لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5339895)
  تصفح الموقع (9073984)
  طباعة المقالات (1262512)
  إرسال المقالات (3114)
  المتواجدون الأن ( 28 )

العدد التاسع والستون
يناير 2012م




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> فيودور دوستويفسكي: ما له وما عليه مذكرات زوجة الكاتب: آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا

العدد الخامس عشر  فيودور دوستويفسكي: ما له وما عليه مذكرات زوجة الكاتب: آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا

ترجمة : خيري الضامن 2009-06-28

فيودور دوستويفسكي: ما له وما عليه مذكرات زوجة الكاتب: آنا غريغور ريفنا دوستويفسكايا

لم أفكر يوما في كتابة المذكرات، فأنا أفتقر الى الموهبة الأدبية. وكنت عمري مشغولة بإصدار مؤلفات الراحل زوجي، فلا وقت عندي لأمور أخرى. إلا أن صحتي تدهورت في عام 1910 فعهدت الى آخرين بمتابعة طبع مؤلفاته، وانزويت بعيدا عن العاصمة بطرسبورغ أعيش في وحدة مطبقة. وكان لابد أن أملأ فراغ أوقاتي، والا فلن يطول بي العمر.

أعدت قراءة يوميات زوجي ويومياتي فوجدت فيها تفاصيل هامة تستحق أن يطلع عليها الناس. ثم أمضيت خمس سنوات 1911 -1916 في إعداد هذه المذكرات (المخطوطة في 792 صفحة من القطع الكبير).

أنا لا أتعهد للقاريء أن يجد متعة في مذكراتي، لكني أؤكد على صدقيتها ووثائقيتها. وأعترف صراحة بأنها تعاني من هنات أدبية كثيرة، كالإسهاب وحوشي الكلام وعدم تناسق الفصول، وعذري، في صعوبة ما أقامت عليه، وأنا في السبعين، تحدوني رغبة صادقة في تزويد القراء بصورة واقعية عن فيودور مخيائيلوفيتش دوستويفسكي، ما له وما عليه، كما كان في حياته العائلية والشخصية (في أكثر مراحل ابداعه خصبا وعطاء 1866 - 1881).

1- نظرة كلها ألغاز

لكنيسة القديس ألكسندر نيفسكي في بطرسبورخ منزلة خاصة في نفسي. إذ ان مقبرتها تحنو على رفات المرحوم زوجي فيودور دوستويفسكي، واذا جاء أجلي فعسى أن ادفن جنبه.

ثم اني ولدت (في الثلاثين من آب 1846) في عيد القديس نيفسكي بشقتنا الفخمة ( 11 حجرة) المطلة على ساحة كنيسته. كان المنزل يعج بالضيوف يتفرجون مبتهجين، من الطابق الثاني، على موكب الصلبان ومراسم العيد في الساحة. وكانت أمي الجميلة للغاية، كما علمت بعد سنين، تقوم على خدمتهم فرحة مستبشرة. وفجأة جاءها المخاض. وبعد ساعة رأيت النور. استقبل الضيوف نبأ ميلادي بالتهليل وقرع الكؤوس، وتنبذوا لي بمستقبل باهر سعيد. فالقليلون من البشر يولدون في مناسبات سارة كهذه. وبالفعل ورغم الصعاب والآلام التي عانيتها فيما بعد، أعتبر نفسي سعيدة للغاية، ولا أرى حياة أفضل مما عشت.

أمضيت طفولتي مع أخي وأختي في حياة هادئة متمتعين بحنان أمنا السويدية الأصل وأبينا الروسي (الأوكراني المنشأ). وأنهيت الدراسة الابتدائية في مدرسة كل دروسها، ما عدا الدين، تلقي بالألمانية، وأفادتني هذه اللغة كثيرا حينما أمضيت مع زوجي عدة سنين في الخارج. التحقت بمعهد التربية لكني لم أكمل الدراسة فيه. وفي عام 1866 دخلت دورة الاختزال بإصرار من والدي الذي ربما كان عرافا يقرأ الغيب ويدري أني سألقى سعادتي بفضل هذه المهنة. فقد أبلغني أستاذي في الدورة أن الكاتب دوستويفسكي يبحث عن شخص يجيد الاختزال ليملي عليه روايته الجديدة "المقامر" بحوالي مائتي صفحة وبأجر قدره خمسون روبلا. ورشحني الأستاذ لهذه المهمة. خفق قلبي فرحا. كنت، شأن جميع فتيات الستينات، أنشد الاستقلال وأبحث عن عمل يجعلني أعتمد على نفسي، لاسيما وان تلك فرصة نادرة للتعرف على كاتب من أحب الكتاب الى والدي، وأنا شخصيا معجبة به للغاية، وكنت أبكي عندما أقرأ روايته "مذكرات من بيت الأموات".

تصورته شيخا بعمر والدي، عبوسا كئيبا كما يتصوره الكثيرون، وجئت الى الموعد المحدد. كان يقيم في شقة متواضعة بعمارة ضخمة يسكنها تجار وباعة وحرفيون. وذكرتني في الحال بالعمارة التي يقيم فيها راسكولنكوف بطل "الجريمة والعقاب". مكتبه واسع بنافذتين مضيئتين أيام الصحو، لكن جوه فيما عدا ذلك حالك ساكن يثقل على النفس. وعندما رأيته لأول مرة خيل الي أنه عجوز بالفعل، ولكن ما إن تحدث معي حتى تضاءلت سنه وبدا لي في الخامسة والثلاثين. كان متوسط البنية معتدل القامة، شعره كستنائي فاتح أقرب الى الأشقر، مدهون ومصفوف بأناقة. وجهه شاحب كوجوه المرضى. يرتدي سترة من الجوخ الأزرق تكاد تكون

بالية، إلا أن قميصه ناصع البياض بياقة منشأة ورد نين بارزين. ولكن ما أدهشني فيه هو عيناه، لا ختلافهما الواضح. احداهما بنية، وفي الأخرى بؤبؤ متسع يحتل فضاء العين ويأتي على معظم القزحية، مما يجعل نظراته لغزا من الألغاز. (في نوبة مبكرة من الصرع سقط دوستويفسكي وأدمى عينه اليمنى فوصف له الطبيب علاجا بالأتروبين أدى الافراط في استخدامه الى توسع البؤبؤ لهذا الحد).

2. عودة الروح

في أول لقاء عمل معه حدثني، وهو يدخن السيجارة تلو السيجارة، عن حكم الإعدام الذي صدر بحقه مع جماعة بتراشيفسكى بتهمة التآمر على النظام فى 22 كانون الأول 1849:

 - كنت واقفا فى الساحة أراقب بفزع ترتيبات الاعدام الذي كان سينفذ بعد خمس دقائق. كلنا في قمصان الموت موزعين على وجبات من ثلاثة محكومين. وكنت الثامن فى التعداد، ضمن الوجبة الثالثة. أوثقو الثلاثة الى الأعمدة. وبعد دقيقتين يطلق الرصاص على الوجبتين الأوليين ويأتي دوري.

يا إلهي، ما أشد رغبتي في الحياة. تذكرت كل ماضي الذي هدرته وأسات استخدامه، فرغبت فى الحياة من جديد وفى تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيش عمرا طويلا... وفى اللحظة الأخيرة أعلن وقف التنفيذ. حلوا وثاق رفاقي وقرأوا حكما جديدا على كل منا. وكانت من نصيبي هذه المرة الأشغال الشاقة أربع سنين. فما أعظم سعادتي. أمضيت باقي الأيام قبيل الرحيل إلى المنفى أغني و أترنم فى الثكنة تلك يوم. ما أشد فرحتي بحياة وهبت إلى من جديد...

اقشعر بدني من حديثه. وأدهشني بصراحته. فهذا الرجل الذي تبدو عليه مظاهر الإنطوائية القاتمة يتحدث عن تفاصيل حياته بصدق وإخلاص مع فتاة غريرة يراها لأول مرة. ولم تتبدد حيرتي من هذا التناقص إلا بعد أن اطلعت على أوضاعه العائلية وأدركت سبب بحثه عن أناس يضع ثقته فيهم ويفضي إليهم بما يعتمل في نفسه. كان يشعر بوحدة قاتلة بعد وفاة زوجته الأولى ماريا عيسايفا وشقيقه الأكبر ميخائيل ويعيش محاصرا من قبل الخصوم والحساد والدائنين.

كانت انطباعات اليوم الأول مرهقة للغاية. عدت إلى منزلي فى ساعة متأخرة من الليل وأنا في أقصى درجات الإعياء بحد أن أملى على فيودور دوستويفسكي أولى صفحات "المقامر". و لأول مرة فى حياتي أرى إنسانا ذكيا وطيب القلب الى هذا الحد، لكنه تعيس بنفس القدر وكان الجميع أشاحوا بوجوههم عنه. فتألمت وشعرت بالإشفاق عليه.

3. الناشر الماكر

تأخرت عليه قليلا في اليوم التالي. فوجدته قلقا للغاية. قال لي إنه ملزم بإنهاء الرواية فى غضون شهر، فإن دائني مجلة "الوقت" التى كان يصدرها شقيقه ميخائيل وتعهد هو بتسديد ديونها بعد وفاته هددونه بمصادرة ممتلكاته وزجه في السجن. كانت الى ديون المستحقة حسب الكمبيالات ثلاثة آلاف روبل. وبهذا المبلغ باع دوستويفسكي الى ناشر اسمه ستيلوفسكي حقوق طبع مؤلفاته بثلاثة مجلدات والتزم فضلا عن ذلك بتأليف رواية جديدة يدخل ريعها ضمن المبلغ المذكور. وكان ستيلوفسكى أقدم على خطوة غادرة، حيث اشترى قبل ذلك بأبخس الأثمان كمبيالات ديون ميخائيل. فعاد اليه المبلغ الذي دفعه الى دوستويفسكي. وها هو، فوق ذلك، يشترط تسليم الرواية الجديدة فى مدة غير معقولة، وإلا ستعود اليه، حسب العقد الموقع مع دوستويفسكى، حقوق نشر مؤلفاته لأجل غير مسمى. وكان يأمل بالطبع أن يعجز الكاتب المريض عن الإيفاء بتعهده، لاسيما وأنه كان فى عام 1866 ذاته على وشك إنهاء "الجريمة والعقاب".

صرت أتردد عليه يوميا في الثانية عشرة، فيملى على فصول "المقامر" حتى الرابعة، على ثلاث وجبات بنصف ساعة أو أكثر. وفيما بين ذلك نتحدث في شتى الأمور. وبالتدريج تحسن مزاجه وتعود على الإملاء، فهو يمارسه لأول مرة. وكان يسره بخاصة الرد الى تساؤلاتي عن الأدباء الروس. فهو، مثلا، يعتبر نيكولاي نكراسوف صديق الطفولة ويقدر موهبته الشعرية كثيرا. كما يقدر أبولون مايكوف كشاعر موهوب وإنسان ذكى ومثال للطيبة. ويرى أن ايفان تورغينيف روائى من الدرجة الأولى، لكنه يأسف لأن هذا الأخير أمضى وقتا طويلا فى الخارج ولم يعد يتفهم طبيعة روسيا والروس كما ينبغي لكاتب كبير مثله (كانت العلاقة بين دوستويفسكي، تورغينيف معقدة يغلب عليها الجفاء والقطيعة).

04 القدس أم المرأة؟

و على ذكر الخارج أبلغني ذات مرة، وكان فى حالة من اليأس و القنوط، أنه مقدم على اختيار أحد طرق ثلاثة، فإما الرحيل الى القدس ليقيم مع الطائفة الأرثوذكسية الروسية هناك ربما لاخر العمر، وإما الهجرة الى أوروبا ليغرق في القمار الذي أولع به، و إما الزواج للمرة الثانية لعله يجد السعادة والفرحة في أحضان العائلة. وكانت كفة القدس هى الراجحة من حيث جدية نوايا دوستويفسكي، فقد عثرت بين أوراقه فيما بعد على رسالة مؤرخة في 3/6/1863 من رئيس اتحاد الأدباء الروس آنذاك الى القنصل الروسي فى القسطنطينية لتسهيل أمر رحيله.

وسألني رأيي في هذا الخيار الذي كان سيغير مجرى حياته الفاشلة تغييرا جذريا. تحيرت فى الجواب. بدت لى نيته فى الرحيل الى القدس العثمانية أو الى كازينوهات أوروبا غامضة و خيالية. ولعلمي بوجود عوائل سعيدة بين معارفي وأقربائي نصحته أن يبحث عن أمنيته المنشودة فى الأسرة. فعلق قائلا:

- وهل تتصورين بان امرأة ستقبلني زوجا؟ و أية امرأة أختار؟ راجحة العقل أم طيبة القلب؟ - راجحه العقل طبعا، كي تناسبك.

