لا تستطيع مجلة ، أي مجلة وربما في أي مكان ، ان ترسم ملامحها وتحدد وجهتها منذ العدد الأول أو الثاني، لكنها تحاول أن تقدم المؤشرات الأولى لطموحها ووجهتها عبر الدرب الثقافي الطويل والصعب . وليس من التهويل في شىء إذا قلنا أن اصدار مجلة ثقافية بطموح يتوسل الجدية والابداع، والتنوير هو دخول في مغامرة على نحو من الانحاء، مغامرة البحث والا سكة والسفر خارج المألوف والمنمط والمستهلك وهو ما تعكسه ردود الافعال المتباينة تجاه المجلة منذ عددها الأول. ردود أفعال من قبل كتاب ومؤسسات وصحافة ومن فئات مختلفة تتراوح بين الاحتفاء وهو الغالب وبين النقد الحقيقي المسؤول الذي نصغي اليه ونستفيد منه وبين الهجوم الواعي لأهدافه. والهجوم الجاهل والعدائي، حيث أن هناك دائما رأيا مسبقا ونمذجة عمياه لا سبيل الى نقضها، مع غض النظر عن المجلة وأهميتها ومستواها. ومثل...التفاصيل >>>

الزمن ، الزمن عربة الموت السريعة الوثائق ودورها فـي إبراز العلاقات العُمانية - العثمانية الصراع على التراث جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص فلسطين المفقـــــــــودة تركيب من هوسٍ لاهوتي توراتي تقاطعَ مع مشروع استعماري غربي طمس ماضي فلسطين وحاضرها أليوت والرعشـــــة كلمة «الرعشة» تنتمي إلى الذعر والخوف واللذة وخرق الطبيعة وهي أيضا كمصطلح نقدي للمديح بلاغة الفراغ في سياق ما بعد الحداثي من أين يأتي الفراغ؟ حيث يكون موجوداً أساساً, أننا نعيش الكوني فينا بفضيلة من فضائله الشعر... المكان ونبض المطلق لا تفارق النمذجة المكانية, مسألة البناء، بناء المكان. الانحياز إلى الأصل في أعمال شاكر نوري السردية - رواية «شامان» - نموذجا اشتغالات إبداعية تتعزز بقراءات وبعلاقات حقيقية ومتخيلة الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق الملف بول شاوول.. يهز جرة اللغة فتسري الرعشة في النص لا تخون المهرج الحزين إلا ضحكاته سطوح ، بول شاوول وأعماقه بول شاوول: كان يمكن أن أكون نجاراً لكن الشعر أخذني فـي اتجاه آخر عدم حاجة المجتمع للشعر أراها حمايةً له أسهل شيء على الشاعر أن يقلد نفسه محمد السرغيني شاعر يقرأ الصخب بغير لغته لا بَدَاءة ولا مسلّمات تقف في وجه الشعر الذي من مبادئه وضع الأسئلة الحرجة بول شاوول.. دائما ما ازدهر في الخطر الشاعر لا يصنع تاريخ المرأة وإنما هي من تصنع الشاعر ريموند كارفر: لدي ما يكفي من التشاؤم في كتابة القصص أنا شاهد على عدم تفاؤلية الحياة الأمريكية فضيلة الفاروق: الأحداث لا تنضب ما دامت الذاكرة بها جراح لا أحتمل أن أرتدي قناعا، ولا أحتمل أن أعيش حياتين لوحتــان مـــــن مسـرحيـة الجمهـــــور لفيديريكو غارسيا لوركا
  عدد المقالات (4268)
  عدد الإصدارات (78)
  التعليقات (850)
  تصفح المقالات (5298505)
  تصفح الموقع (9007218)
  طباعة المقالات (1248191)
  إرسال المقالات (3108)
  المتواجدون الأن ( 21 )

العدد الثامن والعشرون
اكتوبر 2001




مجلة نزوى - تصدر عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان >>> اتجلات في تكريم سترافنسي

العدد السابع عشر  اتجلات في تكريم سترافنسي

ترجمة:لؤي عبدالاله 2009-06-28

اتجلات في تكريم سترافنسي

Milan Kundera

في الجزء الأول من هذا المحور يتناول ميلان كونديرا في كتابه "خيانة الوصايا" الذي نترجم هنا أحد فصوله ثيمات ترتبط وشائجها بالروايو والحياة,وبتواتر تلك الثيمات عبر ظهورها المتكرر,نقراها كما لو كانت رواية.أو عملا موسيقيا تتناوب الحانه المختلفة على مقاطعه المعزوفة.

من هنا يأتي (خيانة الوصايا)كعمل غ    ني بأفكار العصر,إنه دراسة شخصية يناقش كونديرا فيه تجربته وتجربة فنانين آخرين مثل سترافنسكي,عبر أكثر الموضوعات حساسية.

أما الجزء الثاني فهو ترجمة لأحد فصول كتابه الذي يحمل عنوان فن الرواية باللغة الانجليزية الصادر عن Faber & Faber بعنوان ملاحظات مستوحاة من (السائرون نياما )تحت عنوان ثلاثية بروخ الروائية 

استدعاء الماضي

في عام 1931 تحدث شينبرغ في محاضرة اذاعية عن أساتذته الكبار: في الموقع الأول باخ  وموزارت، وفي الموقع الثاني، بيتهوفن، فاغنر وبراهمز. في صياغة حكيمة دقيقة مضى شينبرغ في توضيح ما تعلمه من كل واحد من هؤلاء الموسيقيين بالخمسة.

ما اكتسبه من باخ مختلف تماما عما اكتسبه من الآخرين: من موزارت، على سبيل المثال، تعلم "فن الجمل الموسيقية المخلتفة الطول " أو "فن خلق أفكار ثانوية " وهذا يعني انها خاصية لا يمتلكها أحد سوى موزارت. في موسيقى باخ، اكتشف شينبرغ قواعد التأليف الموسيقي المتبعة في القرون التي سبقت باخ: أولا، "فن ابتكار مجموعة من النوتات بطريقة تجعلها قادرة على تزويد العمل الموسيقي بعنصر المصاحبة " وثانيا "فن خلق الشكل الكلي من نواة واحدة ".

تختصر هاتان الجملتان الدرس الذي تعلمه شينبرغ من باخ (ومن الذين سبقوه)، وبالامكان أخذها كوصف لثورة «الاثنتي عشرة نغمة "(1) التي تتعارض مع الموسيقى الكلاسيكية والرومانتيكية، اذ تتميز الأخيرة بتكونها من ثيمات (2) مختلفة  تتناوب بانتظام ضمن سيرورة العمل الموسيقي واحدة بعد الأخرى، بينما نجد في موسيقى باخ المسماة بالفيوغ (أو الفوغا) في التأليف الموسيقي المنشأ على مبدأ الاثنتي عشرة نغمة، ان هناك نواة واحدة ينمو العمل الموسيقي منها، منذ لحظة البدء وحتى النهاية.

بعد مضي ثلاثة وعشرين عاما على تلك المحاضرة، سأل رونالد مانويل، سترافنسكي، "ما هي اهتماماتك الأساسية هذه الأيام " أجاب الأخير: "غيلوم دو ماشو  Guillaum de Machaut ¡  هينريش اسحق ,  Heinrich lscaak  دوفاي ,Dufa y  بيروتن  Perotin  وويبرن Webern   "إنها المرة الأولى التي يؤكد فيها مؤلف موسيقي، وبشدة الأهمية الكبيرة التي تحظي بها موسيقى الماضي المنتمية الى القرون الثاني عشر والرابع عشر والخامس عشر، وما لها من أواصر بالموسيقى الحديثة (الممثلة بموسيقى ويبرن).

بعد سنوات قليلة على تلك المقابلة،قدم غلين غولا Glenn Gould حفلة موسيقية في موسكو، لطلاب المعهد الموسيقي، بعد عزف قطع حديثة لويبرن، شينبرغ وكرينيك Krenek  تحدث غولا الى جمهوره معلقا باختصار: "الاطراد الأكبر الذي أستطيع تقديمه لهذه الموسيقى يتحدد بالقول أن قواعد تأليفها ليست جديدة بل أن عمرها لا يقل عن خمسة قرون "، بعد ذلك قام بعزف قطع من موسيقى الفيوغ لباخ، كانت الحفلة استفزازا مدروسا بعناية: الواقعية الاشتراكية، التي كانت آنذاك المنهج الرسمي في روسيا، في حالة صراع مع الحداثة، تحت راية الموسيقى التقليدية، غلين غولا في حفلته تلك وفي تعليقه حاول أن يثبت بأن جذور الموسيقى الحديثة (التي كانت ممنوعة في روسيا) تمتد الى أعمق مما كان يظنه منظرو موسيقى الواقعية الاشتراكية (والتي هي ليست سوى تكريس للرومانتيكية في الموسيقى).

النصفان المتكاملان

يغطي تاريخ الموسيقى الغربية فترة تقارب الألف سنة (اذا أخذنا بنظر الاعتبار التجارب الأولى في تأليف الموسيقى المتعددة الأصوات (3)polyphony   في طورها البدائي). بينما يفعلي تاريخ الرواية الأوروبية القرون الأربعة الأخيرة (هذا اذا أدخلنا كتابات وابليه وسرفانتس كنقطة انطلاق)، وعند اجراء المقارنة بين هذين التاريخين، أجدني منجذبا الى فكرة تشابه الايقاع في تطورهما مع شوطي لعبة كرة القدم. لكن فترة الاستراحة بين الشوطين لا تتزامن بالنسبة للتاريخين، في تاريخ الموسيقى تمتد فترة الاستراحة بين الشوطين طويلا لتغطي الجزء الأكبر من القرن الثامن عشر( أوج التطور الموسيقي في النصف الأول متحقق عند باخ فن الفيوغ fugue   وبداية الشوط الثاني في أعمال الموسيقيين الكلاسيكيين المبكرة)، فترة الاستراحة بالنسبة لتاريخ الرواية، جاءت في وقت لاحق قليلا: بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بصيغة أخرى بين لاكلو Laclos  وستيرن Sterne  المنتهين الى نهاية الشوط الأول، وبين والتر سكوت وبلزاك الممثلين لبداية الشوط الثاني، يبين هذا اللاتوافق الزمني بأن الأسباب العميقة، التي تتحكم بايقاع تطور تاريخ الفنون، هي ليست اجتماعية أو سياسية، بل جمالية، أي محكومة بالطبيعة الجوهرية لهذا الفن أو ذاك، لكأن فن الرواية، على سبيل المثال، يحتوي على طاقتين كامنتين، ليس بالامكان ظهورهما معا بل بفترتين متعاقبتين.

حضر لي مجاز شوطي المباراة قبل فترة قصيرة خلال حوار مع صديق، ولا اعتبره علميا، بل هو بسيط، وناجم عن ملاحظة أولية لا عن بحث شخص معمق: فيما يخص الموسيقى والرواية، نحن جميعا قد تربينا وسط جماليات الشوط الثاني، يعتبر أي قداس (موسيقي) لاوكينغهم أو عمل موسيقي منتم لفن الفيوغ لباخ، عسيرا على الفهم، مثلما هي الحال مع موسيقى ويبرن، كذلك مع الرواية، فمهما تكن حكاياتها ممتعة، تظل روايات القرن الثامن عشر عسيرة على القراءة من حيث الشكل، ولم تصبح مقبولة شعبيا إلا عبر السينما (بعد تغيير روحيتها وبنائها الفني) أكثر من تقبلها عبر القراءة. على سبيل المثال، من الصعب اليوم العثور على روايات كاتب مشهور ينتمي للنصف الأول مثل صاموئيل ريتشارد سون، في رفوف المكتبات بينما كاتب تقليدي مثل بلزاك (المنتمي للشوط الثاني) يلقى اقبالا واسعا لسهولة قراءته، اذ أن الشكل الفني لرواياته يمكن استيعابه ومألوف لدى القاريء.

