نيقوسيا


 

سعدي يوسف


من أجواء غربته الطويلة عن وطنه العراق ، يكتب الشاعر الكبيري يوسف " نمته "مثلث الدائرة " ليخوض به تجربة كتابة الرواية لأول مرة.
إحتفاء بهذا الحدث الثقافي  نقدم هنا الجزء الأول من الفصل الأخير المعنون :"نيقوسيا"..،،
بين مقهى "الروضة" بالصالحية
،  ومقهى "الكمال " غير البعيد عن جسر فكتوريا، كانت رحلتي اليومية صباحا في "الروضة"، وعصرا في "الكمال "، في المساء أعود إلى مأواي في "مساكن برزة"، المأوى الذي يشاركني فيه ثلاثة من أمثالي .
دمشق ، بعيدة عنا.
نحن نعيش في هامشها القصي ، نأكل مثل فقرائها، وننظر بجسد إلى  واجهات مخازنها ومطاعمها، مثل فقرائها.
لكن فقراء دمشق ، أيضا، بعيدون عنا، لاعلاقة لنابهم لانلتقي بهم: هم في رحلة البحث حكن الخبز، ونحن في رحلة المقهى نبحث عن معنى للأمس ، ولليوم ،وربما للغد.
أحيانا، أمر بـ "القنديل "، حيث يجلس أدباء وفنانون ، حول موائد كباب وعرق وريحان ، وحيث لوحات رسامين معروفين معلقة، أمر، ولا أجلس فالشاي هنا، ليس الشاي في "الروضة" أو "الكمال" أو "الحجاز" الشاي في "القنديل " يقدم في فنجان ، وثمن فنجان الشاي يساوي وجبة من وجباتي .
لكنني آمر. ادفع الباب الخارجي ، وأجتاز الممر، ثم أدور دورة سريعة في المكان .
آنظر الى الجالسين حول البركة. الى الفتيات المتأنقات وهن يشربن العرق إلى اللوحات المعلقة اللوحات تحديدا، ثم أغادر.
كنت ألتقي يع عادل ، وفاضل المرزوق الشهور تمضي .
لتشكل عاما، ثم أعواما
.
عادل سافر إلى فرنسا وفاضل المرزوق يقول إنه قد يذهب الى عدن .
ماذا سأفعل ان ذ هب ، حقآ، في أحد الأيام ؟
أنا غير قادر على إقامة علاقات جديدة  حتى في مأواي بـ "مساكن  برزة "، أجد صعوبة في الاندماج مع الثلاثة الذين يشاركونني المكان هم شبان طيبون
.
مرحون ، يساعدونني كثيرا، لكني أجد نفسي ، بمنأى عنهم هواجسي تنهض كالجدار بيني وبينهم . هواجسي ليست متعلقة بهم ، فهم كما قلت طيبون ، مرحون ، ويساعدونني .
هواجسي لي . لا أتحدث بها
، لكنني بها مسكون ، وفي الليل ،كثيرا ما يوقظني أحدهم ليخلصني من أحد كوابيسي . 
فاضل المرزوق سافر الى عدن ودعته في المطار.
وحين عدت بالحافلة، الى جسر فكتوريا، لم أمر على مقهى "الكمال ".
ذهبت الى مطعم " الريس ".  جلست وحدي ، وشم ربت عرقآ.
في مقهى "الروضة" كانت الشمس تلتمع في كأسن الشاي . حولي ، يقلب الناس ، الصحف ، ثم يتركونها بسرعة.
كآس الشاي لا يزال أمامى فجأة . . تقدم افي رجل . حياني ، وجلس، كان في الأربعين، يرتدي ملابس أنيقة الى حد ما، ملابس ليست مما يرتديه الناس هنا.
قال لي ، بلا مقدمات "أأنت طاهر " طاهر المحمود" آجبته "نعم ".
ال ، وهو يخرج من جيب قميصه رسالة ويقدمها لي " إنها من ابن
عمك شعبان . آنا مقيم مثله " في لندن. جئت إلى دمشق لأزور
أقرباء
لي . كلفني شعبان البحث عنك ، وتسليمك الرسالة . انا أبحث عنك منذ آسبوع قيل لي انك تجلس في "الروضة" صباحآ سألت عنك صاحب المقهى. أنت محظوظ لآن صاحت المقهى يعرفك . وإلأ كان الآمر صعبا أنا عائد الى لندن بعد غد ارجوك اقرا. الرسالة، ام لآن واكتب سطرين الى شعبان . اكتب عنوانك ايضا.