- كلا، أفضل امرأة طيبة القلب تشفق على وتحبني.

5. رواية فى 26 يوما

واصلنا العمل فى " المقامر" حتى غدا واضحا في آخر الأسبوع الثالث أننا سنتمكن من تسليم الرواية في الموعد. وصرنا كلانا نشاطر أبطالها حياتهم. فكان لى بينهم، كما لدوستويفسكي، شخوص أحبهم وآخرون أنفر منهم. أشفقت على الجدة التى خسرت أموالها وعلى مستر استلي، لكنى امتعضت من بولينا ألكسندروفنا ومن البطل الرئيسي أليكسى ايفانوفيتش، فيما التزم دوستويفسكى جانب هذا الأخير وأكد أنه شخصيا جرب الكثير من مشاعر البطل و انطباعاته.

أنجز دوستويفسكى روايته فى 26 يوما وسلمها الى الشرطة، مقابل ايصال، ليتفادى غدر الناشر الماكر. و قبضت أجرتي، لكن علاقتي بالكاتب لم تنقطع. فقد أبدى رغبة فى زيارة عائلتي. ودعوته الى بيتي بعد أيام. أعجبت به أمي كل الإعجاب بعد أن كانت فى البداية متهيبة مرتبكة لزيارة الكاتب "الشهير" و هو، والحق يقال، جذاب للغاية يسحر، كما لاحظت فيما بعد، حتى خصومه الذين لا يرتاحون إليه عادة.

عرض علي أن نواصل العمل فى الجزء الأخير من "الجريمة و العقاب" هذه المرة. وكنت مترددة بعض الشيء، لكنى وافقت عندما رأيته مصرا.
06 الجوهرة و الأحلام

بعد ثلاثة أيام زارنا من جديد دون سابق إنذار. وطلب أن آتى إليه لتدقيق شروط العمل. ولكنى حينما جئته، فى الثامن من تشرين الثاني 1866، فوجئت به يصارحني بحبه ويرجوني أن أقبل به زوجا.

... كان منفعلا ومبتهجا حتى بدا لى فى سن الشباب. سألته عن سبب ابتهاجه فأجاب أنه رأى حلما فى المنام. فقهقهت، لكنه أوقفنى قائلا: "لا تسخري منى. أنا أؤمن بالأحلام. و أحلامي تتحقق دوما. حينما أرى المرحوم شقيقى ميخائيل أو يحضرني طيف والدي في المنام لا بد ان تحل بى مصيبة. لكنى هذه المرة رأيت جوهرة براقة بين مخطوطاتى فى هذا الصندوق، ثم توالت أحلام أخرى ولا أدري أين اختفت الجوهرة ". فقلت له: " الأحلام تفسر عادة بالمقلوب"، وأسفت لما قلت. فقد أمتقع وجهه وسال: " تعتقدين أنني لن ألقى السعادة و أن ذلك مجرد أمل واه؟ ". وأجبته: " والله لا أدري. ثم اننى لا أصدق الأحلام ". واختفى كل أثر للإبتهاج. ودهشت لسرعة تبدل مزاجه. ثم انتقل بالحديث الى رواية يخطط لكتابتها، فتحسن حاله رأسا و أخبرنى أنه لم يتوصل بعد إلى خاتمة جيدة. ففى الرواية فتاة، وهو غير ملم بارتعاشات نفوس الفتيات. ورجانى أن أساعده. عرض علي بالخطوط العامة حبكة الرواية، فادركت أنه يقص علي مشاهد من حياته تلقي الأضواء على طفولته القاسية وعلاقته بالمرحومة زوجته وأقربائه والملابسات الأليمة التى شغلت الفنان عن عمله المحبب عدة سنين. وكان المفروض أن تنتهى الرواية بعودة الفنان الى الحياة من خلال حب يشفيه وينقذه من وحدته وشيخوخته المبكرة. ولم يخطر ببالى ساعتها أنني كنت المقصودة ببطلة الرواية المزعومة. لكنه باغتني مرتبكا:

- ما رأيك؟ هل تستطيع فتاة شابة أن تحب فنانا عجوزا مريضا مثقلا بالديون؟.. لنفترض أن الفنان هو أنا، البطلة أنت، فما ر أيك؟

- لو كان الأمر كذلك فعلا لأجبتك: أحبك وسأظل على حبى مدى العمر. وبعد ساعة أخذ فيودر دوستويفسكى يخطط لمستقبلنا ويسألنى رأيي في التفاصيل. وكنت عاجزة عن الخوض فيها من فرط السعادة. اتفقنا على كتمان سر الخطبة مؤقتا إلى أن تنجلى الملابسات. و عندما ودعنى هتف مبتهجا: وجدت الجوهرة أخيرا. و أجبته: عسى ألا تكون حجرا.
7. لم يعد السر سرا

لا أظن أن أمي فرحت لنبأ خطبتي. فهي تدرك بالطبع أني سأعاني الكثير فيما لو تزوجت من رجل مصاب بداء عضال ويفتقر الى المال. لكنها لم تعمد الى إقناعى بالعدول عن الزواج، كما فعل آخرون بعدها. وللحقيقة أقول أن دوستويفسكى أبدى طوال 14 عاما من حياتنا الزوجية منتهى الطيبة في معاملة والدتي.

وبعد أسبوع افتضح سر الخطبة على غير المتوقع. أفضى به دوستويفسكي نفسه الى حوذيه في لحظة ابتهاج. فابلغ هذا الأخير خادمة نقلت الخبر في الحال الى بافل، ابن دوستويفسكى المتبنئ. غضب هذا على " أبيه العجوز"، فكيف يجوز له ان يبدأ الحياة من جديد دون أن يستشير " ابنه "؟. وانسحب غضب الفتى علي طبعا، إلا أن موقفه مني غدا أكثر ليونة بمرور الزمن. رغبت فى معرفة كل شئ عن دوستويفسكي. وما كانت أسئلتي المتلاحقة لتضايقه. حدثنى عن حبه لأمه و أخيه المرحوم ميخائيل واخته الكبرى فاريا، لكنه لم يبد حماسا فى الكلام عن اخوته وأخواته الأصغر. واستغربت من غياب كل ما يشير الى غرامه بامرأة ما في شبابه. وأعتقد أن السبب هو تفرغه المبكر للكتابة. فالنشاط الثقافى أزاح حياته الشخصية الى المرتبة الثانية، ثم أنه تورط فى عمل سياسي دفع ثمنه غاليا وصرفه عن الإهتمام باموره الخاصة.

لم يكن يميل الى تذكر المرحومة زوجته، لكنه يذكر خطيبته الأولى آنا كورفين بكل خير، وياسف على فسخ خطبتهما لإختلاف الطباع والاراء - كما يقول. وظل حتى النهاية يحتفظ بعلاقات طيبة معها. وتعرفت عليها أنا أيضا بعد ست سنوات من زواجى فربطت بيننا أواصر صداقة
8. فارق السن ربع قرن

سألته مرة: لم لم تتقدم إلى بخطبة عادية كما يفعل الجميع، وجئت بمقدمات طويلة عريضة بشكل " رواية " مختلقة؟ وأجاب:

- الحقيقة كنت يائسا، وكنت أعتبر الرواج منك تهورا وجنونا. فالتفاوت بيننا رهيب. أنا شيخ عجوز تقريبا وأنت فى عمر الطفولة وفارق السن بيننا ربع قرن. أنا مريض كئيب سريع الإنفعال، وأنت مفعمة بالحيوية والمرح. أنا إنسان مستهلك أكلت عمري وتجرعت المصائب و الأهوال. وأنت تعيشين حياة هانئة والمستقبل كله أمامك. ثم انى فقير ومكبل بالديون. فماذا أنتظر؟

- إنك تبالغ يا عزيزى. فالتفاوت بيننا ليس فيما تقول. التفاوت الحقيقي أنك اخترت فتاة متخلفة لن تقترب شبرا من مستواك الثقافى فى يوم من الأيام.

- كنت مترددا متهيبا فى الخطبة. أخشى ما أخشاه أن أغدو مثارا للسخرية فيما لو رفضت. فكيف يحق لرجل كهل قبيح مثلى أن يطلب يد فتاة شابة مثلك؟ كنت أتوقع أن تردي علي بأنك تحبين شخصا اخر. ولو جاء جوابك على هذا النحو لكان ضربة قاسية لى، فانا أعانى من وحدة نفسانية خانقة وكنت أريد أن أحتفظ بصداقتك على الأقل. ولذا أردت أن أستطلع رأيك في البداية، من خلال مخطط رواية وهمية. كان أسهل علي عندئذ أن أتحمل رفضك. إذ سيكون موجها ضد بطل الرواية وليس ضدي شخصيا. وعلى أية حال أرى أن تلك الرواية المختلقة أفضل رواياتى على الإطلاق. فقد عادت علي بالثمار ر أسا.
9. داء بلا دواء

تلقى دوستويفسكى رسالة من مجلة " البشير الروسي" الصادرة فى موسكو تطالبه بالجزء الثالث من " الجريمة والعقاب". وكنا نسينا هذه الرواية فيما نحن فيه من أفراح. فعاد دوستويفسكي يملى علي بقية الرواية بهمة ونشاط. تحسن مزاجه، فتحسنت صحته، حتى أن الشهور الثلاثة التى سبقت زفافنا لم تشهد سوى ثلاث أو أربع نوبات من الصرع، مما جعلنى آمل بان هذا الداء اللعين سيخف فيما لو توافرت لزوجي حياة هادئة سعيدة. وهذا ما حدث بالفعل. فالنوبات التى كانت تنتابه كل اسبوع تقريبا لم تعد تتكرر فى السنوات التالية إلا لماما. ولم يكن الشفاء من هذا المرض بالأمر الممكن، لا سيما وان دوستويفسكى تهاون في العلاج، بل وأهمله لاقتناعه بعدم جدواه. إلا أن تقلص النوبات كان بالنسبة إلينا هبة عظيمة خلصته من الرواسب النفسانية الثقيلة بعد كل نوبة، وخلصتنى من الدموع والالأم التي تكوينى عندما يقع فريسة للصرع بحضورى. كانت نياط قلبى تتمزق وأنا أسمعه يزعق بصوت لا يشبه أصوات البشر ثم أراه يتلوى ويخر على الأرض متشنجا. و عندما ألفيته لأول مرة يتضور ألما ويصرخ ويئن ساعات بلسان متلعثم ووجه ملتو وعينين جامدتين ظننته مجنونا مختل العقل. لكنه، والحمد لله، كان يغفو طويلا ويستيقظ بعد ذلك سويا كالآخرين، لولا الكآبة التي تظل تلازمه أكثر من أسبوع وكأنه فقد أعز ما لديه فى الدنيا على حد تعبيره.
أول احتكاك عائلى

جاءني ذات يوم، في عز الشتاء، يرتجف من البرد بمعطف خريفى، فاسرعت إليه بالشاى الساخن وسألته مستغربة: أين معطف الفرو؟ فاجابني مترددا: قيل لي أن الجو دافئ. ثم أضاف موضحا أن أقرب أقربائه، " ابنه " بافل وأخاه الأصغر نيكولاي وكذلك إميليا زوجة المرحوم ميخائيل، طلبوا منه نقودا لحاجة ماسة وعاجلة. فاضطر أن يرهن معطفه الفرائي. ثارت ثائرتي ورحت أبكى وأزعق: كيف يقول أقرباؤك القساة أن الجو دافئ فهو لا يتناول قهوة الصباح بدون قشدة.، قبيل الظهر يأكل بافل طيرا مشوبا، فتقدم لنا الخادمة على الغداء الطيرين المتبقيين فلا يكفياننا نحن الثلاثة.، يختفى الثقاب احيانا مع ان علبا كثيرة منه كانت في البيت أمس. و كذا يحدث لأقلام الرصاص المبرية. ونثور ثائرة دوستويفسكى عندما يريد التدخين فيصرخ في وجه فيدوسيا. ويهز بافل كتفيه: "أنظر يا بابا، لم تحدث أشياء كهذه عندما كنا لوحدنا"

والخادمة المسكينة تخشى غضب دوستويفسكى حتى الموت، والأصح أنها تخشى أن تصيبه نوبة مفزعة بسبب ذلك، كما حدث له مرارا بحضورها.

كانت متزوجة من موظف سكير توفي وتركها وأطفالها الثلاثة في فقر مدقع. بلغ خبرها مسامع دوستويفسكى فأخذها خادمة مع صغارها. و حدثتني، و الدموع تترقرق في عينيها، عن طيبته البالغة وكيف كان يدخل على الأطفال ليلا عندما يسمع سعالا أو بكاء فيغطي الواحد منهم ويهدهده، وإذا لم يفلح في ذلك يوقظها لتسهر على المريض.

