خربشات  

إلياس فركوح


كنت حاضرا حين رفرف الطائر - وكان لجناحيه صوت غامض -، فأفاقت السيدة الوحيدة. رأيت النهار انتصف . رأيتها.

  لم تكن نائمة تمامأ. غفوة. مجرد إغفاءة قصيرة خطفتها من ضجيج الوقت .

أبعدتها عن ذرات المكان . ورفعتها الى حيث يتمنى القلب .

  فتحت يدها التى اكتشفت أنها مضمومة الأصابع ، دائما ،-هذه الأصابع ،

مضمومة لا تفلت الخواء. لم تفكر لحظة ماذا تضم . ربما لأن أحدا لم يسألها يوما

عن هذا. تقبضين عل ماذا ، ربما لأن أحدا لم يلحظ الاضمامة أصلأ. ربما هي

العصبية المخبأة في الدم . ربما.

  ولكن ، القلب ماذا عساه يتمنى ؟

***

خلت المدرسة من غبار الأولاد. الغرفتان الكابيتان ذاتا الجدران المصغرة

اللون . ثمة شروخ بين جدارين . عند الزاوية المواجهة. فكرت . بيت عنكبوت !.. هذا موسمه لكنها عادت لتسأل نفسها هل للعناكب مواسمها مثلما لها شبكة خيوطها..؟

ثمة دبق .

القيظ يصلي الساحة الترابية . ظل الطائرعلى الأرض . يتكسر على ملاسة

النحاس لصنبور الماء. هناك . تراه . تنتبه الى خيط الماء السائل منه . يلتمع . تراه ولا تلعن ، هذه المرة ، السنكري الذي يأخذ نقودها بلا مقابل .

  تتابع السيدة خيط الماء الفضي بعينيها ، ينسكب ، بعيدا ، ويستقر دون صوت في

بريكة صغيرة. تحس بالعطش يباغتها. لا تغادر مكانها. تبقى عل جلستها الكسولة.

تفرد أصابعها مرة . مر ة أخرى. ثالثة. وتمررها ، كالمشط ، في شعر رأسها

المستفيق .

تلتفت ، فترى وجهها مشوشا في زجاج مصراع النافذة اليمنى . لا لون في الزجاج . وجهها بلا لون . لكنها تعرفه جيدا. أليس هو وجهها ؟

***

خلا المكان وها السيدة ، والساحة ، والجدران القديمة ، والصمت الثقيل .

السماء هناك . في الأعلى . في الشاهق المتلبد. الذي نام غافلا عن الناس ، ففقد

لونه .

"أرسموا السماء ولونوها" : قالت للصغار.

وبعد وقت ، رفعت صغيرة رأسها واصبعها تستأذن لكي تتكلم :

"يامعلمتي ".

"ماذا تريدين ؟ " ، قالت وقد أحبت ضفيرتيها.

"أنا لا أرسم السماء".

"وكيف سنعرف أنها سماء ، يا شاطرة ؟ "

"نلونها ، يا معلمتي ".

كانت السماء هناك . في الأعلى . في الشاهق المتبلد ، الذي نام غافلا عن الناس ،

فخمد. والسيدة خمدت .

لا صوت في المكان المهجور الا الصمت. تسمعه السيدة جيدا. يصل الى أذنيها ،

عندما حركت قدميها ، في حصاة صرت تحت النعل ، فهيج قشعريرة بدنها. ثمة

رطوبة . تسح نافذة منها. تمشي نملأ في جلدة رأسها ، فتطرده بأصابعها الوالجة

في شعرها المترمد. تبقى عيناها على حالهما . سادرتين بعيدا لا في هذا المكان الهنا ،-ولا في هذا الوقت الآن .

أين ذهبتا ؟

في مكانهما لم تغادرا. فقط ، غابتا وراء ضباب صامت تراه وحدها. وحدها التي

تعرف ما وراءه ، ما الذي يكون خلفه هناك هناك في عمق مصراعي النافذة العتيقة :

مصراع بزجاج متقذر ، ومصراع بلا زجاج

- تهشم منذ زمن . النافذة تشرع مساحتها على الفراغ الكبير. على هوائه . عل رائحته .