تسبب الفجوة القائمة بين العناصر الجمالية لهذين الشوطين قدرا كبيرا من سوء الفهم، يقدم فلاديمير نابوكوف في كتابه حول سرفانتس، وجهة نظر سلبية واستفزازية ضد رواية «دون كيشوت " التي يرى بأنها اكتسبت أهمية أكثر مما تستحقه اذ هي من وجهة نظره رواية ساذجة، أحداثها متكررة، ومملوءة بأفعال جد قاسية غير قابلة للتصديق، وهذا ما جعلها الرواية «الأكثر بربرية وحنقا"، كم هو مسكين سانشو، في تنقله من هزيمة الى أخرى فاقدا أسنانه لخمس مرات على الأقل، نعم نابوكوف على حق في نقده، اذ يفقد سانشو الكثير من الأسنان، لكننا نحن لسنا في زمن زولا، حيث يتم وصف كل فعل في القسوة بدقة عالية، مثلما تتميز به الواقعية الاجتماعية مع سرفانتس نحن في عالم سحري محكوم وفق ارادة الحكواتي الذي لا يكف عن ابتكاره، عبر التضخيم عبر المبالغة وعبر خيالاته الجامحة، يجب عدم أخذ فقدان سانشو لاسنانه الثنلاثمائة حرفيا، أو أي حادثة في الرواية مأخذ الجد.

يظل عمل سرفانتس العظيم، "دون كيشوت " حيا بفضل طابعه غير الجدي، ذلك الأسلوب الذي أصبح عسيرا على التقبل، في الشوط الثاني من تاريخ الرواية، وفق القواعد الجمالية الرومانتيكية التي طالبت بمعقولية العمل الأدبي.

لم يقم الشوط الثاني بحجب الشوط الأول، بل بقمعه، الشوط الأول أصبح ممثلا للوجدان الرديء في الرواية والموسيقى معا. أفضل مثال على ذلك موسيقى باخ، كان باخ ممجدا أثناء حياته لكنه نسي تماما بعد موته، لفترة تقارب نصف القرن الاكتشاف البطيء لباخ جاء في القرن التاسع عشر، بتهوفن وحده استطاع أن يدخل عمل باخ في جماليات الموسيقى الحديثة، كجزء أساسي (محاولاته المتكررة باقحام الفيوغ في سوناتاته)، بينما ابتعد الرومانتيكيون بعد بتهوفن عن باخ باقصائه عن نظامهم الفكري، على الرغم من التبجيل المتزايد له، فلجعله سهل المنال، جعلوا موسيقاه أكثر عاطفية (سنتيمنتالية) وأكثر تمثيلا لذواتهم (أعمال بوسوني Busoni  كمثال على ذلك). وعندما بدأت الموسيقى تنحو للتخلص من تأثير الرومانتيكية، ظهرت الرغبة باعادة تقديم أعمال باخ مثلما كانت تعزف في عصره وكم من هذه التقديمات كانت رديئة. يبدو لي أن موسيقى باخ التي مرت بفترة تجاهل طويلة، مازال الحجاب لم يزح عنها كليا.

بروز التاريخ من وسط الضباب

بدلا من مناقشة موضوع نسيان باخ الطويل،بامكاني أن أقلب فكرتي لأجعلها بهذا الشكل: باخ هو أول مؤلف موسيقي عظيم، يستطيع أن يفرض على الجمهور، عبر الوزن الثقيل لعمله، الالتفات الى موسيقاه حتى حينما يكون هذا العمل منتميا الى الماضي. ظاهرة لم تحدث من قبل، لأن الناس كانوا يعيشون حتى فترة القرن التاسع عشر،مع موسيقى معاصرة لهم، اذ ليس لديهم أي صلة حية بموسيقى الماضي، حتى حينما يكون الموسيقيون قد درسوا نتاجات الفترات السابقة (وهذا نادر الحدوث)، فإنهم لم يعتادوا على عزفها أمام الجمهور، خلال القرن التاسع عشر فقط تم احياء موسيقى الماضي وشرع بعزفها جنبا الى جنب، مع الموسيقى المعاصرة، بل لقد أصبح لها حضور جد كبير، الى درجة ان الكفة مالت لصالح موسيقى الماضي في القرن العشرين: الجمهور اليوم يستمع الى الموسيقى القديمة أكثر بكثير من الموسيقى المعاصرة وحاليا اختفت الأخيرة من صالات الحفلات الموسيقية.

كان باخ أول مؤلف موسيقي،ينجح في احتلال موقع متميز في ذاكرة الأجيال الأخيرة اضافة الى ذلك فإن أوروبا القرن التاسع عشر لم تكتشف عبر أعماله جزءا مهما من موسيقى الماضي فحسب، بل هي اكتشفت تاريخ الموسيقى. عبر باخ لم تكتشف أوروبا، فقط، ماضيا معينا للموسيقى بل بالأحرى، ماضيا مختلفا بشكل جذري عن الحاضر، لذلك فإن العصر الموسيقي قد تم ادراكه فجأة لا كسلسلة من الأعمال بل سلسلة من التغييرات في كل حقبة تاريخية وفي الجماليات المتغيرة.

أنا دائما أتخيل باخ في سنة موته، بالضبط في منتصف القرن الثامن عشر، منحنيا بعينيه المضببتين فوق "فن الفيوغ " ذلك التأليف الموسيقي الذي يتميز باتجاه جمالي معبر عن أكثر سيول باخ في سعيه الى احياء الماضي البعيد (على الرغم من كثرة الاتجاهات التي اختبرها باخ في حياته). كان هذا النزوع غريبا عن موسيقيي عصره، الذين تخلوا عن أسلوب تعدد الأصوات Polyphony  ليتبنوا، بدلا منه أسلوبا بسيطا وساذجا، بل على حافة الخفة والكسل.

تكشف أعمال باخ حقيقة بدأت الأجيال الأخيرة بتناسيها: التاريخ ليس بالضرورة طريقا للارتقاء (صوب الأغنى والأكثر ثقافة) وبأن متطلبات الفن قد تكون متعارضة مع متطلبات هذه الحداثة أو تلك، وبأن الجديد (الفريد، غير القابل للتقليد والذي لم يقل سابقا) قد يكون قائما ضمن اتجاه لا يرده أحد كحالة تقدم، ولابد أن مستقبل الموسيقى الذي كان باخ قادرا على التنبؤ به عبر أعمال معاصريه بدا له شيئا موشكا على الانهيار، في الفترة الأخيرة من عمره، اتجه باخ بشكل استثنائي للتأليف الموسيقي وفق أسلوب تعدد الأصوات البحت  Polyphony  متجاهلا كليا، الذوق السائد في عصره اضافة الى تجاهل أعمال ابنائه الموسيقيين أيضا، كان ذلك الموقف إشارة تحد للتاريخ، رفضا مضمرا للمستقبل، باخ نقطة تقاطع طرق خارقة للعادة للتيارات والقضايا الموسيقية، قبله بمئة عام، كانت هناك نقطة تقاطع طرق أخرى، مشابهة لباخ، سكة بأعمال مونتفردي Monteverdi  هذه هي أرضية المواجهة بين جماليات متعارضة مع بعضها (يدعوها مونتفردي بالممارسة الأولى والثانية المستندة الى مبدأ تعدد الأصوات العميق، بينما لدى باخ نجد التعبير المبرمج لمبدأ توحد الأصوات  Monody  ) وهكذا تم الانتقال من النصف الأول الى النصف الثاني.

مفترق طرق آخر للاتجاهات التاريخية: موسيقى سترافنسكي. تاريخ الموسيقى المغطى لألف عام، والذي راح يبرز تدريجيا، خلال القرن التاسع عشر، من ضباب النسيان، لكي ترده فجأة مكشوفا أمامنا عند منتصف القرن العشرين (بعد مرور مئتي عام على وفاة باخ)، وبشكل كامل مثل صورة منظر طبيعي غارق في ضوء ساطع لحظة فريدة هذه التي جعلت كل تاريخ الموسيقى حاضرا كليا، وتحت متناول اليد (وهذا بفضل البحث التاريخي، الراديو، والتسجيلات) هذا التاريخ أصبح مفتوحا كليا لاختبار معانيه، هذه اللحظة التي تحققت فيها اعادة تقييم واسعة جدا لتاريخ الموسيقى، قد وجدت أفضل تجلياتها في موسيقى سترافنسكي.

محكمة المشاعر

يقول سترافنسكي في كتابه، « وقائع حياتي" الصادر عام 1935: "الموسيقى عاجزة عن التعبير عن أي شي ء سواء كان شعورا أو سلوكا ما، أو حالة نفسية معينة »، لكن هذا التأكيد (الذي من المؤكد انه مبالغ به، اذ كيف يمكن للمرء أن ينفي قدرة الموسيقى على اثارة المشاعر؟) تعاد صياغته بشكل متقن وانيق بعد عدة سطور: يقول سترافنسكي، بأن علة وجود الموسيقى، لا تكمن في قدرتها على التعبير عن المشاعر. وكم يبدو مثيرا للفضول التعرف على ما سببه هذا الرأي من استفزاز.

قد تكون القناعة الراسخة المناقضة لرأي سترافنسكي، والتي ترى بأن علة وجود الموسيقي تكمن في كونها تعبر عن المشاعر، موجودة دائما لكنها لم تصبح سائدة، ومسلما بصحتها كبديهية، الا في القرن الثامن عشر: جان جاك روسو عبر عنها ببساطة، مثل كل فن، الموسيقى تقلد العالم الحقيقي ولكن بطريقة معينة، انها "لا تمثل الأشياء مباشرة بل هي تثير في الروح نفس الانفعالات التي نشعر بها عند رؤية الأشياء" وهذا يتطلب بنية خاصة للعمل الموسيقي، يضيف روسو: "لا يمكن تأليف الموسيقى إلا من هذه العناصر: اللحن أو الأغنية، التوافق (الهارموني) أو المصاحبة، الحركة أو السرعة الايقاعية tempo)) "هنا علي أن أشدد على تعبير روسو: "الهارموني أو المرافقة "، اذ يعني ذلك أن كل شيء هو هامشي، بالمقارنة مع اللحن الذي هو أزلي بينما الهارموني هي ليست سوى مرافقة، "وليس لها سوى تأثير ضئيل على القلب الانساني".

تثبت عقيدة الواقعية الاشتراكية، وجهة النظر هذه بعد مرور قرنين على كتابات روسو حول الموسيقى، ولن يكون رد فعلها على الموسيقى الروسية الا بالقيام بكم فمها لمدة نصف قرن "سيقرع مؤلفو الموسيقى «الشكليون " لاهمالهم اللحن (الميلودي) (كان المنظر الأكبر جدانوف منزعجا كثيرا منهم لاستحالة عزف موسيقاهم خارج قاعات الحفلات الموسيقية)، وهذا ما جعله يحثهم على التعبير عن « كل المشاعر الانسانية " (استنكرت الموسيقى الحديثة ابتداء من ديبوسي Debussy  فصاعدا لفشلها في تحقيق هذا المطلب).