14. ما أحلاك يا موسكو

في الأسبوع الخامس بعد عمد القران بدا شهر العسل فعلا. فالمتاعب والإهانات التي ترضت لها خلال هذه الفترة من أقارب دوستويفسكي حطمت أعصابي لدرجة جعلني أفكر في الطلاق. صارحت زوجي بتلك المتاعب، و ما كان يعرف بالإهانات من جانب " ابنه " خصوصا، فلامني على كسوتي و بدد شكوكي ومخاوفي. وشد العزم على السفر غدا الى موسكو ومن ثم، ربما، الى الخارج، إذا تمكن من إقناع السيد كاتكوف، رئيس تحرير " البشير"، أن يمنحه سلفة جديدة.

استقبلني فيرا، شقيقة زوجي، في موسكو خير استقبال. إلا أن أبناءها السبعة عاملوني ببرود. أدهشني موقفهم و أحزنني، حتى علمت سره فيما بعد. كانوا يحبون عمتهم يلينا المتزوجة من رجل شارف الموت ويريدون لها بعد وفاته أن تتزوج من خالهم فيودور دوستويفسكي، ليقيم في موسكو دائما، فهم يحبونه هو الآخر حبا جما.

ولكي أخفف من الموقف العدائي الذي قوبلت به في بيت عديلتي أبديت متعمدة بعض الإهتمام بشاب من زوار البيت لأعيد الإعتبار لنفسي. لكن دوستويفسكي لم يفهمني. وتأكد لى أنه يغار على كثيرا، فرأيت ألا أتمادى في الكلام والمرح مع أي غريب بحضوره. فالغيرة تؤذيه، إذ خرج عن طوره ساعتها و انهال علي بتقريع شديد حينما عدنا الى الفندق الذي نزلنا فيه. وفيما بعد تكررت " نوبات " الغيرة حتى في الخارج. ولم أفلح في اجثثات هذه الصفة الذميمة في طباع دوستويفسكى إلا بالتواضع فى المظهر و الملبس والتحفظ الشديد بحضور الرجال، حتى أن رفيقاتي أكدن لي عندما عدنا إلى الوطن أنني "شخت" سريعا في الغربة. ولم يكن ذلك ليسيئني، فزوجي يحبني على ما أنا عليه.

أمضينا فى موسكو أياما لا تنسى. كنا كل صباح نتفرج على أبرز معالمها ونتفقد كنائس الكرملين وقصوره. وزرنا قبر المرحومة ماريا والدة زوجي التي كان يقدس ذكراها (ولد فيودور دوستويفسكى في موسكو في الثلاثين من تشرين الأول 1821). وكنا نتناول طعام الغداء كل يوم تقريبا في منزل عديلتي. تحسنت علاقتي مع أبنائها وصرت ألازم زوجي طول الوقت حتى تبدد الشعور بالغربة و النفور الذي كاد يستولي علي تجاهه في الأسابيع الأخيرة من حياتنا فى بطرسبورغ. وعاد إلي مرحي وحبوري. وأكد لي دوستويفسكي أنه استعاد هنا، في موسكو، " زوجته آنا " بعد أن كاد يفقدها مؤخرا في بطرسبورغ وأن "شهر العسل" الحقيقي قد بدأ بالنسبة إليه.

15. في الخارج: شهور أم سنين؟

عدنا من موسكو إلى بطرسبورغ بعد أن وافقت مجلة "البشير" على منح دوستويفسكي سلفة جديدة بألف روبل. أعلن زوجي عن نيتنا في السفر الى الخارج. في فواجه جميع أقربائه هذا النبأ بالإستنكار. وطالبوه أن يترك لهم، فلما لو سافرنا بالفعل، نقودا تكفي لعدة شهور. ويعنى ذلك بالطبع إلغاء الرحلة أصلا.

كنا نأمل أن يرتاح دوستويفسكي فى الخارج شهرا ليشرع في كتابة بحثه المطول عن الناقد "بيلينسكى ". لكن إميليا زوجة أخيه أصرت أن يترك لها ولأولادها خمسمائة روبل. و لا في من اعتماد مائتي روبل لإعالة " ابنه"  بافل في فترة غيابنا. لم يفلح دوستويفسكى فى إقناع إميليا بتأجيل الدفع، وما كان بوسعه أن يمتنع عن مساعدة عائلة المرحوم أخيه. فاستقر رأيه، اسفا، على تأجيل السفر. ورأيت أن أنقذ الموقف بالتضحية بجهاز العرس، رغم فظاعة هذه الخطوة. لم تعترض أمي على قراري وقالت: "يؤسفني أن تجري الأمور بهذه الصورة، لكنكما أن لم توثقا أواصر الزواج الان لن تحافظا عليه أبدا ". وكان علي أن أقنع زوجي بضرورة رهن الأثاث و الحلي. وعندما فاتحته بالموضوع، بعد أن صليا معا في كنيسة المعراج، رفض رفضا باتا. رجوته أن ينفذ حبنا ويمنحني شهرين أو ثلاثة من حياة هادئة سعيدة، وإلا سيفسد كل شئ. وانهمرت دموعي فاسقط فى يده ووافق على السفر مكرها.

وكانت ثمة إشكالات بخصوص جواز السفر، إذ ان دوستويفسكي محكوم سياسي تحت رقابة الشرطة ولا بد له من الحصول على ترخيص من الحاكم العسكري إضافة إلى الإجراءات الرسمية المعتادة. وساعده في ذلك موظف من المعجبين بأدبه. وارتحلنا لنقضي فى الخارج ثلاثة شهور، لكننا لم نعد إلى روسيا إلا بعد أربع سنين!

16. العذراء

أمضينا في برلين يومين في جو مطار غائم، ثم ارتحلنا إلى درزدن. قررنا أن نبقى فيها أكثر من شهر حتى يتمكن دوستويفسكي من إنجاز بحثه المعقد في النقد الأدبي. كان يحب درزدن أساسا بسبب معرضها الشهير وحدائقها الزاهرة. وكان يقف الساعات الطوال متاثرا منفعلا أمام عذراء السيكستينا التى يعتبرها أسمى مظهر لعبقرية الإنسان. (ورد ذكر عذراء رافائيل، على سبيل المقارنة والتشبيه، في العديد من مؤلفات دوستويفسكي، وبخاصة " الجريمة والعقاب"). وفيما بعد، فى فلورنسا، أعجب بلوحة رافائيل "يوحنا المعمدان فى الصحراء "، وفى بازل كانت له وقفة طويلة مؤثرة أمام لوحة هانز هولبين "يسوع ميتا " التي تركت في نفسه شعورا بالإنسحاق الفظيع انعكس في رواية " الأبله". وكان يقيم وزنا للوحات تيتسيان وموريليو ورمبرانت وفان دايك بخاصة.

في درزدن انكب دوستويفسكي على قراءة ألكسندر هيرتسن أحد أعمق المفكرين الروس الذين كان لهم تأثير كبير في أدبه. وفى أوقات الفراغ يطلق العنان لبعض عاداته المحببة. فكان يتناول يوميا سمكا مقليا طازجا فى مطعم مطل على نهر إلبا، ويتمشى فى حديقة غروسين غاردن والمسافة إليها من الفندق لا تقل عن سبعة كيلو مرات ذهابا وايابا. ولم يكن يتخلى عن هذه الجولة حتى فى الجو الممطر. فى تلك الحديقة مطعم تعزف جوقته أصنافا من الموسيقى. ولم يكن دوستويفسكي على إلمام كبير في فنونها، لكنه يتمتع بموسيقى موزارت وبتهوفن وروسينى ولا يحب ريتشارد فاغنر (ربما لأن دوستويفسكى تربى على تقاليد الموسيقى الروسية الكلاسيكية وعلى رومانسية غلينكا).

17. الحركة النسوية

وكنا فى الأمسيات نتجادل فى مواضيع شتى. وفي الجدال تطفو خلافاتنا الفكرية، حول "المسألة النسوية " خصوصا. فقد كنت، من حيث السن و الميول، من جيل الستينات الذي تميزت نساؤه بالنزعة التحررية و الرفض العدمي. وكان فيودور دوستويفسكي لا يحب الروافض ويشمئز من " رجولتهن" وخشونتهن وعدم اكتراثهن بمظاهر الأنوثة. وكان يؤلمني في نقاشات زوجي معي أنه ينكر على نساء جيلي صلابة العود والمثابرة في بلوغ الهدف المنشود.

لكن موقفه من المرأة تبدل تماما فى السبعينات عندما ظهرت على المسرح نساء مثقفات وذكيات فعلا ينظرن إلى الحياة بمنظار حاد. وفي تلك الفترة أكد في مجلته "يوميات كاتب " (1873) أنه يعلق آمالا عريضة على المرأة الروسية التي "أخذت تبدي المزيد من المواظبة والجدية والصدق والعفة والتضحية و البحث عن الحقيقة"، على حد تعبيره.

18. الإمبراطور ألكسندر الثانى

أشيع فى درزدن أن امبراطور روسيا تعرض لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للمعرض الدولي في باريس و أن إرهابيا من أصل بولوني أصابه بعيارات نارية. كان لهذا النبأ وقع الصاعقة فى نفس دوستويفسكى. فهو من المعجبين بالقيصر ألكسندر الثاني الذي ألغى القنانة وحرر الفلاحين منها وأقدم على الإصلاح. ثم ان دوستويفسكي من المتحمسين للنظام الملكي عموما ويدعو إلى اتحاد الشعب مع " القيصر المحرر" المتنور. زد على ذلك أنه مدين للإمبراطور الحالي باسترجاع حقوقه المدنية كنبيل أبا عن جد، وقد سمع له القيصر، بمناسبة اعتلائه العرش، بالعودة إلى بطرسبورغ بعد الإقامة الجبرية فى سيبيريا.

أسرعنا حالا إلى قنصليتنا فى درزدن لتسجيل حضور ولإستنكار هذه الفعلة الشنيعة. اختطف لون دوستويفسكي وكان في اضطراب نفساني شديد، حتى أنه مضى الى القنصلية راكضا تقريبا. وكنت أخشى عليه من نوبة صرع جديدة. وقد أصابته فعلا في تلك الليلة. ومن حسن الحظ أن محاولة الإغتيال كانت فاشلة. إلا أن زوجي ظل حزينا متألما للغاية. فتلك هى المحاولة الثانية لإغتيال القيصر الذي يحترمه ويعزه، مما يدل على أن شباك التآمر عليه ضربت جذورها عميقا.

19. الناقد

هدأ روع زوجي فعاد إلى مقالته المطولة عن بيلينسكي بعد أن عذبته كثيرا لتعقيدها حتى كرر صياغتها خمس مرات وجاءت، رغم ذلك، بشكل لا يرضيه. كان يريد أن يفضي بكل ما تراكم في نفسه ويعرض رأيه الصادق فى هذا الناقد الروسي الكبير الذي يقدر موهبته النقدية ويعترف بتأثره وبفضله في تشجيع أدب دوستويفسكى فى شبابه، حتى أكد قائلا: " تبنيت تعاليمه آنذاك بمنتهى الحماس ". لكنه تحول واتخذ موقفا عدائيا إزاء دوستويفسكي في النهاية. وما كان بوسع زوجي أن يسامح بيلينسكى على تهكمه وازدرائه لمعتقداته الدينية، فضلا عن الخلافات الفكرية الاخرى، حول الإشتراكية الإلحادية بخاصة.

ولعل الانطباعات الثقيلة التي خلفتها العلاقات بين دوستويفسكي وبيلينسكى تعود أساسا الى همهمات ووشايات "الأصدقاء" الذين أقاموا وزنا لموهبة دوستويفسكى في بادئ الأمر ثم انقلبوا عليه لأسباب غير مفهومة، فتأزمت علاقاته مع نكراسوف وتورغينيف خصوصا.

ولقيت تلك المقالة القيمة مصيرا مؤسفا. فقد ضاع أثرها. بعثها دوستويفسكي من درزدن الى موسكو، ولم نعلم بضياعها إلا بعد خمس سنوات. وفي طريقها إلى الضياع وقعت في يد الشاعر مايكوف فكلب الى دولستويفسكي عن صراحتها حيث إنها لا تصلح للنشر إلا ضمن مذكرات ما بعد الموت.

20. المقامر

بعد ثلاثة أسابيع من مكوثنا في درزدن فاجأنى زوجى بتلميح صريح الى كازينوهات القمار وقال إنه لو كان هنا لوحده لعرج عليها من كل بد. ثم تطرق إلى هذا الموضوع أكثر من مرة فرأيت ألا أقف حجر عثرة فى طريقه. اقترحت عليه ان يسافر إلى هامبورغ فمانع فى البداية ثم وافق لشد ما كان راغبا أن "يجرب حظه". وما ان مر يومان أو ثلاثة حتى تواردت علي رسائل منه يبلغني فيها بخسائره ويطلب نقودا، فبعثت إليه بها، خسرها من جديد. وتكرر الحال مرارا، حتى عاد إلى درزدن خالي الوفاض، لكنه فرح كثيرا عندما حاولت أن أطيب خاطره كيلا يأسف على ما خسر. وكان ما دفعني إلى ذلك طبعا هو خوفي على صحته.