عل صوت لا صوته تنفتح النافذة على مداها الضيق ، الضيق .

لكنها مشرعة .

والسيدة ترى . ترى الحائط المرتفع . ترى آثار الأقدام الصغيرة التي هرولت

باتجاه البوابة الخضراء - التي كانت خضراء. لم تتساءل لماذا يزرق الأخضر

عندما تلعقه الشمس . يصير اللون لونا ليس هو !.. انما البوابة ظلت هي البوابة .

تتسع لكل الأقدام الصغيرة ، المهرولة ، الملهوفة للخروج بعيدا عن هذا المكان

المسور بحائط مرتفع وسيدة تصر حصاة تحت قدميها فيكون صوت .

يصير للصمت صوت !

تسقط السماء ظلا ، فيتحرك المكان .

يقفز الظل هناك . هنا. يقف لثانية على جذع الشجرة الوحيدة . الشجرة الناهضة

من تربة وغبار ، بذراعين اثنين ، وبلا أوراق : ذبلت ، إصفرت ، وهوت . مشت على الأرض لأحقة بخطى الصغار. فالبوابة تتسع للأوراق .. أيضا. ذهبت ولم تعد.

أين صارت الأوراق ؟.

***

اللوح أخضر ، والأوراق بين الأصابع الصغيرة بيضاء.

ترمش السيدة بسبب نثار الغبار الداخل اليها من المصراع الفاقد للزجاج .

ترمش. وتبدأ ، بعد أن عطست فدمعت عيناها :

"اكيف الألف ؟ اكتبوها".

تضج الغرفة بصوت الخربشات القصيرة عل الأوراق البيضاء. الهمهمات .

بعض من ضحكات تتفلت من رؤوس منكبة على أقلامها الرصاص . يغر ذلك كله في الهواء. يرتفع فوق الجميع ، ويتغلغل في زوايا المكان .

الهواء ثقيل . الضغط على صدر السيدة ثقيل ، فتتقدم الى النافذة .

لا ورق على الشجرة الوحيدة ليحركه الهواء.

تذوب الضحكات وتتلاشى في الحائط . وتنفتح البوابة لآخر الغبار.

***

كيف نستعيد ما فات ، ونحضره الينا ، إن لم نرسمه بايدينا ؟ : تساءلت السيدة لما خلا المكان .

تلفتت حواليها ، فكان الفراغ الذي تعرفه جيدا. حذقت هناك في عمق مصراعي

النافذة العتيقة. هناك ، حيث مساحة الهواء ، والرائحة ، وآثار الذين كانوا وما عادوا .

عندها ، تثنت ذقنها فور حركة مباغتة. كانت سريعة لا تلحظ ، ثم عادت ملامح

وجهها الى وضعها الأول . أكانت ضحكة ؟ لا أحد يعرف . لكن نظراتها تنتقل الى الصنبور. صدق حدسها : ها هو يستقر على معدنه النحاسى . بتوتره الدائم . بحركة رأسه الدقيق . بجناحيه المرتعشين أبدا.

وعلى مشهد غمس منقاره في البريكة الصغيرة ، نقرة نقرة ، استراحت السيدة الى جواب تلميذتها. فردت أصابع يدها المضمومة باحكام . وأتت بحركة هينة في

الهواء. مرات ومرات . وكانت ، رغم عينيها المسبلتين ، تلون وتلون .

***

رأيت النهار انتهى.
كنت حاضرا عندما دخلت الظلال في أصولها .

وكذلك حين دلفت السيدة مغلقة المصراع الخالي من الزجاج ، ضاغطة لتوقن من إحكامه .

وعندما بدأت السماء ، بسبب من ارتفاع الحائط حول المساحة، بالهبوط لتمكث في غبار الأرض التي أظلمت .

***

في الخارج خرخشة أوراق إثر هبة ريح .
في الداخل خربشة طبشور على لوح أخضر .