تضمن كتاب ثيودور ادورنو «فلسفة الموسيقى الحديثة الصادر عام 1949  أقسى وأعمق نقد ضد موسيقى سترافنسكي. في هذا الكتاب حول ادورنو وضع الموسيقى الى ساحة حرب سياسية: شينبرغ البطل الايجابي، ممثل التقدم وسترافنسكي البطل السلبي، ممثل الترميم أصبح رفض سترافنسكي اعتبار الاعتراف الذاتي (أو التعبير عن المشاعر الانسانية. المترجم -) كعلة وجود الموسيقى، أحد العناصر الأساسية في نقد ادورنو، «هذا الانفجار المضاد لسيكولوجيا الانسان، هو شكل من اللامبالاة تجاه العالم ». رغبة سترافنسكي بجعل الموسيقى موضوعية هي قبول ضمني بالمجتمع الرأسمالي الذي يسعى الى تحطيم الذاتية لدى الانسان، لأن "محو الفرد هو ما تحتفل به موسيقى سترافنسكي »، ولا شيء غير ذلك.

ارنست انسرمت Ernest Ansermt  موسيقى ومايسترو رائع وواحد من أوائل مقدمي موسيقى سترافنسكي (وقد وصفه في كتابه "وقائع حياتي" بأنه من أكثر الناس اخلاصا له)، لكنه في الأخير أصبح من أكثر نقاده اللدودين، اعتراضاته على موسيقى سترافنسكي مبدئية،، ومعنية بموضوعة علة وجود الموسيقى raison d'etre   يقول انسرمت بان "النشاط العاطفي المضمر في قلوب الناس هو الذي كان مصدرا للموسيقى »، "اللب الاخلاقي" للموسيقى يكمن في التعبير عن ذلك النشاط العاطفي، مع سترافنسكي الذي "يرفض توظيف ذلك في فعل التعبير الموسيقي، تكف الموسيقى عن أن تكون تعبيرا جماليا لمباديء الانسان الاخلاقية "، لذلك على سبيل المثال، "فإن قداسة الموسيقى ليس تعبيرا عن قداس بل وصف له، والذي يمكن أن يؤلفه موسيقيا، رجل غير متدين " لهذا السبب لا يقدم سترافنسكي سوى "صياغة جاهزة للتدين "، وبهذه الطريقة يتم تقليص علة وجود الموسيقى (بالتعويض عما هو عاطفة حقيقية بوصف محايد لها)".

لماذ كل هذا الغضب على سترافنسكي ؟ هل هو تراث القرن السابق المتمثل بالرومانتيكية والذي مازال قائما في دواخلنا، يقارع التيار المناقض له بشكل جذري؟ هل خرق سترافنسكي بعض الحاجات الوجودية الساكنة في أعماقنا جميعا؟ الحاجة لاعتبار العين المبتلة بالدمع أفضل من العين الجافة، أو الحاجة لاعتبار اليد الموضوعة على القلب أفضل من تلك الموضوعة في الجيب، الاعتقاد أفضل من التشك، العاطفة الفوارة أفضل من السكينة، الايمان أفضل من المعرفة ؟

ينتقل انسرمت من نقد الموسيقى الى نقد مؤلفها، "إذا لم يحاول سترافنسكي أن يجعل موسيقاه فعلا تعبيريا عن الذات، فإن ذلك لم يكن ناجما عن ارادته الحرة، بل سبب محدودية طبيعته، وفقدانه للعاطفة (دون التحدث عن فقر في قلبه، ذلك القلب الذي سيظل فقيرا حتى يحب شخصا آخر).

اللعنة ! أتساءل عما يعرفه انسرمت، ذلك الصديق الأوفى لسترافنسكي، عن فقر سترافنسكي قلبيا؟ ماذا يعرف ذلك الصديق المتفاني عن قابلية سترافنسكي للحب ؟ ومن أين كسب قناعته المطلقة بأن القلب يتفوق أخلاقيا على العقل ؟ أليس هناك الكثير من الأفعال الاجرامية المرتكبة بمساعدة القلب ؟ وهل بامكان الارهابيين بأيديهم الملطخة بالدم الا الافتخار بنشاطهم العاطفي المتسامق الى أعلى درجاته ؟ هل سيكون بإمكاننا يوما التخلص من هذا التفتيش العاطفي البليد في قلوب الآخرين ؟

ما هو السطحي وما هو العميق ؟

يهاجم جنود القلب سترافنسكي، في محاولة لانقاذ موسيقاه عبر فصلها عن أفكاره الخاطئة، يحدث هذا السعي النبيل "لانقاذ " موسيقى المبدعين الذين لا قلب لهم، غالبا، مع موسيقيي الشوط الأول، وبضمنهم باخ: "بعض مؤلفي القرن العشرين الخائفين من تطور اللغة الموسيقية"-  والمقصود هنا سترافنسكي ورفضه الالتزام بمدرسة الاثنتي عشرة نغمة "والذين يظنون بأنهم قادرون على تعويض عجزهم عبر ما يدعونه "بالعودة الى باخ " لكنهم على خطأ كبير في فهمهم لموسيقى باخ، انهم يمتلكون الوقاحة لتقديمها كموسيقى "موضوعية "، كموسيقى مطلقة بدون أي شيء عدا كونها ذات مغزى موسيقي محض.. ليس هناك سوى التقديمات الميكانيكية، التي بامكانها أن تعطي الانطباع بأن موسيقى باخ الصرفة (الخالية من الغناء)  instrumental music  ليست ذاتية ولا تعبيرية. "اذا شددت على هذه التعابير التي تظهر قدرا كبيرا من العاطفة الانفعالية، والتي كتب وفقها انطوان غوليا.

بمحض الصدفة وقع في يدي تعليق لأحد المتخصصين في الموسيقى يدور حول كليمنت جانكوين ,Clement Janequin  وهو مؤلف موسيقي كبير معاصر لوابليه. تتناول المقالة بعض أعماله الوصفية مثل "غناء الطيور"  Le Chant des oiseaux  وثرثرة النساء Le Chaquet ds femme  هنا نجد سعي الكاتب يصب أيضا باتجاه « انقاذ" هذه الأعمال الموسيقية على حساب مؤلفها: "مع ذلك، تظل هذه القطع الموسيقية سطحية. جانكوين فنان متكامل أكثر بكثير مما هو معترف به من قبل الآخرين، اذ بوضع مواهبه الوصفية جانبا، فإن موسيقاه تكشف عن شعر رقيق، عن شغف عميق للتعبير عن المشاعر.. هذا شاعر غامض الدلالة، حساس تجاه جمال الطبيعة، هو أيضا شاعر المرأة الذي لا منافس له والذي الى أطرائها استطاع أن يجلب نغمات من الحنو، الاعجاب والتقدير.."

انتبهوا الى المعجم اللغوي، قطبا الخير والشر قد حددا بواسطة النعتين "سطحي" و«عميق ". لكن هل ان أعمال جانكوين "الوصفية " حقا، سطحية ؟ في هذه الأعمال القليلة نقل جانكوين الأصوات غير الموسيقية (أصوات الطيور، أحاديث النساء، ضجة الشارع، أصوات الصيد والمعارك، وغيرها) بوسائل موسيقية (غناء الجوقات أو الغناء الكورالي)، ذلك "الوصف " نفذ عبر البوليفوني (مبدأ تعدد الأصوات) وحدة تقليد الأصوات الطبيعية التي زودت جانكوين ببعض الأنواع النغمية الجديدة والرائعة) بالبوليفوني المعمق، هذه الوحدة لعنصرين مختلفين تماما، ساحرة حقا: انه فن أنيق، مرح، مبهج ومملوء بالدعابة مع ذلك، فهذه هي الكلمات نفسها "أنيق "، "مرح "، "مبهج " التي أطلقتها الفصاحة العاطفية (السنتمنتالية) في الضد من مفردة "عميق "، لكن ما هو السطحي وما هو العميق ؟ بالنسبة لمنتقد جانكوين، السطحية هي "موهبة التصوير والوصف "، والعميق هو "الشغف في التعبير عن المشاعر" الموجه للمرأة بشكل عام. لذلك فإن "عميق " وفق هذه الرؤية هو كل ما يمس المشاعر. لكن بالامكان تعريف "العميق " بطريقة أخرى، العميق هو الذي يمس ما هو جوهري. المسألة التي مسها جانكوين في أعماله الموسيقية هي ذات طبيعة انطولوجية خاصة بالموسيقى، مسألة العلاقة بين الضجيج والصوت الموسيقي.

الموسيقى والضجيج

عندما ابتكر الانسان الصوت الموسيقي (عبر الغناء أو عبر العزف على آلة موسيقية) فإنه قسم العالم الصوتي الى جزءين جد متميزين عن بعضهما: الأول، يضم الأصوات الاصطناعية، والثاني، يضم الأصوات الطبيعية، في موسيقاه، سعى جانكوين الى وضعهما معا. في منتصف القرن السادس عشر استبق هذا الموسيقي ما سيتم تحقيقه في القرن العشرين، فعلى سبيل المثال، ياناتشيك (دراسته الموسيقية للغة المحكية)، بارتوك  Bartok أو ميساين  Messiaen وطريقته النظامية المتطرفة ( في أعماله المستوحاة من أصوات الطيور).

يذكرنا فن جانكوين بوجود عالم صوتي خارج روح الانسان، وهذا العالم لا يضم فقط الأصوات الطبيعية بل الأصوات الانسانية في الكلام والغناء وهذا يعطي تكوينا موجيا حيا للحياة اليومية ومناسبات الاحتفال العامة، في أعماله يذكرنا جانكوين بأن مؤلف الموسيقى قادر على منحنا شكلا موسيقيا لذلك العالم "الموضوعي».

في عمل ياناتشيك الأكثر أصالة: "السبعون ألفا" (1909): النصف الأول منه يؤدي عبر جوقة من الأصوات الرجالية التي تدور حول مصير عمال المناجم السياسيين  Silesia miners بينما النصف الآخر من العمل هو انفجار صرخات منبعثة من الجمهور المحتشد، هذه الصرخات تتشابك معها مكونة جلبة ساحرة، هذا التأليف الموسيقي الذي على الرغم من شحناته العاطفية المدهشة ذات الطابع الدرامي، فإنه يقترب بشكل مثير للفضول من المارد يجال (وهو تأليف غنائي بوليفوني بدون مصاحبة الآلات الموسيقية -المترجم -)، الذي كان في زمن جانكوين، قادرا على ملء شوارع باريس ولندن بالموسيقى.

