عن العقد الثامن من نفس القرن.

فالقائد الذي يكتب لقيادته وهو يقوم بقيادة وحداته العسكرية في مياه الخليج مع مطلع القرن السادس عشر تحكمه أثناء كتابته اعتبارات نفسية ودينية تعول قيادته أهمية كبيرة عليها بعكس القائد الذي يكتب لقيادته في القرن العشرين فهناك الكثير من الآراء ووجهات النظر التي تحكم قرار القيادة وبالطبع لن تكون القرارات معتمدة على وجهة النظر العسكرية الخالصة فهناك الدراسات السياسية والاعتبارات الدولية التي تحكم طبيعة الصراع وهي تعتمد في مجملها على وجهات نظر موضوعية لتقييم حقيقة الأشياء دون الاعتماد على وجهة نظر واحدة وهي غالبا ما تكون قاهرة عن توصيف الأحداث وتقييمها.

وهذا ينطبق على كتابات القناصل والرحالة الأجانب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر فالنظرة الموضوعية لحقيقة الصراع في تلك الفترة لا يمكن أن نناقشها بمعزل عن الدوافع الصليبية التي كانت تحكم العلاقات العربية الغربية لأن الصراع كان دينيا في أساسه اقتصاديا في

أهدافه وتقييم الأشياء والحكم عليها قد يكون قاصرا ناهيك عما اذا كان الحكم ذاتيا تحكمه اعتبارات نفسية كثيرة، وهذا الحكم لم يغب عن بعض الكتاب الأوروبيين المنصفين (8).

ولذا فعلينا الا نبالغ أو نهول في أهمية ما كتبه الأجانب عن تاريخنا، بل علينا الا نرفضها وانما نقبلها بحذر شريطة أن نضعها في مكانها المناسب مع غيرها من الآراء والكتابات الموضوعية الأخرى حتى يكون الحكم على الأشياء موضوعيا في أساسه منهجيا في طريقته.

وعلى الرغم من أن ما كتبه المؤرخون العمانيون لا يمثل التجربة الشخصية بحكم أنهم لم يشاركوا في الأحداث ولم يعايشوا الوجود البرتغالي (1507-1650) الا أن مؤرخا عمانيا هو حميد بن محمد بن رزيق يشير الى أنه استقى معلوماته من عدد كبير من الشيوخ الموثوق بهم الذين عاشوا في عهد الامام سلطان بن سيف (9).

ولكن أ.س روس معاصر ابن رزيق ومؤلف حوليات عمان يقول: "إن ابن رزيق توفي في مسقط 1873 بينما وقعت الأحداث التي وصفها سنة 1650" (10).

ولعل ما يبدو من تناقض بين ما ذكره ابن رزيق وما ذكره روس قد يتبدد اذا ما علمنا أن الأول قد استخدم علم الجرح والتعديل وهو منهج علمي مأخوذ بصحته في رواية الحديث وتحقيقه نقلا عن جيل الشيوخ ثم تسلسل الروايات ومقابلتها ببعضها ودراسة دوافع كل رواية وهذا ما أشار اليه عدد كبير من المؤرخين العمانيين وهو منهج علمي لا يقلل كثيرا من قيمه الرواية (11). ويأتي مخطوط تاريخ عمان المقتبس من كتاب "كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة" للمؤرخ العماني سرحان بن سعيد الازكوي (12). في مقدمه المصادر العمانية باعتباره أول مخطوط جامع لأخبار عمان بدءا من العصر الجاهلي وحتى نهاية دولة اليعاربة سنة 1741.

ومخطوط كشف الغمة يعطي صورة شاملة عن تاريخ عمان وشعبها عبر التاريخ الطويل ولذا فان ما ورد فيه من معلومات لا تفي بالغرض المطلوب وعلى الرغم من ذلك فهو أول مخطوط يلقي الضوء على تلك الرقعة من عالمنا العربي والاسلامي ولذا فقد كانت الأهمية العلمية كبيرة ولذا فلا نجد مخطوطا أتى بعد ابن رزيق متناولا تاريخ عمان الا وقد اتخذ من سرحان بن سعيد مصدرا لـه.

ويلاحظ أن ما كتب بعد سرحان بن سعيد في تاريخ عمان يعد تكرارا، بل ووصل بعضهم لدرجة النقل بنفس الأسلوب دون تغيير واختلفت حالات النقل ما بين عدة سطور أو عدة صفحات أو باب بأكمله.

واللافت للنظر في هذا المخطوط أن مؤلفه لم يقصد الكتابة عن تاريخ عمان بقدر ما قصد الى البحث في نشوء العقائد الدينية بهدف ابراز وتجسيد الفكر الإباضي باعتباره العقيدة الأكثر شيوعا في عمان.

ولذا فقد، أراد المؤلف أن يؤرخ لعقيدته، سواء بهدف الدعوة اليها او دفع الشبهات عنها وقد أورد المؤلف في المقدمة "لقد صنفت هذا الكتاب وجعلت ظاهره في القصص والأخبار وباطنه في المذهب المختار.. عسى أنهم لأصول المذهب يعرفون ولأهل الحق بالحق يعترفون" (13).

ولعل شهرة هذا المخطوط قد أتت من أهمية المعلومات التاريخية التي وردت فيه وهي التي أعطته كل تلك الشهرة التي جعلته في مقدمة المصادر العمانية أما عن الدعوة للمذهب الاباضي فلم يحظ بنفس الشهرة، بل جاءت مخطوطات أخرى كثيرة أكثر عمقا وتأصيلا فيما يتعلق بالجانب العقائدي.