**
عزيزي طاهر عرفت أنك في دمشق وكلفت حامل الرسالة البحث عنك أريد آن أقول لك شيئا مختصرا، محذدآ وأعرف جوابك المحدد لي بيت أملكه ، قرب "بافوس " في فبرص. آنا لا استعمل البيت الا نادرا، حيز أجيء إلى الجزيرة لآقضي عطلة نهاية الأسبوع، أحيانا، لا أكثر من سبع مرات في السنة، وبالمناسبةا انا ام لآن ، رجل أعمال معروف . مشاريعي في الشرق الأوسط وافريقيا. ابن عمك شعبان ، رجل ناجح في البيت حارس مقيم اقترح عليك الإقامة في هذا البيت.

ساتكفل بكل نفقاتك ، صديقي سوف يسلمك مبلغ التذكرة من دمشق إلى

"لارنكا". وهناك تاخذ سيارة أجرة إلى "نيقوسيا" حيث تنزل في فندق كليوباترا.

ساتصل بالفندق ، حال معرفتي جوابك ، لأحجز غرفة لك . إقامة كاملة. انتظرني . لن أبطيء في المجي الى قبرص . أنا مشتاق اليك . الى

اللقاء.

(شعبان ) يبدو أن الرجل كان ينتظر، بنفاد صبر، انتهائي من قراءة  الرسالة، ذلك لأن عينيه واجهتاني ، فور انتهائي ، متسائلتين . لم أزد على تمتمة بضع كلمات . لكن الرجل أخرج دفتر ملحوظات صغيرا ، وقدم لي قلما، وقال : "اكتب سطرين لشعبان ، مع عنوانك ". كتبت أربعة سطور. قلت له "ليس عندي عنوان " قرأ الرجل ما كتبت . طوى الدفتر. أخذ القلم قال : "إذا، ستكون بعد شهر هناك ؟ في أوائل "آذار؟ " .

أحببته "انعم ".

قال : "لنذهب الى الخطوط الجوية القبرصية. ليسوا بعيدين من هنا. خذ

التذكرة، ليتأكد شعبان من كل شيء . هذا مبلغ اضافي لمصاريفك . خذه . انه من ابن عمك ، وليس منى".

**

في مطار "الارنكا"، كانت الاجراء ات سهلة،سريعة. المسافرون قليلون ، فالموسم ليس موسم اصطياف . دفعت ليرتين قبرصيتين ، وختموا

جوازي بتأشيرة دخول . خرجت الى الشارع ، مباشرة، احمل حقيبتي اليدوية الوحيدة. ركبت سيارة أجرة إلى نيقوسيا.

**

في فندق كيلوباترا، كان اسمي على لائحة الحجز. قالوا . "تم الحجز من

انجلترا " .

أخذت المفتاح ، وذهبت إلى غرفتي ، كانت تطل على المسبح ، الفارغ .

**

لم أمكث في الغرفة طويلا. وضعت حقيبتي اليدوية. داخل الخزانة ،

ونزلت .

أخبروني في "الاستقبال " ان اقامتي كاملة، تشمل المطعم والمشرب

أيضا. ذهبت الى البار. كان الساقى لبنانيا، اسمه سمير، كما قال ،

شربت كأسين .

قال سمير : "بامكانك أن تاكل هنا، أو في المطعم . نحن نقدم مأكولات خفيفة". . .  أكلت ساندويتش جبن ، وسلطة خضراء. الموسيقى يونانية .

والزبائن قليلون . شربت كاسا ثالثا.

**

صعدت الى الغرفة، مدوخا "بالأوزو" وهواء الجزيرة. نمت عميقا حتى المساء... ليلتي الأولى في نيقوسيا كانت هادئة. نزلت من الغرفة . . وسألت سمير اللبناني عن مكان اسهر فيه سهرة متواضعة . أخبرني أن كل هذه المدينة أما كن ، وعلي ، أنا، أن اختار، أتمى واختار. ثم ان نيقوسيا صغيرة، ومركزها أصغر من راحة اليد. تسير قليلا لتجذ حاجز الأمم المتحدة، في وسط السوق تماما، وراء المركز، الأرض الحرام ،

والاتراك . لن أضيع ابدأ. ولو حدث أن ضعت فما علي إلا أن أوقف سيارة أجرة. فندق كليوباترا، هنا، أشهر من مديرية الجمارك .