أفكر في سيمفونية سترافنسكي. "أعراس " Les Noees. (التي ألفت بين عامي 1914و 1923): وهي تصوير لحفلة عرس، حيث نسمع الأغاني والضجيج، والخطابات والصرخات والدعوات والحوارات الداخلية والنكات (هذا المزيج الصاخب من الأصوات التي كانت أعمال ياناتشيك سباقة في استخدامه) مصحوبة بتوزيع موسيقى (أربع آلات بيانو وبعض آلات القرع) لتخلق صخبا ساحرا (هذا العمل سيكون تحضيرا لأعمال بارتوك. Bartok)

أفكر أيضا في سويت البيانو لبار توك: "في الخارج Out of Doorsالجزء الرابع: تقترح أصوات الطبيعة (نقيق الضفادع في البركة كما تبدو لي) لبارتوك موتيفات لحنية (ميلودية) ثم داخل نغمات الأصوات الحيوانية يقوم بارتوك بمزج أغنية فولكلورية، هنا توضع الأغنية التي هي ابداع انساني في نفس المستوى مع نقيق الضفادع.

وأفكر كذلك في الأداجيو (الحركة البطيئة) من كونشرتو البيانو الثالث لبارتوك (آخر عمل ينتمي الى الفترة الكئيبة والأخيرة من حياته في أمريكا). الثيمة المفرطة في ذاتيتها: الكآبة الثقيلة العسيرة على الوصف تتناوب مع الثيمة المفرطة في موضوعيتها (وهذه تستدعي دون قصد الجزء الرابع من سويت البيانو في الخارج): لكأنما أسى الروح لا يجد له أي سلوان إلا في الطبيعة الخالية من الشعور.

وما أعنيه بالطبيعة الخالية من الشعور هو العالم خارج الحياة الانسانية، انها الابدية: "البحر المسافر مع الشمس " (رامبو). أنا أتذكر السنوات التعيسة التي قضيتها في بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا) في السنوات الأولى من الاحتلال السوفييتي. كم شعرت بالانجذاب لأعمال فاويس Varese  واكزيناكيس:Xenakis كانت تلك الرسوم لعوالم الصوت التي هي موضوعية لكنها خالية من الشعور، قادرة على التحدث معي حول حياة متحررة من الذاتية الانسانية متحررة مما هو عدواني وشاق انها تتحدث عن الجمال الرائق للعالم غير الانساني قبل وبعد دخول الجنس البشري اليه.

اللحن (الميلودي)

استمعت مؤخرا في باريس الى أغنية بوليفونية أداها مغنيان، من مدرسة نوتردام المنشأة في القرن الثاني عشر: في طبقة القرار، هناك أغنية غريغورية Gregorian  (تنتمي الى فترة مجهولة، وربما الى ماض غير أوروبي) تردد لحنا ثابتا في طبقة صوتية متنامية وفوقها، وفي قيمة زمنية أقصر، يتجلى لحن المصاحبة البوليفونية. هنا يتم تناغم لحنين ينتميان الى حقبتين تاريخيتين تفصلهما عدة قرون وفي هذه الأغنية هناك شيء شديد الروعة. مثل الواقع الحقيقي وصورته الرمزية في آن واحد، هنا نجد ميلاد الموسيقى الغربية كفن متميز: لحن ينمو متطابقا counterpoini  مع لحن آخر، جد قديم ومجهول الأصل، لذلك فاللحن الجديد موجود هنا كشيء ثانوي وتابع، انه هنا ليخدم، مع ذلك وعلى الرغم من موقعه الثانوي، فانه هو الذي يجلب معه كل ابداع موسيقى القرون الوسطى، بينما يكون اللحن المصاحب مأخوذا من صندوق القطع الأثرية القديمة، ليستخدم بدون اجراء أي تغيير عليه.

كم أبهجني هذا التأليف البوليفوني القديم: اللحن الجديد يؤدي بطبقة الجواب، ويكون طويلا، ومتواصلا ولا يمكن للمتلقي حفظه انه ليس ثمرة الهام مفاجيء، وهو لا يتدفق كتعبير مباشر لحالة ذهنية معينة، إذ فيه يمكن تلمس اتقان ذلك الحرفي الماهر وزخرفاته الجميلة، انه عمل انجز لا لكي يفتح الفنان عبره روحه، بل لكي يسمح له، وبكل تواضع، القيام بتزيين قداس ما.

وحسب اعتقادي، فإن الميلودي (اللحن) قد حافظ على خصائص البوليفوني المبكرة التي وضعها الموسيقيون القداس. استمع الى اداجيو باخ من كونشرتو الكمان مي الكبير (E Major)  مثل تأدية لحن ثابت في أغنية، تقوم آلات، طبقة القرار، الموسيقية بعزف ثيمة بسيطة، سهلة الحفظ ويتكرر عزفها مرات كثيرة، بينما يرتفع اللحن الذي يعزفه الكمان الى أعلى، مختلفا كليا عن لحن الأوركسترا الثابت، اذ يكون أطول، أغنى، وأكثر تنوعا من الآخر (على الرغم من أنه لحن تابع للحن الأوركسترا) واذا كان اللحن الذي ينقله الكمان جميلا وساحرا، فإنه من جانب آخر عسير على القبض، وغير قابل للحفظ.

لكن هذا الوضع تغير مع بروز العصر الكلاسيكي، اذ فقد التأليف الموسيقي، في هذه الفترة طبيعته البوليفونية، في الضخامة الصوتية الكبيرة التي نجمت عن هارمونيات المصاحبة الموسيقية، اختفت الأصوات الفردية المتنوعة، وهذا الاختفاء تزايد في الشوط الثاني مع ابتكار الأوركسترا السيمفونية ومع ظهور ضخامة صوتها، وهكذا أصبح اللحن، الذي كان في الفترات السابقة ثانويا وتابعا، النقطة الرئيسية في التأليف الموسيقي وأصبح العنصر المتحكم في البناء الموسيقي.

كذلك هو الحال مع اللحن الذي تغير في هذه المرحلة أيضا اذ ما عادت هناك شيمة متكررة من وقت الى آخر، في كل المقطوعة الموسيقية بل بالامكان اختزالها الى عدة وحدات قياس زمنية.measures  هنا أصبحت العبارة الموسيقية تعبيرية ومكثفة وبالامكان حفظها بسهولة وهذا ما جعلها قادرة على أن تثير لدى المتلقي شعورا مباشرا (أكثر من أي عصر سابق، قامت الموسيقى بأداء مهمة دلالاتية: للقبض على العواطف والتعبير عنها موسيقيا). لهذا السبب يستخدم الجمهور المهتم بالموسيقى تعبير "الملحن الكبير" لوصف المؤلفين الموسيقيين الكبار مثل موزارت وشوبان ونادرا ما يطلق هذا الوصف على باخ وفيفالدي، وهذا ناجم عن التصور الخاطيء بأن جماليات الموسيقى الكلاسيكية هي التي صاغت اللحن الجميل.

أنا أحب كثيرا توزيع هيرمان شيرشين Hermann Scherchen  الأوركسترالي وترجماته لأعمال باخ، فعل سبيل المثال قطعة الفيوغ الرابعة. قام بتوزيعها بنصف السرعة الايقاعية المألوفة (لم يوص باخ بسرعة معينة) فجأة ووفق تلك السرعة برز جمالها اللحني المدهش. ما أسمعه هو اللحن الأصلي للشوط الأول من تاريخ الموسيقى، بمراوغته، بصعوبة حفظه، باستحالة اختصاره الى عبارة موسيقية قصيرة، يسحرني هذا اللحن (المتكون من الحان متداخلة ببعضها) بصفائه العسير على الوصف. ويستحيل الانصات اليه بدون أن يثير في النفس عاطفة كبيرة. لكنها عاطفة مختلفة جوهريا عن تلك المستحثة من قطع شوبان الليلية noeturne.

وكأن وراء فن بناء اللحن يكمن مسعيان متعارضان مع بعضهما بشكل جذري: فلحن الفيوغ لباخ يجذبنا الى تأمل جمال الكائن الموجود خارج ما هو ذاتي، ويجعلنا ننسى مزاجنا: عواطفنا، آلامنا أنفسنا، من ناحية أخرى، يسعى اللحن الرومانتيكي لجعلنا نغوص فى ذواتنا، ان نشعر بما هو نفسي بدرجة جد مكثفة، وننسى كل شي ء خارج ذواتنا.

الأعمال العظيمة المعاصرة

كرد اعتبار للسوط الأول

الروائيون الكبار لحقبة ما بعد بروست_ يستحضر ذهني كافكا موزيلMusil  بروك Broch وغومبروفكس Gomrowiocz ، ومن جيلي، فونتس _ جد حساسين الى البعد الجمالي المنسي في الرواية، والذي كان قائما فيها قبل القرن التاسع عشر، اذ قام هؤلاء الكتاب باعادة دمج المقالات التأملية في الرواية وجعل البناء الروائي أكثر حرية استرجعوا حق الاستطراد، بثوا روح اللاجدية واللعب في الرواية، نبذوا دوغما الواقعية النفسية عبر خلق شخصيات لا تسعي الى التنافس (مثل بلزاك) مع الحالة المدنية - مع سجل النفوس (في دقة معلوماته _ المترجم _)، وقبل كل شي ء، رفضوا اعطاء القاريء أي ايهام بأن ما يقرأه حقيقي، اذ كان هذا المبدأ شرطا جوهريا للرواية في الشوط الثاني.

يجب التأكيد هنا بأن رد الاعتبار لمباديء الكتابة الروائية المنتمية للشوط الأول، لا يعني العودة الى الأسلوب القديم كذلك لا يعني الرفض الساذج لرواية القرن التاسع عشر، الهدف من اعادة رد الاعتبار للشوط الأول هو اعادة تعريف وتوسيع جوهر الرواية مقاومة تقليص اطارها الذي بنيت عليه جماليات الفن الروائي في القرن التاسع عشر، وجعل تاريخ الرواية كله مادة للاستثمار.

أنا لا أسعي الى اقامة أي تواز بين الرواية والموسيقى، اذ أن المسائل البنيوية لهذين الفنين غير قابلة للمقارنة، لكن الأوضاع التاريخية لكليهما متشابهة، مثلما قام به الروائيون الكبار في هذا القرن، كان الموسيقيان الكبيران سترافنسكي وشينبرغ عازمين ايضا على دمج كل العصور الموسيقية ببعضها البعض، لاعادة التفكير واعادة خلق سلم القيم لكل تاريخ الموسيقى، والقيام بذلك، كان عليهما اخراج الموسيقى من المأزق الذي وصلت اليه في الشوط الثاني (بهذه المناسبة:

صيغة الكلاسيكية الحديثة التي تنعت بها موسيقى سترافنسكي مضللة، لأن رحلته داخل تاريخ الموسيقى أوصلته الى فترات سابقة على الكلاسيكية بكثير)، من هنا جاء رفضهما لبعض القناعات السائدة التي ترى أن تقنيات التأليف الموسيقي بدأت مع السوناتة، أو أن اللحن هو المتفوق على أي شكل موسيقي، كذلك من موقفهما المتشابه جاء رفضهما للفكرة السائدة التي تحبر أن سبب وجود الموسيقى هو للتعبير، فقط عن الحياة العاطفية، هذا السلوك أصبح ضرورة في القرن التاسع عشر، مثلما هي الحال في رواية القرن التاسع عشر، حينما أصبح شرط المعقولية قانونا ثابتا.