ولما كان المخطوط خاليا تماما من ذكر لتاريخ كتابته فقد اختلفت الآراء وامتد الاختلاف الى التشكيك في كاتب المخطوط على اعتبار أن سرحان بن سعيد هذا لم تعرف له مؤلفات أخرى ولم يحظ بشهرة في مجال الكتابة ولعل هذا التشكيك كان مبعثه عدم الوقوف على تاريخ ميلاد أو وفاة المؤلف فبينما رأى البعض أنه عاش في زمن اليعاربة ( 1624 - 1741) ولذا فان شهادته عن تلك الفترة يعول عليها كثيرا، الا أن البعض يعتقد أنه عاش في أوائل دولة البوسعيد وحتى سنة 1774 (14) ولذا فان شهادته لا يعتد بها.

إلا أن كل تلك الحجج تتهاوى حينما نعرف أن المعلومات التي وردت في المخطوط ومن خلال مطابقتها بما ورد في كتابات أخرى تبدو دقيقة وموضوعية الى حد كبير وعلى الرغم من اختلاف منهج المؤلف كثيرا عن غيره الا أن عددا من الكتابات العمانية قد نقلت نقلا حرفيا عن سرحان بن سعيد مما يرجح أن الأصل في كل ما ورد عن معلومات عن تاريخ عمان ولذا فاننا نرجح أن حياته كانت في زمن اليعاربة وليست في زمن البوسعيد لأنه أنهى كتابه بنهاية دولة اليعاربة أو قبلها بقليل وكتاباته عن اليعاربة تتسم بالموضوعية والدقة بعكس كتاباته عن صدر الاسلام مما يرجح أنه عايش الأحداث وأرخ لها.

واذا كان واحد من المؤرخين العمانيين مثل سلام بن حمود السيابي قد أكد في مقدمة واحد من أهم كتبه أن سرحان بن سعيد الازكوي هو المؤلف الحقيقي لمخطوط كشف الغمة (15) الا أن القضية يكتنفها الغموض أكثر اذا ما علمنا أن مخطوطين آخرين في تاريخ عمان يتطابقان بصورة كاملة مع الجزء الخاص بتاريخ عمان والمقتبس من كتاب كشف الغمة أحدهما كتاب: "قصص وأخبار جرت في عمان" لمؤلفه ابي سليمان محمد بن عامر بن راشد المعولي وثانيهما "تاريخ عمان" لمؤلف مجهول والفرق بين هذه الكتب الثلاثة هو أن كتاب: كشف الغمة يقف في أخباره عند 1140هـ (1728م) بينما يمضي كتاب قصص وأخبار الى نهاية القرن الثامن عشر فترة حكم السيد سلطان بن الامام أحمد بن سعيد سنة 1800م.

ويعتقد الاستاذ عبدالمجيد القيسي محقق كتاب تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة أن المعولي مؤلف كتاب «قصص وأخبار» رجل معروف أرخ له المؤرخون العمانيون وذكروا أنه كان عالما وشاعرا ومؤرخا وفقيها في حين أن سرحان بن سعيد الازكوي الذي ينسب اليه كتاب "كشف الغمة" رجل مجهول لم يرد له ذكر في الأخبار.

ولهذا فهو يعتقد أنه ليس من المعقول أن يسطو شخص له مكانة المعولي على كتاب لغيره ثم ينسبه الى نفسه ولهذا فهو يميل الى ان المعولي نفسه هو مؤلف كتاب كشف الغمة (16).

واعتقد أن وجهة النظر هذه على الرغم من موضوعيتها الا أنها تحمل قدرا كبيرا من التجاوز لأن من الملاحظ في كثير من المخطوطات العمانية القديمة أن مؤلفيها لا يجدون غضاضة في النقل حرفيا من بعضهم البعض دون أن يعدوا ذلك سطوا على نتاج غيرهم وليس غريبا أن يظهر مخطوط كشف الغمة حاملا شهرة مؤلفه ولعل الصدفة هي التي أظهرت هذا المخطوط وقد يكون للرجل مخطوطات أخرى لم تكتشف بعد فمن المعروف أن المجتمع العماني يحتفظ بثروة هائلة من المخطوطات يتوارثونها أبا عن جد، ومن الصعب أن يفرطوا فيها ولعل المستقبل ينبيء عن مخطوطات أخرى لسرحان بن سعيد وتبدو عدة اعتبارات من خلال ما أورده المؤلف بقوله: "ان الغرض الأهم الذي قصدته من هذا الكتاب... وان لم أكن للتأليف أهلا وذلك لما رأيت أهل زماننا قد أغفلوا أصل مذهبهم الشريف (المذهب الاباضي) وأقبلوا على أئمة مذهبهم بالتعنيف والتعسيف....فصنفت هذا الكتاب وجعلت ظاهره في القصص والأخبار وباطنه في المذهب المختار لأن الناس لقراء الأثر لا يستمعون ولاستماع القصص عن اللغو يبتغون فملت الى رغبتهم لكي يكونوا مستمعين.. وسميته كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة (17).

ووفقا لهذا النص تبدو عدة أمور هامة:

1- يعترف المؤلف أنه ليس أهلا للتأليف إلا أن ذلك قد يكون من باب التواضع الذي اشتهر به العمانيون ولا يمنع من أن يكون المؤلف قد كتب مخطوطات أخرى ولعل كشف الغمة كان بداية تأليفه.

2- إن الفكرة التاريخية التي تضمنها الكتاب كانت هامشية بحتة على اعتبار أن الناس لا تميل الى القراءة في العقائد ونشأتها وانما يميلون بحكم تكوينهم الثقافي الى القصص والأخبار ولذا فقد جاءت فكرته العقائدية من خلال ما أورده من قصص وأخبار.

3- لعل المؤلف قد اختلطت عليه الأمور بحكم تكوينه الثقافي فلم يفرق بين التاريخ والقصص ولذا فقد جاءت فكرته خليطا من العقائد والتاريخ والقصص لأئمة وعلماء أباضيين.