كانت رحلته الفاشلة إلى هامبورغ أثرت في نفسه كثيرا، فنسب أسباب الخسارة إلى الإستعجال و إلى تجريب أساليب متنوعة قادته إلى الفشل، في حين كانت فرصة الإثراء قاب قوسين أو أدنى. وراح يقنعني بأنه سيتبع طريقة جديدة لا بد أن تؤدي إلى الفوز. ورأينا أن نتوقف في بادن لأسبوعين فقط كي يجرب حظه في القمار من جديد.

كنا تلقينا حوالة من مجلة " البشير" فغادرنا درزدن بأسف، بهاجس لا يبشر بخير. أمضينا في بادن خمسة أسابيع، في كابوس متواصل قيد زوجي بسلاسل من حديد. كانت حساباته فى الفوز صحيحة فيما لو طبقها رجل إنجليزي أو ألماني بارد الأعصاب وليس دوستويفسكى العصبي الذي تجاوز كل الحدود. بعد أسبوع خسر كل ما نملك من مال. فاضطررنا أن نرهن حاجياتنا في الكازينو وفقدي حتى هدية الزفاف.

ذات مرة جاءني بكيس ملئ بالنقود. حالفه الحظ أخيرا، لكنه لم يتوقف، فخسرها من جديد. وأقول صراحة إني تلقيت "ضربات المصير" تلك باعصاب باردة. فقد جلبناها لأنفسنا بمحض اختيارنا. وتأكد لي أن دوستويفسكي لن يكسب شيئا و أن توسلاتي إليه بالكف عن اللعب لا جدوى منها.

في البداية استغربت من هذا الرجل الذي تحمل بمنتهى البسالة آلام السجن و الإعدام الوشيك و النفي، الأشغال الشاقة ووفاة أخيه وزوجته، لكنه عاجز عن التوقف و الإمتناع عن المجازفة بآخر فلس. وكنت أعتبر ذلك أمرا لا يليق بمنزلته، ويصعب على أن أعترف بنقطة الضعف المشينة هذه في طباعه. لكنني سرعان ما أدركت أن ذلك ليس مجرد ضعف إرادة، بل هو مرض لا علاج له سو ى الفرار من هذا الجحيم. فقد كان دوستويفسكي عندما يعدم الوسيلة للحصول على المال يقع فراسة لحزن بالغ حتى انه يبكي بأحر الدموع ويركع أمامي طالبا الصفح على ما يسببه لي من آلام. وكنت أسعى إلى تهدئته وألجأ إلى شتى السبل لصرف أنظاره عن الولع بالقمار.

عدنا، بسبب الإفلاس هذه المرة، إلى ممارسة رياضة المشي وتجولنا فى قلاع بادن وحصونها القديمة، وكانت كل جولة تستغرق نهارا كاملا. و عندما تصلنا الحوالات المالية تتوقف جولاتنا وتنتهي حياة الدعة والإطمئنان إذ تبدأ كوابيس القمار من جديد.

ولم يكن لدينا معارف وأصدقاء في هذه المدينة. ذات مرة التقينا صدفة بالكاتب الروسي الكبير إيفان غونتشاروف، ولم يعجبني مظهره ولهجته. كان أشبه بموظف حكومي عادي.، زار دوسلويفسكي، بدوني، منزل إفان تور غينيف المقيم في بادن آنذاك، وعاد منه في أقصى درجات الإنفعال.

و أخيرا هربنا من جحيم بادن إلى نعيم جنيف. استأجرنا شقة متواضعة بعد أن تعودنا على شظف العيش. و عدنا الى حياة النظام: دوستويفسكى يكتب ليلا، ويستيقظ متأخرا، في الحادية عشرة صباحا كما تعود في بطرسبورغ. وبعد الفطور يواصل عمله، فيما أمضي للنزهة كما أوصاني الطبيب (كنت حاملا). وفي الثالثة ظهرا نتغدى فى أحد المطاعم ويرافقني زوجي الى المنزل، ثم يرج على مقهى يصرف فيه ساعتين فى مطالعة جرائد روسية وأجنبية. وحوالى السابعة مساء نتمشى كثيرا كالعادة. وبعد ذلك يملي على دوستويفكسى نتاجا جديدا أو يقرأ كتبا فرنسية. وفى شتاء 1868 قرأ مجددا " بؤساء " فيكتور هيجو وكان معجبا خصوصا ببلزاك وجورج صاند. (ترجحم دوستويفسكي رواية "اوجيلي غرانده" إلى الروسية، وكان لأدب بلزاك صدى في مؤلفاته، فثمة تشابه بين أبطال " الأب غوريو" و "الجريمة العقاب" وكذلك بين أبطال " الحانة الحمر اء" و "الأخوة كارامازوف "، كما ترجم دوستويفسكي عام 1844 قصة جورج صاند "الأخير من سلالة الديني"، وكان لنتاج هذه الكاتبة تأثير كبير عليه في مطلع حياته الأدبية).

وفى جنيف أيضا لم يكن عندنا أصدقاء. دوستويفسكي بطبيعته غير ميال إلى البحث عن معارف جدد. ولم يلتق هناك أحدا من المعارف القدامى، ما عدا الشاعر الروسي المعروف نكولاي أو غاريوف الذي أخذ يتردد علينا كثيرا ويزودنا بالكتب والمجلات، حتى أنه صار يقرضنا فى بعض الأحيان مبلغا زهيدا نعيده إليه كلما تحسنت أحوالنا. كان طاعن السن وكنا نرتاح إليه، إلا أنه انقطع عنا بعد ثلاثة أشهر. فقد مرض ونقله أصدقاؤه إلى ايطاليا للعلاج.

ولسوء الحظ سرعان ما خابت آمالنا في نعيم جنيف. تردت الأحوال الجوية وأثرت العواصف والأمطار وتقلبات الطقس اليومية في صحة زوجي فتوالت عليه نوبات الصرع. كان آنذاك، في خريف 1867، شرع في تأليف "الأبله"، ولم يكن راضيا عن الفصول الأولى من الرواية، كعادته فى موقفه من كل ما يكتبه. كان يعجب أشد الإعجاب بالفكرة كل رواية، لكنه ما إن يفرغ منها حتى يشعر بالضيق و عدم الرضا.

فى جنيف ولدت ابنتنا البكر صوفيا في 22 شباط 1868. ولشد ما عانيت من عسر الوضع، ولشد ما تألم دوستويفسكى وصلى وبكى خائفا علي من الموت. وفيما بعد وصف مشهد الولادة في رواية "الشياطين" ("الأبالسة").

كان دوسلويفكسي أبا من أرق الأباء. لكن الحظ لم يحالفنا إذ مرضت الطفلة وتوفيت في شهرها الثالث. ولم تكن لحزننا حدود. كنا نتردد على المقبرة كل يوم نحمل الزهور ولذرف الدموع. ولم يعد البقاء بهذه المدينة فى طاقتنا.
22. ايطاليا

استقر رأينا على الرحيل إلى فيينا. ولا أذكر طوال 14 عاما من حياتنا الزوجية اننا عشنا صيفا حزينا لهذا الحد كصيف 1868 في تلك المدينة، حتى لكأن الحياة توقفت وتجمدت بالنسبة إلينا. كل أحاديثنا وذكرياتنا تدور حول الفقيدة وكل طفل نلقاه فى الشارع يذكرنا بها.

واصل زوجى بشق الأنفس كتابة "الأبله"، لكنها لم تجلب له السلوى. فسافرنا إلى ميلانو، وأدى تبدل الموقف وانطباعات الطريق إلى بعض التحسن في مزاج دوستويفسكي، لكن خريف هذه المدينة بارد مطير، وليس في مكتباتها جرائد روسية، فانتقلنا بعد شهرين الى فلورنسا عاصمة ايطاليا آنذاك. ولحسن الحظ وجدنا في مكتبتها الرائعة جريدتين روسيتين مكنتا زوجى من الإطلاع على الأوضاع فى الوطن يوما بيوم. واستعار لأشهر الشتاء مؤلفات فولتير وديدرو وقرأها بالفرنسية التى يجيدها تماما. (فيما بعد تجلى تاثير "كانديد" واضحأ فى "الأخوة كارامازوف" وتجلى تأثير ديدرو فى "الأبله" وفى "مذكرات من تحت الأرض ").

حل عام 1869 وجاءتنا معه فرحة، إذ اتضح أني حامل من جديد. أبدى دوستويفسكى عناية بالغة بصحتي. حتى أنه أخفى على أحد مجلدات رواية الكونت الشاب ليون تولستوي " الحرب والسلام " التى صدرت توا لمجرد أن الكاتب يصف في ذلك المجلد وفاة زوجة الأمير أندريه بولكونسكى اثناء الوضع. كان يخشى علي من تأثير هذا الوصف الفنى البارع.

تعودنا على حياة الشظف والعناء، لكن مشكلة أخرى واجهتنا. فقد أدرك دوستويفسكى فجأة انه ابتعد عن روسيا كثيرا خاص العامين الأخيرين وصار الحنين يشده إليها. وشعر بحاجة ماسة إلى مادة من الواقع الروسي تمكنه من مواصلة الكتابة. فاقترحت عليه أن نقضى الشتاء فى براغ المدينة السلافية الأقرب روحيا إلى الأجواء الروسية. ولصعوبة الطريق علي توقفنا فى البندقية لأربعة أيام لم نبارح فيها تقريبا ساحة القديس مرقص لشد ما أعجب زوجى بمعمار كنيسته وبسقف قصر الأمطار الذي تزينه لوحات أفضل رسامى القرن الخامس عشر.
23. "الخاطئ"

وصلنا إلى براغ بعد عشرة أيام من التجوال والترحال. وتعذرت علينا الإقامة فيها لغلاء المعيشة وارتفاع الإيجار. فاضطررنا إلى مغادرتها بأسف بعد ثلاثة أيام. تبددت أمنية زوجى في لقاء العالم السلافى، ولم يبق أمامنا ساعتها سوى العودة إلى درزدن من جديد. فنحن نعرف ظروفها، وثمة جالية روسية كبيرة قد تسري عنا.

هناك ولدت ابنتى الثانية لوبوف وأشرقت السعادة في عائلتنا. (فيما بعد غدت لوبوف دوستويفسكايا روائية نشرت عدة مؤلفات وهاجرت من روسيا عام 1913، ولم تعد إليها، أصدرت بالألمانية فى 1920 مذكراتها عن والدها فجاءت شخصيته "صورة قلمية " بعيدة عن الواقع في بعض جوانبها، خلافا لمذكراث أمها آنا غريغوريفنا. فالكاتبة كانت قاصرة فى الحادية عشرة عندما توفى أبوها. وفي تلك الفترة أنهى فيودور دوستويفسكي روايته "الزوج الدائم" التي وصف فيها حياته بضواحى موسكو عام 1866.

وانشغل دوستويفسكي، شتاء 1870، في وضع مخطط رواية جديدة ضخمة أراد أن يسميها "الخاطئ ". وتتكون من خمس قصص مطولة مستقلة ومترابطة تتناول بمجملها مسالة الخالق والخطيئة التى اهتم بها زوجى طول حياته. ولعل حياة الغربة أيقظت فيه المشاعر المسيحية العميقة والأفكار الدينية الصافية وخلصته من التعنت والمكابرة فجعلته أكثر طيبة وتسامحا واستسلاما، الأمر الذي تجلى بافضل تعبير فى مؤلفاته. كان يريد لأحداث القصة الأولى من "الخاطئ " أن تجري فى الأربعينات، ومادتها متاوفرة ونماذج شخوصها حاضرة فى ذهنه، وكان بوسعه أن يشرع في كتابتها وهو فى الخارج. إلا أن مادة القصة الثانية تعوزه. أحداثها تجري فى أحد الأديرة وبطلها الرئيسى شخصية واقعية وهو القسيس تيخون زادونسكى باسم اخر طبعا. وكان لا بد لنا من العودة إلى روسيا لتوفير المادة لرواية يعلق عليها دوستويفسكى أهمية بالغة ويريد لها أن تكون خاتمة لنشاطه الأدبى. لكنه لم يتمكن من تحقيق ما أراد لأنه انشغل فى موضوع آخر هو رواية "الشياطين" (1871) التي تناولت الحياة السياسية في روسيا آنذاك. ولم يكن دوستويفسكي راضيا عن الرواية حتى أنه أتلف خمس عشرة ملزمة من مخطوطتها وأعاد صياغة الجزء الثالث بالكامل. ويبدو أن الرواية المتحيزة سياسيا لا تتلاءم وروح نتاجه. ومع ذلك حظيت "الشياطين" بلإقبال واسع لدى القراء، لكنها من جهة أخرى جلبت المتاعب لدوستويفكسى وخلقت له أعداء كثيرين فى الوسط الأدبى. و انهالت عليه عشرات الصحف والمجلات من اليمين و اليسار بالتقريع و التنديد دون أن تقدم تحليلا للرواية واعتبرها النقاد تحاملا مجحفا وتجنيا لا مبرر له على الحركة الثورية والشباب المعاصر.