اذا كان الميل الى اعادة قراءة تقييم كل تاريخ الموسيقى هو ممارسة شائعة بين الموسيقيين المعاصرين الكبار، فإن الموسيقي الذي عبر عن ذلك بشكل أوضح من غيره هو سترافنسكي، والشيء الطريف ان هذا الالتزام نفسه هو موضع انتقاص بعض نقاد سترافنسكي،اذ اعتبروا سعيه لتجذير نفسه بتاريخ الموسيقى، ميلا لروح الانتقاء عنده، فقدانا للاصالة، وفشلا في القدرة على الابداع الذاتي، يقول انسرمت عن سترافنسكي، "يبلغ التنوع الهائل في أساليبه نقطة يفقد فيها الموسيقي أي أسلوب خاص به، في حين يقول أدور نو مستهزئا، "موسيقى سترافنسكي مستلهمة من الموسيقى فقط، انها موسيقى حول الموسيقى».

أحكام مجحفة: متميزا عن جميع مؤلفي الموسيقى الذين جاءوا قبله أو بعده، ظل سترافنسكي دؤوبا على اكتساب الالهام من تاريخ الموسيقى كله، وهذا لا يقلل من أمالته في هذا الفن. وأنا لا أعني، فقط، أن السمات الفنية الخاصة به موجودة في أعماله المنتمية الى أساليب مختلفة بل ما أعنيه هو تسكعه الطويل في تاريخ الموسيقى _ رؤيته الواعية، ذات الأهداف الواضحة الانتقائية، والمختلفة عن الجميع _ وهذه هي أمالته غير القابلة للمقارنة مع أي موسيقي أخر.

الفترة الثالثة (أو الوقت الاضافي)

لكن ما هو المغزى من تصميم سترافنسكي على احتواء الموسيقى الغربية المنتجة عبر جميع العصور، في أعماله ما الجدوى من ذلك ؟

لو طرح علي هذا السؤال في فترة الشباب، لأجبت دون أي تردد: بالنسبة لي، سترافنسكي، هو واحد من أولئك الوجوه الذين فتحوا الأبواب على مسافات لا متنامية، كنت أرى بأن ما كان يسعى اليه هو استدعاء وحشد كل القوى والوسائل المتوافرة لدى تاريخ الموسيقى لتوظيفها في رحلة أبدية يطلق عليها "الفن الحديث ".

لكنني منذ فترة طويلة، فقدت هذه القناعة، التي ترى بأن الفن الحديث رحلة أبدية بل هي قصيرة، لذلك فوفق تمثيلي لتاريخ الموسيقى بشوطي مباراة بإمكاني تخيل الموسيقى الحديثة افتراضا، خاتمة لتاريخ الموسيقى، احتفالا يشير الى نهاية المغامرة سماء متوهجة في نهاية نهار.

الأن أنا أتردد في دعم هذه الفكرة اذ على الرغم من قصر فترة الموسيقى الحديثة التي لم تتجاوز سوى جيل أو جيلين، وكانت حقا خاتمة، لكنها مع ذلك تستحق أن تعتبر عصرا قائما بذاته، لما تحتويه من جمال هائل، لما لها من أهمية فنية، ولما قدمته من مباديء جمالية جديدة تماما. لكل ذلك أليس صائبا أن يعتبر عمرها شوطا ثالثا أو وقتا اضافيا للمباراة ؟ أليس من الضروري اعادة النظر في مجاز شوطي المباراة لتاريخي الموسيقى والرواية ؟ أليس ضروريا القول بأن هذين التاريخين قد وقعا في ثلاث فترات ؟

نعم أنا عل استعداد كامل لاعادة النظر بمجازي، اذ أنني جد مشدود عاطفيا لهذه الفترة الثالثة، هذه «السماء المتوهجة بعد نهاية النهار"، مشدود لهذه الفترة التي اعتبر نفسي جزءا منها، حتى مع حقيقة كوني جزءا من شيء قد انتهى.

لكن للعودة الى سؤالي: ما هو المغزى الكامن في تصميم سترافنسكي على احتضان كل تاريخ الموسيقى؟ ما الجدوى من ذلك ؟

فكرة تطاردني: حسب أحدى القناعات الشعبية السائدة يرى المرء حياته كلها أمامه، لحظة موته، في عمل سترافنسكي، تستدعي الموسيقى الأوروبية تاريخها الممتد لألف عام، هذا هو حلمها الأخير قبل أن تمضي في رقاد أن لي خال من الأحلام.

اعادة  بنا مرحة

دعونا نوضح مسألتين: الأولى النزوع العام لصيانة القواعد المنسية لموسيقى الماضي، هذا النزوع قائم في كل أعمال سترافنسكي ومعاصريه على حد سواء، والثانية: الحوار المباشر الذي أقامه سترافنسكي مع تشايكوفسكي، ثم مع بيرغوليسي  Pergolesi  مع جيسوالدو  Gesualdo   وآخرين غيرهم، هذه الحوارات المباشرة التي هي اعادات بناء لأعمال قديمة، بأساليب مختلفة، ممارسة نجدها لدى سترافنسكي فقط، من دون مؤلفي الموسيقى المعاصرين له (نجدها لدى بيكاسو).

اعتبر أدورنو اعادات بناء سترافنسكي، نشازا للهارموني (التوافق). على سبيل المثال في عمله بوليسينيللا  Puicinelle تصبح النوتات المعاد بناؤها: "علامات للعنف الذي يوجهه المؤلف ضد اللحن، ونحن لا نتذوق الا ذلك العنف، ذلك التكسير، ذلك التجاوز، على الحياة الموسيقية، مع ذلك فإن النشاز الذي قد يكون وجوده في الأصل، تعبيرا عن المعاناة الذاتية، يتحول بسبب خشونة الأصوات الى رمز للكبح الاجتماعي، لا تمتلك أعماله الموسيقية شيئا سوى شعار لهذا الكبح الذي هو ضرورة خارجية للفرد، والتي لا يجد الموسيقى فيها سوى كونها مفروضة من الخارج. ربما سيكون لأعمال سترافنسكي الموسيقية تأثير واسع، وذلك بسبب قدرتها على تدريب الناس على شيء قد يرتد عليهم بشكل نظامي ليلحق الأذى بهم، على مستوى سياسي ".

دعونا نلخص ما ذكره خصم سترافنسكي: النشاز في الموسيقى مبرر له اذا كان يعبر عن المعاناة الشخصية، لكن لدى سترافنسكي (الذي هو مذنب أخلاقيا للامتناع دائما عن جعل مهاناته موضوعا للحديث أو المناقشة) ذلك النشاز هو تعبير عن القسوة مقارنة اقترحها أدورنو، مع القسوة السياسية، لذلك فإن أوتار النشاز المضافة الى موسيقى بيرغوليسي، تستبق القمع السياسي القادم وتهيي، له (والتي هي ضمن سياق تاريخي محدد لا يعني الا شيئا واحدا: الفاشية).

أنا لدي تجربة في ميدان اعادة البناء الحرة من عمل ينتمي الى الماضي. حدث ذلك في السبعينات حينما كنت مقيما في براغ أنا شرعت بكتابة تنويعات للمسرح مستندة على رواية ديدرو «جاك القدري Jacques le Fatalist.  بالنسبة لي ديدرو هو التجسيد للعقل النقدي المتزن والحر، وقد جربت حبي له كتعبير عن شغفي بالغرب، في أيام الاحتلال الروسي، لكن معنى الاشياء يظل في تغير مستمر: اليوم أنا أرى ديدرو تجسيدا للشوط الأول من تاريخ فن الرواية، وآنذاك المسرحية التي كتبتها تعبر عن الاحتفال بعدة مباديء معروفة بشكل جيد من قبل الروائيين القريبين الى: ( 1) حرية التأليف المشحون بالغبطة الكبيرة (2) الربط المستمر بين القصص المتهتكة والتأملات الفلسفية (3) الطبيعة الصادمة، الساخرة، اللاجدية والهزلية لهذه التأملات، كانت قواعد اللعبة واضحة، لم أسع الى تكييف رواية ديدرو الى المسرح بل كتابة مسرحيتي باستخدام أسلوب التنويعاتvariation  أخذ لحن معروف وتأليف قطعة موسيقية مبنية على ذلك اللحن باضافات لحنية جديدة. المترجم) على رواية ديدرو وهذا تعبير عن تكريمي لديدرو: أنا أعدت كتابة كل روايته قصص الحب أخذت منه لكن الأفكار الموجودة في الحوار هي لي، يستطيع أي شخص بسهولة قراءة السطور التي هي بعيدة عن أفكار ديدرو، كان القرن الثامن عشر قرنا متفائلا، بينما عصري هو بالعكس، وأنا شخصيا أقل تفاؤلا أيضا، وفي مسرحيتي «الأستاذ وجاك " تنغمر الشخصيات في ممارسات مفرطة في سوداويتها، وغريبة كثيرا عن عصر التنوير.

بعد تجربتي الصغيرة في مجال «اعادة البناء " الأدبية، أستطيع فقط اعتبار، وجهات النظر التي تصم سترافنسكي بالوحشية والعنف، غبية. في عمله «بولسينيللا» أحب سترافنسكي أستاذه القديم باخ، مثل حبي لأستاذي القديم ديدرو قد يكون هدف سترافنسكي من اضافة نشاز القرن العشرين الى ميلوديات (الحان) القرن الثامن عشر، خياليا بحتا: اثارة فضول أستاذه للخروج عن موسيقى عصره، أو حتى امتاعه، والتحدث معه، كانت «اعادة البناء" المرحة للأعمال الموسيقية القديمة بالنسبة لسترافنسكي وسيلة للتحاور بين العصور.

«اعادة البناء" الموحة وفق كافكا

تثير رواية كافكا «أمريكا" الفضول حقا، ما الذي دفع هذا الكاتب الشاب، البالغ من العمر تسعة وعشرين عاما، الى اختيار قارة لم يزرها قط، مكانا لأحداث روايته الأولى ؟ هذا الاختيار يقف وراءه سعي واضح: اقصاء الواقعية عن كتابته، وأكثر من ذلك الابتعاد عن كتابة عمل جدي. بل هو لم يحاول أن يغطي جهله بأمريكا عبر البحث، إذ أنه ابتكر فكرة الرواية من قراءات غير معمقة من كتب منتجة للاستهلاك العام، ولن تكون صورة أمريكا في الرواية الاتركيبا لكليشهات سائدة، وان مصدر الالهام في بناء الشخصيات وخطة الرواية (مثلما أقر في يومياته) كان ديكنز،خصوصا روايته "دافيد كوبرفيلد" (يصف كافكا الفصل الأول من روايته امريكا بأنه تقليد محض لديكنز)، اذ ينتقي مجموعة موتيفات  motifs  معينة من رواية ديكنز (ثم يدرجها في قائمة: قصة صندوق السفر الكبير، الطفل الذي يبهج ويفتن الجميع، العمل الممتهن المعشوقة المقيمة في البيت الريفي، الأحياء السكنية القذرة)، بعد ذلك سيرسم فوق الشخصيات خطوطه (كاول هو محاكاة ساخرة وودية لدافيد كوبرفيلدل وخصوصا في صياغة المناخ، الذي تتمتع به كل روايات ديكنز: العاطفية الشديدة sentimentality   التمييز الساذج بين الشخصيات الطيبة والشريرة، يعتبر أدورنو أعمال سترافنسكي «موسيقى حول الموسيقى» رواية كافكا «امريكا" هي أدب حول الأدب، وضمن جنس الرواية هي أيضا عمل كلاسيكي أصيل.