وعلى الرغم من أن المخطوط جاء على شكل موسوعة شمولية تضمنت العديد من المعارف المختلفة إلا أن المحقق قد اقتطع الأبواب 4، 33، 35، 36، 37، 38 وهي الأبواب التي اعتبرها تتعلق بتاريخ عمان وترك بقية الأبواب البالغ عددها أربعين بابا. دون أن يلتفت الى أن موضوعات الكتاب جميعها متداخلة بحيث يصعب فصل التاريخ عن العقائد، ولذا فقد جانبها وهو ما قصده. المؤلف ناهيك عن الخلل الذي أحدثه التحقيق في الوحدة الموضوعية للمخطوط.

والأكثر غرابة أن المحقق قد أضاف الى المخطوط فصلا جديدا لم يرد ذكره في المخطوط الأصلي واختار له عنوان:ظهور الامام أحمد بن سعيد البوسعيدي "وهو منقول عن مخطوط" "تاريخ عمان" لمؤلف مجهول (18) وعلل المحقق هذا الأسلوب بهدف أن تمضي القصة الى أبعد مما وقف عنده المؤلف.

والحقيقة فلا توجد ضرورة علمية تقضي باضافة جزء من مخطوط أخر الى المخطوط المحقق وخصوصا وأن نهاية المخطوط الأصلي عند سنة 1741 يعد نهاية علمية وعملية، حيث انتهت دولة اليعاربة ثم أعقبها حكم البوسعيد فليس من الضروري اطلاقا اضافة هذا الجزء الذي يعد وبكل المقاييس اضافة غير علمية.

لقد تهيأت الشهرة لكتاب كشف الغمة بسبب ترجمة القسم التاريخي منه الى اللغة الانجليزية وقد قام بالترجمة أي سي روس  E. C. Rosse. الذي كان يعمل معتمدا بريطانيا في مسقط وبشكل أو بآخر حصل على نسخة من هذا المخطوط حيث قام بترجمتها الى اللغة الانجليزية وقام بنشره في مجلة الجمعية الآسيوية في البنغال 1874 بعنوان أخبار عمان منذ أقدم العصور.

ولعل تلك الفكرة التي قام بها روس هي التي أوحت للمحقق باقتطاع الأجزاء التاريخية لتكون موضوعا للتحقيق على أمل أن تكون هناك وحدة متكاملة بين عناصر الموضوع.

ويعد كتاب كشف الغمة ثاني كتاب يصدر باللغة الانجليزية عن عمان وكان الأول هو كتاب "الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين" للمؤرخ العماني: حميد بن رزيق والذي قام بترجمته الى الانجليزية المستر بادجر Badger وتبدو القيمة العلمية لمخطوط الازكوي من النظرة الشمولية لمجموعات المعارف الفقهية والتاريخية التي تناولها المؤلف أما القيمة العلمية للجانب التاريخي فتبدو متواضعة للغاية وخصوصا فيما يتعلق بالوجود البرتغالي في عمان.

ووفقا لما ذكره واحد من المؤرخين الأوربيين: "ليس هناك أية رواية عربية أو فارسية معروفة يمكن أن نقارن بها وصف البرتغاليين لما فعلوه، بالطريقة التي يمكن بها مثلا أن نقارن التاريخ اللاتيني للحملة الصليبية الثالثة بالروايات العربية عن حياة صلاح الدين" (19).

لقد انصب اهتمام غالبية المؤرخين العمانيين على الامامة، سواء عند مقدم البرتغاليين أو أثناء الكفاح العماني ضد القلاع البرتغالية وقد أخذت قضية الامامة وما واكبها من حروب الأهمية الأولى عند المؤرخين العمانيين.

وأعتقد أن أهم ما كتب في التاريخ العماني على يد مؤرخين عمانيين هو "تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان" لمؤلفه نور الدين السالمي ويرجع أحد المؤرخين الأوروبيين هذه الأهمية الى أن السالمي كانت لديه مصادر أفضل أو على الأقل كان يستفيد من مصادره بشكل أفضل بخلاف سرحان الازكوي أو ابن رزيق (21)، اللذين لم يزيدا عن كونهما مجرد نساخين (22).

وعلى الرغم من وجهة النظر السابقة والتي أميل اليها شخصيا باعتبار السالمي واحدا من الذين أثروا المكتبة العربية بكتاباته المتنوعة ولعل أشهرها كتابه القيم "تحفة الأعيان" إلا أن مؤرخا يعتقد أن ما كتبه سرحان الازكوي "كشف الغمة" هو أهم ما كتب في التاريخ العماني عموما (23).

وأعتقد أن بوكسر (Boxer) قد جانبه الصواب في حكمه لسبب بسيط وهو أنه لم يقرأ كتاب السالمي بحكم أنه لم يحظ بالترجمة الى الانجليزية ولذا فان التعميم في الحكم هكذا لا يعد حكما علميا.

وعلى الرغم من التفاوت في أهمية المخطوطات العمانية الا أن عددا كبيرا منها يعد صورة منقولة من مخطوطات سابقة لدرجة يصعب معها معرفة الأصل المنقول عنه.

ولعل هذه الطريقة في الكتابة كان معمولا بها دون أن تكون هناك غضاضة في ذلك وعلى سبيل المثال فان ثلاثة من المصادر العمانية تتفق لدرجة التطابق على الطريقة التي وصل بها ناصر بن مرشد الى امامة عمان سنة فبينما يقول السالمي: "وسبب اجتماع المسلمين بعد فرقتهم ما وقع من أمراء الظلم وملوك الغشم من تراكم الفتن وشدة المحن واختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق وسلطانهم يومئذ مالك بن أبي العرب.. وقدوة العلماء يومئذ خميس بن سعيد الشقصي.. ووقعت خبرتهم على ناصر بن مرشد وكان فيما قيل ربيبا للقاضي خميس بن سعيد الشقصي وكان قد عرفه من قبل ذلك فدلهم عليه فرضي الجميع، فعقدوا عليه الامامة بالرستاق أربعة وعشرين بعد الألف وكان الامام يسكن قصري من بلدة الرستاق(25).