وعندما أخفق دوستويفسكي في كتابة "الخاطئ " لم يهمل موضوعها، و أدرج كثيرا من شخوصها فيما بعد ضمن "الأخوة كارامازوف" التي غدت بالفعل خاتمة لنشاطه الأدبي.
24- التوبة

مر على منفانا الاختياري في الخارج أكثر من أربعة أعوام. وكنت أتصوره سجنا دخلته ولن أتمكن من تركه. كانت بارقة الأمل في العودة إلى روسيا تلوح وتختفى بين حين وآخر. وعندما تختفي تنتابنا كابة لا تطاق. فيقول دوستويفسكى آنذاك إن موهبته الأدبية نضبت و إنها ستذوى وتموت. ولكي أخفف عليه لجأت إلى الوسيلة المجربة. اقترحت عليه أن يسافر إلى فسبادن ليسلي نفسه بالقمار عسى أن يحالفه الحظ. وكنت في الحقيقة أريد أن أضرب عصفورين بحجر. فانا واثقة انه سيخسر البقية الباقية من نقودنا. لكنه سيفارق همومه من جهة ويعود من جهة أخرى إلى الكتابة بهمة تعوض لنا ما خسرناه. وكما توقعت جاءت النتيجة مؤسفة، فخسر زوجي كل ما عنده. وتعرض لتأنيب ضمير لازمه أسبوعا لانه حرم زوجته وابنته من لقمة العيش! ولكنه صمم هذه المرة على التخلص من هذا المرض الذي عذبه طوال عشر سنين. وعدنى بعدم المعاودة إلى القمار مدى الحياة. ولم أصدقه بالطبع. فما أكثر ما كرر وعده فيما مضى. لكنه وفى به هذه المرة، و انقطع عن اللعب إلى الأبد. ففي رحلاته المتكررة التالية إلى الخارج لم يفكر يوما بالذهاب إلى الكازينوهات. صحيح أنها أغلقت في المانيا بعد رحيلنا، لكنها ظلت مفتوحة الأبواب في سكسونيا ومونت كارلو، و المسافة إليهما ليست بعائق على أية حال. إلا أن دوستويفسكي تخلص، والحمد لله، من هذا العيب الشنيع.

شددنا الرحال إلى روسيا في 5 تموز 1871. جمع زوجي مخطوطاته وطلب مني أن احرقها. مانعت قدر المستطاع، لكنه أقنعني بان رجال الشرطة على الحدود الروسية سيصادرونها في كل الأحوال كما فعلوا اثناء اعتقاله عام 1849. وهكذا أتلفت مخطوطات "الأبله" و "الزوج الدائم" و "الشياطين". وحينما وصلنا الحدود تعرضنا لتفتيش دقيق كما كان متوقعا. لكن كل شئ مر بسلام، فما أعظم فرحتنا ونحن نعود إلى الوطن!
25. العودة

عدنا من المانيا إلى بطرسبورغ في نهار صحو قائظ. إلا أن دوستويفسكى تصور مستقبلنا ضبابيا قاتما وتوقع لنا مصاعب جمة لا بد من تذليلها حتى نجد موطئ قدم على أرض الوطن. استأجرنا غرفتين فى شقة مؤقتة قرب منتزه يوسف. وكنت حاملا في انتظار المولود الثالث. بعد ثمانية أيام من وصولنا رزقت بابنى فيودور الذي سميته تيمنا باسم أبيه. (تخصص فيما بعد بتربية الخيول وكسب مالا من هذه الصنعة). ثم انتقلنا إلى شقة من أربع غرف.

تقاطر عليا أقرباؤنا رأسا، و استقبلناهم ببشاشة وترحاب. ومن حسن الحظ أن أولاد أخي دوستويفسكي وأمهم إميليا صاروا يعيشون في بحبوحة ولم يعودوا ينتظروا منه مساعدة إلا في حالات إستثنائية. لكن ابنه المتبنى بافل، وكان تزوج قبل شهور، ظل يعول على "والده " متصورا أن دوستويفسكي ملزم بإعالته حتى الشيخوخة. وفي غيابنا تجرأ على بيع محتويات مكتبة زوجي الغنية. وكان ضياع المكتبة ضربة قاسية لدوستويفسكي.

ومن جهة أخرى هجم علينا "جيش " من الدائنين حالما قرأوا في الصحف نبأ عودة الكاتب فيودور دوسلويفسكي، وهددوه بالسجن إن هو عجز عن تسديد الديون المستحقة من زمان. ومن ذلك الحين بدأت "معركتنا " الطاحنة مع الدائنين و استمرت تنغص حياتنا يوميا طوال عشر سنين حتى وفاة زوجى فى بداية 1881.
26. الرسام

ورغم المنغصات كان شتاء 1872 حافلا باللقاءات الهامة. استعاد دوستويفكسي اتصالاته مع العديد من أصدقائه القدامى، والتالى بطائفة من علماء عصره كالمستشرق غريغوريف الذى نرى صدى لأفكاره فى رواية "الشياطين" و الفيلسوف نيكولاي دانيليفسكى مؤلف كتاب "روسيا وأوروبا " الذي ترك أثرا ملحوظا في اراء دوستويفكسي بخصوص "رسالة روسيا" كدولة غربية وشركية في آن معا.

وفي ذلك العام رغب بافل تريتياكوف صاحب معرض الصور (الجاليري) الشهير في موسكو، وهو من المعجبين بنتاج دوستويفسكي، أن يحصل على صورة زيتية له فأوفد إلى بطرسبورغ لهذا الغرض الرسام الروسي المعروف فاسيلي بيروف. وقبل أن يبدأ هذا الأخير عمله صار يتردد علينا يوميا طوال أسبوع ويفاجئ دوستويفسكى فى شتى أحواله اللانسانية ويحاوره ويستفزه خصيصا للخوض في مواضيع شائكة، إلى أن تمكن من "تصيد" أعمق تعبير في ملامح زوجي وهو شارد الذهن غارق في تأملاته الفنية. التقط بيروف " لحظة الإبداع " أو الذهول التى كنت تلمستها مرارا و أنا أدخل على زوجي مكتبه لامر ما فأجده غائصا في ذاته يحدق فيها من الداخل، وأخرج دون أن أكلمه. وفيما بعد يتضح لي أنه لم يشعر بوجودي و لا يصدق بأنى دخلت عليه المكتب فى تلك اللحظة.

كان بيروف رجلا ذكيا لطيف المعشر. وكان دوستويفسكي يرتاح إليه كثيرا حتى انه كتب عنه فى الصحف مرتين. وقد حضرت جميع وجبات رسم الصورة النصفية الشهيرة في نيسان- ايار 1872. ويتميز هذا البورتريه بقيمة فنية يعترف بها الجميع ولا تضاهيها من هذه الناحية سوى صورة نصفية اخرى بالحجم الطبيعى لدوستويفسكي رسمها كرامسكوي في اليوم الثاني لوفاة الكاتب.
27. المربية

إننى أحتفظ بأطيب الذكريات عن ربيع 1872، لكن صيف ذلك العام كان أتعس فترة في حياتي. إذ توالت المصاب فيه الواحدة بعد الأخرى. كنا استأجرنا منزلا ريفيا يمتلكه قسيس طيب للغاية في بلدة ستارايا روسا الخشبية حيث البيوت كلها من خشب، وحتى أرصفة الشوارع مبلطة بالألواح، و فيها حمامات للعلاج بالمياه المعدنية. لكننا اضطررنا أن نترك رضيعى، وهو في شهره التاسع، في عهدة القسيس و المربية ونعود حالا إلى بطرسبورغ لإن ابنتى لوبوف تعرضت لحادث وانكسرت يدها، وأجريت لها عملية تجبير فاشلة ثم عملية جراحية فى منتهى التعقيد. وفي نفس الفترة توفيت أختى الكبرى في روما وانكسرت رجل أمي.

بعد إجراء العملية الجراحية لإبنتنا عاد دوستويفسكي إلى الريف في اليوم الثالث، وبقيت أنا فى العاصمة أسهر على صحتها في المستشفى. ولشد ما دهشت حينما عدت إلى البلدة بعد أسبوعين ورأيت أن صغيرى نسيني تماما. كان يفر مني، أنا أمه ومرضعته، ويلوذ باذيال المربية العجوز. وهي والحق يقال امرأة في منتهى الطيبة و الأريحية والمرح (تحتسي قدحا من الفودكا على الغداء كل يوم بمناسبة وبغير مناسبة) ولا يعكر صفو حياتها سوى قلقها على ابنها الذى لا يراسلها. كان دوستويفكسى يعزها ويعتز بها لحبها الخالص لصغيرنا، وقد اتخذ منها في "الأخوة كارامازوف" نموذجا للعجوز التي تتقرب للكنيسة وتتصدق على المساكين ترحما على روح ابنها وهى تعلم حق العلم أنه على قيد الحياة. ولم تكن تلك الصورة من ابتداعات دوستويفسكي. فإن مربيتنا كانت تتصرف هكذا بالفعل، حلى أن زوجي نصحها بان تكف عن هذه العادة وتنبأ بوصول رسالة من ابنها في القريب العاجل. وهذا ما حصل فى الواقع.

وبسبب برودة ذلك الصيف أصبت بمرض تسبب في ظهور دمل فى الحنجرة حبس أنفاسي وأشرفت على الموت. لكن الله لستر وزال الخطر. أما اثار كل تلك الاحداث فقد حفرت عميقا فى نفس دوستويفكسى المرهف الأحاسيس، المتيم بحب طفليه و أمهما.
28- النشاط الطباعي

أتعبت رواية "الشياطين" دوستو يفكسى كثيرا طوال ثلاث سنين حتى رأى بعد الفراغ منها أن يؤجل البدء برواية جديدة حينا من الوقت. أراد أن يصدر مجلة شهرية فريدة من حيث الشكل والمضمون بعنوان "يوميات كاتب" (يعد مادتها لوحده من ألفها الى يائها)، لكن الصعوبات المالية جعلته يؤجل هذا المشروع أيضا. و عرض عليه الأمير ميشيرسكى أن يترأس تحرير مجلته الأسبوعية المحافظة "المواطن" فقبل العرض على مضض ولفترة محدودة. لكنه جنى على نفسه من وراء ذلك. فقد انتقل إليه، بصفته رئيسا للتحرير، العداء الذي يضمره لصاحب المجلة خصومه الفكريون. ومما يثير الإستغراب أن الكثيرين ظلوا، حتى بعد وفاة دوستويفسكي، يلومونه على مساهمته في تحرير "المواطن". (كتب صديقه فسيفولود، الأخ الأكبر للفيلسوف الروسي الشهير فلاديمير سولوفيوف، يقول لاحقا: تمادى أعداء مؤلف

"الجريمة والعقاب" في التهجم عليه والسخرية منه وأطلقوا عليه أبشع النعوت كالخائن و المرتد و المعتوه والمهووس. وكانوا يدعون الناس لمشاهدة صورة دوستويفسكى بريشة الرسام بيروف حتى يتيقنوا أنه مجنون حري بدار المجاذيب!).

كانت بداية عام 1873 نقطة انعطاف بالنسبة إلينا، حيث أصدرنا "الشياطين " معتمدين على أنفسنا فى طبعة مستقلة غدت باكورة نشاطنا المشترك أنا ودوستويفسكي فى الطباعة والنشر. وبعد نجاح هذه الخطو ة أصدرنا "الأبله" ورأينا أن نعيد طبع "مذكرات من بيت الأموات" لنفاد طبعتها الأولى من سنين.

كنا قبل ذلك نأمل في تحسين أوضاعنا المادية ببيع حقوق نشر "الأبله" ثم "الشياطين" في طبعة مستقلة. كل مؤلفات دوستويفسكى، ما عدا المغامر، نشرت بادئ ذي بدء في المجلات الفكرية الضخمة. لكننا واجهنا صعوبة، ونحن في الخارج، في بيع حقوق النشر. ولم يكن الأمر أسهل حتى حين عدنا الى روسيا واتصلنا بالناشرين مباشرة. فقد عرضوا علينا مبالغ زهيدة للغاية. دفع لنا أحد الناشرين مائة وخمسين روبل مقابل إصدار "الزوج الدائم" بالفي نسخه. وعرض علينا ناشر آخر خمسمائه روبل فقط يدفع على أقساط مقابل "الشياطين". إلا أن فيودور دوستويفكسى كان منذ شبابه يحلم بطبع مؤلفاته بنفسه. ومن جهتى رحبت بالفكرة وتحمست لها ولم أكن أدري أنى سأكرس لها، بعد وفاة زوجي أيضا، ثمانية وثلاثين عاما من حياتي. وكان دوستويفسكى أهداني حقوق طبع مؤلفاته من سنة 1873.