الصفحة الأولى من الرواية: في ميناء نيويورك تذكر كاول لحظة مغادرته الباخرة بأنه قد نسي مظلته في الطابق السفلي، ولكي يمضي فيسترجعها، تصرف بطريقة ساذجة خارجة عن نطاق المألوف، اذ ترك صندوق امتعته مع شخص غريب، وهذا ما أدى أخيرا الى فقدان صندوقه الذي يحتوي كل ما يمتلكه اضافة الى فقدان مظلته من السطور الأولى تبدأ روح المحاكاة الساخرة بتوليد عالم خيالي حيث لا شيء فيه معقول تماما، وحيث كل شي ء مضحك قليلا.

لا يزيد «قصر» كافكا غير الموجود على أية خارطة، وهمية عن «امريكا" المنظور لها كصورة كليشيه، للمدنية الحديثة الناجمة عن الضخامة والماكينة. في بيت خاله السيناتور يشاهد كاول مكتبا في هيئة ماكينة معقدة بشكل خارق للمألوف، ذا مئة جرار مربوط بمئة زر كهربائي، شي ء عملي، لكنه في الوقت نفسه لا يصلح لأي شي ء أعجوبة تقنية لكنه في الوقت نفسه بلا معنى وقد استطعت أن اكتشف عشرة اختراعات من هذا النوع في الرواية كلها شيقة، وممتعة، ولا معقولة اضافة لمكتب الخال، هناك القصر الشبيه بمتاهة، «الفندق الغربي" (بمعماره المعقد المخيف، وبادارته البيروقراطية ذات الطابع الشيطاني) ثم هناك مسرح أوكلاهوما العملاق بإدارته العسيرة على الفهم هكذا باللعب عبر المحاكاة الساخرة (اللعب بالكيشيهات) استطاع كافكا أن يعرض ثيمته الكبرى لأول مرة، وهذه هي حول متاهة المنظمة الاجتماعية حيث يضيع الفرد وسطها طريقه، ليمضي من بعد صوب الدمار، (التحدث وراثيا: الطابع الآلي المضحك لمكتب الخال هو سلف الجهاز الاداري المرعب في رواية القصر) استطاع كافكا أن يقبض على هذا الثيمة، بالرغم من جديتها وواقعيتها لا بوسائل الرواية الواقعية، المتجسدة في كتابات زولا الاجتماعية، بل فقط بالوسائل الشديدة العبث، الداخلة ضمن قائمة «أدب حول الأدب »، والتي منحت مخيلته كل الحرية المطلوبة (الحرية في المبالغة والتضخيم في خلق غير المحتمل الحرية في الابداع المرح).

قسوة القلب المقنعة

بأسلوب مترع بالمشاعر

في رواية «امريكا" هناك الكثير من الايماءات العاطفية المبالغ بها وغير المبرر لها. نهاية الفصل الأول: كارل على وشك الذهاب مع خاله، بينما يبقى الوقاد متروكا في كابينة كابتن الباخرة، لكن كارل وبشكل مفاجيء اتجه الى الوقاد، ليسحب يده اليمنى من حزامه، ويمسكها بلطف.. حرك كارل أصابعه بين يد الوقاد، دفعا وجذبا بينما راح الوقاد ينظر حوله بعينين مشرقتين، لكأنه بورك بسعادة كبيرة لكن لا أحد يستطيع أن يحسده عليها.

الآن عليك أن تكون متهيئا للدفاع عن نفسك أجب بنعم أو لا، لأن هؤلاء الناس لن يعرفوا أي شي ء عن الحقيقة. يجب أن تعدني بتنفيذ ما أطلبه منك، لأنني خائف ولدي أسباب وجيهة لذلك، تجعلني عاجزا عن تقديم أي مساعدة اضافية لك. ثم انفجر كارل بالبكاء، مضى يقبل يد الوقاد المتخددة، واضعا إياها فوق خده ككنز على وشك التخلي عنه، لكن آنذاك كان خاله السيناتور يقف جنبه، وبقسر جد خفيف استطاع أن يقتاد كارل معه خارج ألكابينة.

مثال أخر: عند انتهاء الأمسية في بيت بولبوندر الريفي، شرح كارل باستطالة سبب رغبته بالعودة الى بيت خاله "خلال ذلك الخطاب الطويل، كان السيد بوليوندر يستمع غالبا باهتمام كبير، خصوصا عندما يذكر اسم الخال جاكوب... ساحبا كارل اليه.

ليست الايماءات العاطفية (السنتمنتالية) لهذه الشخصيات مبالغا فيها فحسب، بل هي غير مناسبة،. لم تمض سوى ساعة على تعرف كارل بالوقاد، ولا يوجد أي سبب يجعله متعلقا به بشدة وحتى اذا افترضنا ان الشاب الصغير قد شغف، وبشكل ساذج بفكرة اقامة صداقة مع الآخر، فإننا سنندهش الى ردود فعله بعد برهة قصيرة حينما ترك خاله يقوده بعيدا عن الصديق الجديد دون أية مقاومة.

في ذلك المشهد المسائي، كان بوليوندر عارفا تماما بأن الخال قد طرد كارل من بيته، وهذا هو السبب الذي جعله يحتضن كارل، مع ذلك وعندما يقرأ كارل رسالة خاله التي تعلمه بمصيره المحزن بحضور بوليوندر، فإن الآخر لا يعرض له أية مساعدة.

في رواية كافكا "امريكا" نجد أنفسنا في عالم، تكون فيه المشاعر غير مناسبة، غير مناسبة للحظة الآنية مبالغا فيها، ولا يدرك كنهها أو بالعكس مفقودة بشكل مثير للضحك. في يومياته وصف كافكا روايات ديكنز بهذه الكلمات "الأسلوب الجياش بالمشاعر يخفي وراءه قلبا قاسيا". وهذا هو ما تريد أن تطرحه رواية كافكا، العرض المسرحي للمشاعر الفياضة التي لن تمر سوى فترة قصيرة على ظهورها حتى تختفي تماما،ليس هذا النقد السنتمنتالية (بطريقة ضمنية، ساخرة، لكنها خالية تماما من أي عدوانية) موجها لديكنز فقط، بل لكل الرومانتيكية ولو رثتها معاصري كافكا، وخصوصا التعبيريين، وولعهم الشديد بالهيستيريا والجنون، يجمع هذا الموقف كافكا بسترافنسكي على الرغم من الفوارق الكبيرة بينهما.

الصبي في انخطاف Ecstasy

بالتأكيد لا يستطيع المرء القول أن الموسيقى (أي موسيقى) غير قادرة على التعبير عن المشاعر موسيقى المرحلة الرومانتيكية تعبيرية بشكل أصيل، لكن حتى مع تلك الموسيقى يمكن القول بأن قيمة هذه الموسيقى لا يتحدد بأي شكل من الأشكال بما تثيره من مشاعر لدى المتلقي. لأن الموسيقى قادرة على اثارة المشاعر حتى حينما تكون متجردة من أي فن موسيقي. استرجع طفولتي: جالسا أمام البيانو، أقوم بدفع نفسي الى ارتجالات عاطفية والتي لا احتاج لتحقيقها سوى ائتلاف سلم أو صغير وفا مينوري، سأقوم بتكرار عزف شديد القوة دون تحديد، مزج المركبين وتكرار اللحن الأول، بدون حدود جعلني اختبر انفعالا أكثر كثافة مما كان شوبان أو بيتهوفن يقدمانه لي. (ذات مرة قام أبي الموسيقي، تحت وطأة غضب لم أر مثيلا له طيلة حياتي، برفعي عن البيانو، ووضعي تحت مائدة الطعام).

ما كنت أعيشه أثناء تلك الارتجالات هو حالة الانخطاف ما هو الانخطاف ecstasy؟الصبي يشعر بالخماس أثناء ضربه العنيف على مفاتيح البيانو (سواء كان هذا الخماس جذلا أو أسى)، والانفعال يرتفع الى درجة عالية من الكثافة يصبح تحمله مستحيلا، الطفل يدخل حالة العمى والصمم حيث يصبح كل شيء منسيا، حتى الفرد نفسه، خلال الانخطاف الانفعال يبلغ قمته، وكذلك يصل في الوقت نفسه الى نقيض الانفعال وهذا هو الذهول.

يعني الانخطاف ecstasy  ان يكون المرء خارج نفسه، وان يكون المرء خارج نفسه لا يعني لا أن يكون خارج اللحظة الحاضرة مثل الحالم الذي يهرب الى الماضي أو المستقبل بالضبط هو النقيض. الانخطاف هو التوحد المطلق مع لحظة الحاضر، والنسيان الكامل للماضي أو المستقبل. إذا قمنا بإزالة المستقبل والماضي من وعينا، ستكون لحظة الحاضر ساكنة في فراغ مطبق، خارج الحياة ووقائعها، خارج الزمن ومستقلة عنه (لذلك يمكن ربط الانخطاف بالأبدية التي هي نفي للزمن أيضا).

بإمكاننا اكتشاف الصورة السمعية للانفعال في اللحن الرومانتيكي للأغنية، اذ يهدف طولها الى الاحتفاظ بالانفعال وتنحيته، مسببا بطء التمتع بها، الانخطاف من جانب آخر، غير ممكن تحقيقا عبر لحن، لأن الذاكرة المختنقة بالانخطاف غير قادرة على مسك سلسلة النوتات في جملة لحنية، مهما تكن قصيرة، الصورة السمعية للانخطاف هي الصراخ (أو فكرة لحنية أساسية جد قصيرة تقلد الصراخ).

نحن معتادون على ربط فكرة الانخطاف بتلك اللحظات الباطنية العظيمة، لكن هناك انخطافا شائعا ورخيصا ويوميا، الانخطاف الناجم عن الغضب، الانخطاف الناجم عن سياقة السيارة بسرعة عالية،الانخطاف الناجم عن الضجيج المصم للآذان، الانخطاف في ملاعب كرة القدم، العيش هو سعي عسير ومتواصل كي لا نفقد ذواتنا للبقاء بشكل صلب داخل ذواتنا. الخروج من ذواتنا للحظة واحدة يجعلنا على شفا مملكة الموت.

المتعة والانخطاف

أتساءل اذا كان أدورنو قد استمتع قليلا بموسيقى سترافنسكي الممتعة ؟ من وجهة نظره لا تقدم موسيقى سترافنسكي شيئا سوى المتعة الشاذة للحرمان، اذ كل ما تقوم به هو أن تحرم نفسها من كل شيء من التعبير من الصوت الأوركسترال الضخم، من تقنيات التنامي الموسيقي، ملقية نظرة حقودة على الأشكال القديمة، انها تقوم بتشويهها، انها عاجزة عن الابتكار، ولا تقوم إلا بالسخرية بالتقليد الكاريكاتيري، وهي ليست نفيا لموسيقى القرن التاسع عشر بل لكل الموسيقى (يقول أدورنو: "موسيقى سترافنسكي هي موسيقى طردت الموسيقى منها).

كم هو غريب هذا القول، وماذا حول البهجة المتدفقة من تلك الموسيقى؟

أتذكر معرض بيكاسو، في براغ في منتصف الستينات، أحدى اللوحات لم تفارق ذاكرتي قط امرأة ورجل يأكلان البطيخ الأحمر، المرأة جالسة، والرجل مستلق على الأرض، وساقاه مرفوعتان صوب السماء، في ايماءة تعبيرية عن فرح غير قابل للوصف، وكل اللوحة مرسومة بتلقائية طريفة، جعلتني أفكر في وقتها بأن بيكاسو كان يشعر بفرح مماثل لفرح الرجل الرافع ساقيه الى أعلى.