وفي نفس المعنى يقول سرحان بن سعيد الازكوي "لقد اختلفت آراء أهل الرستاق ووقعت بينهم المحنة والشقاق وسلطانهم مالك بن ابي العرب.. فاستشاروا العلماء المسلمين أهل الاستقامة في الدين أن ينصبوا لهم اماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فأمضوا نظرهم وأعملوا فكرهم من يكون أهلا لذلك، والقدوة يومئذ خميس الشقصي فاجتمعت آراؤهم أن ينصبوا السيد لسيد الأجل ناصر بن مرشد فأجابهم الى ذلك فعقدوا له عام أربعة وثلاثين بعد الألف وكان مسكنه بقصري من بلدة الرستاق فأظهر العدل ودمر الجهل (26) وفي نفس المعنى أيضا يقول حميد بن محمد بن رزيق: "وظهر هذا الامام في عمان بعدما اختلفت آراء أهل الرستاق وظهرت بينهم المحنة والشقاق فتشاور علماء المسلمين أهل الاستقامة في الدين أن ينصبوا له اماما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فأمضوا نظرهم وفكرهم فيمن يكون أهلا لذلك والقدوة يومئذ خميس بن سعيد الشقصي فاجتمعت آراؤهم أن ينصبوا الرجل الهمام ناصر بن مرشد فأجابهم على ذلك بعد عذر طويل فعقدوا له عام أربعة وثلاثين بعد الألف وكان مسكنا يومئذ بقصري من بلدة الرستاق على الاتفاق (27).

وفي رواية أخرى لحميد بن رزيق ينقل نفس ما ورد في الرواية السابقة واذا كان ابن رزيق قد توفي سنة 1291هـ بينما توفي سرحان الازكوي سنة  1215هـ ونور الدين السالمي سنة 1334هـ مما يرجح أن ابن رزيق والسالمي قد نقلا عن سرحان الازكوي صاحب كتاب كشف الغمة ولعل الثلاثة قد نقشوا من مخطوط لم يكتشف بعد وهذه من الصعاب التي تواجه الباحثين في التاريخ العماني وبينما تتفق معظم الروايات على تولية الامام ناصر بن مرشد 1304هـ، 1624م الا أنهم يختلفون في نهاية عهد الامام سلطان بن سيف (الذي خلف ناصر بن مرشد) فبينما يذكر ابن رزيق أن وفاته كانت في 16من زي القعدة سنة 1059هـ (نوفمبر 1649م) (28) ويذكر سرحإن بن سعيد الازكوي أن وفاته كانت في زي القعدة سنة 1090 هـ (يناير 1679م) وتتفق رواية نور الدين السالمي مع رواية سرحان بن سعيد الازكوي (29). مما يرجح أن الروايتين الأخيرتين هما أدق الروايات لأنه ليس من المعقول أن تكون وفاته 1059هـ  (1649م) لأنه من المعروف ان تحرير عمان من النفوذ البرتغالي قد تم سنة  1651م على يد سلطان بن سيف.

ومما يؤسف له أن المؤرخين العمانيين لم يكتبوا لنا أخبار حروب الامام ناصر بن مرشد ضد البرتغاليين، بالتفصيل الذي اعتادوا أن يكتبوا به أخبار المعارك القبلية المحلية مما جعل وجهة النظر البرتغالية أكثر ترجيحا على الرغم من خطورة الأخذ برواية الآحاد. لقد احتلت المعارك الداخلية العمانية الجانب الأكبر وبقدر من التفصيل. وامتد هذا الى عهد الامام ناصر بن مرشد.

وامتد الاختلاف الى تاريخ جلاء البرتغاليين عن مسقط فبعضهم يصل به الى سنة 1658م وبعضهم ينزل به الى سنة 1645 إلا أن الأكثر احتمالا ووفقا لروايات الثقاة أن عام الجلاء كان في 1651م.

ومما يضاعف من صعوبة استقراء الحقائق في المخطوطات العمانية وخصوصا فترة الصراع بين دولة اليعاربة والبرتغال تلك الأحكام العامة والكلمات الانشائية وتكاد تتفق معظم الروايات حول معظم القضايا ولعل نور الدين السالمي كان أفضل ولو أنه استخدم نفس الطريقة في كثير من رواياته فهو يتحدث عن جهاد سلطان بن سيف في مقاومة النفوذ البرتغالي قائلا: "انه قام ببناء مراكب عظيمة في البحر وعظم جيشه وقوي سلطانه واستولى على الجزيرة الخضراء وكلوة وبات وغيرها من بلدان الشرق الافريقي والهند. كما غزا أرض فارس وأدب كل من تسول له نفسه بالعدوان" (30).

ويبدو من النص أن الأسلوب الانشائي هو الغالب وأن استقراء الحقائق ودقتها عملية تبدو صعبة للغاية وهذا مما يقوي الفكرة القائلة بأهمية اعادة كتابة التاريخ العماني وخصوصا في فترة دولة اليعاربة، تلك الفترة التي اتسمت بقدر كبير من الغموض بسبب ما تميزت به المؤلفات العمانية بما يسمى بالكتابات الموسوعية، حيث كتب التاريخ بمنظوره الشمولي بدءا من البعثة النبوية وأحيانا قبلها أمثال نور الدين السالمي، وسرحان الازكوي، وسالم بن حمود السيابي (31).

واذا كان هؤلاء الرواد قد تركوا هذا الكم الهائل من كتب التراث فبكل تأكيد فإن جيلا جديدا من الباحثين والمؤرخين عليه أن يستثمر تلك القيمة العلمية اعتمادا على ما ظهر من مخطوطات ووثائق واعتمادا على منهج علمي دقيق.

إلا أنه من الملاحظ أن الاتجاه الى دراسة التاريخ العماني اعتمادا على فكرة الموسوعات والسرد والشمولية في طرح القضايا كل ذلك ما يزال معمولا به حتى لدى كبار الباحثيـن المعاصريـن. (32)

إن الأخذ بفكرة المنهج التاريخي لم يكن معمولا به عند جيل الرواد بحكم أن فكرة المنهج والأخذ به هي طريقة حديثة ارتبطت بالتطور العلمي في شتى مجالات المعرفة الانسانية ولم يعمل بها الا بدءا من القرن التاسع عشر.