هكذا خرجت من الفندق . كنت أريد ان اتثبت من خطواتي الأولى في هذه المدينة التي باغتتني ، في مقهى "الروضة"، عبر كلمات رسالة لم أنتظرها البتة، رسالة من ابن عم أكاد أجهله . دمشق ، لا تزال معي ، إلا أنني غير معني ، وأنا هنا، بالمقارنات ، أريد أن أرى نيقوسيا كما أراها، لا كما تبدو في المقارنة مع مدينة أخرى، غير أن الهدوء الذي فاجأني بمجرد خروجي من الفندق ، أدخلني ، رأسا، في المقارنة. في هذه  الساعة من المساء، تكون دمشق في أوج حركتها الناس والسيارات  والأسواق . أما هنا، فالشوارع شبه خالية . لا أحد يتمشى . حتى السيارات .. قليلة. لا أصوات . لا ضجة أبواق . لا باعة ينادون .

الخازن  أغلقت ، لكن واجهاتها ظلت مضاءة.ثغت اضاءة خادعة، توهمك بان ليل المدينة حي . . بينما يكون الناس قد دخلوا منازلهم ، وأغلقوا وراءهم أبوابها... ربما حتى الصباح . المطاعم والحانات ، وحدها، مفتوحة، متألقة بالأضواء، ان سمير اللبناني على حق ، علي أن اتمشى وأختار.

**

لاحت مني التفاتة الى وكالة سيارات شهيرة. السيارات الجديدة،  معروضة خلف الواجهة الزجاجية العريضة... فجأة التقطت عيناي الجرة.

كانت جرة ضخمة، بطينة، بنية اللون ، تستقر راسخة، واثقة بنفسها، في منعطف شارع فرعي يلاصق وكالة السيارات .. سرت في الشارع الفرعي ، حتى بلغت الجرة. لمستها بأناملي . جرة فخار حقيقية . كانت عند باب مشرب يحمل اسمها : "ابار الجرة " دخلت لم يكن في البار سوى صاحبه . كان شابا قبرصيا يونانيا، ثي حوالي الخامسة والعشرين .

دعاني إلى الجلوس ، مشيرا الى طاولة .

ابتسمت ، وفضلت الكرسي العالي ، عند لوح البار، أقرب اليه ، والى الرفوف الثلاثة العجيبة، حيث تتجاوز الاشربة قادمة من كل القارات .

**

في العاشرة صباحا، حين نزلت أتناول فطوري في مقهى الفندق ، ستمني الموظف رسالة بالفاكس من ابن عمي . يقول شعبان انه سيصل اليوم ، مساء، وأن في أن اظل في الفندق أنتظره . يبدو ان الأمور حقيقية جدا، ما دامت تتلاحق ،-هكذا، متلازمة مع بعضها. كنت في حلم المغامرة، ان اكون وحيدا في فندق مدينة أدخلها لأول مرة. أن أسير في المساء الملتبس ، في طرق أجهلها، ثم اهتدي  الى حانة أصادف فيها أناسا لطفاء، أن ... أن ... لكن رسالة الفاكس ، أمامي ، على الطاولة. تنظر الي غامزة، بين فنجان القهوة والخبز. وشعبان ، ابن عمي ، ينظر الي ،

بكامل حروف اسمه الخمسة، انا عاجز عن تذكر ملامحه . لقد ترك البلد، منذ عشرين عاما، ولم يعد اليه ولو مرة واحدة. وأنا، في الأساس ، لم أكن أراه الا بصورة متقطعة . . الا انه آت ، وبهده السرعة، بل في هذا اليوم بالذات مساء . تناولت فطوري ، ودسست رسالة الفاكس في جيبي . خرجت من الفندق ، ومشيت حتى مركز المدينة، أعني حتى السوق. توقفت عند بائع صحف ، أقرأ العناوين البارزة.. انعطفت الى اليمين . جنود الأمم المتحدة يشربون الجعة على مصطبة عند باب أحد
المثارب . دخلت . شربت زجاجة. كان جنود آخرون يتناولون
وجبات خفيفة وأيديهم

ممسكة بالكؤوس . لا فتيات هنا
.