اضافة الى متعة الرسام وهو يرسم الرجل الرافع ساقيه، هناك متعة التأمل (مع ابتسامة). انها الابتسامة التي تشكل موضع اهتمامي، في فرحة الرجل الرافع ساقيه صوب السماء لمس الفنان بعدا كوميديا رائعا جعله هو الآخر منغمرا بالمتعة وابتسامته تنخره صوب ابداع مرح وطائش. هذا الطيش مماثل لطيش الرجل الرافع ساقيه صوب السماء لذلك فإن المتعة التي أعنيها فيها شيء من الدعابة، وهذا ما يجعلها مختلفة عن المتع التي قدمتها الفنون في عصور أخرى، عن المتعة الرومانتيكية القائمة في أوبراتر يستان لفاغنر، على سبيل المثال، أو المتعة البسيطة الرائقة التي نجدها في عمل فيلمون وبوسيس Philemon and Baucis (أليس فقدان روح الدعابة هو السبب وراء رفض أدورنو لموسيقى سترافنسكي ؟)

كتب بيتهوفن قصيدة للفرح، لكن الفرح البيتهوفني هو احتفال يتطلب منا الوقوف والانتباه الرصين، تقدم الروندو والمينوت في السيمفونيات الكلاسيكية، دعوة للرقص، لكن المتعة التي أعنيها والتي أعشقها، لا تأتي عبر فعل الرقص الجماعي وهذا هو السبب الذي لا تمنحني أي بولكا فرحا عدا بولكا سترافنسكي، "بولكا السيرك "، والتي كتبت لا كي نرقص عليها بل كي ننصت لها وسيقاننا مرفوعة الى السماء.

هناك أعمال معاصرة اكتشفت متعا غير قابلة للتقليد، المتعة الموجودة في مخيلة متهورة ومبتهجة لابتكاراتها ولقدرتها على اثارة الدهشة _ وحتى لبعث الصدمة - عبر الابداع بامكان المرء أن يتذكر قائمة طويلة من الأعمال الفنية التي تقدم هذا النوع من المتع، الى جانب سترافنسكي («بيتروشكا"،"أعراس "، رينارد، كابريشيو على البيانو والأوركسترا، كونشرتو الكمان، الخ)، كل أعمال سيرو، رسوم بول كلي، أعمال دوفي Duffyأعمال دوبوفي Dubuffet، بعض كتابات أبوللنير، موسيقى ياناتشيك Janàcek  الأخيرة (اناشيد الروضة، سداسي الآلات الهوائية، أوبراه الماكر فيكسن الصغير)، وبعض من أعمال بولين Poulene الموسيقية خصوصا أوبراه ثديا تيريسيا" المبنية على نص لابوللنير، كتبه في الأيام الأخيرة من الحرب. وفي الحقيقة، هذا النوع من المتع المقترنة بروح الدعابة اختفى بعد الحرب العالمية الثانية في جميع الأعمال الفنية باستثناء رسوم بيكاسو، وماتيس اللذين ظلا يسيران ضد التيار السائد.

في ادراجي للأعمال الكبيرة الممتعة، لا أستطيع أن أتجاهل موسيقى الجاز. تستند تدريبات الجاز بشكل عام على تنويعات مستندة على ألحان قليلة نسبيا. لذلك نحن عبر كل الأداء الموسيقي للجاز نستطيع أن نلمح الابتسامة القائمة بين الألحان الأصلية وبين ترديداتها. مثل سترافنسكي، يتمتع أساتذة الجاز الكبار بفن اعادة البناء الحرة والمرحة، وهم لا يؤلفون قطعهم الموسيقية استنادا الى أغان زنجية، بل هم يقتبسون من باخ، موزارت وشوبان، قام الموسيقي ايلنغتون Ellington  باعادة بناء موسيقية لبعض أعمال تشايكوفسكي و غريغ، ولعمله سويت الأوين Uwis suite  ألف تنويعا على "بولكا القرية " مستدعيا في روحه "بيتروشكا" لسترافنسكي، ليست الابتسامة في هذا العمل حاضرة في المسافة الفاصلة بين ايلنغتون وتصويره والموسيقى لغريغ Grieg  بل هي حاضرة بشكل واضح على وجوه العازفين، عندما تأتي لحظة العزف المنفرد (والتي هي دائما، ارتجال جزئي مع مفاجآت عديدة) يتقدم الموسيقي بعزفه ثم يسلم الخط الى موسيقي آخر، ليظل هو مستمعا ومتمتعا بالموسيقى.

الناس في حفلة الجاز يصفقون، وهذا الفعل يعني أنني انصت اليك بعناية، والآن أعلن عن تقييمي لك، مع موسيقى "الروك " القواعد تغيرت، حقيقة مهمة: جمهور حفلات الروك لا يصفق، سيكون فعل التصفيق اساءة كبيرة، اذ أنه يضع مسافة نقدية بين العازفين وبين المتلقي، نحن جئنا هنا لا لكي نحكم أو نقيم، بل للاستسلام للموسيقى، لصراخ، جنبا الى جنب، مع الموسيقيين، للانصهار معهم، نحن حضرنا هنا لتحقيق التوحد لا الاستمتاع،

التدفق لا الابتهاج، نحن ندخل في حالة الانخطاف هنا: الضرب عنيف هنا ومتواصل، الأفكار الموسيقية (الموتيفات) اللحنية قصيرة ومتكررة الى ما لا نهاية اذ ليس هناك تعارض ديناميكي (ارتفاع وانخفاض متفاعلان معا _ المترجم _) بل ايقاع شديد القوة fortissimo  الأغنية تسعي لبلوغ قمة السلم فتصبح شبيهة بالصراخ، هنا نحن ما عدنا في تلك العلب الليلية. حيث الموسيقى تغلف الأزواج بحميمية رائقة، بل في قاعات كبيرة أو ملاعب رياضية حيث يتدافع الحاضرون بعضهم ببعض، واذا رفضنا في ناد ما، فلن يكون هناك أزواج كل شخص يتحرك بطريقته الخاصة لوحده ومع الجمهور في آن. الموسيقى تحول الجمهور الى جسم جمعي واحد.

الجمال الفضائحي للشر

ما يزعجني في أدورنو، على الرغم من ثقافته الموسيقية الرفيعة طريقته الخاطئة بربط الأعمال الفنية بالقضايا السياسية والاجتماعية وهذه غالبا ما توصله الى استنتاجات فقيرة وخطيرة في آن، فلو أخذنا بنظرا لاعتبار المرحلة السابقة التي اختصرت الاتجاهات السياسية كلها الى تيارين رئيسيين، أصبح العمل الفني بالضرورة مقيما على أساس كونه تقدميا أو رجعيا، ولان الرجعية شر يصبح لزاما أن تبدأ محاكم التفتيش عملها.

"تتويج الربيع ": باليه ينتهي بتقديم فتاة صغيرة قربانا كي يعود الربيع مرة أخرى. وفق رأي أدورنو: سترافنسكي منحاز الى صف البربرية موسيقاه "لا تماهي نفسها مع الضحية، بل مع القوى المدمرة (أتساءل لماذا استخدم أدورنو فعل "تماهي" ؟ كيف عرف أن سترافنسكي متماه مع هذا الشيء أو ذاك، لماذا لم يقل "يرسم " أو "يصور" أو "يعبر" عن "الاجابة: لأن التماهي مع الشر وحده يبرر المحاكمة).

كم أمقت أولئك الذين يبحثون عن موقع سياسي أو ديني أو فلسفي داخل العمل الفني بدلا من البحث فيه سعيا للمعرفة، للفهم لمسك هذه الحقبة أو تلك فيه، قبل سترافنسكي لم تستطع الموسيقى أن تعطي الطقوس البربرية أي شكل فني متميز.

لم يكن ممكنا تخيلها موسيقيا، وهذا يعني عدم القدرة على تخيل جمال الشيء البربري، بدون ابراز جماله سيظل البربري عسيرا على الفهم (أنا أشدد: يتطلب فهم أي ظاهرة بعمق، معرفة جمالها سواء ما هو متحقق أو ما هو باطني وقابل للتحقق) القول بأن هذا الطقس الدموي يمتلك قدرا من الجمال شيء فضائحي ومرفوض قطعا، لكن مع ذلك فإننا ما لم نفهم هذه الفضيحة ما لم نصل الى قاعها فإننا لن نفهم الكثير عن الانسان بشكل عام. أعطى سترافنسكي للطقس البربري شكلا موسيقيا قويا ومقنعا دون أي زيف: استمع الى الجزء الأخير من "تتويج الربيع "، "الرقص القرباني"، انها لا تخفي الرعب.. انه هناك بدون إدانة ؟ لكن العمل الفني آذا أدين فإنه سيتحول الى أكذوبة الى تبسيط الى عمل دعائي انه لكونه جميلا أصبح قتل الفتاة مريعا جدا.

بالضبط مثلما قام في تصوير القداس موسيقيا والسوق الموسمي في "بتروشكا"، صور سترافنسكي هنا الانخطاف البربري والأكثر امتاعا في هذا العمل، ان سترافنسكي أعلن عن انحيازه الى مبدأ أبولو (5) (اله الموسيقى والشعر والتكهن لدى الاغريق)، المناقض لمبدأ دايونيسس (اله الخمر والمجون عند الاغريق): "تتويج الربيع " (وشكل خاص رقصاتها الطقسية) هو التصوير الابولوي للانخطاف الدايوتيسي: في هذا التصوير، العناصر الانخطافية (ايقاعات الضرب العدواني، الموتيفات اللحنية القصيرة والقليلة العدد، والتي تتكرر مرارا دون أن تنمو موسيقيا، الأصوات الشبيهة بالصرخات) قد حولت الى شكل فني عظيم ورائق (على سبيل المثال، نجد أنا بالرغم من طبيعة الايقاع العدوانية لكنه ينمو بطريقة جد معقدة خلال التناوب السريع للموازين measuers مع الموازين الايقاعية  signatures time  وهذا خلق ايقاعا اصطناعيا خياليا وذا أسلوب جديد)، مع ذلك يظل الجمال الأبولوي المصور للبربرية غير مخف لقطاعاتها وهذا يجعلنا نكتشف أنه في قاع الانخطاف ليس هناك سوى ايقاع قاس وضربات حادة لآلات القرع، وخدر متطرف موت.

الحساب الاغترابي

في حياة المغترب هناك شيء من الحساب: جوزيف ثيودور كورنراد كورزينفسكي (الذي اشتهر تحت اسم جوزيف كونراد)، عاش سبعة عشر عاما في بولندا، (وروسيا مع أسرته المنفية)، أما بقية حياته البالغة خمسين عاما فقد كانت في انجلترا (أو على بواخر انجليزية) لذلك كان بمقدوره تبني الانجليزية كلغة لكتابته، اضافة الى الثيمات الانجليزية، الشيء الوحيد الذي لم يستطع التخلي عنه هو حساسيته ضد كل ما هو روسي (لم يستطع اندريه جيد أن يفهم سبب اشمئزاز كونراد من دوستويفسكي)، ومع هذه الحساسية احتفظ بأثر يدل على بولونيته.