ويلاحظ في كافة ما كتب في إطار التراث العماني أن الشعر قد سيطر على خيالهم بحكم ثقافتهم العربية الواسعة لدرجة يصعب أن تجد كتابا خاليا من الاستشهاد بالشعر لدرجة أن البعض قد سجل الأحداث نظما شعريا وبالغ البعض وهو بصدد تأريخه لأئمة عمان فكتب تاريخهم كاملا نظما شعريا (33).

يذكر السبب الذي من أجله استخدم تلك الطريقة قائلا:

"لقد سألني بعض الأخوان في الدين أن أنظم قصيدة في أسماء أئمة عمان الصالحين المنتوين عن الهجين (34) المسوغين عمان وغيرها بالصنع المعين (35) وان أشرحها شرحا مختصرا مفيدا أو شرحا بسيطا لا يطلب العارف له مزيدا فأجبته مع عدم النباهة ووجود الفهامة (36) امتثالا لأمره

وانخفاضا مني لارتفاع قدره" (37).

ولعل المؤلف يقصد بأنه امتثل لرغبة السيد أحمد بن سالم بن سلطان بن الامام أحمد بن سعيد بسبب ما عرف بينهم من صداقة واقتناعا من السيد أحمد بأهمية الشعر في تسجيل الأحداث التاريخية.

ويعد كتاب الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان كتابا فريدا بين كتب التاريخ فهو عبارة عن قصيدة شعرية من تأليف ابن رزيق تقع في مائة وثمانية وأربعين بيتا شاملة أسماء أئمة عمان بدءا من الامام الجلند بن مسعود (38) وانتهاء بالامام سلطان بن مرشد (39) ومما سهل مهمة ابن رزيق أنه كان قارضا للشعر محبا للأدب ذواقة للثقافة العربية الواسعة ولذا فقد اعتقد أن الشعر هو الوسيلة المثلى للحفظ والدراسة ليسير شعره بين الناس سمرا لهم في مجالسهم وهو يعلم أنه أسهل حفظا وأوسع انتشارا وتقليدا لما كان يفعله العرب حيث كانوا ينظمون الشعر تسجيلا لأيامهم وحوادثهم.

لقد عمد ابن رزيق في قصيدته فاتخذ منها كتابا على نمط ما عرف في التراث العربي بكتب المتون والشروح، حيث يذكر البيت من الشعر ثم يعقبه بشرح مفرداته مع الاهتمام بالأعراب والمعاني البلاغية ولا ينسى أن يعقب على المدلول التاريخي بقدر من الفهم والتحقيق لكل بيت على حدة مما يدل على أن ابن رزيق كان قارئا مجيدا لكتب التراث العربي صاحب ثقافة واسعة في شتى المعارف العربية والاسلامية ولذا فقد كان غالبا ما يخرج أثناء شرحه عن المعنى العام للبيت الى قضايا كثيرة لا علاقة لها بالموضوع تدفعه اليها ثقافته الواسعة وعدم تقيده بمنهج واضح.

واللافت للنظر أن ابن رزيق المؤرخ أكثر شهرة من ابن رزيق الشاعر والأديب والفقيه ولعل مصدر اهتمامه بالتاريخ جاء بحكم صلته القوية بأسرة البوسعيديين حكام عمان، حيث مكنته تلك العلاقة من الوقوف على أدق الأخبار وأهمها وأتيح له أن يطلع على كثير من أسرار الدولة وقضاياها وأن يسجل ما سمعه أو قرأه في شكل كتب على درجة كبيرة من الأهمية بعكس دولة اليعاربة التي لم يهتم حكامها كثيرا بقضية التاريخ ولذا فان ما كتب عن دولة البوسعيديين أكثر دقة مما كتب عن دولة اليعاربة.

وتبدو وجهة النظر هذه أكثر وضوحا لو تتبعنا كل كتابات ابن رزيق فعندما يعود بكتاباته الى دولة اليعاربة نجده وقد بدأ يتجرد من الدقة التي ميزته عن غيره من المؤرخين العمانيين ولعل السبب واضح وهو افتقاده الى المصادر الأساسية معتمدا على ما كتبه باعتباره العمدة في كل ما كتب عن دولة اليعاربة واذا كان الازكوي متواضعا فيما كتب فليس أمام ابن رزيق الا المعلومات المكررة والقصص التقليدية وتبدو المكانة التاريخية التي ميزت ابن رزيق عن غيره من المؤرخين العمانيين من خلال كتابه الشهير: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين (40).

ولعله الكتاب الذي حقق لمؤلفه شهرة كبيرة باعتباره من أهم ما كتب عن تاريخ أسرة البوسعيديين، وتأتي القيمة العلمية لهذا الكتاب بحكم أن المؤلف عايش الأحداث وعاصرها بل واشترك فيها أحيانا بحكم صلته القوية بأسرة البوسعيد فقد كان يحضر مجالسهم منذ كان طفلا صغيرا فقد كان والده (محمد بن رزيق) وثيق الصلة بسلاطين البوسعيد، ثم كان لمحمد بن رزيق نفس المكانة التي كانت لوالده وقد توطدت صداقته بالسيد أحمد بن سالم بن سلطان (41).

ويعتبر المنهج الذي استخدمه ابن رزيق في كتابه أقرب ما يكون الى المنهج العلمي السليم، حيث قسم كتابه "الفتح المبين" الى ثلاثة أبواب وقسم كل باب الى عدة فصول وجميعها تدور حول أسرة البوسعيد مبتدئا بجذورها ونسبها الى قبائل الأزد اليمنية منتهيا بسيرة السيد سعيد بن سلطان (42).