***
خرجت من مشرب الجنود، ظهرا
.
وبدأت مسيرة العودة إلى الفندق .
ومثل ما التقطت عيناي ، الجرة، فجأة، البارحة، التقطت
عيناي عبارة "بابل
محروفة على لافتة خشبية ثقيلة.
كان المطعم صغيرا، فيه أربع طاولات فقط . سيدة بدينة،
يبدو أنها صاحبة المطعم
، تشوي اللحم في الخارج .
سلمت عل السيدة .
جلست .
طلبت سلطة خضراء، وجبن حلوم مشويا، ونبيذا ورديا .
قالت السيدة ان الوردي غير مبرد. فهل آخذ أبيض ؟
جاءت بالنبيذ أولا فرشت شرشف ورق . وعادت لتهيأ ما
طلبته . كانت تدبر أمور المطعم الصغير وحدها، وتتحرك
بخفة دمية معتأة النابض
.
لا أدري ، لماذا أخرجت قلمي ، وبدأت أخربش تخطيطات على
الورق الأبيض
.
كنت مشغولا بالتخطيطات . حين جاءت صاحبة المطعم .
هتفت . "آنت رسام ؟ ابني "مكريوس
" رسام أضا ! ... انه مقيم
في "بولس
"..
وضعت على الطاولة، وبعيدا عن خطوطي ، السلطة الخضراء،وجبن الحلوم المشوي . للمرة الأولى يقول شخص
عني إنني رسام
.
يبدو ان للنبيذ الآبيض القبرص مفعوله . هكذا، حين
صعدت الى غرفتي ، تمددت رأسا عل الفراش ، وآغمضت
عيني
. أناعلى شاطيء البحر.
البحر هاديء .. وصوت المويجات ناعم مثل حفيف الصنوبر،
الشمس في الأفق
، تهبط كالبرتقالة الكبيرة على وجه
الماء. الماء برتقالي . البحر كله برتقالي . الرمل تحت
قدمي ليس رملا. انه يخشخش مثل ورق
الصنوبر اليابس في ممر غابة مهجور
. لكن ، من أين جاء ورق
الصنوير ؟ من أين جاء الحفيف " أخرجت سمكة رأسها،
وانقلبت في الماء
، قرب الشاطيء ، قربي حيث أجلس ، قبل
ان تنتصب على ذيلها وتكلمني
، وهي تنظر الي بعينين
واسعتين ندبتين
، ثابتتين
"لماذا جئت إى هذا الشاطيء " ؟
لم أجبها. كنت احذق في عينيها الجميلتين
. اقتربت
السمكة أكثر. كأن ذيلها قدمان . اقتربت حتى شممت رائحتها
.
كانت رائحة غابة صنوبر بعد المطر
. قالت ثانية : " لم
تجبني . لقد سألتك
، لماذا جئت الى هذا الشاطيء " ؟
ضحكت ، حتى ابتلت عيناي بالدموع
. ضحكت هي الأخرى،
وتمايلت وهي تضحك ، وبانت أسنانها ناصعة، مرتصفة
،
لطيفة
:
"أنا اعرف لماذا جئت
" قلت لها، وأنا اضحك بر "لماذا" ؟ ضحكت
طويلا، حتى ارتمت في الماء الذي طرطش وبلغ رذاذه وجهي ،
ثم
انتصبت ، ومالت برأسها نحوي ، وقالت
:"لأنك سمكة. انت
جئت الى هذا الشاطيء لانك سمكة
". عادت السمكة تسبح .
لكنها لم تبتعد
،
وظلت عيناها تواجهانني
. قلت . "إذا، سوف تأخذينني معك ".
..
قالت "بكل س ور. الا أن عليك أن  تنزل في الماء، أولا".
سألتها "كيف انزل ، وملابسي هذه "  ضحكت ،منقلبة"بسيطة
10 خلع ملابسك وانزل في الماء
"
***
رن جرس الهاتف . سمعت رنينه طويلا . لم أستيقظ . عاد
الرنين . فركت عيني تناولت السماعة ذاهلا
. "طاهر.. أنا
شعبان . وصلت الآن . أنا في الفندق
" . انفتح باب
المصعد. قال لي موظف الاستقبال هامسا "ها هو ذا
". نظرت .
فكرت ، وقلت في نفسي ان الموظف قد يكون واهما. هذا، ليس
ابن عمي طاهر. قطع المسافة القصيرة بين المصعد ومكتب
الاستقبال . واجه الموظف
. سأله عني . كنت بجانبه . يبدو
آنه . لم يعرفني - أتكون صورتي ، آنا آيضآ، تغيرت الى
هذا الحد
. ،
ابتسم الموظف . أومآ بيده الي . نظر افي  طاهر بعينين
محمرتين قليلا. كاف الشيب  متمكنآ من مفرقه طاهرأصغر
مني سنا مددت يدي إليه مصافحا الا انا شعبان
، كيف أنت يا
طاهر
" . ،. لم يرد يئ ، رأسا، مذ يده الي وصافحني لمحت في
عينيه أوائل الدمع
. قال : "اكما تراني . وأنت ، يا شعبان ؟