عاش بوهوسلاف مارتينو في بوهيميا حتى سن الثانية والثلاثين، ثم قضى ستا وثلاثين سنة في فرنسا وسويسرا، ثم امريكا فسويسرا ثانية، الحنين لوطنه الأول ظل يترجع صداه في أعماله، وقد اعتبر نفسه دائما موسيقيا تشيكيا، مع ذلك، فإنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تجنب تلبية أي من تلك الدعوات التي وصلت اليه من بوهيميا، وحسب وصيته دفن في سويسرا، لكن ذلك لم يمنع من خرق وصيته الأخيرة، بعد عشرين عاما على وفاته، قامت مجموعة من الرجال المرسلين من حكومة بلده بسرقة رفاته لدفنها في جو رسمي مهيب تحت تراب وطنه الأم عاش غومبروفكس في بولندا خمسة وثلاثين عاما، منها ثلاثة وعشرون في الأرجنتين، ثم ستة أعوام في فرنسا، مع ذلك فهو لم يكتب الاباللغة البولونية. في عام 1964، وخلال اقامته في برلين، وصلته دعوة من بولندا لكنه، وبعد تردد رفضها، بعد وفاته تم دفنه في فينس، جنوب فرنسا.

عاش فلاديمير نابوكوف في روسيا أول عشرين عاما من حياته، ثم واحدا وعشرين عاما في أوروبا ( في انجلترا والمانيا وفرنسا)، وعشرين عاما في أمريكا، ثم ستة عشر عاما في سويسرا، تبنى في أثناء اقامته في أمريكا الانجليزية، وبدرجة أقل الثيمات الامريكية، إذ نجد الكثير من الشخصيات الروسية في رواياته، مع ذلك كان صريحا بإعلان نفسه كمواطن وكاتب امريكي، ويرقد جسده الآن في مونترو، بسويسرا.

عاش كازميرز برانديس في بولندا خمسة وستين عاما، ثم انتقل الى باريس بعد محاولة جاروليسكي الانقلابية سنة 1981. ولم يكتب برانديس الاباللغة البولونية وعن ثيمات بولونية، ومع ذلك، ورغم انتفاء أي سبب سياسي للبقاء خارج بولندا، بعد عام 1989، فإنه لم يعد للعيش في بولندا.

يكشف هذا المسح السريع، مسألة واحدة تتعلق بالفنان المغترب، الفترات المتساوية من العمر لها ثقل غير متساو فيما بينها، وهذا يعتمد على كونها تشمل سنوات الشباب المبكر أو النضج. قد تكون سنوات النضج أكثر أهمية للحياة والابداع معا، لكن اللاوعي، والذاكرة، واللغة تشكل أسس البناء الابداعي، وهذه تتشكل في عمر مبكر. بالنسبة للطبيب هذا لا يسبب أي اشكال، لكن بالنسبة للروائي أو الموسيقي، تؤدي مغادرة المكان الذي ترتبط به مخيلته، واهواؤه وثيمات كتابته الأساسية، الى التشظي، لذلك فعليه القيام بتجنيد كل قواه، كل حيله لتحويل ما هو سلبي الى شيء في صالح ابداعه.

الاغتراب شيء قاس لكل شخص دون استثناء، الناس جميعا يفكرون بألم الحنين، لكن الأقسى هو ألم الشعور بالجفاء تجاه البلد الأم، ان يتحول ما هو حميمي الى شيء غريب، نحن نعيش تجربة الجفاء ليس للبلد الجديد. هنا يكون مسار التحول باتجاه مقلوب، ما كان أجنبيا يصبح تدريجيا مألوفا ومحبوبا، مشاعر الجفاء التي تغمرنا هكذا بقوة، ودون توقع، هي ليست تجاه امرأة مجهولة نحاول اصطحابها معنا، بل هي تجاه امرأة كانت جزءا من كياننا، ولن يكشف هذا الشعور الجذري بالوحشة من العالم ووجوده الى الذهاب الى الوطن الأم بعد ابتعاد طويل عنه.

أنا أفكر غالبا بالروائي البولندي غومبروفكس في برلين، ورفضه الذهاب لرؤية بولندا ثانية، هل ذلك يعود الى عدم ثقة بالنظام الشيوعي آنذاك ؟ لا أظن ذلك، الشيوعية البولندية كانت في طور التفكك وكان أغلب المثقفين منغمرين في نشاطات معارضة للنظام، ولابد انهم كانوا سيحولون زيارة غومبرفكس لبولندا الى انتصار كبير لهم، لا يمكن أن يكون السبب الحقيقي لرفض الدعوة إلا وجوديا، وشيئا غير قابل للشرح عبر اللغة، لحميميته الشديدة، وهو غير قابل للشرح لما يسببه من أذى للآخرين، وأفضل ما يمكن عمله تجاه تجارب من هذا النوع تركها في غياهب الصمت.

وطن سترافنسكي

تنقسم حياة سترافنسكي الى ثلاثة أجزاء شبه متساوية، ثلاثة وعشران عاما في روسيا، وعشرين في فرنسا وسويسرا الفرنسية، وفي امريكا قضى اثنتين وثلاثين سنة.

الوداع النهائي لروسيا حدث بمراحل: كان سترافنسكي، في البدء في فرنسا، اذ كان هناك منذ عام 1910، في رحلة دراسية، تلك السنوات هي الأكثر روسية في ميدان ابداعه الموسيقي. في أثنائها ألف سيمفونيته الشهيرة "تتويج الربيع ". وبداية  سيمفونية "أعراس". ثم جاءت الحرب لتجعل الاتصال بروسيا عسيرا، ومم ذلك ظل سترافنسكي روسيا في ميدان التأليف الموسيقي. ولم يقتنع بفقدانه لنوطن الأم، وبشكل نهائي، الا بعد ثورة اكتوبر، آنذاك بدأت غربته.

الغربة هي الاقامة القسرية في الخارج للشخص الذي يعتبر مسقط رأسه وطنه الوحيد، لكن مع البقاء في الغربة أكثر فأكثر ينمو ولاء جديد، هذه المرة، سيكون للوطن المتبنى،وهذا يحدث حين يقع الانفصال مع الوطن الأم. تدريجيا بدأ سترافنسكي بالتخلي عن الثيمات الروسية، وعند موته سنة 1971، رفضت زوجته تلبية لرغبة زوجها، عرض الحكومة السوفييتية بدفنه في روسيا، بدلا من ذلك تم دفنه في مقبرة البندقية.

بدون شك، ظل سترافنسكي، مثل الآخرين، حاملا معه جرح الغربة، وبدون شك فإن تطوره الابداعي سيتخذ مجرى مختلفا، لو كان بإمكانه البقاء في وطنه الأم. في الحقيقة، كانت بداية رحلته داخل تاردخ الموسيقى، متزامنة مع اللحظة التي توقف فيها وطنه عن الوجود بالنسبة اليه، ومع ادراكه بغياب أي وطن آخر قادر على أن يحل محل روسيا، فإن الموسيقى أصبحت وطنه، وما أعنيه هو الموسيقى المنتمية لكل الموسيقيين ولكل العصور... داخل تاريخ الموسيقى أصبح سعيه لمد جذوره بعد ضياع الوطن، داخل هذا العالم وجد أخيرا  أبناء وطنه الحميمين، ابتداء من الموسيقي بيرتون الى ويبرن، ومع هؤلاء الموسيقيين فبدأت حواراته التي لم تتوقف حتى وفاته.

داخل قلعة الموسيقى هذا، عمل سترافنسكي بأقصى ما يستطيع كي يشعر انه في بلده: التنقل من غرفة الى أخرى، مس كل زاوية فيه، ملامسة كل قطعة من أثاثه، ذهب من الموسيقى

الفولكلورية الى بيرغو ليسي , Pergolesi  الذي أعطاه بولسينيللا ( 1919) الى أساتذة الباروك، الذين بدونهم ما كان ممكنا ابداع أبولون موساغيث (1928)، الى تشايكوفسكي، الذي أعاد بعض ألحانه في "قبلة الجنية " (1928)، الى باخ، عراب كونشرتو البيانو والآلات الهوائية الذي ألفه سنة 1924، وكونشرتو الكمان ( 1931)، الى موسيقى الجاز التي احتفل بها في "الراغتايم " للاحدي عشرة آلة، وفي "المقدمة " لفرقة عازفي الجاز (1937). الى بيروتن وأساتذة البوليفي القدامى الذين ألهموه سيمفونية المزامير Psalm ( 1930( وقداسه الرائع (1948) الى مونتيفردي الذي درسه عام 1957، الى جيسوالدو الذي أعاد بناء مادريجالاته (1959) (المادريجال: غناء قديم بوليفي بدون مصاحبة الآلات الموسيقية)، ثم ,الى نظام الاثنتي عشرة نغمة الذي كان متحفظا تجاهه، حتى وفاة شينبرغ Schoenberg  سنة1951.

سيتهمه خصومة، بافتقاد موسيقاه للعاطفة ولابد أنهم بلا قلب كي يجهلوا ما تعنيه المشاعر المختفية وراء تشرد سترافنسكي الطويل بين ثنايا تاريخ الموسيقى.

لكن ذلك ليس أمرا غريبا، لا أحد يتميز بفقدان الحس أكثر من الشخص العاطفي، نذكر بأن قسوة القلب تختفي دائما وراء أسلوب مترع بالمشاعر.

الهوامش:

1- منظومة موسيقية لا مقامية تعتمد على توظيف الانثتي عشرة نغمة للسلم الملون في الموسيقى.

2- الثيمة والموتيف في الأدب تعني الثيمة الفكرة الاساسية (أو الموضوعة الأساسية) من حيث أن الموتيف هو الفكرة الثانوية، وهي مجموعة موتيفات تكون الثيمة.. وهذا الشيء نفسه ينطبق على الموسيقى والرسم، ففي الموسيقى الثيمة هي الفكرة الأساسية للحن وهي تتكون من مجموعة أفكار ثانوية تنقل بواسطة العبارات الموسيقية.

3- البوليفوني: وتعني في الموسيقى علم توافق اتحاد الالحان المتعددة التي تسمع في آن واحد وهي من كلمة Poly وتعني متعدد Phony وتعني صوتي.

4- اعادة البناء الموسيقية: عندما يأخذ الموسيقي عملا شائعا ويجري له تبديلا في مجال سرعة الأداء والتوزيع الموسيقي أو أن يضيف أجزاء أخرى له (المترجم).

5- مبدأ أبولو في الأدب: حيثما يكون للعقل والتحليل موقع أساسي في العمل الأدبي، ويعتبر اندريه جيد أفضل مثال لهذا مبدأ دايونيسس: حيثما تكون العاطفة الجامحة هي القوة الأساسية في العمل الأدبي، دي اتش لورنس خير مثال لهذا الاتجاه، هذان المفهومان ابتدعهما نيتشة في كتابه "مولد التراجيديا".

 
ترجمة:لؤي عبدالاله
(مترجم وكاتب عربي يقيم في لندن)

   

1302 تصفح 0 إرسال

 

الصفحة الرئيسية | مقالات العدد | الأرشيف | حول المجلة | البحث | سجل الزوار | الإشتراك في المجلة
إحصائيات سريعة | مواقع مفيدة | إتصل بنا | RSS  | أرشيف PDF

 

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نزوى © 2009