وتبدو الثقافة الواسعة لابن رزيق، حيث اعتمد على كتب المؤرخين العرب الأقدمين أمثال ابن اسحاق والواقدي وابن هشام والمسعودي وابن أريد وخصوصا حين تناوله الجذور التاريخية لقبيلة الأزد، واللافت للنظر أنه أشار الى تلك المراجع ودرجة استفادته منها مما يؤكد ثقافته العربية الواسعة وطريقته في تحقيق الروايات وتأصيلها بما يؤكد أيضا أنه كان قارئا لمنهج علماء المسلمين في تحقيق السنة النبوية ولذا فقد جاءت كتابات ابن رزيق على درجة من المهارة والاحاطة.

ولعل ابن رزيق لم يجد صعوبة في كتاباته عن أسرة البوسعيد بحكم اطلاعه على بواطن الأمور وامتلاكه ثقافة واسعة مكنته من الكتابة بطريقة علمية الا أنه قد اعتمد في كتاباته عن اليعاربة وهي الفترة التي لم يعاصرها على مخطوط لم يذكر اسمه للشيخ محمد بن عريق العدواني وكذا كتاب كشف الغمة لمؤلفه سعيد بن سرحان الازكوي وغير ذلك من المخطوطات التي لم يجد ابن رزيق حرجا في أن يشير اليها أثناء مناقشته لبعض الروايات في محاولة منه لترجيح رواية على أخرى اضافة الى اعتماد ابن رزيق على كثير من الروايات الشفهية التي استو ثق من صدقها وخصوصا روايات الشيخ معروف بن سالم، وخاطر بن حميد البدا عي وهما من الرجال الثقاة في الرواية والحديث، كما اعتمد كثيرا على ما سمعه من أبيه الذي روى له ما سمعه من جده وجميعهم كانوا على علاقة وثيقة بالأئمة العمانيين.

ولا شك أن كثرة مصادر المعلومات قد أفادت ابن رزيق وخصوصا وأنه كان يمتلك ثقافة واسعة وعقلية منظمة وله مقدرة فائقة في تصوير الانفعالات والمشاعر وسرد الحوادث وربطها وتحقيقها مما يقطع بأن يكون في طليعة المؤرخين العمانيين الثقاة اضافة الى المقدرة الفائقة في استخدام اللغة بحكم معلوماته اللغوية الواسعة ومقدرته المميزة في نظم الشعر.

وللسالمي مؤلفات كثيرة في علوم الفقه باعتباره محققا ومجتهدا في الفقه الأباضي وله كتب أخرى كثيرة في التاريخ والأدب واللغة والنحو ولعل أشهر ما كتب في التاريخ: "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان". وهو من الكتب الثقة في التاريخ العماني وهو على نمط الكتابات الموسوعية بدءا بعهد الرسول (ص) وانتهاء بالسيد سعيد بن سلطان، وتعتبر المعلومات الواردة في هذا الكتاب على درجة كبيرة من الأهمية وهي تأتي في المرتبة التالية لابن رزيق وان كانت كتابات السالمي فيما يتعلق بفترة اليعاربة أكثر توثيقا وتحقيقا من ابن رزيق إلا أن الأخير هو المرجع الأفضل فيما يتعلق بأسرة البوسعيد.

وهناك ملامح عامة اشتركت فيها كافة المصادر العمانية وهي اثبات الكرامة للائمة الاباضيين ولا يختلف في ذلك ابن رزيق عن السالمي وكلاهما لا يختلف عن سالم السيابي وسعيد الازكوي لدرجة أن واحدا كالسالمي يبالغ كثيرا في ذكر الكرامات لدرجه تخرج الأئمة عن مصاف البشر العاديين (44).

ويلاحظ أن ما ورد بشأن الكرامات يكاد يكون مكررا مما يقطع بأنهم جميعا نقلوا من مصدر واحد والأكثر ترجيحا أن يكون الازكوي بحكم أنه أقدمهم تاريخا وينفرد حميد بن رزيق في أنه أفرد كرامات كل امام على حدة(45).

أما عن الشيخ سالم بن حمود السيابي مؤلف كتاب "عمان عبر التاريخ" فقد ولد المؤلف سنة 1908 بقرية "نملا" من أعمال بوشر وحفظ القرآن الكريم قبل أن يتجاوز العاشرة من عمره وهداه تفكيره الى أن يعرف قواعد اللغة العربية فحفظ ألفية ابن مالك.

ولما كانت سمائل موطن العلماء والفقهاء فقد توجه اليها، حيث درس على يد الشيخ خلفان بن جميل السيابي أصول الدين والفقه وأصوله كما أشبع نهمه العلمي بمجالسة الامام محمد بن عبدالله  الخليلي ثم بدأ سالم بن حمود السيابي يتقلد عددا من الوظائف بدءا من وظيفة قاضي ولاية بوشر 1934 ثم واليا على سمائل وتنقل بين عدد من الولايات ثم قاضيا للمحكمة الشرعية بالعاصمة مسقط وفي سنة 1982 انتقلت خدماته من وزارة العدل الى وزارة التراث القومي والثقافة ليتفرغ لتحقيق وتأليف الكتب العلمية في شتى المجالات، حيث ألف أكثر من أربعين مؤلفا في شتى مجالات المعرفة ما بين الفقه وأصوله،واللغة، والحديث والتاريخ.

لكن طبقت شهرته في كتب التاريخ وبخاصة تاريخ المذهب الاباضي ويبقى كتابه "عمان عبر التاريخ" من أشهر الكتب التي ألفها عموما.

ولعل سالم السيابي كغيره من المؤرخين العمانيين أراد أن يؤرخ لمذهبه (المذهب الاباضي) بطريقة تدفع القاريء الى تتبع ما يريد أن يقوله دون أن يتسرب اليه الملل ولذا فقد اختار التاريخ وسيلة لتحقيق هذا الهدف وهو يقول "ولتعلم أيها القاريء أنا إذ نكتب التاريخ نريد أن نجعله وسيلة لتثقيف الناس بالحقائق الروحية (45).