قلت له : ،ابخير. هل نجلس في المشرب "؟ أومأ برأسه ،
موافقا
. دخلنا وجلسنا الى طاولة . جاء النادل . ابتسم لطاهر
: "أوزو" ؟ أنا أيضا طلبت أوزو قال طاهر : بعد ان ذهب النادل
ليأتي
بكأسينا . "ااسمه سمير. انه لبناني
". لحظت الهدوء الغريب ،
في حركات طاهر
، وكلامه . لم يكن هكذا. قلت له . "لم أكن
أتصور أن صديقي سيلقاك بمثل تلك السهولة . كما لم أكن
أتصور أنك ستلبي دعوتي ، تلبيها فورأ. أنا سعيد لأن

الأمور تطورت هكذا". قال طاهر : "أشكرك ، يا شعبان ".  وعاد
الى صمته ، لكنه بين وقت وآخر كان
 يثتت في نظرته طويلا. لم تعد عيناه مبتلتين .
جاء سميربالكأسين . شربنا نخب لقائنا.
قلت "انقطعت عني أخبارك ، لكن صديقا لك ، اسمه عادل ، وهو
مقيم الآن في باريس ، كان الشخص الذي علمت بواسطته ،
وبصورة غير مباشرة، انك في بيروت ، وبعدها في دمشق .
المصادفة
، وحدها، هي التي دلتني على أرضك . كان صديقك
يتحدث في مطعم عراقي ، عنك ، أحد معارفي كان في الجلسة.
وهو أخبرني
". ابتسم طاهر، وانفرجت اساريره لأوة مرة بعد
لقائنا
.
قال "عادل ، صديق عزيز. . كيف أحواله "  قلت "لا أدري
بالضبط
".
عاد سمير يسألنا إن كنا نريد شيئا. هز طاهر رأسه ، نفيأ.
وآنا كذلك . حين ، نزلت ، بعد المكالمة
، وتوجهت الى مكتب
الاستقبال ، لم أتصور
ان الشخص الواقف هناك ، يتحدث إلى الموظف ، هو ابن عمي
شعبان
.
انا اتذكره بالى شداشة دائما، الدشداشة البيضاء. كان حين
يركض خلفي في البستان يمسك أذيالها بأسنانه
، ويندفع
خلفي ، يقفز الجدول وثبا، بينما

اترنح أنا على القنطرة . ومرة سقطت في الماء، وعلاني
الطين والوحل ، وهو واقف عند حافة الجدول ، يضحك مني
...
الشخص الواقف ، متحدثا مع موظف الاستقبال ، لحم يكن
عبان انه مكتنز الجسم مستدير الوجه
، متورد، حتى سمرته
مالت الى البياض