في تلك الفترة ما كان أحد من الكتاب الروس تجرأ على إصدار مؤلفاته بنفسه. فكنا روادا فى هذه المجازفة. كانت الحسابات مشجعة تفيد أن إصدار مجلدات "الشياطين" الثلاثة بـ 3500 نسخة يكلف أربعة آلاف روبل على وجه التقريب، فى حين يمكن أن تباع الرواية عموما بـ 12 ألف روبل يذهب ثلثها في أحسن الأحوال للموزعين. فاقترضنا مبلغا لستة شهور. ونشرنا إعلانا عن قرب صدور الكتاب. وما كان أشد فرحتنا عندما تقاطر على دارنا رسل المكتبات التجارية ليشتروا عشرات من النسخ نقدا بتنزيلات تتراوح بين 20 و 30 في المائة من سعر الغلاف.

على أية حال، بدأ نشاطنا الطباعي موفقا تماما، فبيعت نسخ الكتاب قبل أن ينتهي العام وتجاوز صافي عائداته أربعة آلاف روبل. وكان ذلك مبعثا لإرتياحي بخاصة. أما دوستويفسكي فقد سره كثيرا إقبال الجمهور على الرواية. فالقراء هم سنده الوحيد فى ميدان الأدب. ولم يبذل النقاد (ما عدا بيلينسكى ودوبرولوبوف) آنذاك جهدا للكشف عن موهبته. تجاهله بعضهم، فيما أضمر له البعض الاخر العداء، بل جاهروه به. وعندما أراجع كتاباتهم اليوم، بعد خمسة وثلاثين عاما من وفاة دوستويفسكى، تدهشنى بسطحيتها وحقدها الأعمى.
29. العداء ينقلب تعاونا

فى نيسان 1874 ترك دوستويفسكى مجلة "المواطن" بعد أن عانى منها الأمرين، حتى انه غرم ماليا بحكم المحكمة وأودع السجن يومين عقابا على إحدى مقالاته فيها. وعاد إلى النتاج الأدبى الصرف بتشوق كبير، حيث شرع بكتابة "المراهق".

فى ذلك الشهر زارنا على غير عادته الشاعر الكبير نيكولاي نكراسوف، صديق الطفولة و"عدو" الكهولة. أثار مجيئه فضولى لدرجة جعلتني أقف وراء الباب أتنصت لما يدور بينه وبين زوجى. كنت مطلعة على الصراع الفكري بين مجلة نكراسوف "المعاصر" ومجلتي الأخوين دوستويفسكي "الوقت" و"العصر" في الستينات. ثم ان مجلة نكراسوف الأخرى "رسالة الوطن" لم تكن تستنكف عن مهاجمة دوستويفسكي. وما كان أعظم فرحتي عندما سمعت نكراسوف يدعو زوجى للتعاون ويعرض عليه نشر "المراهق" في مجلته بأجر مغر (250 روبلا للملزمة وليس 150 كما فى مجلة "البشير").

لعل نكراسوف تصور، عندما رأى أوضاعنا المزرية، أن دوستويفكسى سيطير فرحا، يوافق على اقتراحه. إلا أن زوجي شكره وقال: لا يليق أن أقبل هذا العرض دون علم "البشير". فلي معها علاقات طيبة، وقد تحتاج إلى نتاجي. ثم ارتحل دوستويفسكي إلى موسكو ليناقش هذا الموضوع شخصيا مع رئيس تحرير "البشير". فوافق هذا الأخير على السعر الجديد، لكنه اعتذر عن عدم تقديم السلفة، فالمجلة اشترت مؤخرا حقوق نشر رواية ليون تولستوي "آنا كارينينا" على مدار عام 1879 ولم يبق لديها فائض من مال. وبهذه الصورة حلت المسألة لصالح نكراسوف.

سر زوجي كثيرا لعودة العلاقات مع صديق طفولته إلى سابق عهدها. إلا أن للمسألة جانبا سلبيا أيضا. فلدوستويفسكي أعداء كثيرون بين الأدباء العاملين في مجلة نكراسوف ذات الإتجاه الفكري المخالف لأرائه، وقد يضطرونه إلى تغيير فكرة الرواية بحيث تلائم اتجاههم. وما كان بوسعه أن يتنازل عن مبادئه قيد أنملة. وكان من المستبعد أن تنشر "الرسالة" رواية تتضمن آراء تتعارض وآرائها. وهذا ما أثار قلقنا. فإن دوستويفسكي والحال هذه قد يسحب "المراهق" من المجلة، في حين تبخر المبلغ الكبير الذي استلمناه مقابلها. سددنا قسما من الديون المستحقة، وسافر زوجي بالتالي إلى ألمانيا للعلاج من النزلة الصدرية في حزيران 1874. وفي طريق العودة بعد شهرين عرج على جنيف خصيصا ليزور قبر ابنتنا صوفيا، وجلب لي غصنا من السروة التي غرسناها عند القبر من ست سنين.

30. الشتاء في الريف

بسبب الضائقة المالية (المزمنة) قررنا أن نقضي الشتاء أيضا في الريف. فالأطعمة والإيجار أرخص مما في العاصمة بمرات. عشنا لأول مرة حياة موزونة هادئة مكنت زوجي من مواصلة كتابة روايته الجديدة، حتى اننا لم نستدع الطبيب له كما كنا نفعل كل شتاء في بطرسبورغ. كان دوستويفسكي يداعب طفليه ويرقص معهما، ومعي أحيانا، على أنغام الكادريل والفالس والمازوركا البولونية وهو في أطيب مزاج. ولذا تدهشني ادعاءات البعض من انه سوداوي منقبض النفس دوما. وقبيل المنام يبارك الصغيرين ويرتل معهما "يا أبانا" وسائر الإبتهالات الدينية كل ليلة. ولم أر في حياتي رجك أكثر منه مهارة في ولوج عالم الأطفال وتشويقهم بحكاياته المثيرة حتى ليغدو واحدا منهم.

كان يعمل كالعادة حتى الثالثة أو الرابعة بعد منتصف الليل ويملي علي ساعة أو ساعتين في النهار.

عجزت عن الكتابة ذات مرة في موضع من الفصل التاسع من "المراهق" ( مشهد انتحار الفتاة). فسألني متحيرا:

- ماذا بك يا عزيزتي ؟ أنت شاحبة جدا، هل تشعرين بوعكة ؟

- كلا. وصفك أرعبني.

- يا إلهي، هل يعقل أن له تأثيرا بهذه الشدة ؟ اعذريني، آسف جدا.

كنت بالنسبة اليه محرارا أو مكشافا يعكس مدى نجاحه في التأليف. فأنا قارئته الأولى، وهو يعتز برأيي ويؤكد أنه تيقن مرارا من صحة انطباعاتي بعد اطلاعه على آراء القراء والنقاد.

وترك الفصل الآنف الذكر انطباعا عميقا في نفس نيكولاي نكراسوف، فهو يعتبر مشهد الإنتحار منن "آيات الإعجاز الفني" ويتلمس في الرواية التي أعجبته للغاية "طراوة افتقدناها من زمان حتى عند ليون تولستوي في كتاباته الأخيرة "على حد تعبيره. إلا أن لدوستويفسكي رأيا آخر في تلك "الكتابات". فقد قال عن رواية "آنا كارينينا "إنها" من عيون الأدب الهامة، وهي أفضل تزكية لنا أمام أوروبا، بل هي تمكننا أن نبز أوروبا". وقال عن ليون تولستوي "إنه قنان بلغ ذروة الابداع وان امثاله هم معلمو المجتمع، معلمونا، ونحن مجرد تلاميذ لهم".

اتذكر اني، في حينه، قهقهت بأعلى صوتي عندما تلا علي دوستو يفسكي حديث الجنرال في "الأبله". و حينما أملى قرار الإتهام على لسان المدعي العام في "الأخوة كارامازوف" قلت له مازحة:

- يا ليتك كنت مدعيا عاما ! بخطابك هذا تنفي حتى الأبرياء إلى سيبيريا !

- يعني ان خطاب الإتهام جاء موفقا ؟

- جدا.

و عندما أملى كلمة محامي الدفاع سألني رأيي فيها فأجبته هذه  المرة أيضا:

- ليتك كنت محاميا، فبوسعك أن تبيض صفحة أبشع المجرمين ! وفي بعض الأحيان كنت أكتب بيد و أكفكف دموعي بالأخرى، فيتوقف دوستويفسكى عن الإملاء ويقترب منى صامتا ويقبل رأسي بحنان.

31. الرقابة

فصح الأطباء دوستويفسكي أن يكور العلاج في الخارج بعد أن كانت له نتيجة محمودة في العام الفائت. فطلبنا له من جديد جواز سفر في نيسان 1879. ولم يكن الأمر، ونحن نقيم في أرياف فوفغورود، بنفس السهولة التي كنا نحصل بها على الجواز في بطوسبورغ. واجعت مأمور الشرطة في الضاحية لأستفسر عن الإجراءات المطلوبة فاستقبلني بترحاب. لكنه أخرج من الجرار دفترا سميكا وقدمه الي. فتحته فانعقد لساني دهشة: "ملف الملازم الثاني المتقاعد فيودور دوستويفسكي الخاضع للرقابة السرية و المقيم حاليا في بلدة كذا، وعنوانه كذا... "قرأت عدة صفحات وقهقهت:

- يبدو أنك تعرف كل شئ عنا !

- نعم. أعرف كل ما يجري في عائلتكم، ويسرني أن زوجك حسن السلوك ولم يسبب لي متاعب حتى الان.

هل أبلغه هذا الإطراء ؟ - سألته ساخرة،

فأجاب بسذاجة:

- نعم، وآمل ألا يخلق لي مشاكل في المستقبل.

عندما أبلغت دوستويفسكي بقصة الرقابة ضاحكة اكتأب كثيرا، فقد آلمه انهم يراقبونه حتى الآن رغم ولائه اللامتناهي للقيصر والوطن. وأدركنا حينها سبب تأخير مراسلاتنا. ولم يكن دوستويفسكي طلب رسميا رفع الرقابة عنه، خصوصا بعد أن أكد له أشخاص مطلعون أنه لم يعد خاضعا للرقابة السرية طالما سمحت له السلطات بإصدار محلته "يوميات كاتب". والحقيقة أن الرقابة لم ترفع إلا عام 1880 بأمر من موظف كبير التمسه دوستويفسكي. (تفيد مصادر اخرى ان الرقابة التي لاحقت الكاتب أكثر من ربع قرن رفعت عنه في صيف 1875 لكنه لم يعرف بذلك إلا بعد خمس سنين عندما قدم الطلب الذي تشير إليه زوجته آنا دوستويفسكايا في مذكراتها). ومهما يكن من أمر فقد عاش دوستويفسكي منذ عام 1859 بهوية إقامة وقتية في بطرسبورغ شأن عشرين ألف مشرد من سكانها ممن لا يحملون هوية دائمة. ولم يكن الرجل يمتلك منزلا خاصا به. وليس له من الأموال غير المنقولة سوى قطعة ارض مستنقعة في محافظة ريازان خلفتها خالته لعدد كبير من الورثة ولم يستلم حصته من تلك التركة إلا قبيل وفاته بعامين. وبعد أن رحل عنا إلى جوار ربه تمكنت أن أشتري المنزل الريفي الذي كنا أمضينا فيه عدة سنين على سبيل الايجار.
32. ألكسي

تركنا الريف عائدين الى العاصمة في الخريف بعد آن رزقت بابني الثاني ألكسي في 10 آب 1875. وتحسنت اوضاعنا عموما خلال عام 876 ا. لم تحدث لزوجي نوبات صرع من زمان، والأطفال فى صحة جيدة، وديوننا أخذت تتضاءل شيئا فشيئا،، مجلتنا الشهرية "يوميات كاتب" تحقق نجاحا. وسع دوستويفسكى اتصالاته وصار يتردد على محافل علية المجتمع فيحظى بالترحاب وبتقدير رفيع لطيبته و أريحيته فضلا عن موهبته الأدبية. ومع ذلك كان بعض الأدباء يسيئون إليه ربما بدافع الحسد.