ويبدو أن السيابي لم يغفل أهمية التاريخ كتراث ثقافي وانساني له أكبر الأثر على حياة الأمم والشعوب وبحكم ثقافته الواسعة الشاملة فلم يعتقد أن التاريخ مجرد قصة أو حكاية ولعله كان مدركا أهمية التاريخ حيث قال: "ان المسلمين اليوم يدرسون التاريخ لكي يعرفوا أن فلانا كان أشجع وأعظم بأسا بأساليب الحرب أو أنه أفضل من فلان وأن الافرنج يدرسون التاريخ تحليلا للمقاصد والتفاتا الى المراصد.. لا يدرسونه أقاصيص أو خرافات أو حكايات ويحاولون بالتاريخ تثقيف العقول بما في التاريخ من عظات بالغات (46).

وعلى الرغم من أن كتابات سالم السيابي وخصوصا كتابه الشهير "عمان عبر التاريخ" لا تحتوي على أهمية كبيرة نظرا لاعتمادها بشكل أساسي على كتابات عدد من المؤرخين العمانيين الا أن السيابي كان قارئا جيدا للثقافة العربية وقد استفاد كثيرا من كتابات سابقيه كمقدمة ابن خلدون وكتابات نور الدين السالمي اضافة الى قراءة واسعة في كتب السير والمغازي اضافة الى دراسته للثقافة العربية الحديثة ولذا فهو يؤكد دائما مقولة ابن خلدون في أن علم التاريخ نظر وتحقيق

وتحليل وعلم بالكيفيات والوقائع وأسبابها ولذا فقد تميزت كتاباته باستخدامه المنهج وخصوصا ما يتعلق بتحقيق الرواية ونبذ الفكرة القديمة القائلة بأن التاريخ عبارة عن حكاية لا تخضع للنقد او التحليل (47).

وقد تحقق فهم سالم السيابي لحقيقة التاريخ عندما قال: إن ميدان التاريخ أوسع الميادين وأن عادته متسعة كاتساعه، فان موضوعه القضايا البشرية وهي عديدة لا تكاد تدخل تحت حصر ولذا فقد صار التاريخ قانون سياسة وعنوان رئاسة (48). والجديد في كتابات السالمي ايضا انه لا يجد حرصا في الاشارة الى اعتماده على من سبقوه وخصوصا كتابات السالمي (49). فهو يعتبره المصدر الأساسي الا انه غالبا ما يأخذ روايات السالمي على أنها قضية مسلم بها دون تحقيق أو تدقيق وحتى أدق القضايا وأهمها كقضية الصراع بين الغافرية والهنائية (50) فان السيابي يمر عليها مرورا عابرا ثقة منه في رواية السالمي باعتبارها أدق الروايات ومما يؤخذ على كتابات السيابي أنه نهج أسلوب من سبقوه فيما يتعلق بالدراسة الشمولية، حيث استعرض تاريخ عمان بدءا من أقدم العصور وحتى التاريخ الحديث في كتابه "تاريخ أهل عمان" ولما كانت قضية الامامة تمثل عنصرا أساسيا في فكر السيابي، لذا فاننا نجدها واضحة من خلال تتبعه لتاريخ الامامة وبحكم ثقافته الشرعية الواسعة فقد كان موفقا في عرضه ومنا قشته للعديد من موضوعات الفقه الاباضي من خلال حديثه عن أئمة المذاهب.

وعلى العموم وبعد هذا العرض لعدد من المؤرخين العمانيين يمكننا القول أن تاريخ عمان وخصوصا ما بين بداية القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن السابع عشر في أشد الحاجة الى مزيد من الاهتمام نظرا لأن ما كتب عن هذه الفترة لا يتناسب بأي حال وأهمية الدور الذي لعبه اليعار بة والذي بدت نتائجه وعلى كل المستويات واذا كانت هناك كتابات عمانية لعدد من اعلام عمان الا أن كتاباتهم في حاجة الى التحقيق والدراسة سواء لافتقادها الى المنهج العلمي أو لاعتمادها على مجرد حكايات مكررة لا تحقق الهدف المنشود.

الهوامش

1- عبدالعزيز الشناوي، الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها جـ 2 ص 698، ل.م بانيكا -، آسيا والسيطرة الغربية - ترجمة عبدالعزيز جاويد ص 44.

2- ج.ج لوريمر، دليل الخليج - القسم التاريخي جـ 3 ص 240، وندل فيليبس. تاريخ عمان - ترجمة: محمد أمين عبدالله (من مطبوعات وزارة التراث القومي العماني) ص 51، 52.

3- وندل فيليبس 53، 54.

4- لوريمر دليل الخليج. القسم التاريخي جـ 3، ص 330، سير أرنولدت ويلسون، تاريخ الخليج ص 40.

5- سرحان بن سعيد الازكوي العماني. كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة. وقد حقق الجانب التاريخي منه تحت عنوان: تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة تحقيق: عبد المجيد القيسي.

6- نور الدين السالمي: تحفة الأعيان بسيرة اهل عمان وقد تم نشره سنة 1974م دون تحقيق.

7- لقد طبعت كتابات حميد بن رزيق ضمن مطبوعات وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، وقد حققها عبد المنعم عامر ومحمد مرسي عبدالله.

8- آرنولدت ويلسون. تاريخ الخليج. ترجمة محمد امين عبدالله ص 17من مطبوعات عمان، وينطبق نفس الشيء على ما كتبه وندل فيليبس، تاريخ عمان ص 77 من تاريخ عمان.

9- حميد بن محمد بن رزيق: تاريخ ائمة وسلاطين عمان ص 49.

10- صحيفة "عمان" يومية 13/ 5/1987م.

11- حميد بن محمد بن رزيق - الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ص ز- تحقيق عبد المنعم عامر، دكتور محمد مرسي.