ملابسه غالية، لكنها ليست مسرفة في المظهر
.
أعتقد انه يظل يتذكر دشداشته .
لى الا. لم تذكرني ؟
الحقيقة، افي لم أعرف كيف اتصرف معه ، في البداية. كان
من المفترض أن اعانقه
.
ترددت ، ولهذا مد يده افي مصافحأ.
وأقول صراحة انني تأثرت لرؤيته ، وكدت أبكي . لا بسبب
أني رأيته ، لكن بسبب أنه رآني
.
اكيد ان صورتي تغيرت ، وان تعب السنين ظاهر على
ملامحي . لهذا رأيت في وجهه علائم إشفاق قي أنا اعتبر الأمرطبيعيا، وكذلك رد فعلي إزاءه . من ناحية أخرى، يمكن
لي القول انني ظللت متوترا عند مكتب الاستقبال
.
ترى، هل ادرك شعبان هذا، فاقترح ان نجلس في البار،
بعيدا عن عيني موظف الاستقبال الدقيقتين في مراقبة ما
كان يجري بيننا
، في البار اطمأننت أكثر.
خف توتري .
وعندما ذكر اسم عادل ، ارتحت ، ذلك أين عرفت أن في عروق
رجل الأعمال دما لا يزال حقيقيا
.
وبعد كأس الأوزو. بدأت أرى ابن عمي شعبان .
انه يرتدي الدشداشة، يعض على أذيالها بفمه ، ويجري ورائي
، محاولا
الإمساك بي
.
في تلك الأيام ، كان جزائى على امساكه بي ،ضحكة مجلجلة.
أما هنا، في نيقوسيا...
هنا، بعد أن امسك بي ...
فقد كان جزائي نظرة حنان دامعة.

**
قلت لطاهر . "أنا أعرف نيقوسيا جيدا.
أفر بها عدة مرات في السنة . أحيانا لمتابعة أعمالي ، وأحيانا
في زيارة سريعة عندما أكون في " بافوس " لهذا سنقضي
ليلة ممتازة فيها، قبل الذهاب الى بافوس
".
سألني طاهر "متى تظننا ذاهبين إلى بافوس " ؟

كان يبدو متلهفا للذهاب الى هناك .
أجبته " متى أردت " . . .
قا ل :" غدا ، مثلا " ؟
لم أكن اتصور انه يريد مغادرة نيقوسيا، قي مثل هذه العجالة،
مع إحساسي برغبته في الذهاب سريعا، الى بافوس
.

قلت : ("ليكن إلكننا سنقضي ليلة ممتازة هنا، على أي حال
".
قال "عرفت مطعما صغيرا اسمه بابل . دخلته مضادفة، وخرجت
منه
سعيدا
". سألته . ا"هل عرفت فيه امرأة" ؟
قال مبتسما ، ابتسامة مكتومة : "نعم
.
امرأة في الستين . قصيرة بدنية . تشوي اللحم والجبن " .
.
قلت : "وكنت سعيدا" ؟
أجاب . "سعادة عجيبة. أتعرف ماذا قالت لي . ، قالت أنا رسام
مثل ابنها
ماريوس
" !
سألته : "اهل رسمتها"؟
قال . "لا. كنت اخربش تخطيطات على ورق الطاولة
" .
قلت . "الكنك كنت ترسم في تلك الأيام ... كنت تريد أن
تكون رساما قبل أن يتلقفك السجن
". . .
علت وجه طاهر مسحة من كآبة . ..
حاولت ، س يعأ. ان أغير موضوع الحديث . شعرت ان ذكر كلمة
سجن
أزعجه
.
قلت : "سنسهر الليلة في ملهى الحصان المختل " سألني .
"ماذا يقدمون هناك " ؟
أجبته ضاحكا : "أغاني ورقصات جميلة، وراقصات أجمل ، منذ
متى لم
تدخل إلى ملهى" ؟
قال . "لم أدخل الى ملهى، البتة
".
كانت غرفتي تجاور غرفته .
وكنا نتحدث ، أمام باب غرفته .
قلت له : "يجب ان نستعد قبل الذهاب الى الحصان المختل .
نرتاح هنا قليلا. وبعد نصف ساعة ننطلق . سأدق عليك
الباب
.
نقرة واحدة فقط ".

**
في حوالي الساعة العاشرة، سمعت نقرة شعبان على الباب .
فتحت الباب . دخل بكامل أناقة الرجل المنطلق الى سهرة.
نظر الي . "ماذا ألم تغير ملابسك . ، نحن ذاهبون إلى السهرة،
إلى الحصان المختل .. . حسنا، تعال معي الى غرفتي
".
ذ هبت إلى غرفته . فتح دولاب الملابس .
قال "جرب . صحيح أنني سمنت قليلا، لكني اعتقد أنك
ستجد بين هذه الملابس
، بدلة تلبسها في سهرة ".
ترددت .
آنذاك ، شرع يخرج الملابس من الخزانة، ويرميها على الفراش
. . . البدلات
، القمصان