و اصلنا إصدار المجلة في عام 1877، ومع ازدياد نجاحها المعنوي و المادي ازدادت الصعوبات المرتبطة بالتوزيع و الإشتراكات والمكاتبات وما إلى ذلك. كما اشتد بدوستويفسكى الحنين إلى الأدب الصرف. فقرر في نهاية ذلك العام أن يوقف المجلة لسنتين أو ثلاث ويعكف على كتابة رواية جديدة. كانت في ذهنه آنذاك أربعة مشاريع لا تكفي عشر سنوات لإنجازها. كان يريد أن يؤلف رواية عن كانديد الروسي ورواية عن يسوع الناصري ومرثية الأربعين، بالإضافة إلى الشروع بكتابة مذكراته. ولم يتحقق أي من تلك المشاريع.

ذات مرة، في خريف 1877، عرج دوستويفسكي مع صديق له على إحدى عرافات العاصمة فتنبأت له بشهرة عظيمة ومصيبة أليمة. وبالفعل جاءته اثناء مهرجان 1880 الأدبي في موسكو شهرة تفوق التصور. وفي 16 ايار 1878 توفى ابننا الأصغر ألكسي. وكان ألم زوجى، وألمي، يفوق التصور أيضا. كان يحب صغيره حبا متميزا، ماساويا رقيقا، وكان هاجسا يوحى إليه بقرب الفجيعة. وكان يحز فى نفسه بخاصة أن الطفل توفي في نوبة من الصرع الذي ورثه عنه. ولم يخبرنى دوستويفسكى بالفال الذي قرأته له العرافة إلا بعد وفاة إبني. تبدل حالى و اختفت بشاشتى المعهودة واستولت علي لامبالاة مطلقة. عشت على ذكريات السنوات الثلاث الأخيرة، ذكريات صغيري الفقيد.

وتحمل دوستويفسكى المصيبة بصمت جعلنى أخشى عليه هو أيضا. وكان يحاول أن يخفف علي أحزاني. وفيما بعد عمد إلى وصف الكثير من أفكارى وشكوكي وآلامي، بل أورد حتى كلماتي بالحرف الواحد، فى "الأخو ة كارامازوف "، في فصل "المؤمنات"، حيث تعرض أم مفجوعة بوليدها كل ما تعانيه من الام على شيخ الدين زوسيما.
33. الحرب

رأينا تحشدا حول باعة الصحف في شارع نيفسكي الرئيسي. توقفت العربة فشققت طريقي بين الجموع، واشتريت صحيفة فيها ما كان الجميع ينتظرونه من زمان: " بلاغ 12 نيسان 1877 عن دخول القوات الروسية الأراضي التركية ". كان ذلك هو الإعلان الرسمي عن بدء الحرب الروسية العثمانية. قرأ زوجي البلاغ وأمر الحوذى أن يمضي بنا حالا إلى كاتدرائية قازان. كان فيها جمع من المصلين. ذاب دوستويفكسى بينهم. وكنت أعرف أنه في المناسبات المشهودة يفضل الصلاة فى ركن منزو هادئ دون أن يراه أحد من معارفه. فتركته وشأنه. وبعد نصف ساعة مضيت إليه فوجدته يبتهل في تأثر وذهول حتى أنه لم يعرفني للوهلة الأولى.

وفيما بعد ظل يتابع الأحداث ونتائجها الخطيرة بالنسبة إلى الوطن الحبيب. واحتفظ بالبلاغ المذكور مع الوثائق التي يعتز بها، فهو يعتبر المشاركة فى الحرب الروسية العثمانية 1877-1878 فائحة لأداء "الرسالة التاريخية لأمة الروسية في توحيد البشرية، و الشعوب السلافية في المقام الأول، على أساس المحبة والأخوة المسيحية " على حد تعبيره.
34. ثالث الشعراء

في نهاية 1877 كان دوسلويفسكي في أسوأ حال، إذ أن نيكولاي نكراسوف أحد أوائل الدين اعترفوا بموهبته وساعدوه ليشق طريقه فى الوسط الفكري آنذاك قد شارف الموت. كان زاره مرارا اثناء مرضه. وعندما بلغه نبأ وفاته في 27 كانون الأول تأثر من الصميم وأمضى تلك الليلة يتلو بصوت مسموع أفضل قصائد الشاعر الراحل. فخشيت عليه من الصرع ولازمت مكتبه حتى الصباح.

وبعد ثلاثة أيام جئنا للمشاركة فى تشييع جثمان نكراسوف. كان في مقبرة دير " نوفوديفيتشيه" حشد غفير أغلبه من الشبان. وقبل أن يهال التراب على التابوت فى القبر المكشوف ألقى دوستويفسكى بصوت متهدج كلمة مقتضبة قوم فيها موهبة الفقيد مؤكدا فداحة الخسارة التي تكبدها الأدب الروسي. ثم نشر في "يوميات كاتب" مقالة مطولة عنه اعتبرها معظم الأدباء أفضل دفاع عن نكراسوف الذي اختلفت فيه الاراء وانقسم حوله النقاد بين مستحسن ومستهجن. و أعاد له دوستويفسكي مكانته المستحقة في روضة الشعر، فهو في رأيه ثالث شعراء روسيا المجددين بعد بوشكين وليرمونتوف.
35. تولستوي

فى مطلع 1878 ألقى الفيلسوف اللامع فلاديمير سولوفيوف، وكان في مقتبل العمر، سلسلة محاضرات عامة في الفلسفة حظيت باقبال منقطع النظير. وكنت حضرتها مع دوستويفسكى. في أثناء إحدى المحاضرات لاحظنا أن صديقنا نيكولاي ستراخوف قابلنا بجفاف خلال الفرصة واختفى بلمح البصر على غير عادته. وعندما ذكرته بموعد الأحد، فهو يتناول طعام الغداء عندنا في الأحاد، التفت إلينا وأجاب: طبعا، أنا ضيفكم الدائم. وعلى الغداء بعد أيام سألناه عن تصرفه الغريب ذاك وعن سبب زعله علينا فاجاب ضاحكا:

- أعوذ بالله! كيف أزعل عليكما؟ كل ما في الأمر أني جئت حينها برفقة الكونت ليون تولستوي وقد اشترط علي ألا أعرفه على أحد من الحضور، مما جعلنى أتحاشى الجميع.

- عجيب! كان معك تولستوي؟! - هتف دوستويفسكي مبهوتا - مع الأسف أنى لم أقابله. طبيعي أني ما كنت سأفرض عليه تعارفا لأ يرغب فيه. ولكن لم لم تهمس فى أذنى أنك معه؟ كان بودي أن ألقى ولو نظرة خاطفة عليه.

- أنت تعرفه من صوره- واصل ستراخوف ضحكته.

- ما قيمة الصور؟ وهل تغني عن المقابلة الشخصية؟ لن أغفر لك هذه الفعلة يا نيكولاي. وظل دوستويفسكى آسفا على تلك الفرصة المضيعة. أما أنا فقد التقيت الكونت ليون تولستوي مرة واحدة في موسكو عام 1902 وكان لي معه حديث. قبلها تعرفت على عقيلته الكونتيسة صوفيا أندرييفنا والتقيتها مرارا منذ عام 1885. فهى تزورني عندما تصل إلى بطرسبورغ ونتشاور في أمور الطباعة والنشر خصوصا. وأعرج عليها حتما كلما زرت موسكو. ولم يصادف أن وجدت الكاتب الكبير فى البيت، كونه يقيم أساسا فى ضيعته بضاحية " ياسنايا بوليانا ". وحالفنى الحظ بعد سنتين، فوجدته ذات مرة. كان متوعكا بعد نوبة التهاب الكبد. استقبلني، مع ذلك، أحر استقبالى. ودار الحديث بالطبع عن المرحوم زوجي. وقال تولستوي انه سيظل يشعر بالأسف الشديد لأنه لم يتعرف فى حينه على دوستويفسكي. وعندما ذكرته بمحاضرة سولوفيوف استغرب وأناح باللائمة على مرافقه الذي لم يخبره. وأضاف: كان دوستويفسكي عزيزا علي. ولعله كان الكاتب الوحيد الذي يمكنني أن أساله الكثير ويمكنه أن يرد بالكثير.
36. "خلوة النساك "

بعد وفاة ابننا الأصغر ألكسي كاد دوستويفكسى يقضى غما وكمدا. فنصحته بالسفر إلى "خلوة النساك" بمقاطعة كالوغا في أواسط روسيا، ذلك الدير المنزل الذي غدا محجة للمفكرين والأدباء وسواهم من ذوي المشاعر المرهفة والنفوس القلقة التي تنشد السلوى والهدوء 

والطمأنينة في رحاب الإيمان، وتنهل من منابع الحكمة على يد شيخ الدين. وكان بين المشاهير الذين زاروا الدير القائم منذ القرن الرابع عشر نقولاي غوغول وليون تولستوي ونقولاي ليسكون وايفان تورغينيف.

كان دوستويفسكي مترددا في الرحيل إلى الدير لوحده رغم رغبته القديمة في رؤيته. وتمكنت أن أقنع فلاديمير سولوفيوف الذي كان ينوي السفر إلى هناك في ذلك الصيف أن يصطحب زوجي. ومع أنني أعتبر هذا الرجل الهائم في أجواء الفلسفة واحدا "من أهل الله" إلا انني كنت متأكدة أنه سيسهر على دوستويفسكي فيما لو أصابته نوبة صرع في الطريق الطويل.

في أواخر حزيران 1878 ارتحلا. عاد دوستويفسكي من "خلوة النساك" أكثر هدوءا واطمئنانا بعد أن التقى شيخ الدين مع الرعية مرة، ثم اختلى به مرتين في حديث صادق كان له وقع عميق في نفسه. وفيما بعد أورد دوستويفسكي مواضع من هذا الحديث في الجزء السابع من "الأخوة كارامازوف"، وأحاد في وصف شخصية شيخ الدين ومعتكفه وصومعته كما رآه بأم العين.

عدنا من الريف إلى بطرسبورغ في الخريف كالعادة، واستأجرنا شقة جديدة بدلا من الشقة التي يذكرنا كل شئ فيها بفجيعتنا بابننا.وأمضى دوستويفسكي في الشقة الجديدة بقية حياته حتى توفي بعد عامين.

لم يفارقنا الحزن شتاء، لكن الأمور سارت على منوالها حسب الظاهر. واصل دوستويفسكي العمل في "الأخوة كارامازوف" حتى تمكن من إنجاز الوجبة الأولى بحوالي مائتي صفحة نشرت في مجلة "البشير الروسي" عدد كانون الثاني 1879.

31. "أفكر في الموت"

مرت الشهور الأولى من عام 1879 بهدوء. واستمر دوستويفسكي بكتابة روايته، وشارك في أمسيات أدبية خيرية عديدة، فكان يلقي فصولا من مؤلفاته، وخصوصا الرواية الجديدة "الأخوة كارامازوف"، ويستقبله الجمهور بمنتهى الحفاوة والتكريم. رافقته في كل تلك الأمسيات الممتعة وساعدته على قدر المستطاع

حتى قال لي مرة "أنت حامل سلاحي". وبالفعل كنت أحمل الكتاب الذي يتلو مقتطفات منه وآخذ معى أقراص السعال ومنديلا إضافيا وبطانية نلف بها كتفيه وعنقه كيلا يصاب بالبرد في الطريق، وما إلى ذلك من الحاجيات التي جعلته محقا في نعته ذاك. لكن المؤسف أن الغيرة عاودت دوستويفسكى مرارا في تلك الأمسيات فعكرت الجو علي وعليه.

وفي الربيع انتقلنا إلى الريف كالعادة. وكان البروفيسور كوشلاكوف أصر على زوجي أن يسافر إلى ألمانيا للعلاج بالحمامات بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. وعندما حل الصيف ارتحل دوستويفسكى إلى مدينة ايمس وتوجه في الحال إلى طبيب هناك. فوعده هذا الأخير بان "مياه كرينهين المعدنية ستعيده إلى الحياة". وكتب لي زوجي يقول: "فحصني الدكتور أورت فوجد أن جزءا من الرئة غير موضعه وكذلك القلب تزحزح من مكانه المعتاد وهو الآن في موضع أبعد. كل ذلك بسبب الإنتفاخ الرئوي. إلا أن القلب سليم تماما، ولا يشكل تبدل الموضع خطرا يذكر كما يقول الطبيب. وهو ملزم بالطبع أن يهدي من روع المريض. ولكن إذا كان الإنتفاخ وهو في طوره الأول قد فعل هذا كله فماذا ينتظر منه فيما بعد ؟ على كل حال، أملى كبير في المياه المعدنية".

أفزعني رأي الطبيب الألماني. فقد كنت في السنوات الأخيرة أرى زوجي في أحسن حال، ولم أتوقع أن المرض يسري في بدنه على هذا النحو. علقت آمالي أنا أيضا على مياه كرينهين، فقد اسعفته كثيرا فيما مضى. وكنت أتمنى أن يجد دوستويفسكي في ايمس من يبدد وحدته، لكنه مع الأسف لم يجد أحدا من معارفنا طوال الأسابيع الخمسة التي أمضاها هناك. وكتب إلي أنه يعاني من الوحدة القاتلة والصمت: "تلك ليست مجرد وحدة، إنها صمت أخرس، حتى اني أكلم نفسي أحيانا كالمجنون... فقدت قابلية النطق، ومنذ أربعة أسابيع لم أسمع صوتي. وأفكر في الموت طول الوقت".