12- سرحان بن سعيد الازكوي العماني «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة» وقد حقق القسم التاريخي منه سنة 1981م.

13- سرحان بن سعيد الازكوي. تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة تحقيق عبد المنعم القيسي ص 3.

14- صحيفة "عمان" يومية 13/ 5/1987.

15- سالم بن حمود السيابي. عمان عبر التاريخ ج 1 ص 5.

16 - تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة تحقيق عبد الحميد القيسي ص 4.

17- نفس المصدر.

18- نفس المصدر ص 3.

19- حصاد ندوة الدراسات العمانية المجلد السادس "ملاحظات على البرتغاليين في عمان" بروفيسور س بنكنجهام  Sam notes of the Pontug ese in Oman. P,183.

20- نور الدين السالمي: تحفة الأعيان في تاريخ اهل عمان - مخطوط منشور، غير محقق - عمان 1975م.

21- سرحان بن سعيد الازكوي، كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، حميد بن محمد بن رزيق. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين.

22- ندوة الدراسات العمانية ج 6 ص 184، 185.

23- Lew Light on the Relationship of Oman and Portuguese, 1613 - 1633, D. Boxer p. 133.

24- اسم مدينة عمانية.

25- نور الدين السالمي. تحفة الأعيان بسيرة اهل عمان ج2 ص3.

26- سرحان بن سعيد الازكوي. تاريخ عمان المقتبس من كتاب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، تحقيق عبد المجيد القيسي ص 98.

27- حميد بن محمد بن رزيق. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ص 262.

28- نفس المصدر.

29- نور الدين السالمي. مصدر سبق ذكره جـ 2 ص 47.

30- نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة اهل عمان ج 2 ص 51.

31- سالم بن حمود السيابي، عمان عبر التاريخ. من مطبوعات وزارة التراث القومي - عمان سنة 1981م.

32- وندل فيليبس، تاريخ عمان ترجمة محمد امين عبدالله سلطنة عمان سنة 1981، سعيد عاشور تاريخ اهل عمان 1980.

33- حميد بن محمد بن رزيق الشعاع الشائع باللمعان في ذكر ائمة عمان تحقيق عبدالمنعم عامر.

34- الهجنة بالضم ما يصيب الكلام والهجين اللئيم.

35- سوغ بالتضعيف اجاز واعطى.

36- الفهامة عدم القدرة على الكلام.

37- حميد بن رزيق المصدر السابق ص 7.

38- لقد اسندت ولاية عمان في عهد أبي جعفر المنصور الى جناط بن عبادة ثم عزل وولى ابنه محمد بن جناح وفي عهده تمكن الاباضية من عقد الامامة للامام الجلندي بن مسعود، أنظر قصص واخبار جرت في عمان لمؤلف مجهول ص 48 - سلطنة عمان سنة 1981.

39- 1738 - 1741 وهي الفترة التي شهدت ظهور الامام احمد بن سعيد ونهاية عصر اليعاربة - انظر نور الدين السالمي مرجع سبق ذكره ص 345.

40- حميد بن محمد بن رزيق. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين تحقيق عبد المنعم عامر، د. محمد مرسي عبدالله - سلطنة عمان 1977. وزارة التراث القومي والثقافة.

41- نفس المصدر السابق ص و.

42- السيد سعيد بن سلطان، سلطان عمان وزنجبار 1806 -1856 انظر مذكرات أميرة عربية (هي السيدة سالمة بنت السيد سعيد) المقدمة بقلم عبد المجيد القيسي ص 10.

43- نور الدين السالمي، تحفة الأعيان في تاريخ اهل عمان ج 2 ص 97.

44- حميد بن رزيق. الشعاع الشائع باللمعان في ذكر ائمة عمان ص 89، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين ص 280.

45- سالم بن حمود السيابي «عمان عبر التاريخ » ج 1 ص 26.

46 - نفس المرجع ص 26،27.

47- المرجع السابق ص 33.

48- نفس المرجع ص 36.

49- نور الدين السالمي تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان.

50 - نفس المرجع السابق ج 2 ص 140، سالم السيابي المرجع السابق ج 1 ص 97.

قائمة المصادر والمراجع

1- ارنولد ويلسون، تاريخ الخليج - ترجمة محمد أمين عبدالله.

2- ج.ج لورمير، دليل الخليج القسم التاريخي.

3- جون. ب.كيلي، بريطانيا والخليج، ترجمة محمد امين عبدالله (جزءان).

4- حميد بن محمد رزيق، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين - تحقيق عبدالمنعم عامر، د. محمد مرسي.

5- حميد بن محمد بن رزيق، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر ائمة عمان.

6- روبين بيدويل. عمان في صفحات التاريخ - ترجمة محمد أمين عبدالله.

7- س. ب مايلز. الخليج بلدانه وقبائله - ترجمة محمد امين عبدالله.

8- سالم بن حمود السيابي. عمان عبر التاريخ (أربعة أجزاء).

9- سعيد عاشور (دكتور) تاريخ اهل عمان.

10- سرحان بن سعيد الازكوي. كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة تحقيق عبد المجيد القيسي.

11- عبد العزيز الشناوي (دكتور) الدولة العثمانية دولة اسلامية مفترى عليها ج 2.

12- عبدالله بن خلفان بن قيصر. سيرة الامام ناصر بن مرشد تحقيق عبد المجيد القيسي.

13- ك. م بانيكار، آسيا والسيطرة الغربية - ترجمة عبد العزيز جاويد.

14- نور الدين السالمي. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان.

15 - وندل فيليبس، تأريخ عمان - ترجمة محمد امين عبدالله.

16 - حصاد ندوة الدراسات العمانية - المجلد السادس

Lew Light on the Relationship of Oman and Portuguese, 1613 - 1633, Prof. C. Boxer.
 

 

محمد صابر عرب (كاتب واستاذ جامعي من مصر)

   

2450 تصفح 0 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009