38. بداية العام الأخير

بدأ عام 1880 بافتتاح "مؤسسة دوستويفسكي" لتوزيع بالمراسلة. كانت أحوالنا المالية متردية رغم نجاحنا في تسديد الديون التي لاحقت زوجي منذ الستينات. وما دفعنا لفتح المؤسسة التجارية لتسويق المطبوعات هو تدهور صحة دوستويفسكي واستفحال الانتفاخ الرئوي وخوفنا أن يعجز قريبا عن الكتابة، ففكرنا في توفير بعض المال لليوم الأسود.

تحمست للمشروع كثيرا، لكنى كنت واثقة أن النجاح لن يكتب له إلا بتسجيل المؤسسة باسم فيودور دوستويفسكي" مما حوله رسميا الى "تاجر" ووفر لخصومه حجة إضافية للنيل منه على صفحات الجرائد متصورين بسذاجة أنه يشارك فعلا في نشاط هذه المؤسسة المتواضعة التي أغلقت أبوابها بعد شهرين من وفاته.

وعلى العموم لم يكن لدينا في بداية هذا العام ما يبرر الشكوى. فإن صحة دوستويفسكي في اعقاب علاجات الصيف الفائت تحسنت على ما يبدوه كما تضاءلت نوبات الصرع. وطفلانا في صحة موفورة. و "الأخوة كارامازوف" تحقق نجاحا لا ريب فيه. ومؤسستنا التجارية بدأت خطوات موفقة ومطبوعاتنا تحظي باقبال واسع. كل ذلك جعل دوستويفسكي في أحسن حال. ورغم انشغاله في كتابة المتبقي من روايته كان يزور أصدقاءه ويتردد على الصالونات الأدبية ويلتقي مشاهير عصره من العلماء ورجالات المجتمع وسيداته. وقد حضر مناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الفيلسوف فلاديمير سولوفيوف الى جامعة سان بطرسبورغ في "نقد المبادئ التجريدية" وشارك في أمسيات أدبية كثيرة. وكان كما أسلفت يستأسر المستمعين ببراعته وتعبيريته، رغم صوته الرفيع الواهن، وببساطته وعدم تقيده بأساليب فن الخطابة، حتى انه عندما تلا مقطعا من "الجريمة والعقاب" (حلم واسكولنيكوف حول الحصان القتيل) رأيت الحاضرين مخطوفين وقد ارتسم الرعب على وجوههم، والبعض يبكون، ولم أتمكن أنا نفسي أن أحبس دموعي. ولم يكن دوستويفسكى يقتصر على تلاوة مؤلفاته، فهو يقرأ في تلك الأمسيات والندوات مقتطفات من غوغول وبوشكين وغيرهما. وأذكر أن الجدران كادت تهتز من التصفيق بعد أن ألقى دوستويفسكي قصيدة "النبي" ( ترجمها نجاتي صدقي في كتابه "بوشكين"، سلسلة "اقرأ"، القاهرة، 1954).
39. تمثال بوشكين

في 26 أيار 1880 كان سيصار إلى إحياء أضخم مهرجان تشهده روسيا لتكريم ذكرى أمير شعرائها ألكسندر بوشكين. وتلقى دوستويفسكي، شأن سائر كبار الأدباء والمفكرين، دعوة للمشاركة بكلمة في الإحتفالات التي ستقام في موسكو.

عكف دوستويفسكي على إعداد كلمته. واهتم كثيرا بالأقاويل المتعارضة التي شاعت في العاصمة بطرسبورغ بصدد مضامين الخطب التي سيلقيها في المهرجان ممثلو جناحي الفكر الروسي: القوميون المتقيدون بالنزعة السلافية والعصريون الموالون للغرب. وكان دوستويفسكي، وهو من الفريق الأول، يريد أن يضمن خطابه عن بوشكين كل ما أثفل صدره خلال هذه السنين من أفكار بخصوص رسالة الأمة الروسية الأرثوذكسية المؤمنة.

كان في نيتنا أن نرتحل إلى موسكو مع طفلينا. فإن أبقيناهما مع المربية سيشتد قلقي عليهما، وإن تركت زوجي يسافر لوحده سيشتد قلقي عليه. إلا أن القرار جاء بعد أن أفزعتنا كلفة السفر والاقامة طوال فترة المهرجان. فرحل دوستويفسكي لوحده.

تأجل افتتاح المهرجان بسبب وفاة الإمبراطورة الأم. وبدلا من أسبوع أمضى دوستويفسكى في موسكو 22 يوما كنت خلالها أتقلب على الجمر مع أن رسائله تتوارد على كل يوم. وسبب مخاوفي وعذابي أن الطبيب الروسي الذي فحص دوستويفسكي قبلها أفضى الي سرا أن المرض اللعين استفحل في الأونة الأخيرة وأن الإنتفاخ الرئوي في حالته الراهنة يشكل خطرا على حياة زوجي. فالشرايين في الرئتين غدت رقيقة هشة ويمكن أن تتمزق وتنفجر لأية حركة مفاجئة أو أية انفعالاته شديدة، محزنة كانت أم سارة لا فرق. ثم اني كنت أخشى عليه من نوبة الصرع المزدوجة التي لم تداهمه من فترة، ويتوقع أن تصيبه الآن.

وإذا حدثت له في الفندق سيقوم، كعادته بعدها، قبل أن تزول الغشاوة عنه ويأخذ في البحث عني هناك دون أن يدرك بأني بعيدة، وسيعتبرونه مجنونا ويزجون به في دار المجاذيب. إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث والحمد لله.

في 6 حزيران 1880 أزيح الستار عن تمثال بوشكين في قلب روسيا. وألقى دوستويفسكي كلمته الشهيرة في اختتام المهرجان، في يومه الرابع. وعاد إلى الفندق متعبا وفرحا لإستقبال الجمهور الموسكوبي الممتن الذي كرمه بإكليل ضخم من الغار.

أخذ قسطا من الراحة. وفي ساعة متأخرة من الليل مضى إلى تمثال بوشكين مجددا. توقفت عربته في الساحة الخالية من السابلة في أخر دليل. نزل منها يحمل إكليله الثقيل. وضعه عند قاعدة معلمه العظيم "وركع أمامه ثم سجد حتى لامس الأرض.

( ومعروف أن بعض كبارا لكتاب الروس، ومنهم ليون تولستوي، قاطعوا مهرجان بوشكين احتجاجا على الصراعات السياسية التي رافقته. وقال سالتيكوف شيدرين في تبرير غيابه: "كاد العاقل والمجنون، تورغينيف ودوستويفسكي، ان ينتزعا امجاد بوشكين ويقتسما ثمرة مهرجانه").

عاد دوستويفسكي إلى بطرسبورغ فرحا سعيدا. إلا أن الفرحة لم تدم طويلا. فبعد نشر خطابه عن بوشكين تجنت عليه الصحف والمجلات ورمته بوابل من الإنتقادات والتهم والإفتراءات بل وحتى الشتائم المقذعة بسبب ما ورد في ذلك الخطاب. وقلب لدوستويفسكي ظهر المجن بعض من الذين كانوا استمعوا اليه في موسكو بإعجاب وشدوا على يده مهنئين. اعترض المعترضون هذه المرة على فكرة دوستويفسكي القائلة بان الأمة الروسية أمة متنورة تجاوزت التخلف بتبنيها تعاليم المسيح، وزعموا أن هذه الأمة جاهلة ولن تقوم لها قائمة ما لم تعالج وتزق بحقنات حضارية من الغرب. رد دوستويفسكي على تلك التهجمات جملة وتفصيلا في مقال نشره في العدد الوحيد والأخير من مجلته "يوميات كاتب" لعام 1880. وأثار المقال ضجة صاخبة في الوسط الأدبي أعادت الأمور إلى نصابها في تقويم بوشكين والأمة الروسية حضاريا وفي رد الإعتبار لدوستويفسكي نفسه.

هدأ روع زوجي بعض الشئ فعاد يواصل كتابة "الأخوة كارامازوف". كان عليه أن ينهي الجزء الرابع باكمله حتى فرغ منه بحلول تشوين الأول 1880. وفي مطلع كانون الأول أصدرنا طبعة مستقلة من الرواية بثلاثة آلاف نسخة نفدت في أيام معدودات. فما أعظم فرحة دوستويفسكي بهذا النجاح ! إنه أخر حدث سار في حياته المشحونة بالمنغصات والألأم.
40. النهاية

لم يعد ثمة موجب لك جهاد بعد أن أفلحنا في تسديد ديوننا وصارت مجلة "البشير" مدينة لنا بحوالي خمسة آلاف روبل. إلا أن دوستويفسكي لا يجد سبيلا للراحة. فهو يعد العدة لإصدار مجلته "يوميات كاتب" عامين آخرين. وينوي كتابة روايته الثانية عن الأخوة كارامازوف، على أن تاتي بنفس الأبطال تقريبا بعد عشرين عاما من أحداث الرواية الأولى، وتغدو أعمق منها وأشد إثارة.

أمضى الأسبوعين الأولين من كانون الثاني 1881 في أحسن حال، ولم تقع له نوبات صرع من ثلاثة شهور. فتصورنا أن الشتاء سيمر بسلام.

زارنا كثيرون يوم الأحد 25 كانون الثاني وزوجي في صحة جيدة. وليس هناك إطلاقا ما يشير إلى ما سيحدث بمد ساعات.

استيقظ دوستويفسكي في اليوم التالى كعادته ظهرا وأخبرني أن نزيفا طفيفا حدث له في الليل. تدحرجت المحبرة تحت خزانة الكتب فاضطر أن يزحزحها من مكانها فنزف الدم من فمه. ولقلة ما نزف من دم لم يقلق كثيرا ولم يوقظني ساعتها. وفي النهار كان هادئا يمزح مع طفليه. إلا أن الدم سال من جديد شريطا رفيعا على لحيته في حوالي الخامسة. فصرخت في هلع رهيب. وعندما وصل الطبيب بعد وفحصه شحب الدم غزيرا هذه المرة وأغمي عليه.

غير أن الدكتور أكد أن لا خطر على حياته وقال إن الدم سيتخثر في الشريان الرئوي المنفجر ويسد الثغرة، لاسيما وان ما نزف منه في المرات الثلاث لا يتجاوز قدحين. توقف النزيف فعلا نهار 27 كانون الثاني. ومع ذلك لم يغمض لدوستويفسكي جفن خطر الليل.

طلب مني أن أحضر الإنجيل وأشعل شمعة وقال: "سأموت اليوم". فتح الإنجيل لا على التعيين وأعطاني اياه فقرأت فيه: "وإذا السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وأتيا عليه" ("متى"، الإصحاح 3: 13-17) كرر دوستويفسكي مما قرأت "وإذا السموات قد انفتحت له" واضاف: "الم اقل لك يا حبيبتي إني سأموت اليوم ؟ ".

وفي التاسعة من صباح 26 غفا بهدوء ويدي في يده. إلا أن النزيف أيقظه في الحادية عشرة. والمنزل يغص بالحاضرين في انتظار عودة الطبيب الذي وصل في حوالي السابعة مساء. آنذاك انتفض دوستويفسكي فجأة دون سبب واضح ورفع رأسه فشحب الدم على وجهه من جديد. ولم تسعفه مكعبات الجليد. أغمي عليه وشعرته أن النبض يكاد يضيع... وفي الثامنة والدقيقة الثامنة والثلاثين أسلم الروح.

في الأول من شباط 1881 شيع جثمان فيودور دوستويفسكي إلى مثواه الأخير في موكبه عفوي مهيب لم تشهد بطرسبورغ مثله إلا في مقتل الإمبراطور ألكسندر الثاني بعد شهر من ذلك التاريخ !

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تعيب:( أفادت آنا غريغوريفنا، زوجة الكاتب، أن رجلا ثقيلا الظل، تحفظت عن ذكر اسمه، زارهم في 26 كانون الثاني ودار بينه وبين دوستويفسكي نقاش حاد في موضوع فكري، إلا أن ابنهما لوبوف فودوروفنا كتبت في مذكراتها المنشورة بالألمانية أن شقيقة دوستوفسكي زارتهم في ذلك اليوم وحدثت بينها وبينه مشادة حول تركة خالتها انفتح بعدها النزيف الذي أودى بحياة الكاتب).

هامش: العناوين وكل ما ورد في النص بين هلالين من وضع وتحقيق المترجم
 

 

ترجمة واعداد: خيري الضامن
 (كاتب ومترجم من العراق يعيش في موسكو)

   

2235 تصفح 1 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009